حوار على ضوء المباديء والتاريخ

بين الرؤية الوطنية ومدعِّي الموقف الوطني

إصدار جريدة نداء الوطن أوائل عام 2002

الجزء الأول

شبكة البصرة

باقر الصراّف

نحو رؤية موضوعية

لأبجديات الصراع التاريخي

الحلقة الحادية والعشرون

    لا نعتقد أن وطنياً صاحياً وقومياً عربـيــاً مخلصـاً لا يعرف الخلفيات والتفاصيل العاجلة لذلك ، ولا يفقه معناه السياسي الإستراتيجي بالنسبة للغرب ، إلاّ مَنْ لصق الله على قلبه بجفاف بلادة الإحساس الوطني ، وختم الباري على عقله بصمم الوعي الوطني العميق والإدراك القومي العربي والفهم الحضاري الإسلامي ، وطبع على عقله بقلة الفهم العالمي ، على صعيد الصراعات التاريخية الكبرى بين الأمم .

     ((وفي إطـار المواجـهــة الحضــارية بين دولـة الــعــراق التي تنتمي للوطن العربــي ولمناطق العالم الجنوبي ، وبين  دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، التي جيشَـت التحالف الغربي ، مالياً وعسكرياً ، وإستخدمت بعض جيوش الأنظمة العربية ، لتنفيذ المهام اللوجيستية والعملية القذرة ، وإرتضى حكام دولها تسييرها في الأذيال الأمريكية ، وعلى ضوء إستراتيجيتها الكونية ، ورسموا صورة عسكرية كاريتورية مضحكة ، لوضعها بارزة على الواجهة الكريهة لقيادة الجيوش الغربية المشتركة بقيادة اليانكي الأمريكي الفعلية ، وعلى واجهة جيوش الثلاثين دولـة التي إشتركت في الحرب الأمريكية العدوانية على العراق ، لنجل وزير ((الدفاع)) العسكري و((قائد)) الطيران السعودي سلطان بن عبد العزيز... رسـموها لخالد وهي مُزينة بالنياشـين الكثيرة التي ((حصل))  على أوسـمتها ، كما يبدو ، جراء خوضـه {! ؟} وخوض قيادته ((العملية)) للحروب السـابقة {!! ؟} ، لتضليل العُربان ، ولكي يشعروهم بالرضا ، وفقاً لمقولات بريجينسكي في كتابه الشهير ((بين عصرين)) ، أو لضرورات الدعاية المسموعة أو المقروءة أو الإعلام/الدعاية التلفزيونية .

    ولقد فتـحـت أنـظـمـة شــيوخ وســلاطين وأمراء وملوك منطقة الخليج العربي خزائنها المالية مُرغمةً عن أنوفها قسراً ، أو متبرعة طائعة {!!؟}، مثلما يدَّعي السيد جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي في مذكراته ، وأعلنه للقاصي والداني باحث غربي ، مع شرطها الوحيد الذي ذكره الكاتب الكندي جين أدوارد سميث {بالصفقة السرِّية} ، ((وفي النهاية أخذ فهد ضمانة من شيني بأن صدام ((لن ينهض مرة أخرى : إقرأ العراق وهو الهدف الحقيقي للعدوان الأمريكي)) إذا وصلت الأمور الى الحرب ، فقد كان فهد يعرف إن عراقاً جريحاً وساخطاً سيكون أسوأ الحلول الممكنة ، فطالب بتعهد أمريكي بحرب شاملة وحصل عليها)) . [45] . مثلما دفعت بعض الدول الأوربية والأسيوية جزءاً من نفقات الحملة العسكرية المالية مجبرة ، رغم إدراكها المبني على دراسات علمية أنَّ مصالحها الإستراتيجية في إنتاج نفطي حُر وغير مُتحكم به أمريكياً ، ستتضرر مستقبلاً ، كالدولة الألمانية ودولة اليابان ، مثلاً ، من جهة أخرى ...

    وفي إطار ذلك شـنَّ التحالف الغربي ودوله المختلفة : إلاّ على الـعــرب المســلمين بالمـعـنى التاريخي والحضاري ، وليس الديني ، بقيادة دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، الحرب الصليبية ـ الصهيونية الإجرامية العدوانية الظالمة والمديدة ، ضد الدولة العراقية المدافعة عن الحق الوطني العراقي في السيادة والإستقلال الفعلي منذ بداية العام 1991 ، إنْ لم نذهب أبعد من ذلك التاريخ ، أي منذ اليوم الأول لتوقف الحرب العراقية ـ الإيرانية ، بعد حسمها عسكرياً لصالح العراق . [46] ....

    لم تنفِ دولة الولايات المتحدة الأمريكية أهدافـهـا الإســتراتيجية وتطلعاتها الكلية ، ولم تتستر على وسائلها الدموية المتوحشة الخسيسة ، ولعل العدوان الأخير {ثعلب الصحراء قد خلا كلياً من الذرائع التي إعتادت على تسويقها دعائياً بكلِّ اللغات والموجات ، بما فيها دعايات حقوق الإنسان ، الأمر الذي فجّر غضباً عربياً وعالمياً ـ ما خلا الدول التي شاركتها عدوانها الغادر ـ شعبياً ورسمياً ضد التفرد والهيمنة الأمريكية ، وضد إستهتارها حتى بحلفائها الغربيين وأصدقائها الشرقيين الجُدد .

     وإنَّ حرب الإسـتنزاف اليومي ضد العراق الذي طال أمده أكثر من عشـر سـنوات ، هو مجرد مثال مُضاف الى سجِّل الإجرام الأمريكي ـ البريطاني الآثم ، وحرف آخر في الكتاب العنصري للغرب منذ صعوده الرأسمالي ، إنْ لم يكن قبل ذلك ، أي إبّان مرحلة الحروب الصليبية .

    ومن الطبيعي أن يقف الـبـعـض الأوروبـي والإقـلـيـمـي مع العدوان الغربي على الدولة العراقية ، المستسلم للإرادة الصهيونية وكيانها المغتصب في المنطقة ، السائر دوماً في الركاب الأمريكية مع العدوان على العراق ، ويوغل في إعانة الحضارة الغربية الصليبية الصهيونية ضد الحضارة العربية الإسلامية ، فهم ينطلقون من البحث عن مصالحهم الإستراتيجية على حساب أمتنا العربية ، وأطماعهم الشرهة أو أحقادهم وضغائنهم التاريخية ، أولاً .

    ومن الطبيعي أيضاً أن يقف بـعـض الأنــظــمـة العربية المـرتَّـدة والتقليدية الرجعية مع الجريمة الغربية الهاطلة نيران عاصفتها الحارقة الهاطلة من الجو على ، وضد ، العراق وأبنائه ومختلف تكويناته وعمرانه ، بذرائع شتى ، فقسم منهم هو المتآمر والممول ، والقسم الآخر مسلوب الإرادة الخاصة به ، يسوقه اليانكي الأمريكي كما يسوق الكاوبوي وكلابه قطيع الأبقار والنعاج الى زريبتها ، والقسم الآخر تتملكه الخشية القُطرية من إحتمال بروز دور العراق القومي العربي والإقليمي في المنطقة كلها ، ثانياً  .

    ومن الطبيعي جداً ، وأيضاً ، وهذا هو المشهد الثالث من ردود الأفعال السياسية ، تأييد البعض العراقي ممن يقيمون في الخارج ، وبعضهم لا يدرك البُعد التاريخي للصراع  في المنطقة ، أو الداخل العراقي وخصوصاً في مناطق الحظر الجوي (مباشرةً أو مداورة) للعدوان الأمريكي ـ البريطاني العسـكري ، والتهليل له ولحصاره الجائر ، فقد إعتاد هذا البعض التكسب والإرتزاق في أسواق مَنْ يدفع  ، لذلك نراهم دوماً ، مثلما يرونهم غالبية أبناء الأمة العربية ، وكلُّ المخلصين المتابعين في القارات ... يرونهم يتدافعون بالمناكب بإستخذاء فظيع ، لعرض أنفسهم بضاعة رائجة ورخيصة في تلك الأسواق ، لتقديم الخدمات المطلوبة ، وخصوصاً الدعائية منها كون أغلبها لا يملك غير ذلك ، ويعلنون عن جاهزيتهم حين الطلب ! .

        ـ ألم يتمترس البعض الأوروبي ، الدانمركي والفرنسي ـ على سبيل المثال وليس الحصر ـ مع الموقف النازي والجيش الهتلري إبّان الحرب العالمية الثانية ، يوم إجتاحت ألمانيا أوطانهم ! ؟ .

    ـ ألم يقف البعض الإقليمي ضد أخوتهم من دول الـجـوار ومن الطوائف الدينية ، عندما داهمتهم القوى الغربية في مفتتح القرن الماضي وخلاله ! ؟ .

    ـ ألم ينخرط البعض اللبناني مع القوات الصهيونية التي دنَسَّــت أراضـي الوطـن اللبناني في العام 1982 ، وإحتلت ثاني عاصمة عربية ، بيروت ، بعد القدس الفلسطينية التي ماتزال أسيرة في ربقة الإحتلال الصهيوني ـ رغم كل صفقات السلاح والتحالف مع الغرب ـ وشاركوا بفعالية في ((أعراس)) مجزرة صبرا وشاتيلا الصفيقة ، تحت إشراف السفاح أرئيل شارون ! ؟ .

  ـ ألم يقف البعض الفلســطيني مع الغزو والإستيطان الصهيوني لفلسطين العربية ، والمساهمة في جرائم الغزاة والقيام بتأسيس ، وكذلك الإنخراط بفعاليات روابط القرى ، والمشـاركة بالعمليات التآمرية الدنيئة ضد كل الوطنيين الفلسطينيين ، ومن مختلَف الإنتماءات التنظيمية والسياسية .

   ـ ألم يقف البعض العراقي مع الإحتلال الغربي البريطاني للعراق عام 1917 ، [47] .

   ـ ألم يقف البعض العراقـي مع الغزو العسـكري البريطاني للعراق عام 1941 . [48] ! ؟ .

    ـ  فما الضير ، إذاً ، أن يـظـهـر اليوم رغاليون وعلقميون جُدد على ســاحة الممارســة السياسية العراقية ، مثل علَّق يمتصُّ الدماء على حساب أرواح أبناء شعبنا من الشهداء ، وينفخون كروشهم جرّاء المتاجرة ببأساء جوعى الوطن العراقي ، ويتلذذون بملء بطونهم وأفواههم  وصدورهم في الوقت الذي يتلوى ملايين المرضى بآلامهم ، ويرفلون بمزايا ، مثلما يتمتعون : بفرح رحلات الخيانة ، وإكتناز الثروات الناجمة عن السحت الحرام ، ويهرولون نحو سفرات حضور المؤتمرات التي تعّدها أمريكا وتحدد برامجها ، وأوسمة الخيانة الوطنية والقومية والحضارية العربية الإسلامية تعلوا صدورهم ، ناهيك عن تلبية دعوات ((الحج)) الى مكة التي تأتي بإسم الفاسق الناهب فهد .

   من حقِّ البعض أن لا يرى الصـورة الكلية للوحة الصراع الوطني والـقــومي والحضاري المحتدِّم أواره في عالم اليوم ، الذي تسود فيه الهيمنة القطبية الواحدة الفردية المتوحشة ، عبر نشر الحروب الأهلية والقصف وإستخدام اليورانيوم المنضب ، وشأنه الفكري والسياسي الخاص ، عندما يصرف نظره ،  ويوفر جهده ، عن تجريد الحقائق الأساسية عن آلاف التفاصيل التي تمتليء بها تلك اللوحة ، وله العديد من المبررات الذاتية ، إبتداءً من كسل الدراسة وإعتياد تلقي الأوامر ، وإنتهاءً بالمحفوظات المدروخة على الغيب التى نشـأ معها ، وتربى عليها ، ويبدلها كما يبدل حذائه يومياً أو مرحلياً ، ومروراً بالإرتباط التنظمي/البقري ، كي يتوانى عن عدم متابعة حركة ومفردات الصراع العنيف وغير العنيف (أي السياسي) التي سـادت وإنتظمت أحداث ومعارك ووقائع تاريخ الأمة العربية الحديث والمعاصر ، من جهة ، وبين الغزو الإستعماري والحركة الإمبريالية لدول الغرب منذ القرن الثامن عشر وللآن ، إنْ لم نقلْ منذ الحروب الصليبية الأولى ، التي إستخدمت أوربا الذرائع الدينية لأخذ الثأر للسيد المسيح (ع) من أهله : أبناء المنطقة العربية .

    من حقّ هذا البعض أيضاً ، أن يغفل تاريخ العراق المعاصــر منذ الإحتلال البريطاني عام 1917 ، وينسى أو يتناسى الجرائم الخسيسة المُرتكبة من قِبَل جيشه وساسته ، ومن قِبَل أنصارهم بحق شعبنا ، فلقد تجاهل البعض قبْلهُمُ ذلك خلال العقود السابقة ، وإعتبروا ـ على سبيل المثال وليس للحصر والمتابعة ـ الإمبريالية البريطانية حليفة العرب المخلصة ، ولبلدنا العراقي منقذة من واقعه المتخلف الآسن ، ومحررة له من الإستعمار التركي/العثماني ، كما تجلى بغيضاً وتسلطياً في سنواته الأخيرة ، من دون التفكير بمشروعها السياسي الخاص في المنطقة العربية كلها ، والمشرقية منها على وجه الخصوص ، ومن دون أخذ تاريخها الإستغلالي في العالم كله ، ومن دون رؤية السياسة الغربية العدوانية ضد الشعوب في العالم كله ، ولقد دفع شعبنا العربي الثمنَ الباهضَ لعدم تبصر هذا البعض ، في مختلف بقاعـه الوطنية ، وما يزال .

    وزعموا أيضاً أن الجيش البريطاني التي دنّس الأرض العراقية ، وطياريهم المجرمين الذين قصفوا المواقع العسكرية في معسكر ((سن الذبان)) وقتلوا الضباط والجنود هناك ، قد غزا العراق محرراً له ، ولشعبه الباسل ـ الذي قاوم بريطانيا بالظفر والناب واللحم الحي والإرادة الوطنية والقومية ، في تعبيرٍ حُـرٍ وواعٍ عن إرادته الوطنية الجبّارة ـ  منقذة ، وذلك في أعقاب قدومه من معسكرات جنوب أفريقيا ، وقواته في الهند وتسلُطه على الأردن ، حيث أنشأ قواعده العسكرية ونشر قواته ووزع أسلحته المتقدمة ... قدومه العسكري للعراق في بدايات الحرب العالمية الثانية ، للقضاء على إنتفاضته الوطنية القومية التحررية في العام 1941 ، وبالتالي فإنَّ من حق هذا الإستعمارالبغيض أن يقمع نضالات شعبنا الوطنية ضد المحتلين الأجانب وأتباعهم ، كما جاء في زعمهم وتخرصاتهم ، بله تجاوزوا حتى على إداعاءاتهم الأيديولوجية عندما دعوا أنصارهم وأعضاءهم لمطاردة ((عملاء النازية الألمانية)) وتصفيتهم مادياً ومعنوياً ، بعد أن ناصروهم في سنوات صعودهم ...

   كلُّ ذلك من حقه أنْ  يفكر به ، وأن يبديه علناً ، وأنْ يروج له بدعايته السياسية ، ومخاتلاته اليومية ، ولكن من حق الآخرين نقده وكشف أهدافه ،  وليس من حقه أيضاً وأبدا ، أو ليس من حق أنصاره وأتباعه إطلاقاً ، إلزام الآخرين بوجهة نظره الفكرية والسياسية ، أو وجهة نظرهم الفكرية والسياسية .

ــــــــــــ

التوضيحات والهوامش

[45] ـ راجع كتاب ((حرب جورج بوش)) للأستاذ جين أدوارد سـميث العامل في جامعة كندا ، ترجمة محمود برهوم و نقولا ناصر ، إصدار دار الفكر للنشر والتوزيع ، عمّان/الأردن ، الطبعة الأولى عام 1992 ميلادية ، 1413 هجرية ، ص 113 .

   [46] ـ يقول شوارتزكوف عن ذلك بما يلي ((أُعلِنَ تعيني في في أواخر يوليو (تموز) 1988 فسجَّلتُ نفسي في خريف ذلك العام في دورة مكثفة عن الشرق الأوسط في معهد الخدمة الخارجية في أرلنجتون بولاية فرجينيا ، وهو المكان الذي ترسل إليه وزارة الخارجية ديلوماسييها قبل أَنْ تعهد إليهم العمل في الخارج)) ، راجع كتاب : الأمر لا يحتاج إلى بطل ، مذكرات شوارتزكوف ، وثائق وأسرار خطيرة ، ترجمة : د . نور الدين صدوق ، و د . غلاب الجابري ، إصدار دار الكتاب العربي ، دمشق ـ القاهرة ، الطبعة الثالثة  1999 ، ص 271  .

    ويقول السيد الدكتور خير الدين حسيب رئيس مركز دراسات الوحدة العربية  ببيروت : ((الذين قرأوا منكم مذكرات شوارتزكوف ، القسم الثاني ، الذي يتكلم فيه عن حرب الخليج فإنه في الخمسين صفحة الأولى ، يقول ما خلاصته : إنه عُهد إليه سنة 1988 مسؤولية قيادة القوة المركزية للتدخل السريع ، وطُلِبَ منه أَنْ بتقييم الأخطار التي تهدد الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ، ووضعتْ تحت تصرفه مصادر المعلومات في وكالة المخابرات المركزية (CIA)  والبنتاغون والأمن القومي ، وتوصل في آخر عام 1989 إلى ما يلي : إنَّ الخطر الأساسي والوحيد على الولايات المتحدة في الشـرق الأوسط هو العراق .)) ، راجع كتاب العلاقات العربية ـ التركية : حوار مسـتقبلي ، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمَّها مركز دراسات الوحدة العربية ، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت/لبنان ، الطبعة الأولى كانون الثاني (يناير) سنة 1995  ص 371 .  

   [47] ـ راجع كتاب الدكتور عبد الجليل الطاهر الذي ضـمَّ النص الكامل لتقرير الإسـتخبارات البريطانية عن العشـائر والسياسة ومواقفها قبيل ثورة العشرين التحررية الإستقلالية ، والذي كُتِبَت مقدمتُه في 25 تشرين الأول 1958 ، وأعادت إنتشاره ((إنتشارات الشريف الرضي)) في طهران ، وهو المصدر المُعتَمَد لدينا ، عام 1413 الهجري .

   [48] ـ راجع كتاب الأستاذ حنا بطاطو ، العراق /الجزء الثاني  : الحزب الشيوعي العراقي ، مصدر سبق ذكره ، ص 183  .

 

من حق الجميع التعبير عن وجهة نظره

ولكن لا بد من الجدية والصدق والأخلاق والمنطق العلمي

الحلقة الثانية والعشرون

    فللآخرين من الوطنيين العراقيين ، حقُّ التفكير الحُر والرؤية الفكرية المشتركة والخط السياسي الواضح والممارسة العلنية الخاصة بهم ، بالتعبير عنها والترويج لها ، وفق المعايير التي يرونها مناسبة للمرحلة التي يمر بها وطننا العراقي ، والأهداف الإستراتيجية لهذا الجزء من أمتنا العربية ، وتتسق مع القيم الوطنية العراقية ، وتنسـجم مع المنطق العلمي التاريخي والجوهري لدروس التطورات السياسية ، واللياقة الصادقة المُدققة والموثقة في عرض وجهة نظرهم السياسية ، والتمسـك بروحية الأدب وأهداب الحقيقة في الحوار الفكري والنقاش الهادف والبَنّاء ، بغية خدمـة الوطن وفي سبيل إضطراد تطوره ومواصلة تقدمه على الصعُد كافة وشتّى نواحيه .

   إن مفردات الصراع : العالمية والإقليمية والعربية ، وإنعكاساتها على بلدنا العراق ، ودولته المعاصرة التي نشأت في السنوات العشرين من القرن الماضي ، أوسع بكثير على مستوى المفردات التكوينية ، وأعمـق إنتشاراً ونطاقاً من الحدود الجغرافية للوطن ، وأبعد شأواً ومدىً ـ كما نرى ونعتقد ـ من إقصار النظرة على التناقض الأساسي بين فرد حاكم أو سلطة في نظام ، أو حتى نظام ، كلي الجبروت مع ((كل)) الشعب العراقي والعرب والعالم ، فتلك الرؤية الفكرية والسياسية التي تختزل كل التطورات المحلية والعربية والعالمية بذلك الفرد أو السلطة ، أو حتى ذلك النظام ، تنبع من فكرة ((تسـلطية)) أصابها المرض العضال ، لا يستطيع المُصاب من حامليها الفكاك منها ، أو التخلص النهائي من مؤثراتها ، وبالتالي التخلي الكلـي عنها .

     وإلتزام المنهج العلمي في العمل السـياســي الذي يقول بضرورة تحليل الوضع الملموس للموقف الكلي {العالمي} الملموس ، كما نعتقد ؛ وستسوقه هذه الفكرة التسلطية ـ كما نرتئي ـ إلى الإقدام على إرتكاب أخطاء تكتيكية قاتلة ، طائعا مختاراً أو مجبراً ومفروضاً عليه ، ناهيك عن إساءَتها للمفاهيم الوطنية العراقية ، ولمفاهيم الوطن والشعب وحتى لمفهوم الدولة الوطنية في العالم الثالث كمجموع ، كما حددتها الكتب العلمية في السياسة والقواميس الفكرية وأكدتها التجربة العملية اليومية والتاريخية منذ مؤتمر باندونغ ، إنْ لم يكن أبعد من ذلك .

    إنَّ الأزمــة العميقـة في مجـال الحرية الســياســـية والديموقراطية في الـحـيـاة المـعُـاشــة ، والمعضلات التي تواكبها ، والتي تنشـأ عنها يومياً ، لا تقتصر على العراق وحده ، ولا في الأقطار العربية حصراً ، وإنما هي مظهر سياسي وطفح مُشين يتجلى يومياً :

   جوعاً وقمعاً وإضطهاداً وإعتقالآً وصدور الأحكام بالسجن لمدد مختلفة ، مؤبدة أوطويلة أو قصيرة ، وإغتيالات متنوعة للناشطين السياسين ، والعاملين في الشأن الوطني العام ، وسلسلة إعدامات لأتفه الأسباب ـ أو لأصعبها لا فرق في ذلك ـ في مختلف بلدان العالم وفي دوله القائمة ، ما خلا اليابان وبعض البلدان الأوربية الغربية الشمالية وكندا وإستراليا والولايات المتحدة الأميريكية . . .  هذه الدول اللواتي كشفت عن سقف ديموقراطيتها برفض إستضافة زعيم الشعب الكردي المناضل السيد عبد الله أوجلان ، ترضيةً لأمريكا حليفة الدولة التركية التي تسوم كل الأقليات القومية سوء المطاردة والتعذيب والسجون ، من الأرمن والعرب وليس الأكراد فقط ، والمساهمة الفعلية أيضاً ، المباشرة أو غير المباشرة ، بإختطافه من أوروبا الى تركيا وسجنه هناك وتقديمه للمحاكمة ، بالرغم من حضور منظمات حقوق الإنسان العالمي في إعلامها اليومي على الأقل ، من ناحية ! .

    وإنّ ردم الهُوَّة بينَ الواقع السـياسـي الصعب والمؤلِـم ، من جـهة ، والتصور الطامح للعدالة والحرية ، والتفكير المتطلع للتعددية وحكم القانون والحياة الديموقراطية السـياسـية ، من جهة أخرى ، ينبغي ـ من وجهة نظرنا ـ أنْ يكون عبر الحوار السياسي والنضال الفكري والدعوة لممارسته والكفاح السلمي العملي ، ومهما طال أمده لأنه يتعلق ببرنامج وطني ، ولأنه يرتبط بمرحلة تشتد فيها وتائر التآمر الخارجي عبر الحرب الشاملة ، من أجل حياة سياسية حرّة قوامها الإستكمال وليس الإستبدال في مضمون الحكم وآفاقه ، والإثراء في التجربة الوطنية وليس الثراء المالي والمنفعة الشخصية على حساب الوطن ، والإغناء في العمل الوطني المشـترك ، ومن أجل الشـعب ومساره الوطني في التحديث والتطوير ، وليس الإستغناء عن أية طاقة وطنية شعبية وعبر الإنفراد بالسلطة الحاكمة والمقرِّرة في كل الأمور ، من ناحية أخرى .

    ولاندري بالضبط ما هو النص السياسـي ، أو الموقف السياسي ، الذي إعتبره الكاتب السيد الكاتب ، ومَنْ يقف خلفه أو مَنْ يشاركه الحملة الفكرية والسياسية على جريدة ((نداء الوطن)) ، تشبهاً بالنظام والدفاع عنه ، والملكي أكثر من صاحب الجلالة ! ؟ .

    ولكن نودُّ الإشارة هنا ، ومن أجل كشـف مـنطـق الإفتراء وعـقـلــيــة الدعـايــة تفنيـد إدعاءاته ، إلى إستعراض بعض ما ورد من أفكار وتحليلات سـياسـية واكبت اللحظة تلك ، في ذلك العدد ((الأنيق)) ، خصوصاً الذي إستشهد به السيد الكاتب المقيم في جنيف ، وبالتالي طرح بعض ما جاء في إفتتاحيته ـ والإستشهاد بغير ما ورد إفتتاحيتها كذلك ـ أمام عيون القرّاء الأفاضل :

    ((لقد كشفت الأزمة ـ أي أزمة تشرين الثاني عام 1998 ، التي عُرفت بأزمة التفتيش ، وقام على إثرها ، وعلى خلاف إرادة مجلس الأمن ، رئيس اللجنة ريتشارد باتلر ، بتصعيد الموقف السياسي وتأزيمه تمهيداً لحرب ثعلب الصحراء العدوانية ـ الموقف الحقيقي للأنظمة العربية ، بعد أن تمكنت لبعض الوقت من تسويق أكاذيبها تحت تمويهات دموع التماسيح وكمشة تبرعات بالأدوية الفاسدة في الغالب ، وفضحت مخاتلاتها التي حبكتها بالظلام ، حيث خيوط النظام الأمريكي تحركها حيث شاءت ... مثلما كشفت بشكل عملي حجم المخطط الأمريكي/الصهيوني لتجزئة العراق وتفتيت مجتمعه.

    إنَّ النظام النظام العراقي مدعو لتقويم الموقف السـياسي الملموس بحسٍ وطني مسؤول ، وبكل العمق المطلوب ، لإستخلاص الدروس الفعلية لهذه الأزمة ، وإنتهاج طريق يعتمد على الذات دون أي أوهام ، ويستند الى صنّاع الصمود الحقيقيين ، أبناء الوطن العراقي حيثما يبدعـون في الإعمار ، وينتجون في المصانع ، ويزرعون في الأرض ، ويقفون على أُهبة الإستعداد للدفاع ببسالة عن الوطن....

    إنَّ إنـفتاحاً ديموقراطياً ، ومكاشـفـة الشــعب بالحقائـق ، وإعـطـاء حَـيـز ملموس لمنظمات المجتمع المدني لتلعب دورها في التوعية والتحريض وبناء الموقف السياسي ، والإقلاع عن المشاريع المظهرية ، ورسم سياسة برنامجية طويلة النفس ، يمكنها تجويد إسـتخدام طاقات شعبنا ووطننا الكامنة وتحفيزها ، ورسم علاقات نضالية عبر التضامن الفعلي ، وإيجاد علاقة مميزة معهم أسـاسـها الحوار عبر أحزابهم ومنظماتهم ، وتشجيع التبرعات المادية والدوائية... نقول : إنَّ كلَ ذلك سيعطي حالة الصمود الوطني دفعة قوية ، بله هائلة القوَّة ، وسينقلها إلى مستوى جديد .

    كما أن كـلَّ ذلـك أصـبح إســتحقاقاً وطنياً لا يـقبل التأجيل والمناورة ، لأنه الخيار الأشد ضرورة لمجابهة الأخطار ، ومقاومتها بأسلحة الشعب الجبّارة والمجَّرَبة..... إلخ .

    وفي إفتتاحية ذلك العدد ، وفي أعقاب لحظها تحليلياً ، مختلف التطورات العالمية والإقليمية والعربية ، التي لها علاقة بالموضوع العراقي لجهة التأثير على حركته السياسية تجاه العدوان الخارجي ، والأثمان الباهظة التي يدفعها الشعب العراقي من حياته وحياة أجياله ، تتساءل الصحيفة : ((مقابل حركة الأعداء الدؤوبة هذه ، ماذا أعَّدَ العراق للمقاومة ؟ وما هي خياراته ! ؟ .

    لـقـد نجح الـعـراق فـي تـفــادي ضــربة نوفمبر/تشــرين الثانى 1998 ، وقــد تــمَّ ذلـك بالتراجع في آخر لحظة ، عندما فتح القصور الرئاسية للتفتيش ، ولكن هل سيمْكُنه تفادي العدوان القادِم ! ؟.

    تجيب الإفتتاحية على تلك التساؤلات بالإستنتاجات التالية التي تستند الى الرؤية الفكرية والسياسية التي نوهنا عنها سالفاً :

((ليس أمام العراق سـوى الإعتماد على قُـدرات شــعبه ، أولاً ، وعلى دعم الجماهير والقوى الحيّة في الوطن العربي والعالم ، ثانياً ، إضافة الى أنَّ هامش المناورة الدبلوماسية ، وفي إطار الدول الكبرى سيظَّل مهماً ، ولكن إذا ذهـب الأعداء في مخططهم فإنّ المواجهـة العسـكرية لا بدَّ منها ، وهي واقعة لا محالة)) . [49] .

    وتضيف الإفتتاحية في بحثها لتوفير مسـتلزمات المقاومة ، وتسـجيل رؤيتها السياسية لما جري في العراق والعالم ، وعمَّا يجري فيهما ، ومسؤولية الأطراف الوطنية في إطار تلك المواجهة المتوقعة :

    ((لذلك فإنَّ أولى الأوليات في الـعـراق الـيـوم هــي تـقــويــة وتـعـزيـز الصمود والمقاومة ، وهذا لن يتّم بشكل حاسم إلا عبر قيام السلطة بفتح أبواب الحوار البنَّاء مع كلِّ الوطنيين في الداخل والخارج ، لوضع برنامج وطني ديموقراطي يقوم على التعددية الحزبية وإلغاء حالة التفرد ، وإطلاق الحريات للشعب ولقواه الوطنية ، فالإنفتاح الديموقراطي والحوار الوطني الجّاد والمسؤول ، والتوظيف الأمثل للإمكانات المتاحة ، وتعميق التضامنات الوطنية ، والقضاء على مظاهر الترهل والفساد ، وضرب المظاهر السلبية ، وقطع دابر التجاوزات العشوائية اللامسؤولة على الناس ، عبر تعزيز سيادة القانون ، والمشاركة الجماهيرية ، وإطلاق المبادرات الشعبية الواعية ... هي طريق التعبئة الوطنية العامة ، والوحدة الوطنية الصُلبة ، القادرة على مقاومة الهجوم الشرِّس لأعداء العراق ، الذين تجمعوا من كلِّ حدب وصوب ، وكل ذلك ليس عسيراً ولا يحتاج الى مقدمات ، ففي الأفق يلوح زمن أمراء الطوائف والحروب الأهلية العمودية ، وليس أمام شعبنا ، شعب ثورة العشرين الوطنية التحررية ، شعب إنتفاضة مايس الوطنية القومية عام 1941 ، شعب ثورة 14 تموز الوطنية القومية الجبّارة ، سوى خيار المقاومة والتغيير)) .

    فهل يعد كل ذلك تشبّهاً بالنظام ؟ .

    نأمـل الإجابة من القُرّاء والمتابعين الوطنيين العراقيين والقوميين العرب المخلصين والملتزمين بأبعاد الرؤية الحضارية الإسلامية ، الذين من أجلهم ولأجلهم فقط ، سطّرنا ما تقدّم ، فهم موضع عنايتنا وأمل عملنا ، ورجاء صدقنا وحافز روح مبدئيتنا الوطنية ، المضمرة والمُعلنة في آن واحد .

     في حمأة ذهوله من تجربة اليابان في التطوير والتحديث ، إستفسر الإمام يحيى ، إمام اليمن الأسبق ، عن الأسباب الكامنة وراء النهوض الياباني الكبير ، فقيل له رداً على تساؤله : ((لقد شنَّت اليابان الحرب على أمريكا ، وردّت الأخيرة بحرب أوسـع مدى على اليابان ، فتحطمت كلياً على يد الأمريكيين في الحرب العالمية الثانية ، وتمَّ بناءَها مجدداً ، فكان النهوض والتطور الذي تراه ، ففكر بإستدعاء الأمريكيين لتحطيم بلاده وبنائِها مجدداً ، وذلك تأسياً بالتجربة اليابانية الناجحة على صعيد البناء والتطوير)) !! .

     فهل ، يا تُرى ، تعلَّمَت غالبية ((المعارضة العراقية)) من ((الجهبذ)) : إمـام الـيـمـن ، هـــذا الإستخلاص الرائع ، فأيدت ، أو ساعدت ، أو عملت  على إستدعاء الأمريكيين لوأد نهضة العراق ، وتدمير الوطن ، بغية بنائه من جديد على أيديهم ، وذلك كما هو شأن قدوتهم ((قــادة كردستان)) العراق ! ؟ .

ــــــــــ

الملاحظات والهوامش

[49] ـ إفتتاحية جريدة ((نداء الوطن)) : منبر الرؤية الوطنية ـ صوت التيار الوطني ، العدد التجريبي ((صفر)) ، السنة الأولى ، الصادر في أيلول/سبتمر 1998 . والعدد الأول منها والصادر في تاريخ كانون الأول/ديسمبر 1998 .

6 / 9 / 1999

شبكة البصرة

السبت 19 ربيع الثاني 1426 / 28 آيار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس