حوار على ضوء المباديء والتاريخ

بين الرؤية الوطنية ومدعِّي الموقف الوطني

إصدار جريدة نداء الوطن أوائل عام 2002

الجزء الأول

شبكة البصرة

باقر الصراّف

ركام الدعاية السياسية

والحقائق المحسوسة والمُعلنة

الحلقة الثانية

    لم ننخدع للحظة واحدة ، بركام الحملات الإعلامية والدعائية والدعاوية ضد الدولة العراقية ، تحت ركام ستار التضليل الكثيف الذي وجهته الوسائل الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية من الدعاية القائلة : بأن تلك الحرب الإجرامية قد جرى شنَّها ضد شـخص الرئيس العراقي ، بعد تشبيهه بالقائد الألماني أدولف هتلر ، والدخول العراقي للكويت في 2/8/1990 بالإحتلال العسكري الألماني لبولونيا ، وضرورة عدم إختيار طريق المساومة لإسترضائه بغية الإحتفاظ ((بغنيمته)) سالماً ، وهي المعزوفة الدائمة التي يكررها الغرب عندما ينوي لتنفيذ مآربه وتسويق أفعاله .

    لقد أسـهمتْ في نشــر هـذه الدعايــة الغربيـة بذرائـع شـتّى ، ومفـردات متنوعـة ، وصِيــغ متعددة ، وبإستخدام أموال نفطية غزيرة ، وبثتها واسعاً ، مفردات سياسية ((قومية عربية)) وقُطرية ، وقوى ومنظمات وأحزاب وجهات ، سياسية ومهنية ونقابية ودينية ، تنشَّطت  حماستها فجأة ، وتوسع فعلها الدوائر العراقية في الخارج ، والعربية ، والعالمية ، وكان أبطالها ينتسـبون للجغرافية العراقية ، ولجغرافية الوطن العربي ، وتزْعم أنها تنتمي للرؤية الوطنية العراقية الملموسة ، تحت حجج الإنطواء تحت لواء الدفاع عن حقوق الإنسـان ، وتدعي الإنضواء تحت لواء القومية العربية إنطلاقاً من ((الأمة الكويتية المنكوبة)) ، أو تعمل في سبيل الحضارة الإسلامية : متناسية المثال الذي زرعه الرسول محمد (ص) منذ حرب تهجيره إلى المدينة ، وسنوات المِحَل في مكة الذي يعيش فيها الذين أخرجوه من بلده ، بعد تمكن أنصار الشرك منها ، لقد دعا (ص) إلى رفد ومساعدة المشركين هناك بالطعام ، ناهيك عن الحروب الدينية الغربية ضد الحضارة العربية الإسلامية .

     لقد أصدروا فتاويهم ضد العراق لمقاتلته تحت الرايـة الأمريكية الصليبية/الصهيونية ، في معركة ((كودها)) السري ((المجدُ للعذراء)) فضلاً عن شتائمها المصورة بحق المقدسات الدينية كلها ، والإسلامية على وجه الخصوص ، إذ يذكر الصحفي اللامع محمد حسنين هيكل : ((ففي أثناء الأزمة مثلاً ظهرت على شـاشـات التليفزيون في أكثر من بلد عربي وإسـلامي صـور على  شبكة C. N. N.    توسطت إطارها طائرة تحمل الصواريخ ، وقد كتب عليها الجنود الأمريكيون رسائل بالطباشير الأبيض موجهة إلى أهدافها تقول للعراقيين : ((نادوا على ((الله))... فإذا لم يَستجب لكم...نادوا على المسيح)) ، كما ظهر على عدد آخر من الصواريخ رسائل أخرى بالطباشير تقول : ((نادوا على )) اللـه.... فإذا لم يسـتجب لكم فنادوا على شـوارتزكوف)) ، [1] .

    أو تصُور نفسها، أنها حاملة الفكـر اليساري الأممي والتقدمية على ضوء مفاهيم المادية التاريخية ، بإعتبارها أحد الأركان الأساسية في الفلسفة الماركسية اللينينية تؤكد على : ((أنَّ صدام حسين يواصل الإصرار على عدم الإنسحاب من الكويت وعلى إستمرار الحرب وتوسيعها بجر إسرائيل إليها ، ويقدم اليوم على أعمال إنتحارية ويائسة وإجراءات لدفع قوات التحالف لضرب الجوامع والمدارس والدور السكنية ، ويهدد بإستخدام الأسلحة الكيمياوية والجرثومية وغيرها ، مما يعَـرِّض البلاد والمنطقة كلها إلى الدمار الشامل)) ، في تورية واضحة ومكشوفة على الدور الإمبريالي العالمي لإمريكا في مرحلة نظام قطبتها الجديد ، والتغطية على المعاني العميقة لذلك القصف الأمريكي الهمجي الذي يصل إلى سياسة الإبادة الشاملة ، من جهة ، وتـتـفـيـه عملية القصف العراقي لكيان الإغتصاب الصهيوني ، بإعتباره الإشارة الملموسة لدور الكيان في هذه الحرب العدوانية الظالمة ، وكذلك كونها الوسيلة الأساسية لضرب مفاصل نظرية الأمن الصهيونية التي يتذرع بها الكيان لشــن عدوانه المتواصـل على العرب في شـتّى مواقعهم التي يُزعَـم تهديد هذا الكيان ، من جهة أخرى .

    ولا شك إنَّ مناشدة البيان ((للقوى السليمة والمتورطة)) في السلطة ، لـ((الإلتفاف حول قوى المعارضة)) وإلتقاء نضالها مع ((نضال القوي الخيرة في العالم)) ، من جهة ثالثة ، يكشف الفهم الحقيقي لمعنى هذه الحرب التدميرية التي طالت كلَ شيء في الدولة العراقية ، من منجز حضاري وعمراني ومرافق حيوية تمسُ حياةَ كلُ العراقيين : من الكهرباء وحتى المستشفيات . . . من المباني وحتى الطرق والجسـور ، أما الإنسان العراقي فيتكلم عنه القصف المتواصل من البحر والجو ، والجريمة المُرتكبة بحق أطفال ونساء ملجأَ العامرية ، وطريق الموت وإبادة مئات السيارات المدنية والعسكري براكبيها ، ومنع الغذاء والدواء عن المجتمع العراقي الذي أدى إلى إستشهاد قرابة المليون فرد ، كما إنَّ تقرير المعوث الأممي : السيد صدر الدين أغا خان يشهد على الطبيعة ((الإنسانية لهذه القوى الخيرة)) التي إنضوت بجيوشها الثلاثين تحت قيادة شوارتزكوف الأمريكية ، راسمة حدود الحرب وفق مصالحا الإسـتراتيجية ، وفي خدمـة أهداف كيان الإغتصاب الصهيوني ، كما يقول عن ذلك الرئيس الأمريكي : جورج بوش بالنص . [2] . 

    لقد أسهمنا في مناوءة العدوان الأمريكي الصهيوني على الدولة العراقية بالقدر الذي نستطيع ونتمكن ، على ضوء تلك الرؤية الوطنية العراقية الملموسة ، بالوقوف العملي والفكري الى جانب قضية شـعبنا العراقي الوطنية بالمواقف السياسية ، والمظاهرات الشعبية في بعض الدول إلى جانب أشقائنا العراقيين وإخوتنا العرب وأصدقائنا الأجانب ، والتحريض الفكري والعمل التعبوي ، وعبر المشاركة بكتابة المذكرات الوطنية والسياسية التي تطالب برفع الحصـار الجائر الظالم على شعبنا ، أو جمع التواقيع العراقية والعربية والهولندية عليها ، ومناشدة بعض القوى السياسية للوقوف إلى جانب الموقف الوطني والقومي الصحيحين ، بعد أن ضلّت الطريق أو كادت ، وكذلك محاورة بعضها الآخر ممن له وجهة نظر سياسية أخرى ، وفي المتابعة الصحفية حيث ما أمكن ذلك ، سواء في سوريا أو خارجها . [3] . وساهمنا في إصدار البيانات السياسية أيضاً ، وتقديم أشياء أخرْ في إطار مناصرة تلك الرؤية الوطنية العراقية والقومية العربية .

    لم نلوث موقفنا السـياسي الوطني بأي شـكلٍ منافٍ للوطنية العراقية كان ، لا بالممارسـة العملية ، ولا بالكلمة الفكرية والتحريضية على العراق ، لصالح الولايات المتحدة ورؤيتها ومخططها السياسي أساساً على وضع وقائع العدوان وأهدافه  .

    فلم نرحل الى همروجة ((مؤتمر)) بيروت لما يُسمى بقوى المعارضة ، الذي لُمْلِمَتْ أمشاجه على عَجَل ، ودون حياء وطني من القصف والتدمير والتخريب المتعدد الأوجه والأشكال الذي قامت به أمريكا على الدولة العراقية بتاريخ 11 ـ 13 / آذار/ 1991 والتي أعقبت العدوان مباشرةً ، وشارك فيها ، فضلاً عن الحضور له ، كلُ مَنْ هبَّ في عالم السياسـة ، ودبَّ في ميدان الدعاية والتحريض ، والتي موّلها مالياً آل سعود ، وآل الصباح ، وأدارتها عملياً المخابرات السورية ، سواء بالتنقل من سوريا إلى لبنان ، أو من خلال الصرف المالي التي تعطيها للمشاركين طوال فترة إنعقاده . [4] .

    لقد كتبت القيادة القومية لحزب البعث العربي الاِشتراكي في سـورية كتاباً صــدر عنها ، بصـدد ذلك التجمع أو التجميع ، أكدت فيه إنه ((في الفترة الواقعة بين 11 و14 آذار إنعقد مؤتمر المعارضة العراقية في بيروت وشاركت في هذا المؤتمر كافة أقطاب المعارضة وقد شملت المشاركة معظم القوى والفعاليات القومية والوطنية والدينية والإجتماعية والسياسية وأجمع المؤتمر على تشخيص الطبيعة الدموية الإرهابية للنظام الحاكم في العراق وحدد المهام المطلوبة لإسقاط هذا النظام ، ومن أجل دعم إنتفاضة الشعب العراقي عربياً ودولياً ، كما قرر المؤتمر تطوير الأطر التنظيمية للمعارضة العراقية بما لا يستثني أي جهد وطالب بحل القضية الكردية على أساس إتفاق 1970 وإطلاق الحريات الديموقراطية وإجراء إنتخابات حرة لتشكيل مجلس تأسيسي يشرع الدستور الدائم في العراق)) . [5] . ودون أنْ تبدي ، ناهيك عن إصـدار ، موقف وطني واحد ، أو موقف قومي تحرري، تجاه تلك الحرب الأمريكية الإجرامية على الدولة العراقية والأمـة العربية .

     وكان حبذا لو توجهت القيادة القومية بهذه المطالب الديموقراطية ـ التي سـطِّرت أخيراً في ما تقدم ـ للسلطات السورية لتنفيذها على الأرض ، وترك لبنان لممارسة هذا الحق الوطني المشروع لأبناء البلد بدلاً من فرض الوصاية عليه .

ـــــــــ

الهوامش والتوضيحات في هذه الدراسة

 

     [1] ـ راجع محمد حسنين هيكل ، كتاب حرب الخليج : أوهام القوة والنصر ، مركز الأهرام للترجمة والنشر ، القاهرة ، 1412 هـ ـ 1992 ، الطبعة الأولى ، ص 45 .

    [2] ـ من بيان الحزب الشيوعي العراقي الصادر من بغداد ، كما يذكر الحزب في ذيل بيانه ، راجع مجلة الثقافة الجديدة ، العدد 231  ، ص 93 ـ 95 .

    [3] ـ منذ الساعة الأولى للدخول العراقي إلى الكويت ، وكنتُ حينها خارج سكني الخاص ، أي في صبيحة العاشر من محرم ، أدركتُ أَنَّ القضية كلها تكمن في المصالح الغربية ، والنفطية على وجه الخصوص ، ولن يُسمَح أبداً أنْ تكون تلك الثروة الحيوية للصناعة العالمية بيد العرب المستقلين في التخطيط ، من ذوي الإرادة القومية لصالح أُمتهم ؛ ودور العامل الصهيوني الإسرائيلي في العدوان العسكري المحتمل واضح وبين ، لذلك أيدنا الموقف الوطني العراقي في مواجهة الغرب وضد الرؤية الغربية ، وضد الموقف السياسي الأمريكي على وجه التحديد ، وأعلنا موقفنا السياسي الوطني ، وسعينا إلى ضم صوتنا إلى الأصوات الوطنية الأُخـرْ ، وتلقينا جواباً إيجابياً على مناشـداتنا للسـيد أنور شيروان ، الأمين العام المساعد للإتحاد الوطني الكردستاني ، بضرورة إتخاذ موقف وطني عراقي . {الذي تبين على ضوء التجربة العملية أنه كان للإستهلاك فقط}  .

    وحرضّنا الفرع اللبناني في حزب العمل الإشتراكي العربي ، بحكم إلتزامي الحزبي بفكرته التقدمية العربية ، بضرورة الإنسجام مع الفروع الأخرى ، وعدم إدانة ضرب المصالح الغربية بذريعة الدفاع عن آل الصباح وسلطتهم ، ولكنه أوغل بعيداً في موقفه اللا قومي اللا تحرري ، وأصدر البيانات وكتبت كوادره المقالات المدافعة عن السلطة الحالكمة في الكويت التي كانت مخلب القط لإحكام الفخ على الدولة العراقية لتدميرها ، وكان ذلك ناجماً في تقديرنا عن الإنسجام الكلي مع الموقف السياسي السوري ، الأمـر الذي دفعنا إلى السفر إلى لبنان ومناشدة قيادته شخصياً ، وقدمنا البينات والأدلـة العقلية والتحليلية على الإستعدادت الغربية ، السياسية والعسـكرية ، لشن العدوان على الإمة العربية ، والعراق سيكون مجرد البداية ، ولكن محاولاتنا تلك ذهبت أدراج الهواء . . .

    وزرنا بمعية بعض الأصدقاء : السيد عبد الجبار الكبيسي و . . .  . . . .  . . . . . . .  الشخصيات القومية في سوريا ولبنان والخليج العربي المقيمة في دمشق آنذاك ، من أجل مناصرة الموقف الوطني العراقي ، وإستضافنا أحـد فصائل الثورة الفلسطينية ، عبر المرحوم أحمد محود إبراهيم : أبو عيسى ، سكرتير حزب الشعب الأردني ، الفرع الأردني لحزب العمل الإشتراكي العربي ، في مدينة بعقلين اللبنانية ، من أجل دعم الموقف السياسي الوطني العراقي ، ضد الرؤية السياسية الأمريكية ، وساهمنا جنباً إلى جنب عموم الوطنين العراقيين والقوميين العرب المناضلين بكتابة المذكرات السياسية والبيانات التحريضية ، التي تدعـو وتتمحور حول رفع الحصار الجائر والظالم عن الدولة العراقية .

    كما ساهمنا بتأسيس منظمـة ((التحالف الوطني العراقي)) ، لمواجهة ((شتى أشكال التآمـر والتخريب والحصار التي تستهدف العراق ، وبإصرار وتخطيط مُسبَق ، إلحاق أعمق وأقسى الأضرار بوحدته وسيادته وثرواته ومستقبله الحضاري ودوره القومـي)) ـ سنورد نص وثيقته التأسيسية ، الفكرية والسياسية في الجزء الثاني من هذا الكتاب ـ مثلما قمنا بإصدار وتوزيع بيانات التحالف الوطني العراقي ، والمساهمة في إصدار جريدتـه المركزية ((نداء الوطن)) ، والمشاركة في كتابة مذكرة الدعوة للحوار الوطتي وتعزيز الصمود والمباشـرة بإجراءات المصالحة الوطنية في العراق لتجاوز المأزق السياسي ، والتوقيع عليها ، وذلك في منتصف العام 1993 ، إنطلاقاً من الحرص على وحدة العراق الوطنية ، وضمان العيش في ظِـل حياةً ديموقراطية . .

    [4] ـ زودتْ المملكة العربية السـعودية المخابرات السورية ، بشخص العميد السيد حسن خليل ، بكمية من النقود تنوف على الثلاثمائة مليون من الدولارات ، لإداة شؤون العمل ((المعارض)) ، وكان المومـا له يتدخل في ((مآزق)) العمل ((المعارض)) كلما تأزمت الحوارات بين قياداتها  ، كما أقدم العميد خليل الذي يتميز بالنزاهـة المالية كما نقل لنا العديد من المتعاملين معه ، على تفويض أحد مندوبي حزب السلطة السورية للفرع العراقي لحزب البعث العربي الإشتراكي ، بالصرف للأموال اللازمـة للأنفاق على المريدين والأتباع والمناصرين للـ((رؤية)) السورية ـ السعودية تجاه الإستعانة بالقوات الأمريكية لتدمير التجربة القومية في العراق ، في التحديث والتطوير والتقدم العسكري ، وصارت السـيارات الحديثة لا سيما من ماركة المارسديس الواردة من لبنان ، تترى أمام الناظرين في ((خدمـة)) قيادات المعارضة المشغولة بتأدية مهماتها ((النبيلة)) .

    وقد حدثت مُشَّـادة بين ذلك المندوب ورئيس تنظيم العراق ((الحُر)) المدعوم سعودياً وإيرانياً السيد سعد صالح جبر ، حول ضرورة توفير وسيلة نقل خاصة ، ((أي ضرورة إستأجار طائرة نقل خاصة)) نظراً لتأَخر طائرة نقل الركاب المُسـافرة إلى بلد القاطنين فيها من أعضاء المؤتمر : بريطانيا ، في أعقاب إرفضاض مؤتمر ((المعارضة)) الذي إلتأم شمله في فندق ((البريستول)) ببيروت ، فضلاً عن تزويد سوريا والمملكة العربية السعودية لمريدهما ، ومناصري الرؤية الأمريكية التي تحكمت بالتطورات المفصلية كلها ، بجوزات خاصة لتسهيل تحركاتها في شتى أرجاء العالم ، من جهة ، وسعياً لكسب مواقع تأييدهما في العراق ((المستقبلي)) ، من جهة أخرى ، أو مَـنْ إدَّعـى مناصرة موقفهما السياسي دون حدود ، ولصالح الرؤية الأمريكية والموقف السياسي الأمريكي بذرائع شتى ، في نهاية المطاف .

    وقد دأَب ممثل حزب السلطة السورية للفرع العراقي ، على عقد الجلسات الإجتماعية للأصدقاء والرفاق في أرقى فنادق أو مطاعم دمشق ، بغية إرتشاف أو عبِّ الخمرة الإنكليزية من أصناف الويسكي ، وتناول مذاق ((مزاتها)) الغالية الثمن ، ودفـع ((الفواتير)) الخاصة بتلك الجلسات من جيب الملك فهد خادم ((الحرمين)) : حامـل سطلة مياه التنظيف لقوات الغزو ، وماسك مكناسـة جمع الأزبال الأمريكية .

    [5] ـ شكلت لجنة التنسيق ((السورية)) ، التي يقوم على إدارتها الظاهرة ((عراقيون)) ، مقراً للعمل ((السياسي)) المناويء للموقف الوطني العراقي ، والموقف العربي الإسلامي ، والحضاري الإسلامي الساطع ، ولمناصرة الموقف الصليبي الصهيوني الأمريكي ، وتحت إسمها المُعلَن جرى تسهيل تنقلات أعضاء ((مؤتمر بيروت)) للقادمين له عن طريق غير المطار اللبناني ، وأعَـدَّت وثائقه وأصدرت بياناته وروجت أدبياته الدعائية ، وهيأَتْ السُـبُلْ لمتحدثين فيه ، الذين من بينهم الشيخ عبد الحميد المهاجر الذي أَعلَن من على مِنبر الخطابة عن قدومـه من مدينة البصرة التي ((كان فيها قبل 72 ساعة)) عبر إيران ((الإسلامية)) ، وقد أورد إقصوصة الدعاية المبنية على ركام مشاهداته السريعة :

    ((إمـرأَة كانت تحملُ طفلاً ، لا يتجاوز الشهر السادس من عمره يضطرب من الألـم ، على يديها ، وبجوارها زوجها يحمل السلاح ، يريد أنْ يصحبها من أجل أنْ يخفف ألمهـا ؛ قالت لـه : إذهب وقاتل ، إذهب إلى المعركة ، إذهب إلى الدفاع {لم يذكر المهاجر عن مَـنْ يدافع ذلك الرجل ، في فترة الغزو الأجنبي! ؟} ، ودعني أنا وطفلي هنا ، أنا أَتصرف معه ، يشهد الله {!؟}كان الطفل يضطرب على يديها ، لأنـه يحتاج الدواء والحليب لأنها لا تملك حليباً تعطي لهذا الطفل الصغير)) .

     إذا كانت مثل هذه الأكاذيب التصويرية ، التي إلتقطتموها بلحظة زمنية عابرة ، مخصصة للدعاية والتسـويق والتحريض ، في ذلك الظرف الذي كشـرَّت فيه الولايات المتحدة عن أنياب اليورانيوم المُنَضَّب ضد الدولة العراقية ، فإنَّ ذلك يُعَـدُّ الدليل العيني الملموس ، والإفتراءات غير المعقولة التي تروونها عن أئمـة آل البيت عليهم السلام ، وعجبي لهذا المنبر الذي يرتقيه بعض القرّاء والخطباء ، في عدم إمادته ، كما يذهب إلى ذلك أحد الشعراء ، في تساؤله المرير ! .

    وكان المؤتمـر الذي إنعقدَ في فندق ((البريستول)) قد إفتقد الأكـل المُعَّد للمؤتمرين + 200 شـخص إضافي ، قبل إنتهاء موعد تقديم الوجبات ، إذ إلتهمه كله الـ 400 شخص بلمح البصر ، في ما ذكر ((معارض)) دأبَ على نقل ولاءاته حيثُ كانت نقود الدعم أدسم ، هو السيد حسـين الركابي : [ممثل الكتلة الإسلامية في المؤتمر ، قبل نقل ولاءه إلى الملكية الدستورية] ، إنـهُ أُوقـع أرضاً نتيجة زخم ((رِكضة)) غالبية المؤتمرين على قصعة الأكـل . كما نقل السيد محمد علي كاظم الحيدري ، ممثل مجلس باقر الحكيم سابقاً ، ونائب رئيس تحرير جريدة ((البديل الإسـلامي)) التي كانت تصدر في دمشـق ، قبلَ أنْ يشـغل موقعه الدعائي في إذاعـة ((CIA)) ببراغ ، إنـه وزميل له ممن حضروا ذلك المؤتمر لم يحصلوا على وجبة طعام الغداء ، الأمـر الذي دعا أحد نادلي الفندق للتعليق على تلك الممارسة ((الوطنية)) للمؤتمرين ، بالقول التالي : ((إنـي لم أرَ في حياتي مثل هؤلاء المؤتمرين ـ المدعوين ! !)) ، ولم يدُرْ بخلَـدِه إنَّ أغلب هؤلاء المؤتمرين قد إعتادوا على تلك الممارسات الأشعبية في الـ((حسينيات)) الي أُنشئَت في حي السيدة زينب ، بحثاً عن ((القيمة والتمن)) ، ومتابعة المناسبات .

    ومن المعلوم إن القيادة السياسية السورية طبعت كتاب حول الأزمـة  تضمن ((دراسـة ووثائق)) ، صدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة ـ صحيفة الثورة : دمشق ، وجريدة الثورة جريدة رسمية سورية ، وكان عنوان الكتاب : ((الإعلام السـوري وأزمـة الخليج)) بواقع عدد الصـفحات 561 صفحة ، إختتم بنصٍ لتعليق سياسي بثته إذاعة دمشـق يوم 22/3/1991 ، بعنوان ((الكارثة المفجعة)) ، وهو من إعداد أحمد عجاج وأسعد عبود وسعد قاسم ، في آب 1992 ، وقد أكد المعدون على ((حقيقة لا بد من تسجيلها مقدماً ، وهي أَنَّ وسـائل الإعلام السورية (المقروءة والمسموعة والمرئية) عملت فريق عمل واحد في تشكيل رأي عام متماسك ، وبذلك كان الإعلام السوري عقل الجماهير وقلبها في أخطر الأزمات التي واجهتها الأمـة العربية في التاريخ المعاصر ، ونجح في تحمل المسؤولية الملقاة على عاتقه والقيام بدوره على أكمل وجه مستنداً في ذلك كلَّه إلى دعم غير منقطع من السيد الرئيس حافظ الأسـد وتراث جهود ثمينة لقيادات صحفية وجيل صحفي آمـن بقضايا وطنه وأُمته وترك بصماته في عملية الإستمرار بالنهوض بقدرات الإعلام ودوره الوطني والقومي)) .

   وما لم يتناوله المعدون عن تلك الأزمـة هو دور الجيش السوري ضد الجيش العراقي ، وتحت قيادة شوارزتكوف ، في المآل الأخير ، كما لم يذكروا الطلب الأمريكي للدخول إلى العراق عن طريق سوريا وعبر الطائرات الأمريكية ، كما يقول وزير الخارجية الأمريكية جيمس بيكر ، في مذكراته المنشورة ، وغير ذلك الكثير من المواقف السياسية التي تبين مدى ((الإيمان!؟)) بمفهوم العمل القومي العربي بالمعنى التاريخي والحضاري العربي الإسلامي  . 

شبكة البصرة

الثلاثاء 1 ربيع الثاني 1426 / 10 آيار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس