حوار على ضوء المباديء والتاريخ

بين الرؤية الوطنية ومدعِّي الموقف الوطني

إصدار جريدة نداء الوطن أوائل عام 2002

الجزء الأول

شبكة البصرة

باقر الصراّف

ذرائع متكررة وتبريرات ثابتة

الحلقة الثالثة

    لم نبارك أي مسـعى إمبريالـي أمريـكي خبيث تحت ظِلال نظـام عولمتها ، الذي يتخذ من حقوق الإنسان والديموقراطية وحقوق الأقليات ذريعة لنشر الحروب الأهلية ، وتشريع الفِتَن بين أبناء البلد الواحد ، ومهما تزيا ((إنسانياً)) وقدم معسول الكلام والوعود الوردية ، وسط الحضور الكثيف لشهود الشيطان الأمريكي من الصحفيين ومراسلي المجلات ومندوبي الإذاعات والشاشات المرئية ووكالات الأنباء وممثلي الوزارات والإتحادات الذين ناف عددهم  عن 230 فرداً ، لتغطية أعمال مؤتمر أعدته قوى نافذة في لبنان لتبرير عملية تدمير العراق وقصف شعبه بشكل همجي وبصورة متواصلة طوال أربعين يوماً ونيف ، بغية فرض ((الحفاظ على وحدة العراق وإستقلاله حيث لا ضمان لتلك الوحدة ولا حفاظ على إستقلال العراق وحرية قراره السياسي دون الإطاحة بنظام صدام حسين)) ، ( من البيان الختامي للمؤتمر) . . .

    لقد تعرضـنا للعديـد من التسـاؤلات الأمنيـة والتحقيقـات جـرَّاء ذلك . [6] . ولكـنْ مصلحـة الوطن والشعب والرؤية التاريخية للصراع كانت هي الحافز الذي يحرك قناعاتنا وممارساتنا ، وهي العاصم لنا من الضياع وسط جموع الزاحفين على بعض السفارات الخليجية والسعودية لقبض الرشاوى المالية والصكوك النقدية والحصول على الدعم المشبوه لإلباس الحق الوطني لباس الباطل الإمبريالي الصهيوني ، ووسط المتسللين لدوائر المخابرات السورية لمقابلة مسؤوليها بحثاً عن الجوازات ، وتقديم التقارير الأمنية ، وإقتناص الفُـرَص ((للتدافع)) على أبواب المطارات لحضور المشاورات السرية والمؤتمرات العلنية ، التي يلتئم إنعقادها وفق مؤشر عقرب الساعة السياسي الخليجي ـ الأمريكي بالدرجة الأولى .

    وعندما وصلنا الديـار الأوروبية ، بمختلف سـاحاتهـا المفتوحة للجميع ، فقـد أُتيـح لنا التحرر من أجهزة الرقابة المخابراتية السورية ، والتخلص من قوانين المنع والتحريم على وجهة النظر الوطنية ، والإعتقال العشوائي بسبب إصدار البيانات الرافضة للعدوان . [7] . وعزمنا على مواصلة النضال بالقدر الذي نستطيع ، والإنسجام التاريخي مع موقفنا الوطني السياسي ، الذي تأسس على مداميك الرؤية الوطنية ، والإخلاص للنظرة المناوئة للرؤية الغربية الإسـتعمارية/الإمبريالية/الصهيونية تجاه وطننا العربي . . .

    مواصلـته بخطـوة وطنية جديدة ومتقدمة في ميدان الفعل السياسي ـ الإعلامي ، بغية إنسجامنا الفكري مع إطروحاتنا الفكرية ، وعلى ضوء الممكن الذي يتناسب مع قدراتنا الذاتية ، وذلك عبر إصدار مطبوعة وطنية : بالقول والفعل، تعَبِّر عن رؤيتنا السياسية الوطنية ، التي أردناها أوسع  من ذاتنا التنظيمية الخاصة ، لتغطي في نشاطها الممكن : عمومية الرؤية الوطنية العراقية ، والتعبير عن مختلف تياراتها السياسية في إطار الآصرة الوطنية ، وعلى أمل وتشوف وطموح وتبصر ، أن تكون ميداناً إعلامياً وطنياً وقومياً مخلصين ، يتلاقي على صفحاتها الوطنيون العراقيون من مختلف الإنتماءات الفكرية والسياسية ، وكذلك يتبارى على صفحاتها القوميون العرب المخلصون لإمتهم ، والمتدينون في إنتمائهم الحضاري العالمي . . . يتبارون إعلامياً من أجل توضيح آرائهم ، ونشـر أفكارهم ، بصدد تطورات المنطقة ، وكشف ملابسات الصراع الوطني والقومي والحضاري عليها وفيها .

    وكـانت ((نداء الوطن)) التي إعتمدت على ذاتها فـي التمويـل والطباعة والكتابة والإخراج ، وفق القدرات الذاتية المتوفرة بغية ضمان إسـتقلالية موقفها السياسي الوطني ، ولقد أُستقبِلَتْ الجريدة ، شأنها شأن أي وليدٍ جديد ، بمواقف سياسية متباينة ، وأساليب تشهيرية مريبة وحاقدة ناجمة عن مواقف مُسبَقة ورؤى مُعَّلبة ، أو تقويمية موضوعية تنبع من ذات الجريدة ومواقفها السياسية وأفكارها وكتاباتها المُعْلنة ، مختلفة المصادر ومتنوعة المقاصد ، وهذا حقٌ مفتوح للجميع ومتيسر أمام جميع المتابعين ، ومن طبائع الأشياء أيضاً ، كما هو أمرٌ مألوف تماماً في العمل السياسي العراقي خصوصاً ، طالما صارت المطبوعة ، نعني بها جريدة ((نداء الوطن)) ، صوتاً إعلامياً منشوراً ، ورؤيتها السياسية والفكرية مكتوبة ، وإطارها التنظيمي مشهوراً ، وبات فوق ذلك ، مُلْكاً للقرّاء الأفاضل ، ومتابعي الشأن السياسي العراقي والعربي الأكارم ، المنتمين إلى مختلف المصادر الفكرية والمدارس السياسية والمستقلين أيضاً .

    ولكن الأمر الأكيد ، كما نؤمن إيماناً عميقاً ، وربما يعتقد معنا الآخرون كذلك ، فإن من حـق حملة وجهة نظر الرؤية الوطنية ، وصوتها الوطني ((نداء الوطن)) ، وأفكارها السياسية ورؤيتها البرنامجية ، الدفاع الواضح عن صوتهم الوطني ، والذبِّ عن موقفهم السياسي الوطني ، وتبيان برنامجهم الوطني البديل بحمية وإعتزاز ، بالكلمات السياسية المناسبة والأفكار  الوطنية الجريئة ، وبالتالي مناقشة كلَّ مَـنْ يتعرض لرؤيتهم الوطنية العامة... الوطنية البرنامجية وأفكارها بالسـجال والحوار ، سواء عن طريق الرؤية النظرية : المنهج العلمي والمنطقي والإستقراء والإستنتاج ، أو الرجوع إلى التاريخ للمقارنة والموازنة في ميدان الممارسات والتطبيق ، أي للمقارنة والموازنة بين المواقف والأفكار والسياسات التي أُتبعَتْ ، وإطلاق الأسئلة الجِّدية حول مضامينها العملية لـجـهـة :

     ـ في خدمة مَنْ كانت تُـرصَف تلك الكلمات وتُتخَذْ المواقف السياسية ! ؟ .

    ـ ولمصلحة مَـنْ كانت نتائـج أفكارها وممارساتها ومواقـفـهـا ! ؟ .

    ـ وفي أي جهدٍ كانت تصُّبُ ما ينجمُ عنها من أفعال وأعمال .

ـــــــــ

الهوامش والملاحظات

[6] ـ في أواخـر عام 1990 شـنَّتْ المخابرات السورية حملة إستدعاءات واسعة على العراقيين الذين وقفوا ضد الحرب العدوانية الأمريكية المحتملة على العراق ، لإرهـاب الوطنيين العراقيين منهم ـ مثلما فرضت عقوبات سافلة : التجويع والاِعتقال أبرزهما على الوطنيين السوريين ـ لإتخاذهم الموقف القومي العربي المبدئي الصحيح! ـ بغية عدم إتخاذ موقف وطني واضح ومحدد من العدوان الأمريكي : الصليبي ـ الصهيوني على الدولة العراقية .

     في الوقت الذي سـهَّلت لكل مَـنْ هـبَّ ودبَّ في عالم السياسية والدعاية ((الفكرية)) لإصدار مطبوعته المتخصصة بشتم العراق ولعن موقفه بذرائع شـتَّى ، وأُعطيَت الإجازات الخاصة للرموز السياسية ، والمهربين الذين يرشون بعض قادة أجهزة المخابرات السورية ، بين سوريا وبعض المناطق المجاورة ، لا سيما منطقتى كردستان العراقية الواقعة تحت سيطرة البارزاني ولبنان ، للتنقل بهدف ممارسة عملهم ((الوطني)) أو الأمنـي أو التجاري والتهريبـي ، وفُتِحَتْ الأبواب المخابراتية واسعا ـ خصوصاً الفرع الخارجي 179 وفرع الأمـن العسكري بقيادة صلاح زغيبـي العملية ـ ومقرَّات الأحزاب ((الوطنية)) لكل العازمين على السفر للخارج لقاء مبلغ بالعملة الصعبة ، لإخراج برقيات السفر بغية الخروج من المطار السوري نحو أوروبا ، والشيء بالشيء يذكر إن بعض الشخصيات العراقية : عربية وكردية قد أبت نفوسهم الشماء تلقي أي رشوة كانت لإخراج البرقيات ، وكان عملها يتسـم بطابع إنساني بحت .

    وكان من بين الذين جـرى إستدعاءهـم ، صاحب كتابة هذه السطور ، بوساطة المقدم عبد الكريم الديري ، بمعية ثلاثة وطنيين ـ من بينهم الأُسـتاذ عبد الله الركابي ـ والإنتقال بهم إلى العقيد صلاح زغيبي ، قبل الإنتقال إلى العميد حسن خليل المساعد للمسؤول الأول عن المخابرات العامـة في ساحة الأمويين ، الذي أسمعنا شتائمه القبيحة ضد الجيش العراقي ، والدولة العراقين ، والرئيس العراقي ، ، والموقف الوطني العراقي ، والمبدأ الإسلامي الصحيح في تحديده للموقف المطلوب في مواجهـة العدوان الأجنبي ، والذي لا يتعدى نطاقه ـ وفق مزاعمه ـ الحرص على سجادة الصلاة ، والإنتصاف للطائفة الشيعية المظلومـة ، وذم السيدَ  عبد الجبار سليمان الكبيسي ، والتنويه بأعمال المرتبط بهم : مهدي عليوي ، كما جرى منعنا من السفر إلى الخارج { أنا وشخصيتين عراقيتين أخرتين} على يد السيد ع . أ . ش بعد أنْ حجزَ الأخير المقاعد الخاصة على شركة الطيران الروسية .

    ودار نقاش طويل مع العميد حسن خليل حول معنى العمالة للمخابرات العراقية ، والأسباب الكامنة وراء عدم تطوعنا للجيش العراقي ، في الوقت الذي نسـاند موقفه في حرب ((الكويت)) ، وعن الأحزاب التي ننتمي إليها ، وموقفها من العدوان الغربي الظالم على العراق ، والموقف الحضاري الإسلامي للعراق ، وتأييد الحركة الإسلامية في المغرب العرب ، وخصوصاً في الجزائر ، ومعنى العمليات الإستشهادية ، ولم يمنع عنا الإستدعاءات الكريهة والمتواصلة سـوى السيد جلال الطالباني عبر العلاقات السياسية والشـخصية مع المرحوم جلال شيخ حسين ، ممثل السيد جلال  الطالباني لدى المخابرات السورية ، وعبر الدكتور السيد كمال خوشـناو عضو المكتب السياسي للإتحاد الوطني الكردستاني ، مسـؤول مكتب دمشـق للتنظيم اللذين كنتُ أحتفظ بعلاقات طيبة معهما . . .

    ومن المعلوم ، إنَّ مـن بين أسباب الإستدعاء للمخابرات السورية ، كتابة المدعو رضا بلال الخزرجي ، رئيس جمعية المهاجرين العراقيين ، و{صاحب السمعة المشهورة في تهريب الأدوية من لبنان وإلى سوريا } تقريراً أمنياً للعقيد صلاح زغيبي ((يتهمنا)) فيه بالوقوف إلى جانب العراق ، بعد إيقافه عند حده عندما بدأَ بسـباب رجال الدين العراقيين القاطنين في حي السيدة زينب ، والإنتقاص منهم أخلاقياً ، والطلب منه تحديد المعيار الذي ينطلق منه لمحاكمة الآخرين ، وكان رأينا بخصوص هذا المعيار ضرورة تمحوره حول العدوان الأمريكي : الصليبي الصهيوني ، على الدولة العراقية ، بإعتباره العامل المشـترك لدى كل الوطنيين العراقيين .

    [7] ـ أقدمت المخابرات السـورية على شَـنِّ حملة ترهيبية ضد الوطنيين العراقيين ، وذلك في منتصف أيلول من عام 1996 ، وجرى إعتقال الأستاذ فاضل الربيعي ـ المثقف الوطني والكاتب العراقي والباحث المرموق ـ في سياقها ، لعدة أيام في مخيم اليرموك ، وفي سجن عدرا ـ كما قيل ـ والذي تبين لاحقاً إنه قضى الفترة السجنية في معتقل إنفرادي مظلم داخل إحدى زنزانات فرع فلسطين الرهيبة ، بناءً على تعليمات العميد حسن خليل كما ذكر ذلك العقيد صلاح زغيبي ، وكان سبب الإعتقال والترهيب المصاحب له صدور بيان سياسي ((حول العدوان الأمريكي الهمجي على العراق)) بتاريخ 7/أيلول/1996 وقعَّت عليه ثلاث منظمات هـي : ((التحالف الوطني العراقي ، والوطنيون الديموقراطيون ، ومثقفون وكتُّاب وطنيون عراقيون)) ، جاءَ فيه :

    ((إنَّ المجرمين الأمريكان إذ يرسـلون طائراتهم للقيام بطلعات جوية لخرق حُـرمـة أجوائنا العراقية ، بغيـة إرهـاب شـعـبنا وإذلال بلادنا من خـلال فرض مناطق ((حظر جوي)) ، ينكرون على قواتنا المسـلَّحة حقها الطبيعي والمشروع في التحرك داخل أراضينا الوطنية ، ونصب الرادارات ومعدات الدفاع الجوي لحماية الأجـواء العراقية . . . هذا هـو عصر القراصنة الجُدد ، وما يُـسمى بنظام القطب الواحـد . . . العصر الأمـريكي الصهيوني .)) .

    إنَّ ((إنجاز مهمة تدمير مراكز وشـبكات المخابرات الإسرائيلية والأمريكية والبريطانية وغيرها ، من القوى والدوائر المعادية لشعبنا وتطهير وطننا من الخونة ومرتزقة الأجنبي الطامع ببلادنا والحاقد على شعبنا ، قـد أدى إلى تحطيم إحـدى ركائز العدوان الذي يهدف إلى شطب دور العراق وتجزئته وتفتيته عبر خلق كانتونات ومحميات عنصرية وطائفية ، والقضاء التام على سيادة وإسـتقلال بلادنا ، ومحاولة وقف التطور التاريخي المستقل للعراق المعاصر ، وتدمير طاقته الإقتصادية والعلمية والثقافية والعسـكرية ، وخنـق الروح الوطنية لشعبنا وتحطيم إرادته)) .

    ((لقد إتضح بشكل جلي ، بأَنَّ التباكي على الأكراد من قِـبَـل أمريكا ودول الغرب ما هو سـتار تضليلي لتمرير المخططات المعادية ، والتغطية على الجرائم البشـعة بحق شعبنا وأطفالنا . . . لقد طاردت القواتُ التركية الأكرادَ وقتلتهم في شمال العراق ، مراراً وتكراراً بدعم وإسناد من الولايات المتحدة ، وكذلك فعلت إيران ، وأخيراً وبموافقة أمريكا تقدم تركيا على إقامـة شـريط آمـن في شمال العراق ، يكون بمثابة منطقة قتل لكل كردي يتواجـد أو يتحرك فيه داخل شمال العراق ، ويتم ذلك بمباركة أَمريكية فقط ، رغم الإستنكار الدولي الواسع لهذه الخطوة التركية ، والتي تُعَّـد عدواناً سافراً على سيادة العراق ، وإستقلاله ووحـدة أراضيه)) .

    ((إننا نناشـد أخوتنـا الأكراد شركاءنا في الوطن والمصير والتاريخ المجيد ، بأَنْ لا يقعـوا فريسـة أوهـام الوعود الغربية والأمريكية الكاذبة دائماً وأبـداً ، والتي لا تهدف إلاّ إلى إستخدامهم كوقود للفتن والإحترابات الداخلية الدموية ، ليكون ذلك ذريعة للتدخل الأجنبـي في شؤون العراق الداخليـة ، وإذكاء الخلافات والصراعات مع الدول الإقليمية الأخـرى)) .

    ((إنَّ المصالحـة الوطنية والحوار الشامل بين قوى المجتمع العراقي ، هو الطريق الوحـيد للوصول إلى تفاهـم مُشـترك وراسـخ يجنب بلادنا وشـعبنا ويلات التناحر والحرب الأهليـة ، ويحبط كل مخططات الأعـداء والطامعين في عراقنا)) .

{نصوص من البيان المُشـار إليه أعلاه} .   

شبكة البصرة

الاربعاء 2 ربيع الثاني 1426 / 11 آيار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس