حوار على ضوء المباديء والتاريخ

بين الرؤية الوطنية ومدعِّي الموقف الوطني

إصدار جريدة نداء الوطن أوائل عام 2002

الجزء الأول

شبكة البصرة

باقر الصراّف

صراخ ضد الحقيقة

الحلقة الخامسة

المقالة الأولى 17/1/1999  

توضيح ورَّد حول ((نداء الوطن))

    توضيح ورد من جريدة ((نداء الوطـن)) . . .

    السـادة في مطبوعة : ((البيت العراقي)) ، والقائمون على إصدارهــا؛ المحترمون..     نشــرت مطبوعتكم، ((البيت العراقي)) ، الجريــدة الفصلية (التي) تُعنى بشــؤون الجالـيــة العراقية ـ كما جاء في فذلكتها التوضيحية ـ بعددها الثالث والصادر في تشرين الثاني من عام 1998 ، وعلى الصفحة السادسة ، رأياً للسيد كريم النجّار ، نائب رئيس تحرير الجريدة ، حول العدد التجريبي ( المرقم صفر) لجريدة ((نداء الوطن)) ، وتحت عنوان ((نداء الوطن وتشويه الحقائق)) ، ووضعته أسرة تحريرها في حقل ((تحت ظِلال البيت)) ، الأمر الذي يشير إلى  همُّوم ((البيت)) المُلِّحة راهناً ، ربما من خطر تداعي بنيانه الواهم الكاذب جرّاء إقدام بعض الوطنيين العراقيين على جعل هموم الرؤية الوطنية العراقية في أولويات نشاطاتهم اليومية على ضوء العدوان الغربي/الأمريكي على الوطن العراقي والشعب العراقي والدولة العراقية بكل مؤسساتها ومنجزاتها .

    إننا لا نريد إثقال المطبوعة ـ البيت العراقي ـ بموضوعات سياسـية ليسـت هي  من صميم إختصاصاتها ومهماتها ، كونها ناطقة بإسـم جمعية خدماتية محددة ، وذات أهداف مطلبية ، وغايات إجتماعية محددة ـ وإذا كان ذلك غير صحيح ، فهل تتقبل مطبوعتكم نشر قراءات لإصدارات فكرية وسياسية توزعها مجانّاً الأحزاب العراقية ، مثلاً ؟! ـ بالرغم من تضمنها شؤوناً سياسية ذات لون واحد ، وإغفالها ذكر موقف ملموس واحد ،  نعم واحد فقط ، في العدد المذكور ، حول محنّة السكان العراقيين الناجمة عن إسـتباحة الأمريكيين لحاضر كل العراقيين ، ووطنهم ، وتدمير مستقبلهم أيضاً .

    ولكن التعقيب  ينصرف ، أسـاسـاً ، لإزاحـة هَـمِّ الإسـتغراب الذي تـمـلــك عقل الســيد كريم النجّار ، من جهة ، وتوضيح الحقائق التي جرى تشويهها من قِـبَلـهِ ، من جهة أخرى ، وطرح الأفكار السياسية البديلة ومنطلقات الرؤية الوطنية لجـريدة ((نداء الوطن)) أمام القرّاء المحترمين ، من جهة ثالثة .

    **  إنَّ ((نداء الوطـن)) والتيار الوطني الذي تسعى للتعبير عن إتجاهه السياسي ، ينطلق في الإيمان والتحليل والتفسير ، من البُعُد الوطني العراقي ، والولاء لشعبه العراقي ، وللتمسك بمنجزة الوطني بتأسيس دولته المعاصرة ، التي تكونت منذ العام 1921 إثر إندلاع ثورة 1920 الوطنية التحررية ، ومؤسساتها الإدارية ، ونعتقد أنَّ أي تقويم لمواقفها الفكرية والسياسية ، راهناً ، ينبغي أنْ ينطلق من هذا البُعُد ، والولاء له ، والتمسك به ، حتى تتوفر المعايير الموضوعية ، الكمية والنوعية ، لأية محاكمة سياسية نقدية .

    إذ لا يجوز محاسبة برنامج شيوعي يسـتهدف التغيير والتطويـر ، بمـقـاييس طائفـيــة وظرفية ؛ أو محاكمة رؤية طائفية ، وهي تستهدف تحقيق التجزئة والتفتيت ، بمقاييس ماركسية . لأنَّ من شأن ذلك خلط للأمور يقدِّم عليه عديمو الفهم والإنتباه ، وفاقدو مَلَكَة التبصُر والنباهة  .

    ـ أيجوز محاسبة البورجوازية الوطنية على عدم بنائها الإشـتراكية العلمية لتطويــر المجتمع ، على سبيل المثال وليس الحصر ؟!.

    وإنَّ فكر وتجارب وحركات التحرر الـوطنية فـي مواجهة الأجنبي ، لتحقيق الإستقلال والسيادة ، هو الخيط الفكري الناظِم لرؤيتنا ، وإنَّ سياسة القطب الواحد ، ونظام عولمتها الإقتصادي والمالي والإعلامي زادت من تمسكنا بذلك الفكر السياسي ، وكذلك متَّنت إقتناعنا بصحة الدروس العينية والمادية والمعنوية التي إنطوت عليها تلك التجارب.

    ** إنَّ الدولة العراقية تواجه اليوم وفي هذه المرحـلـة ، مخطط إبادة نوعية (مليون ونصف المليون ضحية بضمنهما قُرابة المليون طفل) ، والعقلية السياسية العالمية للتجزئة : {خطوط العرض وسياسـة الحظر الجوي والأرضي} وبرنامج الغرب ، والأمريكي خصوصاً : للتفتيت {إعتبار الشعب العراقي حاصل جمع كمي لقبائل وطوائف وأثنيات وتغييب لُحمتهم المجتمعية العراقية} ، وتغييب الخدمات الحكومية كلها ، {على صعيد التربية والتعليم والصحة والزراعة والإتصالات والمواصلات والغذاء والدواء وغيرها الكثير} .

    وإنَّ الذي يشُّـن الحربُ الشاملةُ على دولة العراق ، وهي حربٌ غير عادِلة إطلاقـاً ، هـي دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، التي جلبت قواتها العسكرية الغازية ، من جميع الأنواع والفروع ، للمنطقة العربية ، وخصوصاً للمنطقة الخليجية والجزيرة منها ، وذلك تطلعاَ لهيمنتها على العالم وحفاظاً على مصالحها أسـاسـاً ، أولاً ، وثانياً ، وثالثاً .... وعاشراً ، ولا نعتقد أن وطنياً عراقياً ، وقومياً عربياً ، وإِسلامياً حضارياً ، واعياً ومتابعاً ، لم يسمع بتكوين قوات التدخل/الغزو السريع منذ العام 1973 .

    وبناء مدينة/مستوطنة الملك خالد العسكرية في حفر الباطن التي أُنجزتْ في عام  1982 ، والتي كانت كلفتها حوالي العشـرين مليار دولار ، ومُزودَة بأحدث الوسائل التقنية والراحة بآنْ وفق المواصفات الأمريكية ، في حين أن تعداد كل الجيش السعودي ، كان لا يتجاوز حين إنشائها السبعين ألف فرد ، ثلاثة أرباعهم متفرغون للعمل الإداري وليس الحربي ، وقيامها بإجراء سلسلة مناورات النجم الساطع في مصر وبلدان الخليج العربي .

    مثلما لا نعتقد أَّن وطنياً عراقياً ، وقومياً عربياً ، وإسلامياً حضارياً ، واعياً ومتابعاً ، لـم يـدرك جيداً معنى وحيثيات الإعلان الأمريكي ، بأن الوطن العربي منطقة مصالح أمريكية ، في سنوات الرئاسة الريغانية ، بعد أنْ إقتصرت قبلئذٍ على منطقة الخليج العربي في السنوات الكارترية للرئاسة الأمريكية ، كونها منطقة مصالح حيوية أمريكية في السبعينيات من القرن الماضي ... لا نعتقد إن أحداً من الوطنيين والقوميين المخلصين والواعين والمتابعين لم يسمع بذلك ، إلاّ مَنْ ختمَ الله على قلبه بقلة الفهم ، وبصم على عقله بصمم الإدراك .

    ** وفي إطــار المواجهة الشـاملة بين دولـة العراق التي تدافع عن حقها في الحياة والتقدم ، من جهة ، والتحالف الغربي بقيادة دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، من جهة أُخـرى ، شنَّ الغرب حروبه العدوانية الظالمة منذ منتصف الشهر الأول من عام 1991 ، لم تنفِ الدولة الأمريكية أهدافها ، مثلما لم تخفِ تطلعاتها ، ولعل العدوان الأخير {العدوان الاخير والمُسمى ثعلب الصحراء ، والتي نفذتهُ واشنطن بالإشتراك مع حليفتها الغربية بريطانيا ، واللتان إستخدمتا الإراضي والأجواء والمياه العربية في الخليج والجزيرة ، فضلاً عن القواعد الجوية التركية} قد خلا كلياً من الأسباب والمبررات الموضوعية التي تدعِّيها دائما ، الأمر الذي فجَّر غضباً عالمياً عارماً ، شعبياً ورسمياً ، ضد التفرد والهيمنة الأمريكية ، ليس على المنطقة فحسب ، وإنما على العالم كله .

   ـ ومن الطبيعي أنْ يقف البعض الأوروبي (الغربيون الصليبيون/المتصهيونون) ، والإقليمي السائر في ذيلها مع العدوان الغاشم ضد العراق .

    ـ ومن الطبيعي أيضاً أن يقف بعض الأنظمة ((العربية)) الرجعية المُتخلفة مع العدوان ، فبعضها هو الممول ، والبعض مسلوب الإرادة .

    ـ أما الأمر الطبيعي الثالث ، فهو إنخراط بضعة أفراد عراقيين مع العدوان ، وغالبيتهم من الذين إعتادوا التكسُب والإرتزاق في أسواق مَنْ يدفع أكثر ، لذلك فهم يعرضون أنفسهم ، ومواقفهم ، وخدماتهم ، أمام الجميع المعادي للعراق ، بضاعة رائجة حين الطلب ، وأدوات رخيصة لتلبية الحاجات الإعلامية والدعائية عند الآخرين ! .

     * ألم يتمترس البعض الأوروبـي مع معسكر أدولف هتلر ، القائـد الألماني ، صاحب النظرية العرقية ، ومنَّظر الحزب الألماني العنصري ؟! .

    * ألم ينخرط البعض اللبناني مع قوات الغزو/الإحتلال الصهيوني للعاصمة اللبنانية ، بيروت ، وأقام ((أعراس))  مجازر صبرا وشاتيلا الآثمة ضد الفلسطينيين الأبرياء العُزَّل وأطفالهم الرُّضَعْ ؟ ! .

    * ألم يقف البعض العراقي مع الإحتلال البريطاني للعراق في عامي 1917 إثر دخول قوات الإحتلال الأول ، و 1941 في أعقاب الإحتلال البريطاني الثاني للعراق والقضاء على ثورة مايس عسكرياً وإعدام قادتها الأماجد ؟ ! .

    ** من حـقِّ البعض ، أنْ لا يـرى الصورة الكُلِّية للـوحـة الصرّاع المحتَّـدِم في العالـم ، بين شعوب وبلدان الجنوب ، من جهة ، وبين أنظمة الشمال بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ، من جهة أخرى . ومن حقه أنْ يغفل دروس تاريخ الدولة العراقية في التاريخ المعاصر ، وربما من حقه التغافلُ أيضاً ، فلقد تجاهل البعضُ دروس ذلك التاريخ خلال العقود السابقة ، خاصة في المنعطفات الكبيرة ، أي في لحظات الصرّاع التاريخية مع الأجنبي ، وإعتبروا ، مثلاً ، الإستعمار البريطاني محرِّراً ، وبالتالي فإنّ من حقها أنْ تغزو القوات الإنكليزيةُ الدولةَ العراقيةَ ، ومن حقِّ الجلاوزة المحتلون قمعَ الشـعب العراقي ، وإعدام قادته الأشاوس، وإضطهاد نضالاته الباسلة ، وسجن كفاحييه ، شيباً وشباناً ، عسكرييه ومدنييه، وتدنيس أرضـه وإعادته إلى عهود الإحتلال والتحكُم وفرض القرارات البريطانية عليه ...

     ربما كان ذلك من حقه، أو ربما كان كـل ذلك من حقهم ، ولكن ليـس مِـن حقهم إلزام الآخرين بوجهة نظرهم ، فللآخرين ، خاصّة من الوطنيين العراقيين ، حقُّ التفكير بالشؤون الحاضرة للعراق ، وماضي العراق أيضاً ، وكذلك التعبير عن وجهة نظرهم التاريخية والسياسية بمستقبل وطنهم وأُمتهم وفضائهم الحضاري .

شبكة البصرة

 الخميس 3 ربيع الثاني 1426 / 12 آيار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس