حوار على ضوء المباديء والتاريخ

بين الرؤية الوطنية ومدعِّي الموقف الوطني

إصدار جريدة نداء الوطن أوائل عام 2002

الجزء الأول

شبكة البصرة

باقر الصراّف

الدراسة الثانية المنشورة بتاريخ 6/3/ 1999 والمعنونة :

الجاهل النشيط

الحلقة الثامنة

    كثيرة هي الزوايا والمحاور التي يمكن للمرء المتابع ، لما يُنشـر في وسائل الإعلام المختلفة ، أنْ يختارها للنظرة المتفحصة والمُدققة لأي نصٍ سياسي ، يحاول البعض من خلاله ، أنْ يـبلور وجهة نظره تجاه الأحداث السياسية والمسائل الفكرية المطروحة للنقاش ، أو الحوار ، أو التحليل والتفسير ، ولكن ما يقتضي بحثه :

    أولاً :

     التوصيف الدقيق والرصد الأمين للظاهرة قيد النقاش أو النقد أو البحث ، وسبر غور كل منها . ومن ثمَ . . . 

    ثانياً :

    الإلتزام بمنهج معين في قِراءة ذلك النّص ، ديني ( إسلامي، مسيحي) . أو طائفي أي مذهبي . علماني/اِجتماعي ، وفق الطريقة الفيبرية . أو خلدونية ، أي عمرانية . أو بالإستناد الى رؤية المرحوم الدكتور علي الوردي حول تأثير البداوة والحضارة ـ الإزدواجية على الأنماط الحياتية . فكري من الناحية الوطنية العراقية . و القومية سواء  كان عربياً أو كردياً أو فارسياً . أممياً تقدمياً ، أو عولمياً أمريكياً . طبقي ، أكان بروليتارياً أو بورجاوزياً . ليبرالي متحرر من قيود الأيديولوجية أو أحادي النظرة منغلق ، متعصب لوجهة نظره . فلسفي سواء كان مثالياً أو مادياً أو مدرحياً. .. إلخ .

    ومن الطبيعي أنْ يُراعي المرء كلياً اللحظة التاريخية الراهة ، أي الزمان ،  وتلمُس جغرافيتها الملموسة ، أي المكان ، في سـياقاتهما العالمية والإقليمية والعربية ، لجهة طابع مرحلة العصر من ناحية إسلوب الإنتاج المهيمن ، سواء أكان رأسمالياً أو إشتراكياً ، عالم الشمال وعالم الجنوب أي سـيادة مفهوم حركات تحرر وطني ، وإشتداد وتيرة الصراع بينهما ، سواء أكان مسلحّاً أو غير مسلح ، من ناحية ، أو تعايشاً سلمياً من ناحية أخرى ، قطب أوحد كلي الجبروت منفلت العقال... إلخ . عربي من ناحية تقدمه ـ صعوده ، أو هبوطه ـ تقهقره . توجهه الوحدوي أو الإنفصالي .

    ثالثاً :

    وأخيراً ، إنَّ عدم الإلتزام بكـل ذلك ، سـيغدو النصُّ حينها ، مثلما هـو نقده ، مجرد رصـف كلمات إنشائية ، يعبِّر مضمونه عن هاجس ذاتي يلوح لـ((مبدعه)) إطلاقه ، كلما وجد الفرصة سانحة أمامه .

    رابعاً : ويتحول الأمر الى كارثة مضحكة ، عندما يتصـور ذلك الكاتب الذي ((إبتدع)) النَص ، بأن ما يكتبه هو خاتمة التنظـير وذروة التفكير العلمي ، لمجرد أن أنْ يهمل المتابعون كتاباته ، من جهة ، ولمجرد أنْ أضفى ، على ما جاء بوجهة نظره ، كمشة إسـتشـهادات من نصوص هذا المفكر أو ذلك الفيلسوف ، من جهة أخرى ، ولمجرد ، من جهة أخيرة ، أنه يحظى بمَنْ ييسر له النشر السريع ، أي تشجيعه على التمادي بأوهامه وإيغاله بإساءاته .

    أسوق هذه المقدمة ، في معرض تناول التقويم السياسي والفكري الذي وردَ بقلم السيد علاء اللامي حول جريدة ((نداء الوطن)) ، في صحيفة ((القدس العربي)) الغرّاء ، وبالعدد المُوزَع بتاريخ 22/ شباط/1999، وفيها تطرق إلى تلك الجريدة ، ضمن مقالة له يناقش كاتباً آخر ، حول بعض القضايا السياسية التي تشهدها راهناً الساحة العراقية .

     إنَّ مساهمتنا هذه تنصّبُ على التعرض إلى موضوع ذلك التقويم السياسي والفكري الذي يتعلق بجريدة ((نداء الوطن)) فقط ، ولن نتطرق إلى موضوعة النقاش/الجدال الذي إنتظم مجمل أفكار تلك السطور ، وآراء مقالتة كلها .

    لقد إستخدم السيد اللامي معاييـر محددة ، ومحدودة ، في محاكمة رؤية سياسية متجذرة في الساحة الوطنية العراقية ، حاول  البعض الإسهام بالتعبير عنها وفق إجتهاد مُعلَن وواضح ، ومنذ عدة سنوات ، الأمر الذي يدعونا لمناقشة ماورد في ذلك القسم من المقالة/التعليق/التقويم التي خطّها يراع السيد اللامي ، عبر إستعراضها ، من ناحية ، والتطرق إلى المعايير الموضوعية التي ينبغي توفرها في محاكمة جريدة ((نداء الوطن)) ، كما هي ، لا كما نرغب ، أو كما يرغب البعض في كيفية قراءتها ، ووفقاً لهواه وعاطفته ، أو إستجابة لأوامر وتوجيهات مركزية ، من ناحية أخرى .

 

     أولاً :  يقول السيد اللامي ، في مَعرِض إشارته الى ظـاهرة الوطنية العراقية ، وإلى دور الوطنيين العراقيين في تقديم وجهة نظرهم حول قضـية الديموقراطية في العراق ، وعموم القضية الوطنية العراقية ، ((فالمعروف إنّ جسماً سياسياً في المعارضة العراقية يقف على الثوابت الوطنية التقليدية ، ويعارض النظام القمعي الديكتاتوري ، والعدوان الإمبريالي الغربي ، لا وجود في الراهن السياسي)) .

    هذه المُقدمة البسيطة لها من الجُرأة على شطب كل التوجهات الوطنية لـكـل التنظيمات والجماعات العراقية الوطنية في الداخل العراقي والخارج العراقي بجرة قلم . وهنا الحديث ، وفي هذه الفقرة بالذات ، لا يشير أبداً الى المكان الذي يجري الحديث عنه : خارج العراق أو داخله ، أم كلاهما .

    وبالتالي تغدو مفردات الصراع العراقية ضـد العدوان الغربي غائبة تماماً ، لمجرَّد أنَّ هذا الطرف أو ذاك لا يعجب الكاتب ، أو لا يسير وفق نظرته أو وفق إلتزامه الأيديولوجي والحزبي ، وأنَّ ما يترتب على هذا الإستخلاص العائد للكاتب ، على مستوى الذات ، هو التجاهل التام والواضح للمعايير الموضـوعية في تحديد التخوم الجغرافية والفروق النوعية والكمِّية بين مفردات الصراع المادية بين طرفي الصراع ، الوطني العراقي ، من جهة ، والغربي الأجنبي ، من جهة أخرى ، بعبارة أخرى ، البحث عن التناقض الأساسي في لوحة الصراع الكلية .

    بعبارة أوضح ، التناقض بين الدولة العراقية ، من جهة ، وبين دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، من جهة أخرى ، أما على المستوى الداخلي ، فيتبدى ذلك التناقض ، بين الوحدويين الوطنيين الساعين لصون وحدة الوطن المجتمع ، من ناحية ، وبين الإنفصاليين التجزيئيين وناشري شَّرِ التفتيت ومطلقي الفتن المُسّلحة عبر الحرب العبثية لشرذمة المجتمع ، من ناحية أخرى  .

    ومعلوم ، إنّ تحديد التناقض الأساسي يتبلور في الواقع العالمي اليوم ، ويتجسد أيضاً ، بين العمل ورأس المال . وبين الشعوب والأُمم المضطهدة والإمبريالية في مرحلة القطبية المتفردة ، وهو الأمر الذي يعيد الإعتبار اليوم ، للشعار الثوري العالمي، ((ياعمال العالم ويا أيتها الأمم والشعوب المُضطهَدة إتحدوا)) الذي شكّل الأساس الفكري لسياسة الدفاع عن الوطن وحركة شعوب الشرق التحررية ، في مؤتمر ((باكو)) الشهير ، وسيتبلور على ضوء بروز القطب الهتلري  الألماني عالمياً ، مع الديموتروفية الأممية ـ نعني به جورج ديمتروف ، سكرتير الحزب الشيوعي البلغاري ، سكرتير الأممية السابعة الشيوعية ـ عشـية الحرب العالمية الثانية ، وعام 1937 على وجه التحديد ، بشعار ((الجبهة الوطنية الموّحدة)) .

    وهناك التناقض بين الإمبرياليين أنفسهم ، أي بين دول العالم الشمالي ، والذي تحاول دولة الولايات المتحدة الأمريكية إلتهام أدوار شقيقاتها في الإستغلال ، ومُصادرة ((مصالحهم)) في بلدان العالم الجنوبي ، ومحاولتها ربط حتى إقتصادهم الأوروبي ، والياباني كذلك ، في عجلتها الإقتصادية ، وبالتالي دمجهم في سوقها الكونية .

    أي إنَّ هذه المقدَّمة الفكرية والسياسية ، مُقدمة السيد الكاتب ، والتي اُسْتِّخدَمتْ كمقياس والإستدلال ، والبناء عليها من إستنتاج وآراء ، قد أصابها الخلل منذ البداية ، إنَّ الصراع الموضوعي ، وبالنسبة إليه ، هو صرّاع عائم ولا يُعْرَف قطباه إطلاقاً ولا يُدرك طرفاه كذلك ، و مادام الأمر كذلك ، فإنَّ الأَمر الطبيعي ، أن يتواضع الكاتب ، و يمنح شيئاً من بركاته الذاتية ((الوطنية)) على الآخرين المخالفين لوجهة نظره ، أو المختلفين مع مَـنْ إصطفاهم وطنيين خلَّص بالرغم من تاريخهم المليء بالشك أو الإدعاء . 

    ربما يمكن الكلام عنهم ((بإعتبارهم أقلية وطنية مؤلَّفة من أفراد خارج ، أو على  مقربَة بعض الأحزاب الوطنية السياسية المعارِضة ، أو من أقليات (وطنية) داخل بعض تلك الأحزاب)) ، وبالرغم من هذه الـ((ربما)) الشحيحة التي يتكارم بها على الوطنيين العراقيين ، وبالرغم من توصيفها بـ((الأقلية)) إلاّ أنَّ من بين صفوفها أيضاً أدعياء الوطنية ، بلـهَ أسوأهم أيضاً .

شبكة البصرة

الاثنين 7 ربيع الثاني 1426 / 16 آيار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس