حوار على ضوء المباديء والتاريخ

بين الرؤية الوطنية ومدعِّي الموقف الوطني

إصدار جريدة نداء الوطن أوائل عام 2002

الجزء الأول

شبكة البصرة

باقر الصراّف

أقلية ولكن هي الأسوأ؟!

الحلقة التاسعة

    ((ولعل أسوأ أنواع أدعياء الوطنية هُـمْ أولئك (المعارضون) المدافعون عن النظام والمتشبهون به)) هنا يلجأ السيد اللامي لمماهاة الوطن بالنظام على الرغم من رغبته النافية لتلك المماهاة ، وإرادته الكارهة لها ، كون ((نداء الوطن)) وضعت الوطن العراقي ، كمفهوم ووجود على رأس إهتماماتها النضالية في الفكر والعمل ، سـواء عِبر محتوى الإسم الذي يُعَـبِّر عنها ، أو التحديد الفكري والدور الإعلامي الذي يؤشر لإتجاهها : منبر الرؤية الوطنية ، صوت التيار التيار الوطني .

    وتوضيحها بإنها ((جريدة سياسية تعبِّر عن مواقف التيار الوطني العراقي)) ، وتأكيدها الواضح والحاسـم ، بـ((أننا جزء من هذا التيار الوطني العريض ، وهذه الجريدة صوت من أصواته الجريئة المدوية)) .

    وبما أن السيد الكاتب يعُّدُ أي موقف وطني ملموس دون شروط أو إشـتراطات ، إلاّ المنبثقة من الآصِّرَةِ الوطنية ذاتها ، هو دعم لا محدود وغير مشروط للنظام ، فإنِّ ((نداء الوطن)) وبالضرورة ، ستكون مدافعة عن النظام وليس الوطن ، أما تحديداتها الفكرية ، وإعلان مواقفها السياسية ، فلا أهمية لها طالما شطب الكاتب بخفة جهله ، مُقدَّماً ، عن أي وجود سياسي وطني راهن ، وإنعدامه في الواقع الراهن تماماً .

    ويغدو عـند ذلك ، كل مُنْجـز وطـني ، حـتى لـو كـان إصلاحاً للبنية التحتية التي دّمـرهـا المعتدون ، من قِبَل العلماء العراقيين المبدعين ، أو عطاءً للفلاحين في ميادين الإنتاج الغذائي والعمل الزراعي ، أو إطلاق الضباط الأبطال والجنود الأشاوس من أبناء جيشنا العراقي الباسل ، الرابضين في شـمال وجنوب الوطن .... إطلاقهم النيران على طائرات الأعداء الغربيين ـ الأمريكيين والبريطانيين ـ في تجسيد حي لإرادة المقاتلين وإرادة التحدي الوطنية ، مثلاً ... إنَّ كل ذلك من إنجازات النظام وليس الشعب ، أو ليس ناجماً عن اللحمة الوطنية لمقومات الدولة العراقية .

    للسيد الكاتب سابقة مُسَـجَلة على صعيد المماهاة تلك ، عندما طابق كلّياً بين الدولة ـ كمنجز وطني ـ تأسست في العشرينات ، على أثر إضطرار الإستعمار البريطاني التقهقر من واجهة الإنتداب على العراق ،  الى حكم الإستعمار غير المباشر على العراق ، تحت وطأة ضربات شهداء وأبطال ثورة حزيران عام 1920 الوطنية التحررية ، وتسليمه السلطة السياسية المباشرة الى الأيادي العراقية ... طابق كلّياً بين الدولة والسلطة السياسية ، التي تصدرتها غداة التأسيس ، من حيث المضمون الطبقي والفكري ، والتي مرَّت بمراحل مختلفة في العهدين الملكي والجمهوري ، وحتى نظامها القائم منذ 17/تموز/1968 ، والذي كان ديموقراطياً ثورياً ذا توجه إشتراكي ، وفقاً لبعض الأحزاب التي تحالفت معه ، في الجبهة الوطنية التقدمية الشهيرة منذ العام 1973 ، أو إستبدادية قمعية ، وفقاً لخصومه ورافضي نهجه في إدارة الحكم .

   وتبعاً للتعاقب الزمني على صيرورتها وتطورها سلطة تقود النظام غداة تأسيس الدولة ، وتبدل نسب ومواقع قوى تلك السُلطة الأساسية ، من الناحية القومية والطبقية والإجتماعية ... طابقها كلياً من خلال مطالبته ((بتشديد الحصار على الدولة)) و((العُصابة المحمية من الغرب)) . [9] .

    وبدلاً من التوجه الإستدلالي لمناقشة مضمون الخطاب السياسي الذي تحمله ((نداء الوطن)) على ضوء المعايير الوطنية التي حددتها وتلتزم بها ـ {سنتطرق لها لاحقاً} ـ وعلى ضوء طابع المرحلة التاريخية ، وإتجاهات الأطراف المتصارعة ، فكرياً وسياسياً وإقتصادياً ، على المستويات الوطنية والعربية والإقليمية والعالمية ، فإنَّ السيد الكاتب يلجأ إلى التطرق الإسماء ، أو بعضهم ، وإلى إصطفاء أوإقتناص خبر إعلامي عابر  ـ بالرغم من أهميته وأهمية دوره في إدارة بعض مفردات العدوان الغربي على العراق العظيم ـ وَرَدَ في الصحيفة ، بإعتباره جوهر فكر الجريدة ، ونهجها السياسي ، خلال تقويمه المُشار إليه ، ويا ليته فهم المغزى الفعلي لذلك الخبر الإعلامي ، ومضمونه الفكري والعملي في سياقه .

     لقد وضع الإصطفاء الذاتي بإقتناص ذلك الخبر بإعتباره ((معايير فكرية وسياسية)) له ، لتقويم تلك الجريدة على الصُعُد كافّة ، ولو أخذنا صياغة الأخبار ، شكلاً ومضموناً ، معياراً للحكم على المحتوى الفكري للصحف ، وإتجاهاتها السياسية ـ أية صُحف وبالمطلق ـ لجاز لنا شطبها كلها ، ولأنتفت الحاجة إلى أهمية الإفتتاحيات ، والخط السياسي ، أو الرؤية السياسية والثقافية العامة ، لكل النشرات والصحُف والمجلات ، ولصار المحررون فيها وكتاباتهم ، هُم مؤشر إتجاهاتها ، والمعَّبرون عن هويتها الفكرية ونهجها السياسي ، وليس مضمون مقالاتها الأساسية والإفتتاحية . . .    

    يقول السـيد الكاتب، في ((القدس العربي)) بالعدد المشار إليه في ما سبق ، ((كمجموعة (نداء الوطن) وهي نشرة أنيقة يكتب بها السادة عوني القلمجي وباقر الصرّاف وعبد الجبار الكبيسي وآخرون ، والتي تريد أنْ تكون ملكية أكثر من (صاحب الجلالة) ، وتقَلِّد النظام في أتعس مظاهر شوفينيته حين تشكك في عروبة خصومها السياسيين)).

    إذا كان النظـام القائم يٌعلن ليل نهار عن إلتزامه القومي العربي ، ويؤمن بالرؤية القومية وفق ذلك الإعلان ـ وهي تتضمن الرؤية الوطنية أيضاً ، كرؤية فلسفة فكرية وممارسة عملية ، ولكنها أوسع وأشمل في منطلقاتها {أي القومية} الفكرية . . . ـ إذا كان النظام يُعلن إلتزامه بها ، بإعتبارها المعيار الفكري والتنظيمي لإلتزامه على كل الصُعُد ، فهذا شأنه ، وهو في أية حال يفتخر بها ، ولا ينكرها أبداً ، بل يعتبرها لصالحه ، ولكن هذه الرؤية السياسية ، من وجهة نظرنا في الجريدة، جريدة ((نداء الوطن)) ، وفي الواقع المحسوس والراهن ، وعلى مستوى الوطن العراقي ، وبسبب طبيعة المجتمع العراقي ، وتنوع تركيبته القومية التكوينية ، أكثر ضيقاً وتشدداً من الرؤية الوطنية العامة .

    ويغدو حينها منطق السيد الكاتب ، ومعياره المكتوب بخط يـده ، مدحاً للنظام وليس مأخذاً عليه ، وإنَّ الأتعس بالنسبة له هو الأسمى والأفضل ، كونه ينظر الى خصومه السياسيين على ضوء المعيار القومي العربي ، وذلك يتسق مع معاييره الفكرية والسياسية ، ومادام السيد الكاتب يعتبر هذا ((التشكيك في عروبة خصومه السياسيين)) هو الأتعس عند النظام ، فإن كل ما عدا ذلك عنده من كبائر السلطة بحق الأمة والعروبة والوطني العراقي تهون ، كما يبدو عند السيد الكاتب ، بما فيها إتهامه لها في (( التسبب بمشاكل العراق مع العرب والعالم كله)) .

    وأما محاولة تقليدنا للنظام ، ونكون ملكيين أكثر من الملك ، أو من صـاحب الجلالة وفقاً لتعبيره الطريف ، في هذا المجال ، ومن خلال المثال الذي أورده ، فإننا لن نقدِر بكل بساطة ، حتى لو رغبنا في ذلك ، لأننا حدَّدنا  معايير رؤيتنا بالدائرة الوطنية ، وما يُكتب بصحيفة ((نداء الوطن)) ، ووفق معيار تحديد الدائرة الوطنية ، ينطلق من الإيمان بالوطن كمفهوم ووجود ، وبالتالي يستطيع أي وطني ، وبغض النظـر عن معتقده الأيديولوجي ، وإنتمائه الحضاري ، وإلتزامه القومي ، الإسهام بها ، طالما يؤمِن حقاً ويلتزم فعلاً ، بالوطنية العراقية كمفهوم عيني وممارسة عملية ، ويناضل في سبيل الوطن بصيانته من مخططات التدمير والتجزئة ، وتعزيز لُحمة مجتمعه بحمايته من شرور التفتيت والشرذمة .

    وكذلك المساهمة فيها من قِبَـل القوميين العرب ، ووطنييهم ، وتقدمييهم ، ومتدينيهم ، من أبناء أمتنا العربية ، ممن يتعاطفون ويناصرون هذه الرؤية الوطنية العراقية ، ويدافعون عنها  .

    إنَّ أي نقضٍ لهذا الإتجاه الوطني ، أو تجاوزٍ لمعاييره ، تعَّد عملية تحجيم للقضية الوطنية ، وتفصيلها على قد مقاييسـنا الأيديولوجية ، و على معايير تكويناتنا التنظيمية ، إذْ إننا جميعاً كما نعتقد ، نكبر بالوطن العراقي والوطنية العراقية ، نسـتمد إيماننا بهما الذي لا ينضب منه ، وكذلك نبني على مداميكه التاريخية ، قناعاتنا السياسية .

     ولن نكون كالجاهليين الآخرين عندما يخلقون آلهتهم الحزبية ، ويعبدونها في إجتماعاتهم السرية ، ويستخدمونها ، كذلك ـ عند الحاجة ـ بالرحيل إلى عكاظ العاصمة الأمريكية ((واشنطن)) ، والعاصمة البريطانية ((لندن)) ، وإلى قصور آل صباح ، وخزائن آل سعود ، كسباً للمال الداعم لشراهتها ، كما هو ديدن ظاهرة الأحزاب التي أقيمت بإسـم الوطن ، وسعت إلى تحرره ، وعملت ـ أو هكذا إدعتْ ـ لاِستقلال الشعب وسعادته ، وعملت على إضطراد تقدمه ، ولكن القائمين عليها جعلوها هي الغاية والهدف والوسيلة/المطية لأطماعهم ، حتى لو قدّموا الوطن والشعب أُضحية لها .

ـــــــــــ

الهوامش والملاحظات

    [9] ـ نُشِرَت مقالة الكاتب الموما إليه في صحيفة ((القدس العربي)) الغراء ، في العدد المرقـم 2823 والمؤرخ في 13/4/1998 .

شبكة البصرة

 الثلاثاء 8 ربيع الثاني 1426 / 17 آيار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس