يوم في حياة العراقيين تحت الاحتلال

رعب وجرائم وإذلال

شبكة البصرة

وليد الزبيدي

لنبدأ من ليل العراقيين، الذي تغير تماما، ولم يعد ذلك الليل، الذي يبدأ مساؤه بهدوء، بل أن الغروب الآن، يعني تسارع الحركة في الشوارع، ويجهد الناس أنفسهم للوصول إلى بيوتهم، فقدوم الليل، يعني وجود عدة أخطار تهدد الذين في الشوارع، أو المحلات العامة، وهناك أخطار تداهم، الذين يمكثون بتوتر داخل منازلهم..

سنتعرض لأهم الأخطار التي قد تدهم المرء في أية لحظة، مع بدء الليل، الذي يعكس حالة غريبة، يشعر بها الناس، وهم يبدأون بالتحاف الظلمة، مع غروب الشمس..

من أهم هذه الأخطار:

أولاً: احتمال اقتحام البيت من قبل جنود الاحتلال الأمريكي، وعند ذاك يحصل ما هو مرعب، يصل حد القتل والاعتقال، أو سرقة موجودات البيت، من كل شيء خف وزنه وغلى ثمنه.

ثانياً: التعرض للقتل بسلاح نقاط التفتيش الأمريكية، إذا ما اضطر المرء لاستعمال سيارته في الساعات الأولى من الليل، وقبل أن تبدأ مدة حظر التجوال في الحادية عشرة بالتوقيت المحلي، وهذا ما يحصل باستمرار ويروح ضحيته بعض أفراد العائلة.

ثالثاً: اقتحام المنزل من قبل عصابة، لتقتل من تريد وتسرق ما تشاء. ولا وجود لقوة تردع هؤلاء، في ظل الفوضى، التي جاء بها الاحتلال الأمريكي للعراق.

رابعاً: أخطار الأمراض المفاجئة والعوارض الصحية، التي قد تودي بحياة المصاب، إذا ما حصل ذلك أثناء فترة حظر التجوال، لأن الخروج إلى الشارع قد يعني القتل السريع على أيدي القوات الأمريكية.

هذه أهم الأخطار، التي قد تداهم أي بيت في العراق، أثناء الليل، وهذا ما يعطي صورة أخرى، تبدأ بالخوف والهلع، وتصل إلى حد القتل والاعتقال، وتحطيم الأبواب وتدمير مداخل البيت.

وصية الأب لأبنائه: لا تتحركوا إذا ما تم هدم سياج المنزل أو تحطمت النوافذ والأبواب

بعد تردد طويل، وتخوف مشروع، من أن يزرع الأب الرعب والهلع في نفوس أطفاله، اضطر الرجل مرغما، على إلقاء محاضرة، على الأطفال وأمهم، ودون أن يتمكن من ايجاد المقدمات، التي قد تخفف من هول تلك الوصايا، دخل في الموضوع مباشرة، متحدثا عن احتمالات غزو منزلهم في ساعات الليل المتأخرة من قبل الجنود الأمريكيين، مستشهدا بعدة غزوات وغارات ليلية، تعرض لها الكثيرون في بغداد والمدن وحتى القرى العراقية.

هذه الحوادث يتداولها الناس يوميا ويتحدثون عن القتل الذي يتعرض له أفراد العائلة، عندما يقتحم عشرات الجنود الأمريكيين المدججين بالسلاح، تلك البيوت، بحجة البحث عن مطلوبين، أو الاشتباه بالمنزل، وربما يحصل ذلك تبعا لمزاج جنود الاحتلال، إذ ليس مسموحا لأحد من أفراد العائلة بالسؤال، لأن التصرفات الوقحة وإهانة الجميع والصراخ بوجوه النساء والأطفال، وتقييد الأبناء والرجال، وطرحهم أرضا، يسبق كل إجراء.

المهم ما جاء في وصايا الأب، التي انحصرت بالتأكيد على ضرورة أن يتسمر الأولاد والأطفال والنساء في أماكنهم، ولا يتحركون على الإطلاق، إذا ما سمعوا زمجرة المدرعات وهي تهدم سياج المنزل، والجنود وهم يقتلعون باب البيت ويحطمون النوافذ، يكرر الأب وصيته، مستخدما الحدة والقسوة ايضا، ويشرح بعد ذلك، أسباب هذه الوصية، التي قد تجعل الأطفال بخاصة، يعيشون حالة رعب وهلع دائمين أثناء نومهم.

يقول في توضيح أسباب ذلك، أن الجنود الأمريكيين، يسارعون إلى قتل كل من يتحرك داخل البيت، ويذكر تفاصيل مقتل فلان وفلان، من بين تلك القصص ما حصل بمنطقة (زيونة) ببغداد، على سبيل المثال لا الحصر، عندما أصيب الصبي بذعر من الزمجرة والصراخ، فركض من فراشه صوب أمه، ومع أنه يركض بالاتجاه المعاكس للجندي الأمريكي، إلا أن الأخير صوب بندقيته وأرداه قتيلا، بين أحضان والدته مضرجا بدمائه، أما الأب حاول أن يتحرك هو الآخر فقتلوه هو الآخر في الحال، وبقيت الزوجة تلطم وتبكي وتمزق ثيابها، في حين عبث الجنود بالبيت وحطموا كل شيء، وخرجوا دون أن يعثروا على شيء، ما خلا تلك الجثث التي تركوها مضرجة بالدماء!!

ويضطر الأب، لرسم صورة الجريمة المرعبة بكامل تفاصيلها، حتى يتمكن من تخويف الأطفال على أعلى ما تكون درجات الرعب، لكي يثبتوا بأماكنهم، تحت هول الخوف والهلع، ومع أن الغالبية من الآباء، يدركون أن التأثيرات النفسية على الأطفال خاصة، في مثل هذه الوصايا المهولة، قد تصل إلى إحداث شرخ كبير، في البنية السيكولوجية المفروشة بالبراءة الحالمة.

لكنه يضطر لممارسة دور المرعب، مرددا مع نفسه كل شيء، إلا.. ولا يستطيع أن يكمل الجملة، ولا يتمكن من تصور الحالة التي قد تحصل في كل بيت تحت جنح الظلام، إذا ما داهمت الدوريات الأمريكية ذلك البيت، ولأي سبب كان.

نصيحتان

جميع النصائح أو الوصايا، لا تأتي من فراغ، فما أن ترتكب القوات الأمريكية مجزرة أو اعتداء على الناس، حتى يتناقل العراقيون تلك الصور، وتتحول إلى موضوع جدير بالمناقشة، ومن بين تلك القصص، ما حصل في بداية تموز/يوليو، عندما حاصرت القوات الأمريكية (حي الجهاد) في الضاحية الغربية من العاصمة، ولم يكن الوقت متأخرا بل كان في بداية الليل (التاسعة والنصف حسب التوقيت الصيفي). وأثناء تجوال دورية في أحد أزقة الحي، أطل الطفل (محمد الكبيسي 11 سنة) من الطابق الثاني، بعد أن سمع زمجرة وأصواتاً غريبة، ليستطلع ما يحدث بعفوية طفولية، فصوب الجندي الأمريكي البندقية، ذات الناظور الليلي صوبه، ويقول الجيران أن المترجم العراقي صرخ بالأمريكي، شاعرا بخطورة اللحظة (baby) أي طفل ورد الأمريكي (No baby) وقد ضغط على الزناد وقتل الطفل في مكانه، وفجعت العائلة، لا لسبب، إلا لأن الجندي الأمريكي أراد أن يرتكب جريمة في ليل بغداد، وعلى مرأى الجميع، ولم يتوقف لحظة، بل سار بخطوات متواصلة، بحثا عن ضحية أخرى، ليقتلها بلا سبب يذكر.

وبعد أن تداول العراقيون هذه القصة والألم يعتصر قلوب الآباء والأمهات وجميع الناس اصدر الأب وصيته الصارمة، بعدم النظر خارج البيت، أو التحديق من النافذة، أو الاقتراب من السياج الخارجي للبيت لأن القتل قد يكون بانتظاره على أيدي الجنود الأمريكيين، الذين يجوبون الأزقة، بحجة المحافظة على الأمن، لكنهم في الحقيقة، يحافظون على استمرار القتل وارتكاب المجازر بحق الأبرياء.

أما النصيحة الثانية، فتتعلق بحركة الناس خاصة أثناء الليل، ولهذا تقلصت جلسات الشباب وكبار السن عند مداخل الأزقة، أو في المقاهي، وتتحاشى العوائل العراقية، زيارة الأهل والأقارب أثناء الليل، ويحاول الجميع، الانتهاء من الزيارات الاجتماعية، والتسوق قبل غروب الشمس، لأن ليل العراق تحول إلى رعد وقصف وخوف يستوطن كل بقعة، ويجثم فوق سعفات النخيل، ويتوزع على الحدائق العامة، وفوق الأرصفة.

زي رجالي خاص

فرض ليل الاحتلال في العراق، من بين ما فرض من إجراءات ومستلزمات، فرض زيا يلتزم به الغالبية العظمى من العراقيين، فبالرغم من حرارة الجو اللاهبة في هذا الصيف يضطر الرجال، لارتداء ملابس (لائقة) يظهرون بها، أمام الناس، إذا ما ظهروا على شاشات التلفاز، في حالة مداهمة بيوتهم، من قبل قوات الاحتلال، واعتقالهم، تحت أي ذريعة، ولأن أساليب الجنود الأمريكيين قاسية ومتعجرفة، فإنها لا تسمح لأي عراقي أن يغير ملابسه فيسارعون إلى تقييد يديه، ووضع الكيس على رأسه، الذي يغطي اسفل الرقبة، ويتم طرحه أرضا، ولا يتأخرون في ركله، ثم يأخذونه إلى أماكن مجهولة، لا أحد يعرف ماذا يستخدمون معه، من أساليب ووسائل، لأنه يصبح في عداد المفقودين، لا أحد يسأل، ولا نافذة لمعرفة ماذا يحصل معه، لأن البشاعة في السلوك وفي التعامل، وفي التصرف تكون على أعلى درجات القسوة، التي تمارسها قوات الدولة التي تقول أنها تحتل المرتبة الأولى في الديمقراطية، وفي احترام حقوق الإنسان!!

ولأن كل عراقي معرض للاعتقال، من قبل القوات الأمريكية، فإن الرجال والشباب، يضطرون لارتداء الملابس الطويلة (الدشاديش) متحملين حرارة الجو، ولكن ليس باليد حيلة، لأن الجنود المتوحشين، يسحبون الرجل من بين عائلته بالصورة التي ذكرناها، دون أن يسمحوا له بتغيير ملابسه، لهذا تجد الرجال والشباب، وقد خصصوا ملابس الليل، التي تعني، سيطرة هاجس اعتقالهم في أي وقت، ومن دون أن يعرفوا سببا لذلك.

الطريق إلى المساجد

ربما هي المرة الأولى، التي تحصل فيها حالة خوف على الأب والأخ، لأنه يخرج فجرا قاصدا المسجد، لأداء صلاة الفجر، وإذا تجرأت الكثير من العوائل، وطالبت الرجال بعدم الذهاب، رغم أن ذلك يخالف الدين الإسلامي، إلا أنهم يتكئون على ما يحمله هذا الدين العظيم من تسامح كبير، وسبب ذلك يعود إلى احتمالات تعرض الرجال إلى إطلاق نار واعتقال من قبل الدوريات الأمريكية. طبعاً حاول قادة الاحتلال، أن يتظاهروا باحترامهم للطقوس الدينية، عندما حددوا مدة حظر التجوال، قبل صلاة الفجر، لكن القسوة والوحشية، التي يتصرف بها الجنود الأمريكيون، تدفع بالكثير من العوائل، للطلب بلطف من المصلين من أفراد عوائلهم للبقاء داخل البيت، وأداء الصلاة، خشية من الجحيم الأمريكي، الذي قد يطال أي شخص يكون أمامهم.

المرضى والقتل الأمريكي

تحرص العوائل العراقية، على تجنب أكل الأجبان، وتناول مشتقاتها قدر الإمكان خاصة أثناء العشاء، خشية أن تكون غير صالحة للاستهلاك البشري، فتتسبب بتسمم لأحد أفراد العائلة أو جميعهم، وعند ذاك ستحل الكارثة الكبرى!!

فالطريق إلى أي مستشفى، يكون زاخرا باحتمالات القتل، من قبل القوات الأمريكية، ففي كل تقاطع أو استدارة يمكن أن يطلق الجنود قذائفهم لقتل كل من يجلس في السيارة، وهذا حصل لمرات كثيرة، ومع أن السيارة قد تكون بعيدة، ويمكن ضرب إطاراتها، وتعطيل حركتها، ومن ثم التدقيق في الأمر، من قبل الجنود الأمريكيين، إلا أن المشهد الذي يحصل في مثل هذه الحالات، ومن الواضح انه جاء بتوجيه مركزي من الإدارة الأمريكية، أو على الأقل البنتاغون، أن يتم قتل جميع الأشخاص داخل السيارة، حتى إذا كانوا من الأطفال والنساء، وأبشع لحظة في صورة هذه الجريمة، هو ترك الجرحى ينزفون بأماكنهم، دون أن يتم تقديم أي إسعافات للجرحى فيلحقون بمن قتل، أو يظلون يصارعون الآلام المبرحة، طبعا هذا يتم، بعد أن تتأكد الدورية الأمريكية، من أن الذين بداخل السيارة، هم عائلة اضطرتهم الظروف الحرجة جدا للخروج، في مثل هذا الوقت.

أما إذا اقترب موعد المخاض لسيدة، فإن الخوف والهلع يسيطران على أفراد العائلة، خشية أن يأتي المخاض في ساعات الليل، وهنا ستكون الكارثة الكبرى، التي قد تؤدي إلى الفجيعة الأكبر، لهذا فإن العراقيين، بدأوا باتخاذ الاحتياطات اللازمة، فمثلا ازداد اللجوء إلى القابلات المأذونات اللاتي يقطن الأحياء أو يتم الاتفاق معهن، وتفضل بعض العائلات استضافة القابلة لعدة أيام، خشية أن يأتي المخاض تحت جنح الظلام، وبين رشاشات الجنود الأمريكيين.

عوائل أخرى تضطر إلى الذهاب بالمرأة الحامل، إلى المستشفى، وتبقى هناك، مع اقتراب موعد المخاض، وإذا ما تأخر الموعد، فإن العائلة تدخل في حالة إنذار قصوى، متحملة هذا الخوف والقلق.

وأصبح انتظار المولود عند العائلة العراقية، مقترنا بهواجس خوف جديدة، خشية أن يكون المخاض ليلا، الذي يحمل كل أنواع التهديد بالقتل، وتخيم صورة الموت والرعب في أذياله المترامية الأطراف.

عصابات الليل

في مثل هذه الظروف، التي تبدأ مع هطول الظلام، فإن العائلة العراقية، تضع في حساباتها، الخشية من اقتحام منزلها، من قبل العصابات، التي قد تستغل الفوضى أو عدم وجود الشرطة، وتهاجم المنازل، وهذا يحصل باستمرار، وإن لم يكن بالحجم الذي يمكن أن يكون عليه، في ظرف اختفت فيه مظاهر الأمن والسلطة تماما، إلا أن هاجس الخوف من تلك العصابات يزداد مع بدء الظلام، الذي يخيم على الأحياء، بسبب الانقطاع شبه الدائم للتيار الكهربائي.

ولتوفير الأمن، عمد الكثير من الأحياء السكنية، لاختيار بعض الشباب، لحراسة المنطقة، وهذا يكون محدودا، أي في حدود الحي الصغير، وهؤلاء يكونون على شكل مجاميع، ويسارعون إلى التصدي، لأي عناصر غريبة، تدخل الحي، ويسمع أثناء الليل أحيانا إطلاق نار، وهذا غالبا ما يكون بمثابة إشارة، على وجود شباب يحرسون الحي، وربما يستهدف غرباء، يحاولون التسلل إلى المنطقة.

يفضل الكثير من العراقيين، النوم ليلا في فصل الصيف، فوق سطوح المنازل، وإذا كان البعض يفضل ذلك، فإن انقطاع التيار الكهربائي، اجبر الآخرين خلال السنوات الماضية، على قضاء الليل فوق السطوح، أما في الفصل الأول من عمر الاحتلال الأمريكي للعراق، فقد اختلف الأمر تماما، ومع أن التيار الكهربائي قد ينقطع لأسبوع أو اكثر، وإذا اطل بإطلالته البهية، فلا يأتي اكثر من ساعتين أو ثلاث ساعات، مع ذلك فإن عدة عوامل منعت العراقيين من النوم على السطوح، والتخلص من الحر اللاهب، ومحاولة الاستسلام اقل تشنجا، وفي مقدمة تلك العوامل، احتمالات سقوط شظايا أو رصاص على النائمين فوق السطح، وعند ذاك، تكون المصيبة، فإما أن يموت الإنسان، وإما أن يصاب بجروح، وتبدأ مشكلة علاجه وإسعافه، في ليل يتسيد العسس الأمريكي الأحياء، ويسارعون لقتل الجريح والمريض والطفل والعجوز.

العامل الثاني، الذي يمنع الناس من النوم فوق السطوح، هو أصوات الطائرات الأمريكية المرعبة، إذ تتجول أثناء الليل على ارتفاعات منخفضة جدا، بحيث تكاد تلامس السطوح والأشجار، محدثة حالة من الخوف والإزعاج، وبسبب استمرار تجوالها، فإنه يصبح من المستحيل أن يستطيع المرء الاستسلام للنوم، حتى وإن كان في أعلى مراحل الإرهاق والتعب.

وبهذا يعطل الاحتلال رغبات الناس، وحاجاتهم للنوم، والتقليل من إرهاق وإزعاج الحرارة اللاهبة حتى أثناء الليل.

احتلال الليل

الذي يسير في شوارع بغداد والمدن الأخرى، قبل الساعة الحادية عشرة ليلاً، يجد الخواء والحزن الذي يفترش الشوارع الفارغة والأرصفة المرمية بخجل على جانبي الطريق، لا أحد يتحرك، لا ضجيج ولا حركة، وتجد في كل زاوية رائحة الجندي الأمريكي المحتل، يتربص بالعراقيين، ليوجه قذائفه صوبهم، بعد أن احتل ليلهم الجميل، وحوله إلى قافلة من الخوف والرعب والقتل والهلع.

تعمد قتل المدنيين

بعد اكثر من أربعة اشهر من احتلال العراق من قبل القوات الأمريكية، يجد العراقيون أنفسهم، في بحر متلاطم الأمواج من المشكلات، تبدأ بالبطالة، التي تقول بعض التقديرات أنها تجاوزت الثمانين في المائة، ويرى العراقيون، أنها شاملة، ومن أمواج المشكلات الأخرى، الخوف على الفتيات والأبناء من الخطف، بعد أن ازدادت مثل هذه العمليات، بسبب الانفلات الأمني، ومشكلات تتعلق بصعوبة توفير مستلزمات الحياة اليومية من الغذاء والدواء، يضاف إلى ذلك كابوس الكهرباء، وما تسببه من تعب وإرهاق للناس، ووسط كل تلك الأمواج، فإن هاجس الخوف من تعرض المرء لنيران الجنود الأمريكيين، يسيطر على كل من يريد أن يجد حلا، لواحدة من هذه المشكلات، ويضطر للخروج من بيته، بحثا عن عمل، أو لجلب الثلج وسط حرارة الجو اللاهبة، وغير ذلك من الضرورات، التي تجبر المرء، على زيارة الشارع، الذي تتجول فيه المدرعات الأمريكية، والتي تسارع إلى قتل المدنيين، وقصف المنازل، إذا ما تعرضت لهجوم من قبل المقاومين العراقيين، ومن خلال ما يشاهده العراقيون، في كل مكان، فإن هذه القوات، تتعمد قتل المدنيين في الشارع، حال تعرضها لأي هجوم، مع انهم يدركون، أن المهاجمين قد انسحبوا تماما من المكان.

وقبل أن نرسم المشهد اليومي لحياة العراقيين، وهم يعيشون تحت هذه الأثقال، التي تفاقمت خلال هذه الأشهر من عمر الاحتلال، فإن الظاهرة المخيفة، التي برزت في حياة العراقيين، هي استهداف العلماء وأساتذة الجامعة، وقتلهم بصورة غامضة، دون أن تعلن أية جهة، أنها تقف وراء هذه الجرائم. وتُعد هذه الظاهرة، أخطر داء يهدد مستقبل العراق، من خلال استهداف رموزه العلمية والبحثية والطبية.

استهداف العلماء

قبل شهرين، وتحديدا في بداية شهر حزيران/يونيو الماضي، فوجئ بعض المسؤولين الإداريين في جامعة بغداد والجامعة المستنصرية وجامعات وكليات أخرى، بزيارة أشخاص غامضين، يطلبون عناوين سكن أسماء معينة من أساتذة الجامعات البارزين في مختلف حقول المعرفة، وحسب ما ذكر لي أحد الإداريين في جامعة بغداد، إن هؤلاء، لم يخفوا نواياهم في استهداف الأساتذة، وبسبب الفوضى الأمنية، وعدم وجود أي قوة تردعهم، أو قوة توقفهم، ولتأكدهم بأن الكلية، لا تستطيع استدعاء رجل شرطة، لإلقاء القبض عليهم، فإنهم كانوا يترددون اكثر من مرة، ويحاولون إجبار بعض الموظفين للحصول على عناوين سكن الأساتذة.

ما أن وصلت تلك الأخبار إلى المقصودين، وهم من كبار الأساتذة والعلماء، حتى اخذ البعض المسألة على محمل من الجد، واتخذ الاحتياطات اللازمة، من تغيير سكنه إذا كان قادرا على ذلك، أو عدم الخروج إلا للضرورات القصوى مع محاولة الاحتفاظ بسلاح شخصي في بيته، رغم احتمالات تعرضه للدهم والاعتقال، من قبل جنود الاحتلال الأمريكي، والتعامل معه بأقسى الأساليب، لوجود سلاح في منزله، لكنه يضطر لذلك.

ولتحاشي وقوع المحظور، انقطع الأساتذة عن كلياتهم، في محاولة لتجنب التعرض لخطر الاعتداء أو القتل.

بعض الأساتذة، وهم قلة، لم يقتنعوا بأن الأمر قد يصل إلى حد قتلهم لأي سبب كان، فالذي أفنى عمره في التدريس وفي البحوث، وفي الإشراف على طلبة الماجستير والدكتوراه، ليس من المعقول أن يتصور حاله، وهو مستهدف، وعدوا تلك الحركات صبيانية، ليس إلا، لكن حادثة اغتيال الدكتور صباح محمود محمد، عميد كلية التربية في الجامعة المستنصرية، كان بمثابة الخطر بعينه، وليس ناقوس الخطر، وأثار اغتيال الدكتور صباح حالة من الحزن والاندهاش، إذ انه من العلماء المختصين في موضوع المياه، وله عدة مؤلفات، تبحث في المشاريع (الاسرائيلية)، التي تستهدف سرقة المياه العربية، واشترك في العديد من المؤتمرات والندوات، التي بحثت في مستقبل المنطقة العربية لكن تلك الظهيرة، كانت فاصلة بين زمنين، وبينما كان عائدا مع زميل له في الجامعة، وهو لا يملك حتى سيارة شخصية، وسيارة زميله عبارة عن (فولكس واغن) صغيرة الحجم ومن موديلات السبعينات، فإذا بسيارة تعترض طريقهم، وتم إنزال د. صباح وقتله، وغادرت المجموعة المكان، بعد أن أطلقت الرصاص عليه بدم بارد، ولم يتعرض زميله لأذى.

حادث اغتيال بشع آخر، تعرض له العالم العراقي الكبير الدكتور محمد الراوي، وهو من عمالقة الطب في العراق، مشهود له بالسمعة الطيبة اجتماعيا وعلميا، شغل عدة مناصب، فقد عمل عميدا لكلية الطب بجامعة بغداد، وهي من أعرق كليات الطب في المنطقة العربية، وكان نقيبا للأطباء العراقيين، ورئيسا لجامعة بغداد، ولم يتخذ الدكتور الراوي، أية احترازات أمنية، رغم حالة الفوضى، فلم يتغيب عن عيادته الواقعة في حي المنصور ببغداد وهو من الأحياء السكنية والتجارية، التي تكتظ بالمراجعين، ولم يكلف أحدا من أقربائه بمرافقته، أو تأمين الحماية له، منطلقا من قناعة انه يقدم الخدمة الإنسانية، ويتكئ على ما يحمل من معرفة وعلم وخبرة.

لكن ذلك لم يشفع له، فحضر اثنان، وطلبا من السكرتيرة، أن يكونا في آخر القائمة، وما أن فرغت العيادة من المراجعين حتى دخلا على الضحية، وأردياه قتيلا في الحال، أصيب العراقيون بالدهشة والاستغراب لمقتله وعم الحزن مراجعيه وأهله وكل من سمع به.

شخصية إدارية وأكاديمية أخرى، سارت على نفس الطريق، هو الدكتور عبد الله محمود، الذي يعمل مديرا عاما لهيئة الضرائب، اختاره جميع الموظفين لكي يبقى في منصبه بعد احتلال العراق، فهو دمث الخلق، يمتلك خبرة كبيرة في اختصاصه، ومشهود له بالإدارة الناجحة.

وحصل ذات الشيء مع مديرة كهرباء بغداد الكرخ، ومدير عام الزيوت النباتية، وطبيب آخر مختص في علم النفس.

قائمة التهديدات ما زالت، ولا أحد يعرف من الذي يمكن أن يستهدف علماء وأطباء العراق، صحيفة (الساعة) المحلية نشرت افتتاحية اتهمت (الموساد الاسرائيلي) بالوقوف وراء هذه الجرائم، وقالت أن هذه الأعمال الإجرامية، تهدف إلى تفريغ البلد من العلماء والأطباء.

وهذا ما يحصل بالفعل، إذ أن هاجس الهجرة من العراق الذي كان يلامس عقول ومشاعر البعض، تحول إلى مشروع واسع، يخطط له الكثير من العلماء والأطباء والمهندسين، وأناس عاديين.

وهذا يعني أن أخطر نواقيس الخطر، بدأت تدق بعنف، ولا أحد يعرف، ماذا سيحصل. وما هي الأخطار التي تهدد العراق، إذا ما هاجر العلماء والأساتذة والأطباء في المرحلة الصعبة.

البطالة

مقاهي العراق التي تغص بالزبائن، رغم حرارة الجو وانقطاع الكهرباء، وهاجس الحذر والخوف من المجهول، تحكي هذه المقاهي قصة البطالة في العراق، فمنذ عقود، أخذ يجتمع على أريكة خشبية واحدة أصدقاء ومعارف كانوا لا يلتقون إلا مصادفة، أو أثناء المناسبات، بل أن الغالبية منهم، لم يلتقوا أصدقاء الطفولة وزملاء الدراسة، أما الآن فإن تزجية الوقت بالنقاشات والأحاديث واجترار الذكريات وممارسة لعبة الطاولة.

هذه الأريكة الخشبية المتهالكة، تعطي صورة لحجم البطالة التي تفشت في حياة العراقيين، وآثارها الخطيرة على حياة الناس ومستقبل العوائل.

فإذا كان أحد أهم أهداف رؤساء الولايات المتحدة، أثناء الحملات الانتخابية، هو تقليل عدد العاطلين عن العمل، وقطع الوعود وإعطاء العهود، لتحقيق ذلك الهدف فقد كان تفشي البطالة واتساعها في العراق، لتصل إلى اكثر من ثمانين في المائة، كانت هذه من أولى أهداف المسؤولين الأمريكيين، بعد أن احتلت قواتهم العراق. وبدأت البطالة، بعد أن تعطلت جميع دوائر ومؤسسات الدولة، عندما احتلت القوات الأمريكية العراق في التاسع من نيسان/إبريل 2003 وأصبح العراقيون جميعا عاطلين عن العمل، ومع وصول الجنرال الأمريكي المتقاعد (جي غارنر) ومعه فريق كبير من بين أعضائه السفيرة (بربارا بودن)، بدأ الناس بانتظار عودة الحياة إلى مساراتها الأولى، وأعطى المسؤول الأمريكي وعودا براقة، وجعل الناس يرسمون بعض الأحلام، إلا أن شيئا لم يتحقق من تلك الوعود، ومرت خمسة أسابيع، ليصل مسؤول مدني إلى بغداد هو (السفير بول بريمر)، وبدلا من أن يجد حلولا لمشكلات العراقيين، أطلق عاصفة قوية من القرارات، التي لاقت استهجان واستنكار العراقيين، وتمثلت تلك القرارات بحل الوزارات السيادية (وزارة الدفاع ووزارة الإعلام)، كما اصدر قرارا آخر منع بموجبه أعضاء حزب البعث من العمل في الدوائر، وبعملية حسابية بسيطة، نجد أن المسؤول الأمريكي، حرم بهذه القرارات اكثر من مليون عراقي من العمل، وأحالهم إلى قوائم العاطلين، وعندما نقول مليون شخص، نقصد من بين الطبقة العاملة في الدولة العراقية.

ويضاف إلى ذلك جميع العاملين في الأجهزة الأمنية وفي ديوان الرئاسة السابق، وفي الدوائر العلمية والخدمية المرتبطة بالقصر الجمهوري.

من هنا وجد الغالبية العظمى من العراقيين أنفسهم بلا عمل، كما أن هذه الكفاءات التي تخدم بلدها تم تعطيلها بجرة قلم واحدة من قبل ما يسمى بالحاكم المدني في العراق (بول بريمر).

العاطلون عن العمل في العراق يحملون اكثر من ألم، فهم لا يعرفون ما هو مصيرهم، وماذا سيعملون، لأن الذين تظاهروا على أمل أن تستجيب الإدارة الأمريكية لمطالبهم، لم يحصلوا على أي شيء من الديمقراطية الأمريكية، ما خلا ذلك المشهد التاريخي، عندما تظاهر عدة عشرات من العسكريين، في تجمع سلمي للمطالبة بصرف رواتبهم، فما كان من إحدى المجندات الأمريكيات إلا أن صوبت بندقيتها وقتلت اثنين من المتظاهري