يوم في حياة العراقيين تحت الاحتلال

رعب وجرائم وإذلال

شبكة البصرة

وليد الزبيدي

لنبدأ من ليل العراقيين، الذي تغير تماما، ولم يعد ذلك الليل، الذي يبدأ مساؤه بهدوء، بل أن الغروب الآن، يعني تسارع الحركة في الشوارع، ويجهد الناس أنفسهم للوصول إلى بيوتهم، فقدوم الليل، يعني وجود عدة أخطار تهدد الذين في الشوارع، أو المحلات العامة، وهناك أخطار تداهم، الذين يمكثون بتوتر داخل منازلهم..

سنتعرض لأهم الأخطار التي قد تدهم المرء في أية لحظة، مع بدء الليل، الذي يعكس حالة غريبة، يشعر بها الناس، وهم يبدأون بالتحاف الظلمة، مع غروب الشمس..

من أهم هذه الأخطار:

أولاً: احتمال اقتحام البيت من قبل جنود الاحتلال الأمريكي، وعند ذاك يحصل ما هو مرعب، يصل حد القتل والاعتقال، أو سرقة موجودات البيت، من كل شيء خف وزنه وغلى ثمنه.

ثانياً: التعرض للقتل بسلاح نقاط التفتيش الأمريكية، إذا ما اضطر المرء لاستعمال سيارته في الساعات الأولى من الليل، وقبل أن تبدأ مدة حظر التجوال في الحادية عشرة بالتوقيت المحلي، وهذا ما يحصل باستمرار ويروح ضحيته بعض أفراد العائلة.

ثالثاً: اقتحام المنزل من قبل عصابة، لتقتل من تريد وتسرق ما تشاء. ولا وجود لقوة تردع هؤلاء، في ظل الفوضى، التي جاء بها الاحتلال الأمريكي للعراق.

رابعاً: أخطار الأمراض المفاجئة والعوارض الصحية، التي قد تودي بحياة المصاب، إذا ما حصل ذلك أثناء فترة حظر التجوال، لأن الخروج إلى الشارع قد يعني القتل السريع على أيدي القوات الأمريكية.

هذه أهم الأخطار، التي قد تداهم أي بيت في العراق، أثناء الليل، وهذا ما يعطي صورة أخرى، تبدأ بالخوف والهلع، وتصل إلى حد القتل والاعتقال، وتحطيم الأبواب وتدمير مداخل البيت.

وصية الأب لأبنائه: لا تتحركوا إذا ما تم هدم سياج المنزل أو تحطمت النوافذ والأبواب

بعد تردد طويل، وتخوف مشروع، من أن يزرع الأب الرعب والهلع في نفوس أطفاله، اضطر الرجل مرغما، على إلقاء محاضرة، على الأطفال وأمهم، ودون أن يتمكن من ايجاد المقدمات، التي قد تخفف من هول تلك الوصايا، دخل في الموضوع مباشرة، متحدثا عن احتمالات غزو منزلهم في ساعات الليل المتأخرة من قبل الجنود الأمريكيين، مستشهدا بعدة غزوات وغارات ليلية، تعرض لها الكثيرون في بغداد والمدن وحتى القرى العراقية.

هذه الحوادث يتداولها الناس يوميا ويتحدثون عن القتل الذي يتعرض له أفراد العائلة، عندما يقتحم عشرات الجنود الأمريكيين المدججين بالسلاح، تلك البيوت، بحجة البحث عن مطلوبين، أو الاشتباه بالمنزل، وربما يحصل ذلك تبعا لمزاج جنود الاحتلال، إذ ليس مسموحا لأحد من أفراد العائلة بالسؤال، لأن التصرفات الوقحة وإهانة الجميع والصراخ بوجوه النساء والأطفال، وتقييد الأبناء والرجال، وطرحهم أرضا، يسبق كل إجراء.

المهم ما جاء في وصايا الأب، التي انحصرت بالتأكيد على ضرورة أن يتسمر الأولاد والأطفال والنساء في أماكنهم، ولا يتحركون على الإطلاق، إذا ما سمعوا زمجرة المدرعات وهي تهدم سياج المنزل، والجنود وهم يقتلعون باب البيت ويحطمون النوافذ، يكرر الأب وصيته، مستخدما الحدة والقسوة ايضا، ويشرح بعد ذلك، أسباب هذه الوصية، التي قد تجعل الأطفال بخاصة، يعيشون حالة رعب وهلع دائمين أثناء نومهم.

يقول في توضيح أسباب ذلك، أن الجنود الأمريكيين، يسارعون إلى قتل كل من يتحرك داخل البيت، ويذكر تفاصيل مقتل فلان وفلان، من بين تلك القصص ما حصل بمنطقة (زيونة) ببغداد، على سبيل المثال لا الحصر، عندما أصيب الصبي بذعر من الزمجرة والصراخ، فركض من فراشه صوب أمه، ومع أنه يركض بالاتجاه المعاكس للجندي الأمريكي، إلا أن الأخير صوب بندقيته وأرداه قتيلا، بين أحضان والدته مضرجا بدمائه، أما الأب حاول أن يتحرك هو الآخر فقتلوه هو الآخر في الحال، وبقيت الزوجة تلطم وتبكي وتمزق ثيابها، في حين عبث الجنود بالبيت وحطموا كل شيء، وخرجوا دون أن يعثروا على شيء، ما خلا تلك الجثث التي تركوها مضرجة بالدماء!!

ويضطر الأب، لرسم صورة الجريمة المرعبة بكامل تفاصيلها، حتى يتمكن من تخويف الأطفال على أعلى ما تكون درجات الرعب، لكي يثبتوا بأماكنهم، تحت هول الخوف والهلع، ومع أن الغالبية من الآباء، يدركون أن التأثيرات النفسية على الأطفال خاصة، في مثل هذه الوصايا المهولة، قد تصل إلى إحداث شرخ كبير، في البنية السيكولوجية المفروشة بالبراءة الحالمة.

لكنه يضطر لممارسة دور المرعب، مرددا مع نفسه كل شيء، إلا.. ولا يستطيع أن يكمل الجملة، ولا يتمكن من تصور الحالة التي قد تحصل في كل بيت تحت جنح الظلام، إذا ما داهمت الدوريات الأمريكية ذلك البيت، ولأي سبب كان.

نصيحتان

جميع النصائح أو الوصايا، لا تأتي من فراغ، فما أن ترتكب القوات الأمريكية مجزرة أو اعتداء على الناس، حتى يتناقل العراقيون تلك الصور، وتتحول إلى موضوع جدير بالمناقشة، ومن بين تلك القصص، ما حصل في بداية تموز/يوليو، عندما حاصرت القوات الأمريكية (حي الجهاد) في الضاحية الغربية من العاصمة، ولم يكن الوقت متأخرا بل كان في بداية الليل (التاسعة والنصف حسب التوقيت الصيفي). وأثناء تجوال دورية في أحد أزقة الحي، أطل الطفل (محمد الكبيسي 11 سنة) من الطابق الثاني، بعد أن سمع زمجرة وأصواتاً غريبة، ليستطلع ما يحدث بعفوية طفولية، فصوب الجندي الأمريكي البندقية، ذات الناظور الليلي صوبه، ويقول الجيران أن المترجم العراقي صرخ بالأمريكي، شاعرا بخطورة اللحظة (baby) أي طفل ورد الأمريكي (No baby) وقد ضغط على الزناد وقتل الطفل في مكانه، وفجعت العائلة، لا لسبب، إلا لأن الجندي الأمريكي أراد أن يرتكب جريمة في ليل بغداد، وعلى مرأى الجميع، ولم يتوقف لحظة، بل سار بخطوات متواصلة، بحثا عن ضحية أخرى، ليقتلها بلا سبب يذكر.

وبعد أن تداول العراقيون هذه القصة والألم يعتصر قلوب الآباء والأمهات وجميع الناس اصدر الأب وصيته الصارمة، بعدم النظر خارج البيت، أو التحديق من النافذة، أو الاقتراب من السياج الخارجي للبيت لأن القتل قد يكون بانتظاره على أيدي الجنود الأمريكيين، الذين يجوبون الأزقة، بحجة المحافظة على الأمن، لكنهم في الحقيقة، يحافظون على استمرار القتل وارتكاب المجازر بحق الأبرياء.

أما النصيحة الثانية، فتتعلق بحركة الناس خاصة أثناء الليل، ولهذا تقلصت جلسات الشباب وكبار السن عند مداخل الأزقة، أو في المقاهي، وتتحاشى العوائل العراقية، زيارة الأهل والأقارب أثناء الليل، ويحاول الجميع، الانتهاء من الزيارات الاجتماعية، والتسوق قبل غروب الشمس، لأن ليل العراق تحول إلى رعد وقصف وخوف يستوطن كل بقعة، ويجثم فوق سعفات النخيل، ويتوزع على الحدائق العامة، وفوق الأرصفة.

زي رجالي خاص

فرض ليل الاحتلال في العراق، من بين ما فرض من إجراءات ومستلزمات، فرض زيا يلتزم به الغالبية العظمى من العراقيين، فبالرغم من حرارة الجو اللاهبة في هذا الصيف يضطر الرجال، لارتداء ملابس (لائقة) يظهرون بها، أمام الناس، إذا ما ظهروا على شاشات التلفاز، في حالة مداهمة بيوتهم، من قبل قوات الاحتلال، واعتقالهم، تحت أي ذريعة، ولأن أساليب الجنود الأمريكيين قاسية ومتعجرفة، فإنها لا تسمح لأي عراقي أن يغير ملابسه فيسارعون إلى تقييد يديه، ووضع الكيس على رأسه، الذي يغطي اسفل الرقبة، ويتم طرحه أرضا، ولا يتأخرون في ركله، ثم يأخذونه إلى أماكن مجهولة، لا أحد يعرف ماذا يستخدمون معه، من أساليب ووسائل، لأنه يصبح في عداد المفقودين، لا أحد يسأل، ولا نافذة لمعرفة ماذا يحصل معه، لأن البشاعة في السلوك وفي التعامل، وفي التصرف تكون على أعلى درجات القسوة، التي تمارسها قوات الدولة التي تقول أنها تحتل المرتبة الأولى في الديمقراطية، وفي احترام حقوق الإنسان!!

ولأن كل عراقي معرض للاعتقال، من قبل القوات الأمريكية، فإن الرجال والشباب، يضطرون لارتداء الملابس الطويلة (الدشاديش) متحملين حرارة الجو، ولكن ليس باليد حيلة، لأن الجنود المتوحشين، يسحبون الرجل من بين عائلته بالصورة التي ذكرناها، دون أن يسمحوا له بتغيير ملابسه، لهذا تجد الرجال والشباب، وقد خصصوا ملابس الليل، التي تعني، سيطرة هاجس اعتقالهم في أي وقت، ومن دون أن يعرفوا سببا لذلك.

الطريق إلى المساجد

ربما هي المرة الأولى، التي تحصل فيها حالة خوف على الأب والأخ، لأنه يخرج فجرا قاصدا المسجد، لأداء صلاة الفجر، وإذا تجرأت الكثير من العوائل، وطالبت الرجال بعدم الذهاب، رغم أن ذلك يخالف الدين الإسلامي، إلا أنهم يتكئون على ما يحمله هذا الدين العظيم من تسامح كبير، وسبب ذلك يعود إلى احتمالات تعرض الرجال إلى إطلاق نار واعتقال من قبل الدوريات الأمريكية. طبعاً حاول قادة الاحتلال، أن يتظاهروا باحترامهم للطقوس الدينية، عندما حددوا مدة حظر التجوال، قبل صلاة الفجر، لكن القسوة والوحشية، التي يتصرف بها الجنود الأمريكيون، تدفع بالكثير من العوائل، للطلب بلطف من المصلين من أفراد عوائلهم للبقاء داخل البيت، وأداء الصلاة، خشية من الجحيم الأمريكي، الذي قد يطال أي شخص يكون أمامهم.

المرضى والقتل الأمريكي

تحرص العوائل العراقية، على تجنب أكل الأجبان، وتناول مشتقاتها قدر الإمكان خاصة أثناء العشاء، خشية أن تكون غير صالحة للاستهلاك البشري، فتتسبب بتسمم لأحد أفراد العائلة أو جميعهم، وعند ذاك ستحل الكارثة الكبرى!!

فالطريق إلى أي مستشفى، يكون زاخرا باحتمالات القتل، من قبل القوات الأمريكية، ففي كل تقاطع أو استدارة يمكن أن يطلق الجنود قذائفهم لقتل كل من يجلس في السيارة، وهذا حصل لمرات كثيرة، ومع أن السيارة قد تكون بعيدة، ويمكن ضرب إطاراتها، وتعطيل حركتها، ومن ثم التدقيق في الأمر، من قبل الجنود الأمريكيين، إلا أن المشهد الذي يحصل في مثل هذه الحالات، ومن الواضح انه جاء بتوجيه مركزي من الإدارة الأمريكية، أو على الأقل البنتاغون، أن يتم قتل جميع الأشخاص داخل السيارة، حتى إذا كانوا من الأطفال والنساء، وأبشع لحظة في صورة هذه الجريمة، هو ترك الجرحى ينزفون بأماكنهم، دون أن يتم تقديم أي إسعافات للجرحى فيلحقون بمن قتل، أو يظلون يصارعون الآلام المبرحة، طبعا هذا يتم، بعد أن تتأكد الدورية الأمريكية، من أن الذين بداخل السيارة، هم عائلة اضطرتهم الظروف الحرجة جدا للخروج، في مثل هذا الوقت.

أما إذا اقترب موعد المخاض لسيدة، فإن الخوف والهلع يسيطران على أفراد العائلة، خشية أن يأتي المخاض في ساعات الليل، وهنا ستكون الكارثة الكبرى، التي قد تؤدي إلى الفجيعة الأكبر، لهذا فإن العراقيين، بدأوا باتخاذ الاحتياطات اللازمة، فمثلا ازداد اللجوء إلى القابلات المأذونات اللاتي يقطن الأحياء أو يتم الاتفاق معهن، وتفضل بعض العائلات استضافة القابلة لعدة أيام، خشية أن يأتي المخاض تحت جنح الظلام، وبين رشاشات الجنود الأمريكيين.

عوائل أخرى تضطر إلى الذهاب بالمرأة الحامل، إلى المستشفى، وتبقى هناك، مع اقتراب موعد المخاض، وإذا ما تأخر الموعد، فإن العائلة تدخل في حالة إنذار قصوى، متحملة هذا الخوف والقلق.

وأصبح انتظار المولود عند العائلة العراقية، مقترنا بهواجس خوف جديدة، خشية أن يكون المخاض ليلا، الذي يحمل كل أنواع التهديد بالقتل، وتخيم صورة الموت والرعب في أذياله المترامية الأطراف.

عصابات الليل

في مثل هذه الظروف، التي تبدأ مع هطول الظلام، فإن العائلة العراقية، تضع في حساباتها، الخشية من اقتحام منزلها، من قبل العصابات، التي قد تستغل الفوضى أو عدم وجود الشرطة، وتهاجم المنازل، وهذا يحصل باستمرار، وإن لم يكن بالحجم الذي يمكن أن يكون عليه، في ظرف اختفت فيه مظاهر الأمن والسلطة تماما، إلا أن هاجس الخوف من تلك العصابات يزداد مع بدء الظلام، الذي يخيم على الأحياء، بسبب الانقطاع شبه الدائم للتيار الكهربائي.

ولتوفير الأمن، عمد الكثير من الأحياء السكنية، لاختيار بعض الشباب، لحراسة المنطقة، وهذا يكون محدودا، أي في حدود الحي الصغير، وهؤلاء يكونون على شكل مجاميع، ويسارعون إلى التصدي، لأي عناصر غريبة، تدخل الحي، ويسمع أثناء الليل أحيانا إطلاق نار، وهذا غالبا ما يكون بمثابة إشارة، على وجود شباب يحرسون الحي، وربما يستهدف غرباء، يحاولون التسلل إلى المنطقة.

يفضل الكثير من العراقيين، النوم ليلا في فصل الصيف، فوق سطوح المنازل، وإذا كان البعض يفضل ذلك، فإن انقطاع التيار الكهربائي، اجبر الآخرين خلال السنوات الماضية، على قضاء الليل فوق السطوح، أما في الفصل الأول من عمر الاحتلال الأمريكي للعراق، فقد اختلف الأمر تماما، ومع أن التيار الكهربائي قد ينقطع لأسبوع أو اكثر، وإذا اطل بإطلالته البهية، فلا يأتي اكثر من ساعتين أو ثلاث ساعات، مع ذلك فإن عدة عوامل منعت العراقيين من النوم على السطوح، والتخلص من الحر اللاهب، ومحاولة الاستسلام اقل تشنجا، وفي مقدمة تلك العوامل، احتمالات سقوط شظايا أو رصاص على النائمين فوق السطح، وعند ذاك، تكون المصيبة، فإما أن يموت الإنسان، وإما أن يصاب بجروح، وتبدأ مشكلة علاجه وإسعافه، في ليل يتسيد العسس الأمريكي الأحياء، ويسارعون لقتل الجريح والمريض والطفل والعجوز.

العامل الثاني، الذي يمنع الناس من النوم فوق السطوح، هو أصوات الطائرات الأمريكية المرعبة، إذ تتجول أثناء الليل على ارتفاعات منخفضة جدا، بحيث تكاد تلامس السطوح والأشجار، محدثة حالة من الخوف والإزعاج، وبسبب استمرار تجوالها، فإنه يصبح من المستحيل أن يستطيع المرء الاستسلام للنوم، حتى وإن كان في أعلى مراحل الإرهاق والتعب.

وبهذا يعطل الاحتلال رغبات الناس، وحاجاتهم للنوم، والتقليل من إرهاق وإزعاج الحرارة اللاهبة حتى أثناء الليل.

احتلال الليل

الذي يسير في شوارع بغداد والمدن الأخرى، قبل الساعة الحادية عشرة ليلاً، يجد الخواء والحزن الذي يفترش الشوارع الفارغة والأرصفة المرمية بخجل على جانبي الطريق، لا أحد يتحرك، لا ضجيج ولا حركة، وتجد في كل زاوية رائحة الجندي الأمريكي المحتل، يتربص بالعراقيين، ليوجه قذائفه صوبهم، بعد أن احتل ليلهم الجميل، وحوله إلى قافلة من الخوف والرعب والقتل والهلع.

تعمد قتل المدنيين

بعد اكثر من أربعة اشهر من احتلال العراق من قبل القوات الأمريكية، يجد العراقيون أنفسهم، في بحر متلاطم الأمواج من المشكلات، تبدأ بالبطالة، التي تقول بعض التقديرات أنها تجاوزت الثمانين في المائة، ويرى العراقيون، أنها شاملة، ومن أمواج المشكلات الأخرى، الخوف على الفتيات والأبناء من الخطف، بعد أن ازدادت مثل هذه العمليات، بسبب الانفلات الأمني، ومشكلات تتعلق بصعوبة توفير مستلزمات الحياة اليومية من الغذاء والدواء، يضاف إلى ذلك كابوس الكهرباء، وما تسببه من تعب وإرهاق للناس، ووسط كل تلك الأمواج، فإن هاجس الخوف من تعرض المرء لنيران الجنود الأمريكيين، يسيطر على كل من يريد أن يجد حلا، لواحدة من هذه المشكلات، ويضطر للخروج من بيته، بحثا عن عمل، أو لجلب الثلج وسط حرارة الجو اللاهبة، وغير ذلك من الضرورات، التي تجبر المرء، على زيارة الشارع، الذي تتجول فيه المدرعات الأمريكية، والتي تسارع إلى قتل المدنيين، وقصف المنازل، إذا ما تعرضت لهجوم من قبل المقاومين العراقيين، ومن خلال ما يشاهده العراقيون، في كل مكان، فإن هذه القوات، تتعمد قتل المدنيين في الشارع، حال تعرضها لأي هجوم، مع انهم يدركون، أن المهاجمين قد انسحبوا تماما من المكان.

وقبل أن نرسم المشهد اليومي لحياة العراقيين، وهم يعيشون تحت هذه الأثقال، التي تفاقمت خلال هذه الأشهر من عمر الاحتلال، فإن الظاهرة المخيفة، التي برزت في حياة العراقيين، هي استهداف العلماء وأساتذة الجامعة، وقتلهم بصورة غامضة، دون أن تعلن أية جهة، أنها تقف وراء هذه الجرائم. وتُعد هذه الظاهرة، أخطر داء يهدد مستقبل العراق، من خلال استهداف رموزه العلمية والبحثية والطبية.

استهداف العلماء

قبل شهرين، وتحديدا في بداية شهر حزيران/يونيو الماضي، فوجئ بعض المسؤولين الإداريين في جامعة بغداد والجامعة المستنصرية وجامعات وكليات أخرى، بزيارة أشخاص غامضين، يطلبون عناوين سكن أسماء معينة من أساتذة الجامعات البارزين في مختلف حقول المعرفة، وحسب ما ذكر لي أحد الإداريين في جامعة بغداد، إن هؤلاء، لم يخفوا نواياهم في استهداف الأساتذة، وبسبب الفوضى الأمنية، وعدم وجود أي قوة تردعهم، أو قوة توقفهم، ولتأكدهم بأن الكلية، لا تستطيع استدعاء رجل شرطة، لإلقاء القبض عليهم، فإنهم كانوا يترددون اكثر من مرة، ويحاولون إجبار بعض الموظفين للحصول على عناوين سكن الأساتذة.

ما أن وصلت تلك الأخبار إلى المقصودين، وهم من كبار الأساتذة والعلماء، حتى اخذ البعض المسألة على محمل من الجد، واتخذ الاحتياطات اللازمة، من تغيير سكنه إذا كان قادرا على ذلك، أو عدم الخروج إلا للضرورات القصوى مع محاولة الاحتفاظ بسلاح شخصي في بيته، رغم احتمالات تعرضه للدهم والاعتقال، من قبل جنود الاحتلال الأمريكي، والتعامل معه بأقسى الأساليب، لوجود سلاح في منزله، لكنه يضطر لذلك.

ولتحاشي وقوع المحظور، انقطع الأساتذة عن كلياتهم، في محاولة لتجنب التعرض لخطر الاعتداء أو القتل.

بعض الأساتذة، وهم قلة، لم يقتنعوا بأن الأمر قد يصل إلى حد قتلهم لأي سبب كان، فالذي أفنى عمره في التدريس وفي البحوث، وفي الإشراف على طلبة الماجستير والدكتوراه، ليس من المعقول أن يتصور حاله، وهو مستهدف، وعدوا تلك الحركات صبيانية، ليس إلا، لكن حادثة اغتيال الدكتور صباح محمود محمد، عميد كلية التربية في الجامعة المستنصرية، كان بمثابة الخطر بعينه، وليس ناقوس الخطر، وأثار اغتيال الدكتور صباح حالة من الحزن والاندهاش، إذ انه من العلماء المختصين في موضوع المياه، وله عدة مؤلفات، تبحث في المشاريع (الاسرائيلية)، التي تستهدف سرقة المياه العربية، واشترك في العديد من المؤتمرات والندوات، التي بحثت في مستقبل المنطقة العربية لكن تلك الظهيرة، كانت فاصلة بين زمنين، وبينما كان عائدا مع زميل له في الجامعة، وهو لا يملك حتى سيارة شخصية، وسيارة زميله عبارة عن (فولكس واغن) صغيرة الحجم ومن موديلات السبعينات، فإذا بسيارة تعترض طريقهم، وتم إنزال د. صباح وقتله، وغادرت المجموعة المكان، بعد أن أطلقت الرصاص عليه بدم بارد، ولم يتعرض زميله لأذى.

حادث اغتيال بشع آخر، تعرض له العالم العراقي الكبير الدكتور محمد الراوي، وهو من عمالقة الطب في العراق، مشهود له بالسمعة الطيبة اجتماعيا وعلميا، شغل عدة مناصب، فقد عمل عميدا لكلية الطب بجامعة بغداد، وهي من أعرق كليات الطب في المنطقة العربية، وكان نقيبا للأطباء العراقيين، ورئيسا لجامعة بغداد، ولم يتخذ الدكتور الراوي، أية احترازات أمنية، رغم حالة الفوضى، فلم يتغيب عن عيادته الواقعة في حي المنصور ببغداد وهو من الأحياء السكنية والتجارية، التي تكتظ بالمراجعين، ولم يكلف أحدا من أقربائه بمرافقته، أو تأمين الحماية له، منطلقا من قناعة انه يقدم الخدمة الإنسانية، ويتكئ على ما يحمل من معرفة وعلم وخبرة.

لكن ذلك لم يشفع له، فحضر اثنان، وطلبا من السكرتيرة، أن يكونا في آخر القائمة، وما أن فرغت العيادة من المراجعين حتى دخلا على الضحية، وأردياه قتيلا في الحال، أصيب العراقيون بالدهشة والاستغراب لمقتله وعم الحزن مراجعيه وأهله وكل من سمع به.

شخصية إدارية وأكاديمية أخرى، سارت على نفس الطريق، هو الدكتور عبد الله محمود، الذي يعمل مديرا عاما لهيئة الضرائب، اختاره جميع الموظفين لكي يبقى في منصبه بعد احتلال العراق، فهو دمث الخلق، يمتلك خبرة كبيرة في اختصاصه، ومشهود له بالإدارة الناجحة.

وحصل ذات الشيء مع مديرة كهرباء بغداد الكرخ، ومدير عام الزيوت النباتية، وطبيب آخر مختص في علم النفس.

قائمة التهديدات ما زالت، ولا أحد يعرف من الذي يمكن أن يستهدف علماء وأطباء العراق، صحيفة (الساعة) المحلية نشرت افتتاحية اتهمت (الموساد الاسرائيلي) بالوقوف وراء هذه الجرائم، وقالت أن هذه الأعمال الإجرامية، تهدف إلى تفريغ البلد من العلماء والأطباء.

وهذا ما يحصل بالفعل، إذ أن هاجس الهجرة من العراق الذي كان يلامس عقول ومشاعر البعض، تحول إلى مشروع واسع، يخطط له الكثير من العلماء والأطباء والمهندسين، وأناس عاديين.

وهذا يعني أن أخطر نواقيس الخطر، بدأت تدق بعنف، ولا أحد يعرف، ماذا سيحصل. وما هي الأخطار التي تهدد العراق، إذا ما هاجر العلماء والأساتذة والأطباء في المرحلة الصعبة.

البطالة

مقاهي العراق التي تغص بالزبائن، رغم حرارة الجو وانقطاع الكهرباء، وهاجس الحذر والخوف من المجهول، تحكي هذه المقاهي قصة البطالة في العراق، فمنذ عقود، أخذ يجتمع على أريكة خشبية واحدة أصدقاء ومعارف كانوا لا يلتقون إلا مصادفة، أو أثناء المناسبات، بل أن الغالبية منهم، لم يلتقوا أصدقاء الطفولة وزملاء الدراسة، أما الآن فإن تزجية الوقت بالنقاشات والأحاديث واجترار الذكريات وممارسة لعبة الطاولة.

هذه الأريكة الخشبية المتهالكة، تعطي صورة لحجم البطالة التي تفشت في حياة العراقيين، وآثارها الخطيرة على حياة الناس ومستقبل العوائل.

فإذا كان أحد أهم أهداف رؤساء الولايات المتحدة، أثناء الحملات الانتخابية، هو تقليل عدد العاطلين عن العمل، وقطع الوعود وإعطاء العهود، لتحقيق ذلك الهدف فقد كان تفشي البطالة واتساعها في العراق، لتصل إلى اكثر من ثمانين في المائة، كانت هذه من أولى أهداف المسؤولين الأمريكيين، بعد أن احتلت قواتهم العراق. وبدأت البطالة، بعد أن تعطلت جميع دوائر ومؤسسات الدولة، عندما احتلت القوات الأمريكية العراق في التاسع من نيسان/إبريل 2003 وأصبح العراقيون جميعا عاطلين عن العمل، ومع وصول الجنرال الأمريكي المتقاعد (جي غارنر) ومعه فريق كبير من بين أعضائه السفيرة (بربارا بودن)، بدأ الناس بانتظار عودة الحياة إلى مساراتها الأولى، وأعطى المسؤول الأمريكي وعودا براقة، وجعل الناس يرسمون بعض الأحلام، إلا أن شيئا لم يتحقق من تلك الوعود، ومرت خمسة أسابيع، ليصل مسؤول مدني إلى بغداد هو (السفير بول بريمر)، وبدلا من أن يجد حلولا لمشكلات العراقيين، أطلق عاصفة قوية من القرارات، التي لاقت استهجان واستنكار العراقيين، وتمثلت تلك القرارات بحل الوزارات السيادية (وزارة الدفاع ووزارة الإعلام)، كما اصدر قرارا آخر منع بموجبه أعضاء حزب البعث من العمل في الدوائر، وبعملية حسابية بسيطة، نجد أن المسؤول الأمريكي، حرم بهذه القرارات اكثر من مليون عراقي من العمل، وأحالهم إلى قوائم العاطلين، وعندما نقول مليون شخص، نقصد من بين الطبقة العاملة في الدولة العراقية.

ويضاف إلى ذلك جميع العاملين في الأجهزة الأمنية وفي ديوان الرئاسة السابق، وفي الدوائر العلمية والخدمية المرتبطة بالقصر الجمهوري.

من هنا وجد الغالبية العظمى من العراقيين أنفسهم بلا عمل، كما أن هذه الكفاءات التي تخدم بلدها تم تعطيلها بجرة قلم واحدة من قبل ما يسمى بالحاكم المدني في العراق (بول بريمر).

العاطلون عن العمل في العراق يحملون اكثر من ألم، فهم لا يعرفون ما هو مصيرهم، وماذا سيعملون، لأن الذين تظاهروا على أمل أن تستجيب الإدارة الأمريكية لمطالبهم، لم يحصلوا على أي شيء من الديمقراطية الأمريكية، ما خلا ذلك المشهد التاريخي، عندما تظاهر عدة عشرات من العسكريين، في تجمع سلمي للمطالبة بصرف رواتبهم، فما كان من إحدى المجندات الأمريكيات إلا أن صوبت بندقيتها وقتلت اثنين من المتظاهرين، أمام مقر (بول بريمر) في القصر الجمهوري في (كرادة مريم).

صرخ العاطلون من العسكريين، وأقام ذوو القتلى مراسم الفاتحة، وتوعد البعض منهم بالتصدي للأمريكيين وقتلهم، لما اقترفوه من جريمة بحق زملائهم. وعاد المتظاهرون ليجلسوا على قارعة الطريق، ملتحقين بمجاميع العاطلين عن العمل. دون أن يتسلموا نافذة واحدة تحمل ملامح الأمل لهم ولعوائلهم.

مشكلات وهموم على الأبواب

منذ الآن، بدأت العوائل العراقية، تفكر بموعد افتتاح المدارس، وإذا كان انشغال هذه العوائل في مثل هذا الوقت، بشراء ما يحتاجون إليه في المدارس، فإن الهم الأكبر الذي يشغل الجميع، هو أمن الأبناء والبنات، في ظل ما يحصل يوميا، وما يسمعون من عمليات خطف ومساومات على مبالغ مهولة، ثم قد يحصل ما هو أسوأ، فلا أحد يستطيع أن يتكهن حقيقة بما تسير إليه عجلة الحياة المخيفة في العراق وسط هذا البحر المتلاطم من أمواج الخوف والقلق والارتباك.

في شارع الموت

يقول أنه يفكر بعناية بالمكان، الذي يختاره للجلوس في حافلة النقل الصغيرة، التي تعمل على نقل الركاب داخل المدن، وعلى الطرق الخارجية. يوضح ذلك، فيقول، المشكلة أن هذه السيارات تضطر للسير بين أرتال القوات الأمريكية والدوريات، أو تمر بنقاط التفتيش، وإذا ما حصل أي شيء، على سبيل المثال، إذا أطلق أي شخص طلقة نارية، حتى لو كانت في الهواء، فإن الجنود الأمريكيين يفتحون النار على السيارات المدنية.

لهذا فهو يتحاشى مرة الجلوس خلف السائق مباشرة، لأن الجنود الأمريكيين أول ما يستهدفون السائق، وقد يكون الاستهداف من الخلف، الأمر الذي سيجعله هدفاً مباشراً.

في المرة الأخرى، جلس على الجانب، لكنه ما أن وجد نفسه وجها لوجه أمام الجندي الأمريكي، الذي يوجه رشاشه بعنف أمام عينيه، وهو يجلس خائفا في سيارته المدرعة، عند ذاك فكر بتغيير مكانه للجلوس في الوسط.

هذه المرة، وجد صعوبة في الهروب من المركبة، إذا ما احرقها الجنود الأمريكيين، إذ أن الوصول إلى باب الخروج سيكون في غاية الصعوبة.

احتار العراقي أبو احمد، الذي حدثني بهواجسه، وقلت له أنها تصلح مادة لمسرحية تراجيدية، تبدأ بدخان أسود وتنتهي برصاص قاتل.

هذه المخاوف، تلازم الكثير من العراقيين، لأن الخروج من البيت والذهاب إلى السوق أو العمل (إذا توفر ذلك) يعني أن المرء يسير وسط الألغام، فلا يعرف المرء، متى تنطلق القذائف، ويحرق جنود الاحتلال كل من يسير بالقرب منهم.

أما إذا أصيب الشخص بجروح خطيرة، فإن جنود الاحتلال، الذين يعزلون المكان، يمنعون أي شخص من الاقتراب من المسكين، الذي يبقى ينزف، وشعر الناس بمزيج من الحزن واليأس والغضب والاندهاش، عندما أطلق جنود أمريكيون النار على سيارة مدنية نوع برازيلي في ساحة الحرية ببغداد، مطلع تموز/يوليو الماضي، وأصابوا اثنين من الشباب العراقيين بجراح بليغة، ثم قاموا برميهما على الرصيف بعنف مع ركلات قوية، وتركوهما ينزفان لساعتين، دون أن يسمحوا لأحد بالاقتراب منهما. قال لي أبو مصطفى، يعمل نجارا وكان شاهد عيان، لم أتمكن من متابعة هذا المنظر، وكدت أن انفجر، ما حصل لا يمكن تصوره، لم يكن يحمل هؤلاء أي شيء، كل ما اقترفوه، انهم لم يشاهدوا الجنود الأمريكيين، الذين كانوا على الرصيف، وطلبوا منهم التوقف، كان بإمكانهم أن يعطلوا السيارة، بتفجير إطاراتها، لكنهم تعمدوا قتل هؤلاء الشباب.

عندما اكتشفوا انهم لا يحملون أية أسلحة، أصروا على أن يبقيا تحت الألم والنزيف، وكانا يعرفان، لكن جنود الاحتلال الأمريكي هددوا بقتل كل من يقترب منهما.

مئات القصص، حصلت وتحصل مع العراقيين، في علاقة الموت اليومي، التي يرتبطون بها مع قوات الاحتلال الأمريكي. لهذا تحول الشارع العراقي في كل مكان، إلى شارع الموت، لا لشيء فقط لأنك عراقي وتريد أن تستخدم شارع بلدك!

بين الانفتاح والانفلات.. صحف صدرت وأخرى اختفت وإحداها على الرصيف

فجأة وجد العراقيون أنفسهم أمام انفتاح إعلامي واسع، منذ أن احتلت القوات الأمريكية بغداد في التاسع من نيسان/إبريل2003، ومع أن البعض يعبر عن ارتياحه، لكل ما ينشر ويشاهد في العراق، إلا أن بعض المختصين في علوم الاتصال، يرون أن ما يسميه البعض من انفتاح إعلامي، هو في حقيقة الأمر، عبارة عن انفلات إعلامي، ولا يختلف بطبيعة مفرداته، عن الانفلات الأمني، ووصف أحد الإعلاميين العراقيين، ما يحصل على صعيد إصدار الصحف والمطبوعات، وخلو البلد من الرقابة الرسمية، وانتشار مقاهي الانترنيت، التي لا تخضع لسلطة إعلامية ورقابية، والكثافة الكبيرة في استقبال القنوات الفضائية الأجنبية، وصف الإعلامي العراقي هذا المشهد بقوله: "إن العراق الآن عبارة عن منطقة إعلام حرة"، ويضيف "مع أن مناطق الإعلام الحرة، تخضع لضوابط معينة، وتتقيد بأمور واضحة، إلا أن الواقع الإعلامي في العراق، تفوق على جميع المناطق الحرة، التي نسمع عنها في العالم".

نهاية حقبة من الإعلام

كان آخر صدور للصحف في العراق، هو صباح التاسع من نيسان/إبريل 2003، وآخر من سمع إذاعة بغداد، كان مساء يوم الثامن من نيسان/إبريل، أما (تلفزيون العراق) و(قناة الشباب)، فقد اختفتا قبل ذلك الوقت بعدة أيام، بعد أن شنت القوات الأمريكية عدة هجمات بالصواريخ، مستهدفة مبنى الإذاعة والتلفزيون، الذي يقع بمنطقة الصالحية، قرب وزارة الإعلام، كما تم استهداف وتدمير بناية (قناة العراق الفضائية)، في منطقة الأعظمية التي اتخذت من بناية التلفزيون التربوي مقراً لها.

أما الصحف التي صدرت صباح التاسع من نيسان/إبريل، فقد كانت منهكة، بسبب سيطرة القوات الأمريكية على الكرخ، ووصولها على مقربة من مقر جريدة (الثورة)، الواقعة على طريق معسكر الرشيد في الضاحية الجنوبية  الشرقية من العاصمة العراقية، لهذا اضطر رئيس تحريرها إلى الانتقال إلى مقر بديل مع كادره، وكان في كلية الإعلام في الباب المعظم، وظلت اتصالات رؤساء تحرير الصحف العراقية متواصلة، حتى ذلك الوقت، مع وزير الإعلام محمد سعيد الصحاف.

لم يتمكن أحد من توزيع الصحف التي صدرت في ذلك اليوم، بسبب دخول القوات الأمريكية إلى بغداد  جانب الرصافة، وعند ذلك العدد توقفت الصحف الرسمية وشبه الرسمية وهي (الثورة، العراق، الجمهورية، القادسية وبابل) إضافة إلى مجلة (ألف باء الأسبوعية)، وهناك الصحف الأسبوعية الأخرى، التي توقفت أيضاً، بعد تجربة ناجحة استمرت لست سنوات تقريباً.

بداية أخرى

اختلف المشهد الإعلامي في العراق تماماً، وكما قلنا، فإن الساحة أصبحت مفتوحة لكل من يريد أن يصدر صحيفة، إذ ليس ثمة جهة تحاسب، أو تسأل، أو تتابع ما يكتب، على الأقل في الأسابيع والأشهر الأولى، لكن ظهرت مراقبة أخرى، تخص الجانب الأمريكي، وهذه اشتدت في الأسابيع الأخيرة، وتحديداً مع بداية تموز/يوليو الماضي، وجاءت بعد أن أصدر ما يسمى بالحاكم المدني في العراق (بول بريمر) قراراً، يتم بموجبه اعتقال الصحافيين وغلق الصحف، التي تحرض على العنف، والمقصود بهذا النوع من العنف، هو قتل أفراد القوات الأمريكية، من قبل المقاومة العراقية، وتمت مداهمة مقرات صحافية، واعتقل رئيس تحرير صحيفة (المستقلة).

وتغلب على هذه الصحف كتابات وتحقيقات مختلفة، تبحث في أوجه الحياة، لكنها نادراً ما تتعرض لقوات الاحتلال، ولا ينتقد الكتاب الممارسات التي يقوم بها جنود الاحتلال، كما أن هذه الصحف تتجاهل أعمال المقاومة، رغم أن أخبارها تغطي صفحات عديدة في الصحف الأمريكية والبريطانية والعالمية.

صحافة تحت جلباب الاحتلال

بسبب اختفاء أي سلطة في العراق، اصبح إصدار صحيفة، لا يحتاج إلى أي موافقة، وتعيين رئيس التحرير ورئيس مجلس الإدارة، يجري اختيارياً، إذ ليس هناك دستور، ولا قوانين ولا أنظمة، لهذا انطلقت الصحافة في العراق، وتصدر يومياً صحف جديدة، ثم سرعان ما اختفت بعض الصحف، قبل أن تكمل يومها الأربعين! حتى أصبحت المعضلة الأساسية، التي تواجه من يريد إصدار صحيفة، هو اختيار اسم المطبوع، بسبب الازدحام الشديد على سوق إصدار الصحف، حتى بدأ البعض بالبحث عن أسماء مثيرة، للاستفادة منها في التوزيع، ومن هذا المنطلق، صدرت صحيفة باسم (الصحاف) وهي إشارة واضحة لاسم وزير الإعلام العراقي السابق محمد سعيد الصحاف، وفسر البعض اختيار هذا الاسم، للتأكيد على دور الوزير السابق في معركة العراق ضد الولايات المتحدة، حيث ينظر الكثيرون إلى أنه أدى دوره بشجاعة كبيرة، وكان يمسك بمفاصل الدولة السيادية، تحت وقع القصف الجوي المهول، الذي كانت تتعرض له مدن وقصبات العراق.

وفي أطرف ما ظهر في صحافة العراق بعد الاحتلال الأمريكي، اختيار أحد العراقيين، وهو مهندس، الرصيف ليصدر صحيفة عليه، وفتح الأبواب أمام الجميع للإدلاء بآرائهم، والتعبير عن أفكارهم وتصوراتهم. واهتمت وسائل الإعلام العربية والأجنبية بهذه التجربة، التي سرعان ما اضطرت للاختفاء، بعد هطول حرارة الصيف اللاهبة، وربما سيكون ظهورها مع تحسن الطقس في العراق.

الترويج للاحتلال

الذي يتصفح غالبية الصحف التي تصدر في كل يوم، فإنه يلمس وبوضوح طغيان الصور والتحقيقات والأخبار، التي تروج للاحتلال الأمريكي، بصورة مثيرة للانتباه، وإذا كان البعض، يرى أن سبب ذلك يعود إلى ضعف إمكانات رؤساء التحرير، لأن غالبية الأسماء غير معروفة في الوسط الصحافي والإعلامي في العراق، فإن ما يزيد ذلك التصور، وجود صحف انتقلت إلى العراق من الخارج، ويرأس تحريرها صحافيون معروفون، أما بعض الصحف فاتجهت لتصبح ملكية أكثر من الملك، وأطلقت واحدة من هذه الصحف صفة (السيد الرئيس بول بريمر) مع صورة له على صفحتها الأولى، ولا يعرف أحد ما تفسير ذلك، أما صحيفة (الساعة) التي صدرت في 25/6/2003، فقد نشرت صورة (لبريمر)، يظهر فيها وهو يطالع الصفحة الأولى، (طبعاً هو لا يجيد العربية ولا يفقه منها شيئاً)، وأفردت افتتاحيتها للإشادة به، وكيل المديح لشخصه على أوسع ما يكون.

ووصل الأمر بإحدى الصحف، التي يترأس تحريرها (إعلامي عراقي معروف) إلى نشر تحقيق موسع، مع رب أسرة قتلت القوات الأمريكية زوجته وفقأت عيني ابنته وعذبته وركله جنودها بأرجلهم، مع ذلك تختار عنواناً تهاونياً لرواية هذه القصة المأساوية تقول فيه على لسان الضحية "لست غاضباً من الذين أطلقوا النار علينا" وما تتضمنه القصة مخالف تماماً للعنوان، لأن الموضوع كان قتلاً وتعذيباً كما أشرنا إلى ذلك، ويُعد هذا التلاعب في القصص الإنسانية، بمثابة دعاية رخيصة لقوات الاحتلال، وهذا ما يرصده بصورة يومية أساتذة الإعلام والمختصون بعلوم الاتصال الحديثة، وقد نشر الموضوع الذي أشرنا إليه يوم 29/5/2003.

وأغرب القصص، التي لاقت انتقاداً لاذعاً، ما نشرته إحدى الصحف عن ذهاب (رئيس تحريرها) وهو بالمناسبة صحافي عمل في الصحافة لأكثر من ثلاثة عقود، لمصافحة جندي أمريكي، بعد أن سلمه نسخة من صحيفته التي نشرت له صورة وهو يتودد لطفل عراقي من خلال إعطائه قنينة مشروبات غازية. ويؤكد الخبر وجود مدير التحرير أثناء مراسم سلام رئيس التحرير العراقي على أحد جنود الاحتلال!!.

ومن الأشياء الغريبة، ما نشرته صحيفة (الصباح) وهي تصدر عن شبكة الإعلام العراقية، التي تمولها مباشرة قوات الاحتلال، عندما نشرت مقالاً طويلاً في عددها الصادر يوم (25/6/2003) تمتدح فيه العقيد الطبيب الأمريكي (غيغليانو) وتقول: "أن طاقة غير مألوفة تسكن هذا الرجل، عبرت عن نفسها بالكثير من الأعمال الإنسانية الطبية".

وفي الواقع يعيش الناس في أوضاع صحية مزرية، ولم يسمع أحد من قبل بهذا الرمز الطبي الإنساني، كما أننا لم نسمع به بعد ذلك!!

وبينما نشرت إحدى الصحف يوم (4/6/2003) خبراً مقتضباً لا يتجاوز العشرين كلمة على صفحاتها الداخلية، عن مقتل طفل عراقي بآلية عسكرية أمريكية، فإن صحيفة أخرى وفي اليوم نفسه (4/6) تبرز وبصورة كبيرة جداً، ما قام به جندي أمريكي في حمل قنينة غاز، كما جاء في الصحيفة لمساعدة امرأة عراقية، ومن الواضح، أن الهدف هو تصوير المشهد لتنشره الصحف التي أخذت على عاتقها الترويج الواسع والغريب لقوات الاحتلال الأمريكي.

غياب النقد

على الجانب الآخر، اختفت مظاهر الانتقاد، التي تُعد من سمات الصحافة في كل عصر وزمان، ومع كثرة الصحف وظهور أسماء جديدة وكتابات كثيرة، إلا أن ما يستحق الدراسة، هو غياب النقد، سواء الموجه ضد ممارسات جنود الاحتلال الأمريكي، التي تتحدث عنها غالبية وسائل الإعلام العربية والعالمية، بما فيها بعض الصحف الأمريكية، إضافة إلى غياب الانتقادات الموجهة إلى أداء بعض الدوائر، والمؤسسات الخدمية، التي لم تتمكن من تقديم أي شيء للمواطن، رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على عمر الاحتلال الأمريكي للعراق.

ومع كثرة الصحف التي يزخر بها الشارع العراقي، إلا أن هذه الصحف وما تحويه من كتابات، لم تتمكن من جذب القارئ العراقي، الذي يبحث عن صوت يقف بالضد من الاحتلال ويفضح ممارساته وسلوكياته السيئة، خاصة أن المواطن، يبحث عن الكلمة المعبرة في مثل هذا الظرف الصعب والحالك الذي يعيشه الناس في العراق.

مؤشر خطير آخر

ومن خلال قراءة سريعة للصحف الصادرة في العراق، يستنتج المرء، أن هذه الصحف تتجاهل بصورة مثيرة للانتباه الأخبار القادمة من الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا تجد من أخبار فلسطين وما يتعرض له أهلها على أيدي قوات الاحتلال (الإسرائيلي) شيئاً، إلا بعض النتف النادرة، التي لا ترقى إلى مستوى المسؤولية القومية إزاء قضية العرب الأولى.

وهذا الخط في تناول القضايا العامة، بدأ مع صدور هذه الصحف، واستمر بعد مرور أكثر من أربعة أشهر، ويهيمن هذا الاتجاه على جميع الصحف، التي توزعت بين من يريد أن يجذب القراء، من خلال العناوين، إلى الركض وراء الفضائح والإثارة وما شابه ذلك.

ويمكن للمرء، أن يمسك بخيوط بسيطة تؤشر وجود صحيفة أو اثنين، تحاولان السير على النهج الصحافي، بكل مستلزماته وأدواته، مع أن الجميع لا يحاول الخروج من جلباب الاحتلال وهيمنته.

غزو الساتالايت

من أكثر المظاهر إثارة للانتباه، التي جذبت الأنظار، مع أولى أيام الغزو الأمريكي للعراق، هو غزو الساتالايت لبيوت العراقيين، وشهدت تجارة الأجهزة الخاصة بالتقاط القنوات الفضائية انتشاراً سريعاً، وظهرت للمرة الأولى، الصحون اللاقطة في المحال التجارية، ووضعت فوق سطوح المنازل والعمارات، وبسبب رغبة الناس في اقتناء (الدش) أو الصحون اللاقطة، ولمتابعة ما يحصل، في أهم بقعة في العالم، وهو بلدهم العراق، وللتعرف على طبيعة الأوضاع السياسية والأمنية والحياتية، اجتمعت هذه العوامل، ودفعت العراقيين للإقبال، على اقتناء أجهزة الاستقبال الفضائي (الساتالايت).

وكان هذا الأمر ممنوعاً في السابق، وعدته سلطات نظام الرئيس السابق صدام حسين، من الأدوات الغربية، التي تستهدف تهديم المجتمع، وصدرت تعليمات تتراوح بين السجن لستة أشهر وغرامة تصل إلى نصف مليون دينار عراقي، لمن يستخدم منظومة الاستقبال الفضائي، لكن ذلك لم يقف عائقاً أمام عشرات الآلاف، الذين كانوا يخبئون تلك الأجهزة، ويتابعون الأحداث العالمية، وفي محاولة لإيجاد مخرج لهذه الإشكالية الاتصالية، تم إنشاء شبكة عراقية من الكايبلات تتضمن بث أربعة عشر قناة فضائية عربية مباشرة، وكان هناك تخطيط لتطويرها وتوسيعها.

ومع اندلاع الحرب في العشرين من آذار/مارس، ازداد الإقبال على اقتناء منظومات الاستقبال الفضائي، وسجلت أسعارها ارتفاعاً كبيراً، حيث وصلت قيمة الجهاز الواحد إلى ما يقارب الخمسمائة دولار أمريكي.

لكن سرعان ما تدفقت مئات الآلاف من الأجهزة، وانتشرت ماركات مختلفة، وانخفضت أسعارها إلى ما يقارب المائة دولار، وازداد عدد العاملين في هذا القطاع من تجار وفنيين وعمال، وأصبحت الصحون اللاقطة، من أبرز مظاهر الأسواق التجارية العراقية.

اختلف الناس في العراق، في تعاملهم مع الزائر العلني الجديد، وانقسموا إلى ثلاثة أقسام:

المجموعة الأولى، التي سارعت إلى اقتناء ونصب منظومة الاستقبال الفضائي، واختاروا أكبر الصحون اللاقطة، وأصروا على أن تستقبل عوائلهم جميع الأقمار، التي يمكن التقاطها في العراق، ويقول الفنيون أنها تصل إلى أربع عشرة قمراً صناعياً، من بينها القمر (الإسرائيلي) (أموس)، والقمر التركي والأوربي، إضافة إلى أقمار عربية وأجنبية.

ولأن ثمة الكثير من القنوات الإباحية في بعض الأقمار، فإن البعض حرص على استخدام أسلوب منع المشاهدة، وهذه ميزة إيجابية في أجهزة الاستقبال، أما البعض الآخر، فأبقى على الأخطار مفتوحة على كل اتجاهاتها، دون إبلاء أية أهمية، لخطورة ما تبثه تلك القنوات.

أما المجموعة الثانية، فقد كانت أكثر اتزاناً في التعامل مع الزائر الجديد، واختارت أحد الأقمار العربية (العربسات) أو (النايل سات)، على اعتبار أن ما تبثه قنواتها يلائم نوعاً ما ويناسب العائلة العراقية، مع وجود حديث وانتقادات لبعض القنوات العربية، وبالأخص منها الغنائية.

ووقفت المجموعة الثالثة، وهي كبيرة نسبياً، بالضد من هذا الضيف، الذي عدوه من أخطر الآفات التي جاء بها الانفتاح أو الانفلات الإعلامي، الذي دخل حياة العراقيين، تحت مظلة الاحتلال الأمريكي، ورفضوا دخول هذه المنظومة الاتصالية إلى بيوتهم.

قناة الاحتلال

الذين رفضوا استخدام الأطباق اللاقطة في العراق، يضطرون لمشاهدة قناة محلية، بدأت تبث تحت تسمية (شبكة الإعلام العراقية)، ولكن سرعان ما وجه الكثيرون الانتقاد الحاد لهذه القناة، واتهمها البعض بأنها تحاول ايجاد فتنة بين الطوائف والأديان، ويقال أن مديرها (الذي استقال وغادر العراق) قد تلقى تهديدات من إسلاميين، بعد أن استضاف ثلاثة من رجال الدين المسلمين ومسيحي، وحاول أن يثير الانقسامات والشقاق بينهم.

كما أن ثمة ملاحظات أخرى، على الأداء الضعيف للمذيعات والمذيعين، وضعفهم اللغوي الفاضح، إضافة إلى بث أفلام تتضمن مشاهد، لا تقبلها العائلة العراقية، وأخذ البعض من العراقيين، يتداولون تسمية أطلقوها على هذه القناة وهي تسمية "قناة الاحتلال" تعبيراً عن رفضهم لكل ما تبثه وما تحاول أن تقدمه من خدمة لقوات الاحتلال الأمريكي في العراق، وإبرازها لنشاطات المسؤولين الأمريكيين ومن يعمل معهم من العراقيين.

لهذا أصبح الذين يرفضون اقتناء الأطباق اللاقطة، بين نارين، فهم إما أن يشاهدوا القناة، التي يقولون أنها تمثل الاحتلال بكل ما يعني، وأما أن يغادروا مشاهدة الشاشة الصغيرة، التي أصبحت، أحد المنافذ المهمة للاطلاع على ما يجري.

ولإيجاد حل لهذه المعضلة، وحسب ما أعلمني أحد المسؤولين عن قطاع الإعلام، والذي يعمل ضمن برنامج القوات الأمريكية في العراق، أن العمل يجري لإنشاء قناة عراقية وإذاعة، وإصدار صحيفة يومية، ترتبط بهيئة الإعلام، التي ترتبط (بمجلس الحكم) الذي عينته الإدارة الأمريكية منتصف تموز/يوليو الماضي، ولم يتم تحديد موعد، لبدء هذه القناة، أو ظهور الصحيفة في الشارع العراقي.

ولم يتم الكشف عن سياسة هذه القنوات الإعلامية ومدى استقلاليتها، وقدرتها على انتقاد مجلس الحكم الانتقالي، أو كشف ممارسات القوات الأمريكية اليومية، التي تسيء إلى العراقيين.

ولم يتمكن العراقيون، من تبين حجم الأخطار التي جاءت مع هذا الانفلات في استقبال القنوات الفضائية الدولية، فقد حلت فجأة، في ظل غياب أدوات إعلامية صميمية، تمارس دور التوجيه والتوعية، لتجنب الأخطار المخبوءة تحت مظلة هذا الصحن اللاقط، الذي يأتي بجميع الأفكار والصور والطروحات واللقطات، من جميع إنحاء العالم، ويضعها أمام أفراد الأسرة.

على مقربة من الأخطار

إن هذا الانفتاح، أو الانفلات الإعلامي، الذي يعيشه المجتمع العراقي، يقترب بالناس من حافة الأخطار، إذا لم يتم الانتباه إلى المسارات والاتجاهات التي تسير بها الصحافة، وإن لم يكن لفت الأنظار إلى الأخطار الكبيرة، التي يحملها البث الفضائي المفتوح على مجتمع محافظ مثل العراق.

على قارعة الطريق (ثمن الرصاصة 25 ألف دينار)

يزخر يوم العراقيين في الوقت الحالي، بالكثير من الأحداث، ورغم أن الحياة شبه معطلة، والمفاصل الحيوية في المجتمع، تعاني من الحذر الشديد، والأوجاع المتلاحقة، وسط أمواج تبدأ بالمجهول، ولا تنتهي على شاطئ يحمل شيئاً من المعقول.

وعلى قارعة الطريق، وفي خضم الأشياء الغريبة، تجد من يضع لافتة غريبة ومدهشة، يقول فيها: (ثمن الرصاصة 25 ألف دينار)، ويقف على مقربة من تلك اللافتة، عدة شبان مفتولي العضلات، يتطلعون إلى الآخرين بوجوه جامدة، يحاولون إبراز الوحشية في نظراتهم، لا تدري ماذا يمور في عقولهم، ومن أين جاؤوا، وماذا يريدون، صحيح أن الجميع ينظرون إليهم شزراً، ولا يطيلون التمعن بقسمات وجوههم، ويحاولون الابتعاد عن مكانهم قدر الإمكان، إلا أن هؤلاء لا يعلنون عن جمعية أو حزب أو تكتل في العراق، وسط فوضى الإعلانات عن الأحزاب والتجمعات، التي اختلطت عناوينها ومسمياتها عند العراقيين.

ربما أراد هؤلاء استفزاز الجميع، بما فيهم زعماء الأحزاب، وقادة التكتلات وزعماء القبائل، وتحذيرهم بحجم الأخطار التي تحيق بالمجتمع العراقي، في ظل الفوضى العارمة، وبعض الدعوات التي تصدر أحياناً، وتشجع على العنف والتصفيات الجسدية، وتحويل المدن والقرى إلى أماكن لتصفية الحسابات. قد يكون هؤلاء من دعاة الإصلاح، لكن على طريقتهم الخاصة، وهم يفجرون قنابل تحذيرية، بوجه الجميع.

وربما يكون هؤلاء من بين الذين يتعاطون المسكرات، التي أصبحت تباع وتشترى في الكثير من الأماكن، وأرادوا إيجاد وسيلة مناسبة، لسد (رمقهم) وتهيئة مزاجهم للقتل مقابل النقود.

لا أحد يستطيع أن يجزم بحقيقة الصورة، ولا أحد يتمكن من الاقتراب من عالم هؤلاء، والخوض بموضوعية في أعماقهم، والتوصل إلى حقيقة نواياهم. لأن قارعة الطريق في العراق، تعني احتمالات الانزلاق في مستنقع مملوء بالمحاذير والأخطار.  لم يتمكن الكثيرون من إيجاد تفسير مقنع لهذه الحالة، تأخذ مدياتها من المجهول الذي يلف حاضر ومستقبل حياة العراقيين.

في جميع الأحوال، يرى المجتمع، أن أسلوب تأجير القاتل، يعني دخول حياة الناس في مسلسل ونفق وأقبية، لا يمكن أن يرى أحد أي ضوء، بل أن هذه الأقبية لها بداية واضحة وليس لها نهاية، على الأقل في حدود المدى المنظور.

صحيح أن المشهد الذي تحدثنا عنه، لا يشكل ظاهرة، بمعنى الظاهرة، أي وجود مثل هؤلاء الأشخاص في جميع الأماكن، لكن مجرد ظهورها في منطقتي (الباب الشرقي) و(الشورجة) وهما من المناطق التجارية الكبيرة والمزدحمة في العاصمة العراقية، يدلل على أن الدخان يثبت وجود النار، وإن كانت مختبئة خلف المجهول في الأشياء الكثيرة، التي تداهم حياة العراقيين.

أطفال على الرصيف وشم (السيكوتين)

يضطر الصبي حسين زغير (10 سنوات) لقطع أكثر من خمسة كيلومترات يومياً، يدفع عربة صغيرة من (مدينة الثورة) في الضاحية الشمالية من بغداد، إلى حي (زيونة) الراقي، لينقل النفايات، من بعض البيوت، ويرميها في أقرب ساحة عامة، ويقول حسين: "إن فرص العمل قليلة جداً، وفكرت بأن هذه البيوت الضخمة، لا بد أنها تحتاج إلى من يخلصها من النفايات، خاصة أن المركبات المخصصة لنقل النفايات اختفت، وإن ظهرت فإن زياراتها نادرة، وتقتصر على أحياء معينة، دون غيرها".

يصارع حسين حرارة الجو اللاهبة، ويتحمل مزاج بعض أصحاب البيوت، وقد يعود إلى بيته، بعد أن يقطع هذه المسافة الطويلة، دون أن يحصل على أي مبلغ، ويقول، "إذا صادف وزارت المناطق التي يمارس عمله فيها، سيارة جمع النفايات، فإن ذلك قد يجعله في خيبة"، ولا يتمكن من شراء احتياجات عائلته، التي فقدت رب الأسرة، إثر مرض عضال ألم به، خلال سنوات الحصار، منتصف تسعينات القرن الماضي، ولم تتمكن الأسرة في ذلك الوقت، من تأمين الأدوية، التي كانت تباع بأسعار مرتفعة جداً، في السوق السوداء، ومنعت الولايات المتحدة استيراد بعضها تحت ذريعة الاستخدام المزدوج.

حسين، مثل عشرات الآلاف من الأطفال العراقيين، الذين أجبرتهم أثقال الحصار الأمريكي على العراق، لترك الدراسة، ومغادرتها نهائياً بحثاً عن أي عمل، لتأمين ما تحتاج إليه الأسرة، وحسين مثل عشرات الآلاف من الأطفال والصبية العراقيين، أجبرتهم ظروف الاحتلال، على المجازفة وقطع مسافات طويلة، بحثاً عن لقمة العيش، كان هذا الصبي، يعود إلى أمه وأخواته حاملاً كيساً يتضمن وجبة أو وجبتين بسيطتين من الغذاء، إن مئات الأطفال والصبية من العراقيين، في مثل عمر حسين زغير أو أكبر منه بقليل، سرعان ما تتلقفهم أخطار الطريق، وقد تنصب لهم العصابات التي ظهرت في ظل الاحتلال شراكها، لتحولهم إلى عناصر إجرامية في هذا البلد.

أطفال آخرون يتسكعون في منطقة (الباب الشرقي) وسط العاصمة العراقية، وأصبح منظر البعض منهم شبه يومي، وهم يدخنون السجائر، ويتعاطون المواد المخدرة، وأرخصها هو (شم رائحة السيكوتين) وتحت هذه الظروف، فإن اندفاع هؤلاء لممارسة السرقة، يصبح أمراً عادياً.

مثل هذه التجمعات، توجد في أماكن أخرى، حسب ما يتداول ذلك العراقيون، محذرين من خطورة هذا التوجه، وخشية أن تتحول هذه الأماكن إلى بؤر للأمراض والفساد، ومنطلقاً لجرائم كثيرة، تهدد حياة العراقيين.

وما يحذر منه التربويون في العراق، من احتمالات ارتفاع أعداد الأطفال، الذين يغادرون المدارس، ويتجهون إلى الأرصفة، بين باحث عن عمل، أو منزلق في واحدة من الحفر الخطيرة، التي أخذت بالاتساع والانتشار، بسبب الفوضى وانهيار الأمن، وزيادة أعداد العاطلين عن العمل، ووجود بعض المبررات، التي تشجع على مثل هذه الانحرافات.

احتمالات زيادة أعداد المتسربين من المدارس ترتكز إلى قرب افتتاح المدارس، دون أن يجري أي تغيير على أوضاع المدارس، التي تعرضت غالبيتها للنهب أثناء أيام الفوضى العارمة.

كما أن غياب الأمن، يدفع الكثير من العوائل، للخوف الشديد على أطفالهم، الذين يسيرون وسط الشوارع، التي ينعدم فيها الأمن.

بعيداً عن الرصيف

يمضي أبو عماد جل وقته، في محاولات الحصول على الاحتياجات الأساسية، فهو يضطر للخروج من الساعة الخامسة فجراً، بعد أن يتم السماح بالتجوال، متحملاً جميع المجازفات والمخاطر، ليصل إلى محطة الوقود الواقعة في (ساحة الخلاني)، قرب (الباب الشرقي)، حيث يقف في طابور طويل، ويظل ينتظر حتى الساعة العاشرة صباحاً، ليملأ خزان سيارته بالوقود، ويكون قد أنهك بسبب الانتظار الطويل، ويبدأ رحلة البحث عن رزقه، من خلال العمل سائق تاكسي بسيارته الخاصة، ولم تعد هذه المهنة مجدية، لأن عدد العاملين فيها، بسبب البطالة المخيفة، ازداد عشرات الأضعاف، كما أن القدرة الشرائية، لا تساعد على دفع مبالغ كبيرة لاستخدام وسائط النقل الخاصة، يضاف إلى ذلك خشية الغالبية من الناس، الخروج إلى الشارع، أو الذهاب إلى أسواق بعيدة عن مناطق سكناهم.

مع ذلك، يصر أبو عماد، الذي كان يعمل مديراً في إحدى الدوائر، قبل احتلال العراق، يصر على التجوال في الشوارع، رغم حرارة الجو اللاهبة، ليعود إلى أهله بما يسد بعض احتياجاتهم.

يقول أبو عماد، بعد رحلة البحث عن مصدر رزق، يجب أن أذهب لجلب الصمون أو الخبز من الفرن القريب من بيتنا، وأحياناً يحتاج إلى الوقوف نصف ساعة في الطابور، الذي أخذ يزداد يوماً بعد يوم.

لا تنحصر هموم أبو عماد، الذي حرم من الراتب أو المنحة، لأنه كان يعمل في دائرة خدمية، تتبع لديوان الرئاسة، بل عليه أن يجهد نفسه، للحصول على قنينة غاز، لتتمكن العائلة من طهي الطعام، وإذا حصل على مبتغاه، فعليه أن يدفع مبالغ ضخمة، ولأن عائلته كبيرة العدد، فإنه يحتاج إلى العمل أكثر من سواه، لتأمين بعض الاحتياجات الضرورية.

مثل بعض المسرحيات، التي تعتمد النهايات المفتوحة، فإن رؤية أبو عماد لمسار حياته، يشبه تلك المسرحيات، مع وجود الكثير من فقرات التراجيديا السوداء، في المفاصل اليومية لحياته، التي لا تختلف عن حياة مئات الآلاف من العراقيين، الذين يتحملون مسؤوليات أسرهم، في هذا الظرف الخطر.

يوم واحد

هذه هي بعض من تفاصيل يوم واحد في حياة العراقيين تحت الاحتلال، على الرغم أنه من الصعب، أن يلم المرء بتفاصيل يوم واحد في حياة العراقيين، بعد أن أصبح الوقت يمر ثقيلاً، والغصة تتناسل منها غصات، واللحظة قد تتوقف طويلاً، وتثقل كاهل المرء بالكثير من المرارة والقساوة وربما تمر خاطفة، دون أن يدرك المرء، أنه يعيش ضمن سلسلة الحياة، التي يعيشها بقية خلق الله.


دعوة غامضة إلى تشكيل (مجاميع الدفاع) تؤكد تخبُّط إدارة الاحتلال في العراق

في إشارة واضحة، إلى تخبط إدارة الاحتلال، وعدم قدرتها على ضبط الأمن في العراق، تم توزيع منشور على بعض أحياء العاصمة بغداد، لا يحمل اسم أي جهة، لكن ما ورد فيه، يدلل على انه صادر عن الحاكم المدني للعراق المحتل بول بريمر، وعلى مساحة أربع صفحات من الورق الأنيق الملون، تتوجه الدعوة إلى المواطنين في مدينة بغداد حصراً، للانضمام إلى مجاميع أطلق عليها اسم (مجاميع الدفاع)، وتقول الجملة الأولى فيه "من أجل استعادة الأمن في بغداد، فإن أهالي بغداد سوف ينضمون مع بعضهم البعض سوية لأجل حماية أنفسهم وممتلكاتهم".

وتشير مقدمة المنشور، إلى حجم الأخطار التي تهدد المواطنين، بسبب الانفلات الأمني، وتدعوهم إلى محاربة من سمّتهم الجهة، التي تقف وراء إصدار المنشور (الخارجين على القانون).

وتتضمن المقدمة، تحذيراً من احتمال أن تصبح هذه المجاميع أداة بيد الانتهازيين، من دون أن تتم تسمية "الانتهازيين" أو توضيح طبيعة مرجعياتهم، وانطلاقاً من ذلك التخوف، يؤكد المنشور على وجوب أن تنشأ أو تتكون هذه المجاميع بناءً على تشريع، تم تحديد أساسياته وتبيان تفاصيله.

وتؤكد الفقرة الرابعة، أن هذا المنشور وما يتضمن من تشريع صادر من قبل قوات الاحتلال الأمريكي، لأنه يمنح رخصة حيازة الأسلحة لأعضاء المجاميع، التي أشار إليها المنشور. وجاء في هذه الفقرة ما نصه "عندما يعملون على الدفاع عن مناطقهم فإن أعضاء المجموعة يتجمعون ويسلحون أنفسهم ويطوفون كل في منطقته مسلحين من دون أي رخصة أو تعليمات أو معوقات من أي وكالة حكومية أو غير حكومية".

وفي الوقت الذي يدلل فيه هذا التفويض على أنه يفتح الباب لحمل السلاح بصورة واسعة بين الناس، فإنه يدلل على أن الذي يقف وراءه هو سلطة الاحتلال، لأن التعليمات الصارمة، التي أصدرها بول بريمر تؤكد على أنه لا يسمح للعراقيين بحمل الأسلحة، إلا تلك التي يتم ترخيص حملها من قبل القوات الأمريكية، ووفق ضوابط معينة، ويتم منح حامل السلاح هوية تؤكد على ذلك، وهذا لا يتطابق مع ما جاء في الصلاحيات، التي تحملها هذه الدعوة لتشكيل مجاميع ما تسمى "الدفاع".

من جهة أخرى، تم توضيح علاقة هذه المجاميع، مع ما سمّاه المنشور (الحكومة) إذ يقول "قادة مجاميع الدفاع تكون اتصالاتهم مع مسؤولين حكوميين مختصين، هذه العلاقة يجب أن تكون معلنة ورسمية" ومن دون أن تعرف الجهة التي أصدرت المنشور، من يجب أن يكون المسؤول عن الاتصال بهذه المجاميع، يقول: "إن المسؤول الحكومي قد يكون الشرطة أو الجيش أو مؤسسة مشابهة" لكنه يضع شرطاً آخر يؤكد أنها يجب ألا تكون دائرة استخبارات.

أما الفقرة الأخيرة، فقد جاءت تحت عنوان (شروط الخدمة في الحكومة)، وتؤكد نصوص هذه الفقرة، على أن مجاميع (الدفاع) يتم تهيئتها لتأدية الواجبات التي تخدم الحكومة، وتقول بهذا الصدد "عندما يتم طلب مساعدة المجاميع لأداء خدمة حكومية مؤقتة، فإن المجاميع، سيطلب منها أن ترتدي زياً موحداً وأن تستخدم معدات موحدة، وأن تتبع تطبيقات وإجراءات العمليات الخاصة بالجهة الحكومية والتي يقومون بمساعدتها".

وأن خلاصة ما جاء في هذا المنشور، الذي لم يعتد العراقيون على ما جاء فيه، وما يحمله من غموض، وما يدلل عليه من مشروع أمني، يتفرع من جهة حكومية، لكنها لا تفصح عن نفسها، تدلل هذه الخلاصة على الأمور التالية :

أولاً: إن هذه الدعوة، تهدف إلى جذب مجاميع من العراقيين، للانضمام إلى هذه التجمعات، ومن ثم استدراجها، تحت مغريات كثيرة، ليتم تشكيل هيئة أو تجمع أوسع، يضم أعداداً كبيرة من أبناء المناطق.

ثانيا: بسبب إدراك المسؤولين في قوات الاحتلال الأمريكي والعاملين معهم من العراقيين، لحجم الكراهية، التي تكنها الغالبية من العراقيين لهذه القوات، فإنها أرادت أن تتسلل إلى الناس، في خلسة من الزمن، وعدم الإفصاح عن هويتها، والإيحاء بأن المسألة تنحصر في حدود الخدمة ذات الطابع الأمني لأبناء المناطق.

ثالثاً: تحاول هذه الدعوة المشبوهة مناغمة العراقيين، من خلال استنهاض قيم الرجولة فيهم لحماية أهلهم وبيوتهم وجيرانهم، والتلميح إلى إمكانية حمل السلاح الذي يؤهلهم لمجابهة السراق واللصوص وأفراد العصابات، وهذا يتناغم وطموحات العراقيين في ظرف صعب، يعيش البلد فيه انفلاتاً أمنياً شاملاً.

أما أهم أهداف هذه المحاولات، فتتمثل بتجنيد هؤلاء الشباب لمصلحة قوات الاحتلال، وتحويلهم إلى عناصر تخدم أهدافها ومصالحها، من خلال بثها داخل نسيج المجتمع العراقي، لتصبح بمثابة العيون السرية لوكالة المخابرات الأمريكية في العراق.

هذا على المدى البعيد، أما في الوقت الحالي، فإنها تدلل، وبما لا يقبل الشك، على أن الإدارة الأمريكية، قد فشلت فشلاً ذريعاً، في السيطرة على الأمن في العراق، بسبب استهتار جنودها، ومحاولة إهانة العراقيين والاعتداء على الحرمات، الأمر الذي دفع بأبناء القبائل والعوائل والأفراد، لحمل السلاح على أوسع نطاق لمقاومة قوات الاحتلال، وإلحاق المزيد من الخسائر بجنودها وضباطها وآلياتها.

وتبقى مثل هذه المحاولات، وكما يراها العراقيون، من أخطر الفعاليات، التي تستهدف بنية المجتمع العراقي، وتحاول نخر نسيجه المتماسك لخدمة أهداف الاحتلال الأمريكي للعراق.

 كاتب عراقي