الحرب على العراق وحقيقة الأهداف الأمريكية

 

 

شبكة البصرة

بقلم / عثمان أبو غربية

من منظور المفهوم الاستراتيجي فقد بدأت الحرب الأمريكية منذ بدأت الولايات المتحدة في اتخاذ مواقع وتدابير تمهيدية لإجرائها. لقد بلغ الأمر أن وصل الحشد الأمريكي إلى أكثر من 130 ألف جندي حتى الآن ، وإلى حشد تسليحي وتكنولوجي عسكري ولوجستي وتكثيف تواجد ومواقع في مناطق التقرب الاستراتيجي المحيطة بالعراق وفي بعض مناطقه.

ولعل توفير وتأمين هذه المواقع هو أحد أهداف هذه الحرب أساساً ، ويمرر هذا التأمين الآن بغطاء قعقعة السلاح والحرب قبل إجراء عملياتها الأخيرة.

ومواقع في مناطق التقرب الاستراتيجي المحيطة بالعراق وفي بعض مناطقه. ولعل توفير وتأمين هذه المواقع هو أحد أهداف هذه الحرب أساساً ، ويمرر هذا التأمين الآن بغطاء قعقعة السلاح والحرب قبل إجراء عملياتها الأخيرة. والسؤال الأول عن الحرب ..أي حرب.. يتعلق بالأهداف ، وهنا تبرز عدة أسئلة : ما هي حقيقة الأهداف الأمريكية ؟ وهل بدأت التطلعات الأمريكية نحو الخليج بعد دخول القوات العراقية إلى الكويت أم قبلها ؟ وهل بدأت النوايا والبرامج لضرب العراق قبل أحداث 11 أيلول أو بعدها ؟ وهل بدأ التطلع لتقرب استراتيجي في منطقة المحيط الهادئ ووسط آسيا قبل أحداث 11 سبتمر أم بعدها ؟ وإلى أي مدى ستصل الحرب على العراق واستثمار الفوز ثم استثمار النتائج ؟ إن أي تتبع للتقارير والبرامج الأمريكية يكشف أن التطلع لاحتلال منابع النفط قد دخل طوراً نوعياً في العام 1974 عندما بدأ النقاش لتعديل مبدأ نيكسون الذي يقضي بعد حرب فيتنام بعدم إرسال القوات الأمريكية إلى المناطق المتفجرة في العالم ، والعمل على إحداث استثناء لهذا المبدأ يتعلق بمنطقة الخليج حيث تجسد هذا الاستثمار بمبدأ كارتر في العام 1977 ووضع آلية تتمثل بقوات التدخل السريع. وقد أشارت التقارير الأمريكية في حينه إلى وجود عائقين : الأول هو إمكانية تدخل الاتحاد السوفيتي ، والثاني هو القدرة على المحافظة على المنشآت النفطية سليمة وتأمينها ، كذلك أشارت هذه التقارير إلى محرض يمكن أن يسرع العمل بمبدأ كارتر وهو نشوء قوة إقليمية عسكرية مؤهلة للتطور ولعب دور إقليمي. في أعقاب قمة مالطا في العام 1988 وانهيار الاتحاد السوفيتي وانتصار العراق في الحرب العراقية الإيرانية توفرت العوامل الأساسية لتنفيذ مبدأ كارتر ، حيث زال خطر واحتمال التدخل السوفيتي وتوفرت قوة إقليمية في العراق مؤهلة للعب دور إقليمي. لقد توفرت هذه القوة بمساعدة غربية كاملة وفي مقدمتها الولايات المتحدة وكذلك حصلت على الأسلحة الكيماوية بمساعدة غربية تصل حد المشاركة وفي مقدمتها الولايات المتحدة وذلك بهدف لجم واحتواء الثورة الإيرانية واستنزاف الطرفين والجبهة الشرقية وإجراء مبيعات السلاح مستغلة قصر نظر الطرفين. وسرعان ما تحولت الولايات المتحدة بعد هذه الحرب لتقديم شروطها وطلباتها للقيادة العراقية. ومما لا شك فيه أن القيادة العراقية لم تتلمس حقيقة وأبعاد المتغيرات الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وهو الأمر الذي لم يمكنها من المناورة في الظروف الدولية الجديدة. لقد عملت الولايات المتحدة على استدراج العراق ووفرت بعض الظروف والأطراف لتوجيه الفعل أو رد الفعل العراقي باتجاه الكويت ، بموازاة عملية كمين والتظاهر بعدم الاستعداد للتدخل إلى أن وقعت المنطقة بأسرها وليس العراق أو الكويت وحدهما في الكمين. من الثابت أن القوات الأمريكية قد بدأت تتحرك وقبل ذلك بدأ تجهيزها للتوجه إلى الخليج قبل الدخول العراقي إلى الكويت ، وأن ذلك كان يجري في سياق مخطط استراتيجي حيث أعلنت الولايات المتحدة بعد قمة مالطا برنامجاً من ثلاثة أهداف في الشرق الأوسط هي : ** أولاً: قوة وأمن وتفوق إسرائيل. ** ثانياً : السيطرة على منابع النفط وطرق إمداده ووصوله. ** ثالثاً : إقامة نظام إقليمي جديد. بينما أشارت التقارير والتصريحات والمصادر الأخرى إلى برنامج باتجاه الوضع الدولي بهدف تأمين القيادة المنفردة للولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً وتكنولوجياً واقتصادياً للعالم ، وفرض سياسة العولمة التي تصب في اتجاه هذا التأمين ، وفي اتجاه استثمار التفرد الدولي لتحقيق مصالحها الخاصة والمستقبلية ، عولمة تقوم على أحادية القيادة أو القطبية الأمريكية ، وعلى الفوارق بين الشمال والجنوب ، والتغاضي عن القيم والتحديات الإنسانية على أساس أولوية المصالح الأمريكية. وفي هذا السياق أعلن الرئيس جورج بوش الأب في حينه أنه يريد سلاماً مثل سلام روما عندما مارست روما قيادتها المنفردة وفرضت قيمها على العالم لعدة قرون ونقلت مركز القرار في العالم. والأهم التقارير الصادرة حول السياسات الاستراتيجية وكذلك مؤلفات بعض المؤولين المطلعين ومنها ما قدمه السيد زيفينيو بريجينسكي في كتابه على رقعة الشطرنج الكبرى. ولعل اكثر ما يوضح النوايا الأمريكية هو ما كشفه تقرير مقدم للرئيس جورج بوش الابن وقد اعتمد منه وأعلن عنه قبل شهور وحدد أربعة أسس للسياسة الأمريكية هي : - أولاً : عدم السماح لأي طرف أو قوة في العالم باللحاق بالولايات المتحدة عسكرياً أو تكنولوجياً. - ثانياً : تعطي الولايات المتحدة نفسها حقاً بالدور العالمي. - ثالثاً : للولايات المتحدة الحق في توجيه الضربات الاستباقية. ** رابعاً : فرض القيم الأمريكية عالمياً. من الواضح أن العمل بهذه الأسس يعني الشيء الكثير حتى في الموقف من الحلفاء وإضعافهم وإضعاف دور الأمم المتحدة بصورته الحالية ، وفرض الدور العالمي مباشرة وباستخدام الأمم المتحدة بصورة جديدة والقيام بضربات مستقبلية وفقاً للرؤية الخاصة وخياراتها وفرض القيم السياسية والاقتصادية والثقافية والنظرة للقضايا الإنسانية ارتباطاً بالمعاني التي تقررها الولايات المتحدة. في إطار هذا التقديم المختصر والمكثف نأتي إلى حقيقة أهداف الولايات المتحدة من حربها على العراق ، وهي بالأولوية: أولاً : الهدف الجيواستراتيجي ، ويتضمن تأمين منظومات سياسية إقليمية مختلفة مرتبطة بالسياسة الأمريكية ، وتواجد عسكري وأمني وتأمين مصالح بما يحقق الأغراض الأساسية التالية : ** تفوق الولايات المتحدة المطلق. ** قيادتها المنفردة للعالم سياسياً وعسكرياً وتكنولوجياً واقتصادياً. ** قطع الطريق على القوى المؤهلة لتشكيل قوة عالمية عظمى وعلى تحالفاتها والقوى المؤهلة من منظور أمريكي هي : أوروبا ، روسيا ، الصين ، اليابان ، والهند. ولكل من هذه القوى نقاط قوة ونقاط ضعف ، وتعتبر الولايات المتحدة أوروبا أكثر من يمتلك نفاط القوة الآن لذلك فهي عملت حتى اللحظة ضمن خط توازن يحفظ التحالف الأوروبي في سياق الأطلسي والناتو ويمنع الوحدة الأوروبية التي تتجاوز هذا السياق. وأكثر ما يثير قلق الولايات المتحدة هو محور فرنسي ألماني يمكن أن تلتحق به دول أوروبية أساسية وروسيا ويجري تحالفاً مع الصين التي تعتبرها المد المستقبلي الكامن ، وكذلك تبلور نوع من التضامن أو تناسق إسلامي خاصة بعد وجود دول إسلامية تمتلك مخزوناً نووياً من الدول التي كانت في إطار الاتحاد السوفيتي ، إن تناسقاً بين هذه الدول وكل من إيران والباكستان والبلدان العربية سيؤثر على تركيا ، وكذلك فإن دخول هذا التناسق في تحالف مع الصين من شأنه أن يترك تأثيراً كبيراً في الوضع الدولي. وضعت الولايات المتحدة أولوياتها في برنامج اعتمده الرئيس جورج بوش الابن بعد انتخابه مباشرة على أساس أولوية المحيط الهادي ووسط آسيا واستكمال الترتيبات في الشرق الأوسط. إن اختيار الموقع الأفغاني كرأس جسر لهذا التقرب الاستراتيجي ولنقلة الشطرنج الكبرى لم يكن صدفة أو مجرد ردة فعل لحدث حتى وإن كان كبيراً بحجم أحداث 11 سبتمبر ، كان من الطبيعي أن تسعى الولايات المتحدة إلى مواطئ أقدام في وسط آسيا وأن تسعى إلى استكمال منظومة إقليمية شرق أوسطية أكثر طواعية مرتبطة سياسياً وأمنياً واقتصادياً تمتد من المغرب إلى الباكستان. وكان أمام ذلك بعض العقبات أهمها العراق وإيران ، وعقبات أخرى اعتبرتها صغيرة أو مؤجلة وكان عليها أن ترتب ضرباتها أو احتوائها ، وأصبح الاتجاه لسياستها ضرب العراق أولاً ، ومحاولات احتواء إيران مؤقتاً للانتقال إما لاستكمال الاحتواء أو توجيه الضربة التالية ، هذه النقلة النوعية ليست منفصلة عن النقلات على رقعة الشطرنج الكبرى بل إنها شديدة الارتباط بها ويكاد يكون حقيقة الهدف الأهم هو الوضع العالمي ، وهنا تبرز أوروبا بالدرجة الأولى وروسيا بالدرجة الثانية وهذا ما تدركه فرنسا وألمانيا. إن المستهدف هو أوروبا كل أوروبا وتغييرها من أوروبا قديمة أو (عجوز) فيها إمكانيات الاستقلالية وتشكيل قوة عالمية ، إلى أوروبا جديدة أشبه بالدول التي خرجت من الفلك السوفيتي خاضعة ودائرة من دوائر المنظومات الإقليمية المرتبطة بالولايات المتحدة. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه في حالة نجاح البرنامج الأمريكي فإن أوروبا كلها ستكون خاسرة بما فيها حلفاء الولايات المتحدة في حربها على العراق وفي مقدمتهم بريطانيا. إن هامش القوة لبريطانيا في ظل أوروبا رابحة وموحدة هو أوسع بكثير من هامش القوة لها في ظل خضوع أوروبي للولايات المتحدة ، ومن الحتمي أن يكون مصيرها كمصير حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط الذين أصبحوا أكثر ضعفاً. وهنا يحضر ما رد به السيد جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق لأحد القادة العرب ممن انضووا في التحالف السابق عندما تحدث مع هذا الوزير وكأنه شريك أو جزء من الجبهة المنتصرة ، حيث أجابه السيد بيكر : وهل تعتقد أنك من الجبهة المنتصرة ؟ أنتم العرب كلكم من الجبهة المنهزمة ! ، وحتى الشركاء الأوروبيون في ذلك التحالف فقد حرموا من مشاركة قطف الثمار فيما بعد. إن القرار السياسي لأي دولة تسعى لدور مؤثر وتعتبر أن لها محيطاً حيوياً يجب أن لا يغيب عنه اعتباران: - العامل الجيواستراتيجي ونقلاته ، وهذا أمر لا يستهان به أو بالتغاضي عنه. - السياق التاريخي والسياق التاريخي الجغرافي ، وخاصة السياق المستقبلي للحدث. تشكيل منظومات سياسية إقليمية موالية وهي : أ- جنوب المحيط الهادي ووسط آسيا. ب_ الشرق الأوسط. ج_ منظومة داخل أوروبا. د- أمريكا اللاتينية. ه- أفريقيا. والسيطرة المطلقة على حزام العالم والأركان الاقتصادية الأساسية والمواقع الاستراتيجية النوعية. ثانياً : الهدف الإقليمي الخاص بالشرق الأوسط ويتلخص بما يلي: ** تشكيل نظام إقليمي جديد من المغرب إلى الباكستان ينضوي على منظومة سياسية جديدة بكل محتوياتها ، وهنا فقد أعلنت الولايات المتحدةمحورين لسياستها بعد الحرب على العراق: أ- إعادة تشكيل النظام الإقليمي وفقاً لمصالح الولايات المتحدة وتأمين هذه المصالح. ب- حل نزاع الشرق الأوسط (في سياق هذا التشكيل وإقامته). إن من شأن تأمين المصالح الأمريكية أن يتجسد سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً وهو الأمر الذي ينطوي على إعادة تشكيل الشرق الأوسط من مستوى المفاهيم إلى مستوى الكيانات والتشكيلات الديموغرافية الداخلية بحيث يرتبط كل تشكيل ديموغرافي بالعجلة الأمريكية مباشرة واعتماد مفوضين أمنيين وفقاً للدول وتمايز كياناتها الديموغرافية الداخلية. إن الاحتمالات المفتوحة على مصراعيها في هذا السياق تتطلب من الأطراف العربية في اللحظة الراهنة موقفاً أكثر فاعلية وجرأة وتفاعلاً مع الاتجاهات الدولية المناهضة للحرب لأن النتائج تطال العراق وفلسطين والمنطقة والعالم بأسره ، ثمة مقاومة دولية ومن الطبيعي أن تصل بعض دول العالم إلى حد المقاومة المعلنة وعلى نتائج هذه المقاومة سيتقرر الكثير. أما حل نزاع الشرق الأوسط فإنه يتخذ محاولة الجمع والتوفيق بين منظورين : الأول : أن المشكلة الفلسطينية هي مشكلة مستعصية وقادرة أن تثير المشاكل للترتيبات الإقليمية لذلك لابد من التعاطي معها. الثاني : تطبيق رؤية التحالف الثلاثي في الولايات المتحدة وهو اليمين المتطرف ، والمسيحية التوراتية ، والنفوذ لمراكز القوى اليهودية المتطرفة ، عبر هذا التجاذب بين المنظورين فإن على القيادة الفلسطينية أن تجيد فن اكتشاف الممكن واستخدام الهوامش المتاحة والثبات على الأهداف ، والإفلات من المقصلة ، وعدم بروز أو إظهار ثغرات يمكن النفاذ منها لتخفيض السقف السياسي أو لإحداث شرخ وطني ، وهذه مهمة صعبة للغاية وغير مضمونة النتائج في سياق هذا التجاذب وهذه التركيبة الأمريكية مع كيان الاحتلال. إن ما يفسر إصرار مواكز القوى اليهودية المتشددة في الولايات المتحدة وكيان الاحتلال على ضرب العراق هو الهدف لأن تخرج المنطقة كلها مهزومة ويتحقق استفراد كيان الاحتلال بالتفوق والقوة بما فيها أسلحة الدمار الشامل والسلاح النووي خاصة ووضع الحل في الشرق الأوسط في السياق المناسب لهذا الكيان. يجب أن يكون من الواضح أن الموقف الفلسطيني يمتلك نقطة قوة فريدة تتمثل في : ** استعصاء ترتيب الوضع الإقليمي بدون الحل الفلسطيني ، لأن أي ترتيب في هذه الحالة سيبقى قائماً على أرض رخوة وفوق عوامل التفجير. ** قوة التضحية والصمود والتصميم لدى الشعب الفلسطيني. يجب أن تستخدم نقطة القوة هذه في تحقيق الثبات على الأهداف ومن الحتمي أنها ستؤدي إلى نتائج وإلى فرض حقائق لمصلحة الشعب الفلسطيني. إن الأمر ما زال يتطلب أعلى درجات الصلابة وأعلى درجات الحكمة في آن واحد ، وأن المدى الزمني أمام ترتيبات الولايات المتحدة وبعض ظواهر المقاومة الدولية والإقليمية تجعل الحالة أمامها في صراع وتجاذب وقلق وتعطي هامشاً يمكن استثماره. 2- نظام أمني خاص داخل النظام الإقليمي يتضمن وجوداً أمريكياً نوعياً في مواقع محددة. 3- إقامة توازن تطور إقليمي يحفظ الحدود بين مستوى التطور المطلوب لمصلحة الاقتصاد وتسويق السلعة الأمريكية ومستوى الضعف المطلوب وفقاً لمتطلبات الاستراتيجية الأمريكية. يتطلب الواقع العربي فوراً أو كخطوات استباقية القيام : بالإصلاح والتكامل وخلق سوق عربية مشتركة وتعزيز المنظومة العربية الخاصة ، بما يؤدي إلى تعزيز الموقف العربي في إطار أي نظام أوسع وبما يحافظ على منظومة الروابط الخاصة وفي مقدمتها المؤسسات القائمة مثل الجامعة العربية. يجب أن تتسع المدارك لتمتين عوامل الوحدة في ظل التمايزات الديموغرافية بحيث يتم ضمان مراعاة الحقوق الثقافية واللامركزية أحياناً والمساواة في المواطنة والنصيب من الثروات الوطنية والتطوير ، والسمات الخاصة عبر التمايز في الدين أو العرق أو اللغة ، لأن للجميع حقاً في لغته وثقافته وتراثه وما تمليه خصائصه من طريقة حياة ، وفي المساواة. ثالثاً: الهدف النفطي من المعروف أن الاحتياط الاستراتيجي النفطي في العراق هو ثاني احتياط استراتيجي في العالم بعد السعودية ، وهو بذلك هدف كبير لمصالح الولايات المتحدة ويعزز كونه هدفاً مجموعة المصالح المتعددة القائمة لمجموعة دول منها روسيا وفرنسا والصين وألمانيا وإيطاليا التي تضمنتها اتفاقيات ومشاريع مع العراق وذلك إنطلاقاً من رغبة الاستفراد الأمريكي بالسيطرة على النفط. ومن المؤكد أن نفط العراق ليس وحده هو الهدف بل كذلك كل نفط الشرق الأوسط والدول الإسلامية الآسيوية التي كانت في الإطار السوفيتي والتي بعضها الآن في ظل روسيا. إن الولايات المتحدة تسعى للسيطرة على أركان الاقتصاد العالمي لأهداف اقتصادية وسياسية واستراتيجية وفي مقدمة هذه الأركان الطاقة ومصادرها والنفط على وجه الخصوص. رابعاً: الهدف المالي إن أحد أهداف الحروب الأمريكية هو الهدف المالي ، وعندما وصل السيد جورج بوش الابن للرئاسة كانت لديه برامج تحتاج إلى خمسمائة مليار دولار إضافية ، وكان لابد من تأمينها من تجارة الحروب وعمليات الابتزاز في إطارها. وقد تضاعفت الحاجات الأمريكية نتيجة الإخفاقات والتعثر والفساد في الاقتصاد الأمريكي ونتيجة البرامج الطموحة للتطوير الاستراتيجي بكل معانيه من أجل تحقيق التفوق والسيطرة ، وهذا الأمر يعني أن العالم معرض إلى مزيد من عمليات الابتزاز ، بشكل مركز وملخص هذه حقيقة الدوافع الأمريكية للحرب والمسوغ الحقيقي الوحيد لها هو سيطرة القوة وابتزازها. إن ذلك لا يعني عدم وجود أخطاء أو سلبيات في أنظمة الشرق الأوسط أو عدم الاحتياج إلى إصلاحات عميقة وجذرية ولكن هذه الأخطاء والسلبيات والخطايا هي آخر ما يطرأ على بال الأهداف الأمريكية أنها ليست في قائمة الأهداف وهي تأتي فقط لدى صياغة المبررات القيمية أو الأخلاقية المطلوبة لتغطية أعمال القوة فالتغطية الأخلاقية هي جزء من التخطيط لأي حرب ، وفي حقيقة الأمر فإن الولايات المتحدة كقوة عظمى أولى بحكم الأمر الواقع تتحمل مسؤوليات أخلاقية في تجنيب العالم للحروب والدماء وعدم الاستقرار بل وتتحمل مسؤوليات للمساهمة الفعالة في مواجهة الإنسانية لمشكلاتها الكبيرة وتحدياتها المستقبلية.. فالبشرية تواجه تحديات كبيرة ومصيرية ستؤثر على حياة الكوكب الأزرق ونوعية هذه الحياة حيث من المتوقع أن تتعرض لمتغيرات كبرى نتيجة ثلاثة تحديات: أولاً التحدي المائي والبيئي حيث تواجه الإنسانية شحاً وعدم تنظيم لمياه الشرب واحتمالات المتغيرات البيئية السلبية ومنها احتمال الاحتباس الحراري أو الاختناق بثاني أكسيد الكربون ، إن السلوك البشري أساسي في وتيرة هذه الاحتمالات ومسارها. ثانياً ثورة التكنولوجيا التي تجتاح الحياة البشرية والتي ستترك آثارها في طرائق حياة الناس المختلفة وفي الفوارق بين هذه الطرائق. ثالثاً الثورة البيولوجية وثورة الجينات وهي مثل كل ثورة علمية من الممكن أن تستخدم في قوة الخير أو في قوة الشر ، لقد أثبت التاريخ أن العلم يقتحم ويجتاز كل الحواجز سواء العقائد والأفكار والقيم ، أو قوة السلطة أو اعتبارات وآليات المصالح ، وقد تخطى العلم كل العقبات في مجالي التطور الإيجابي لمصلحة البشرية والتطور السلبي للدمار وقوة الشر. هذه التحديات مضافة إلى تحديات الفقر والجوع والتخلف والحروب وخاصة في أفريقيا على سبيل المثال التي يعاني فيها ثلاثة أرباع المليار من البشر أردأ أنواع الحياة. هذه التحديات تتطلب منظومات عالمية جديدة للتعاون البيئي والذي ما زالت الولايات المتحدة تعطي الأولوية فيه لمصالحها الخاصة على مواجهة التحدي البيئي وكذلك للتعاون المائي وضرورة إيجاد نظام دولي لتوةزيع مياه الشرب لأن هذه المياه مؤهلة لأن تكون السبب في الكثير من النزاعات والمشاكل والأضرار البيئية. كما تتطلب منظومات دولية للتعاون لإحتواء التطور في الإطار الإيجابي للبشرية ما زال التخزين النووي وإنتاج أسلحة الدمار خطراً على كل البشرية حتى لدى أكثر الدول تقدماً في هذا المجال وأن أي انتشار للغبار النووي يحمل المخاطر التدميرية والصحية والبيئية الكبيرة ،، كل ذلك يتطلب تقوية دور الأمم المتحدة عن طريق: تعزيزه في مجال السلم والأمن الدوليين على قاعدة العدالة والمشاركة الدولية وتعزيزه في مجالات التعاون القائمة ، وإضافة مجالات تعاون جديدة تحتاج إلى أنظمة وقوانين يتم استخلاصها عبر الدراسة والمساهمة الإنسانية المشتركة. ويجب أن يتم كل ذلك على أساس الإنسانية والعدالة والمشاركة الدولية والقيم المشتركة بين الحضارات والثقافات. هذا الأساس وهذا الأساس وحده هو الذي يحقق الاستقرار الدولي ومواجهة التحديات المستقبلية والمشكلات الكبيرة. أما الطريق الآخر فلن يعود بالخير لا على الولايات المتحدة ولا على العالم بأسره. من الواضح أن الولايات المتحدة تسير بتصميم بإتجاه أهدافها محاولة هزيمة الغالبية من سكان العالم ، مستغلة نقاط الضعف الدولي ومتجاهلة المعارضة الدولية ، وهي في واقع الأمر تتوغل خطوة خطوة في إطار حرب قائمة حققت بعض أهدافها وفي المقابل فإن مقاومة دولية قد تؤثر في المسار.

 

عثمان أبو غربية

نائب القائد العام لشؤون التوجيه السياسي والوطني

المفوض السياسي العام

رئيس لجنة العلاقات الخارجية والشؤون البرلمانية في المجلس الوطني الفلسطيني