من أيقظ علي بابا ؟.. النهب الإستعماري وعقلية الفرهود العراقي في زمن الإحتلال

الحلقة الثانية

 

بقلم فاضل الربيعي

 

(أصبح الجندي الأمريكي وهو يطارد علي بابا لصا مثله ورجل الدين متهما بسرقة الحوزة ولسانها
غدا الحجاب لحظة سقوط عاصمة الإسلام موضوعاً يتخطّي الإحتلال والمقاومة ومحو الدولة)

 
فاضل الربيعي

(
هذه دراسة في الواقع العراقي تحت الاحتلال، تحاول البحث في بني الدولة العراقية التقليدية، العشيرة والحزب والطائفة، ولكنها تريد دراستها وتسليط الضوء عليها ضمن منظور ما حدث ويحدث في عراق اليوم. تبدأ الدراسة التي يقدمها الباحث العراقي فاضل الربيعي، بسؤال يتمحور حول السبب الذي ادي الي تحول العراق اليوم لمجتمعين، مهادنة الجنوب/ الشيعة ومجتمع مقاومة، في ما صار يطلق عليه بـ المثلث السني .
وهنا يحلل الكاتب المواقف والفتاوي داخل الحزب والطائفة الشيعية، حيث يؤكد ان قرار المقاومة في مناطق السنة اتخذ علي الارض، فيما انتظر المجتمع الشيعي في الجنوب فتاوي المرجعيات التي حاولت استخدام الفتاوي للتغطية علي حرجها من التعاون مع الاحتلال. القراءة هذه لافتة، لانها تقدم تحليلا جديدا للعلاقات المتشابكة في السياق العراقي وتحاول الابتعاد عن التبسيطات التي وقعت فيها المعارضة العراقية القادمة من الخارج وبحماية الدبابات الامريكية، وهي جديرة بالانتباه لانها تقدم صورة تتجاوز وضع الذهول والصدمة الذي وقع فيه العراقيون بعد سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس وسط بغداد، بداية نيسان (ابريل) من العام الحالي. انها دراسة في بنيات المجتمع التقليدي، او ما يطلق عليه الباحث هنا بنيات مجتمع اللادولة الشيعي خاصة، ودراسة في ادبيات الخطاب، وخطاب مجموعات شيعية والذي يذكر بخطاب مشايخ الازهر الذين اجتمعوا لقراءة البخاري لرد الحملة الفرنسية عن مصر.) القدس العربي


الحجاب والنهب والبندقية

انطلقت اعمال المقاومة الأولي مطلع ايار (مايو)، وتكثفت في الربع الأول من حزيران (يونيو)، وهي تركزّت في ما بات يُعرف بالمثلث السنيّ، ثم تطورت في صورتها الأكثر وضوحاً في الخامس عشر والسادس عشر من الشهر نفسه مع إعلان سرايا المقاومة العراقية مسؤوليتها عن كل الهجمات والأعمال التي تعرضت لها قوات الإحتلال . في هذا الوقت قامت القوات الأمريكية المتمركزة في الحلة ـ نحو 120 كم عن بغداد ـ بأول إختبار لإمكانية فرض الطاعة علي العراقيين، وذلك عندما أصدرت استمارة ُمشينة تطلب فيها من موظفي الدولة التي تمّ تفكيكها، التوقيع علي تعهد بطاعة قوات الإحتلال.
ومع ان أهالي الحلة بغالبيتهم الشيعيّة، كانوا يتذكرون ـ آنئذٍ ـ بمرارة استمارات حزب البعث واجهزة المخابرات الوحشية، التي كانت تُرغمهم علي اعطاء تعهدات مماثلة بالولاء للحزب والثورة، فإنهم لا يتذكرون، قط، ان حزب البعث، كان يهددّهم، كما يفعل الأمريكيون، بالحرمان والطرد من الوظيفة في حال امتناعهم عن التوقيع، بل انهم تساءلوا عن معني كلمة طاعة هذه، إذ لم يكن النظام السابق يطالبهم بالطاعة بل بالولاء السياسي، وثمة فروق جوهرية بين التعبيرين لجهة دلالاتهما، ولذا سارع أهالي الحلة لسؤال الحوزة في النجف: ما هو الموقف الفقهي من توقيع استمارة تتضمّن عبارة الطاعة التي لا تجوز شرعاً إلا للذات الإلهية، وتقديمها لقوات الإحتلال؟ وكان الرّد مفاجئاً للأمريكيين: امتناع الآلاف من الموظفين عن توقيع الإستمارات، مفضلين الطرد والحرمان من الوظيفة علي توقيع استمارة تتضمّن كلمة الطاعة إذ لا تجوز الطاعة لغير الله، كما تقول فتوي النجف. كشفت استمارات الحلة، لا عن انهيارالوعد الديمقراطي للإحتلال بسرعة غير منوقعة، وحسب، وانمّا بدرجة اكبر عن انعدام أي معرفة حقيقية للمحتلين بثقافة البلد الذي قاموا بإحتلاله. ان جهل الأمريكيين بالدلالة الفعلية لكلمة طاعة في الثقافة العربية ـ الإسلامية، كاف بذاته، لتخيل نمط ونوع الأخطاء التي كانوا يغطسون في مستنقعها. وكان لإختيار مدينة شيعية، لتجربةٍ من هذا النوع، تأثير عكسي أضاف حرجاً جديداً للأحزاب الشيعية خصوصاً وهي التي ظلت تدعو الي مهادنة الأمريكيين وتصفهم تارة بالمجررين وتارة بالحلفاء. ولكنه كان، بدرجة اكبر من ذلك، دليلاً لا تخطئه العين، علي تخبط وجهل الأمريكيين بالموزاييك العراقي وبثقافة المجتمع، وبنوع الحسّاسيّات الثقافية التي كانوا يحتكوّن بها.
في هذه الأثناء كانت الحوزة العلمية في النجف تحاول معالجة الأثر الضار والمدّمر، لممارسات وتصرّفات بعض رجالاتها المتنافسين، الذين كانت صورهم تختلط مع صور نمطية جديدة عن رجال دين مزعومين، قيل انهم من رجال الحكم السابق، تكيفوا مع الأوضاع الجديدة وتنكرّوا في أزياء وملابس رجال الدين. شاعت فكرة وجود بعثيين ومن رجال الحكم السابق متنكرّين في أزياء رجال دين في اوساط المعارضة العراقية العائدة مع قوات الإحتلال، بالتزامن مع فكرة وجود أدعياء يزعمون انهم من الحوزة العلمية. هاتان الصورتان لنوعين من المتنكرّين في ازياء رجال الدين، ترسم صورة من صور النهب . لقد اصبح الإسلام نفسه عُرضة للنهب في مدينة منهوبة. وكما في حكاية الف ليلة وليلة فقد كان هناك لصوص يتنكرّون في ازياء مشابهة ومماثلة، للأزياء التي كان يرتديها من يظنونهم لصوصاً قاموا بنهب المغارة. وتماماً كما كان اللص في حكاية الف ليلة وليلة، يرتدي زي تاجر ويسير في شوارع بغداد وازقتها بحثاً عن آخر، يرتدي مثله زي التاجر، بينما هو لص مثله، فقد بدا أن الإسلام وهو يُنهب في عاصمته التاريخية، كما لو كان يوَّلد ُ، بفضل أزيائه وجلابيبه، صوراً شبيهة، ومماثلة، لرجال دين ليسوا رجال دين، ولكنهم مع ذلك، مُطاردون من قبل رجال دين آخرين بتهمة نهب جلباب الحوزة ولسانها. وفيما راح الجلبي يصرخ عبر صحيفة المؤتمر مُحذراً من بعثيين في ازياء رجال الدين كانت الحوزة تحذر أتباعها من منافسين يرتدون جلبابها وينطقون بإسمها. وكان مثيراً للغاية، في هذا الوقت، ان تتصاعد شكاوي العراقيين البسطاء والميسورين، علي حدّ سواء، من تعرضهم للمداهمات الفظة و للنهب علي يد الجنود الأمريكيين. لقد باتت، ابتداء من مطلع ايار (مايو)، ظاهرة استيلاء الجنود الأمريكيين أثناء المداهمات أو عند الحواجز، علي اموال العراقيين، من الظواهر المألوفة. علي هذا النحو، وتماماً كما في حكاية الف ليلة وليلة، عندما خرج اللصوص يتعقبون علي بابا، بعد ان سرق المغارة، أصبح الجندي الأمريكي وهو يطارد علي بابا، هو نفسه اللص المطلوب للعدالة، وأصبح رجل الدين الذي يطارد رجال الحكم السابقين، هو نفسه رجل دين مُطارد بتهمة نهب عمامة الحوزة ولسانها.
في الواقع كانت هناك شكاوي مريرة من النساء الشيعيات، مفادها ان رجال دين ينسبون انفسهم للحوزة، كانوا يرغمونهنّ علي ارتداء الحجاب. وفي العاشر من حزيران (يونيو)، وبينما كانت المقاومة تتصاعد في المثلث السنيّ وجدت الحوزة العلمية في النجف نفسها منشغلة بإصلاح ما افسده المنافسون، فقد شاعت في النجف وكربلاء وبغداد وسواها من المدن، ظاهرة قيام رجال دين شباب، ليسوا من رجال الحكم السابق بكل تأكيد، بتهديد النساء وارغامهنّ علي ارتداء الحجاب، ولذا سارعت الحوزة، وهي تدرك ان هؤلاء من منافسيها المتسترّين، ومن خصومها الجدد: الراديكاليون الشباب الذين يقودهم ابن المرجع السابق الشهيد الصدر، الي اصدار فتوي بتحريم هذه الممارسات. ولإظهار وحدتها ولطمس معالم ايّ خلاف أو تنافس في داخلها، فقد كان لافتاً أن الفتوي الجديدة تضمنّت للمرة الأولي إسم السيّد الحكيم كمرجع شيعي أعلي من مراجع الحوزة. وبذا جري ـ عبر هذه الفتوي ـ تكريس صورة الحكيم، الفقيه والمفتي لا السياسي، وجري ضمّه الي الفاتيكان الشيعي في لفتة مصالحة داخلية لا تخطئها العين موظفة لعزل وتطويق الراديكاليين الشباب. تقول نصّ الفتوي (جريدة المؤتمر13 ـ 19 حزيران ـ يونيو):
(تتداول بعض وسائل الإعلام هذه الأيام أخباراً مفادها ان بعضاً ممن ينسبون أنفسهم للحوزة العلمية في بعض مناطق العراق يجبرون النساء علي ارتداء الحجاب. والحوزة العلمية في النجف الأشرف إذ تنفي صدو ايّ فتوي أو تصريح من مراجعها العظام كالسيّد السّستاني أو السيّد الحكيم أو الشيخ الفياض او الشيخ النجفي بذلك، تعود وتذكرّ ببيانيها السابقين، بأن لا أحد ينطق بإسمها إلاّ مراجعها او مكاتبهم فقط دون سواهم من المدّعين، مشيرة لوضوح تصريح سماحة آية الله السيّد محمد باقر الحكيم للعدد الأخير من مجلة ديرشبيغل الألمانية حين اجاب عن سؤال مراسلها له: عمّا إذا كان سيؤيد فرض ارتداء الحجاب علي المرأة قال أنه مع الدعوة الي الألتزم بقواعد الإسلام إلا أن القرار الأخير يبقي ملكها وهي التي ستتخذه بإختيارها).
ما يقوله نصّ الفتوي هو التالي: ان قضية الحجاب، أصبحت في لحظة سقوط العاصمة التاريخية للإسلام، موضوعاً رئيسياً يتخطيّ موضوعات الإحتلال والمقاومة ومحو الدولة وتلاشي العراق نفسه ككيان. وفي هذا النطاق من السجال الفقهي حول الحجاب وحق المرأة، سوف يُخيِّل ـ ذات يوم ـ لأيّ مؤرخ يتناول الفتاوي الشيعية، أن النقاش جري في لحظة تاريخية كانت دليلاً علي ازدهار الحياة العامة، بحيث تسنيّ للحوزة العلمية في النجف، امتلاك الوقت اللازم والرغبة كذلك، في السيطرة علي مجري النقاش حول اسلوب الترويج للحجاب: بالإكراه أمّ بوسائل سلميّة؟ ثمة صورة للمرأة العراقية ـ في هذه الفتوي ـ زاهية ومُشرقة، فهي لم تتعرض للإغتصاب من قبل الجنود الأمريكيين ـ كما حدث في بغداد وبعض المدن ـ ولم تبتلع الإهانات اليومية علي الحواجز، او عندما كان الجنود البريطانيون في الناصرية، والأمريكيون في كربلاء والكاظمية، يتحسسّون جسدها، بحثاً عن الشبق الشرقي الدفين. وهي الي هذا كله موضوع من موضوعات السجال بين علماء الدين: هل السفور في ظل الإحتلال حرام أمّ حلال؟ إن تغافل الفتوي عن تسميّة أؤلئك الذين كانوا ينطقون بإسم الحوزة، ويسببّون لها المتاعب الإجتماعية والسياسية، يشير الي نمط التجاذبات في الوسط الشيعي، سياسياً وفقهيّاً، وهي تجاذبات، إذا ما ُأخذت في سياق إنفراد السنّة بالمقاومة ـ من دون صدور فتوي ـ يمكنها ان توضّح والي حدّ معقول، الكيفيّة التي كان فيها تأثير ونفوذ الأحزاب الدينية يتداخل مع تأثير ونفوذ الحوزة. كانت الأحزاب الشيعية التي عادت قياداتها وكوادرها من المنافي في طهران واوربا، تضغط بقوة، لا علي الحوزة العلمية وحدها، وإنمّا علي الشارع الشيعي، الذي أصبحت كتلة كبيرة منه، ابتداءً من التاسع من نيسان (ابريل)، يوم سقوط بغداد، خاضعة جزئياً لنفوذ الدعاة السياسيين والدينيين في الأحزاب الشيعية بصورة ملفتة للنظر. إن بنْيات مجتمع اللادولة التي تتجلي في العشيرة والحوزة والحزب الديني، هي ِبنيات سكونية، ثابتّة، ولكنها تحتفظ بقدرة عالية في الآن ذاته علي التفاعل مع المحيط الخارجي بكل تحديّاته. ولئن بدا انها تعيش في إطار ايكولوجيا واحدة، سياسية وفقهية، تجمعها الي بعـــضها البعض، خصوصاً في الأحداث الهلعيّة الكبري كالإحتلال ـ مثلاً ـ فإنها تبدو في الكثير من الأحيان في صورة مجتمعات شبه مستقلة عن بعضها البعض. انها ـ علي نحو ما ـ شبه منعزلة أو تعيش في استغراقٍ وجداني حار داخل منعزلات، يدور فيها جدال صاخب حول التفاصيل الصغيرة، كالحجاب مثلاً.
بخلاف الشيعة، لم يمتلك أهل السنّة مؤسسّة ذات طابع مرجعي ـ مذهبي صارم وحقيقي، أيّ لم يمتلكوا بِنْيات مجتمع لا دولة . وبإستثناء القبيلة ـ البدوية في الغالب والسنيّة المذهب ـ بتنظيمها الحسن وتقاليدها الرصينة، وهي شكل قديم من اشكال مجتمعات اللادولة، فإن أهل السنّة، لم يطوّروا أيّ بنيات إجتماعية او سياسية أو فقهية، بديلة او يمكن ان تكون بديلة عن الدولة ومجتمعها الذي اندمجوا فيه. وعلي العكس من ذلك شكلّ أهل السنّة، تاريخياً بأكثريتهم التي تمّ دمجها في أجهزة الدولة، ومعهم جزء كبير من شيعة المدن الكبيرة مثل بغداد، القاعدة الإجتماعية للدولة العراقية الحديثة منذ العام 1921، أيّ انهم استعاضوا عن هذه البنيات، بالإندماج في مجتمع دولة كبير ومفتوح سوف يضمّهم الي جانب طبقات وطوائف وجماعات أخري في المجتمع العراقي. ليس في هذا الإنتساب الي الدولة والإندماج في بنياتها، أيّ دافع مذهبي، وسلوك سائر الجماعات المدينيّة يظهر انها لاتنتسب الي مجتمع الدولة بدوافع مذهبية، بمقدار ما تنتسب اليه بدوافع الثقافة والمصالح والتقاليد. وسوف نجد بإستمرار جماعات شيعية مدينيّة، علمانية او متدينّة كانت جزءاً من مجتمع دولة انصهرت وذابت فيه وتقبلته سوية مع اهل السنّة، من دون ان تقطع روابطها الروحية او الإجتماعية مع طائفتها. هذه الجماعات وهي في الغالب، جماعات شيعية مدينيّة، تقطّعت رواربطها العشائرية أو تلاشت مع الإستقرار الطويل في المدن، وخصوصاً في الكاظمية والكرادة وبعض أحياء الكرخ الشيعية مثل الكريعات. لقد لعب الإستقرار الطويل في بغداد، الي جانب التجارة التي تتطلب تعاملات حميمة مع الدولة، دوراً حاسماً في تسريع وتيرة اندماج جماعات شيعية في مجتمع الدولة، وبالتالي فإن نفوذ الحوزة والأحزاب الشيعية والعشائر علي هذه الجماعات، كان يتقلص او يبدو شبه معدوم في بعض أجزاء بغداد. وبالفعل، فكلما كان هناك استقرار طويل في المدينة، وتبّدل جوهري في المهن، بحيث تنتقل الجماعات شبه المدينية من المهن الهامشية والضعيفة الدخل، الي مهن جديدة، وعلي وجه اخص الي التجارة، كلما كانت الروابط العشائرية تتراجع، ويتقلص نفوذ مجتمع اللادولة عليها، بل وتتقلص معها درجة الإرتباط المباشر بالحوزة. وهذا ما يُفسرّ السبب الحقيقي لقيام المرجع الشيعي الكبير في الكاظمية في العام 1920 السيّد مهدي الحيدري، المُقيم في الكاظمية نفسها، بإصدار فتوي الجهاد ضد الإنكليز، عندما اتضحّ ان الحوزة العلمية في النجف، كانت شبه مترددّة او انها لم تتحرك بالسرعة المطلوبة، رغم المناشدات الحارة واليائسة لأهالي البصرة وخصوصاً عشائرها الكبيرة (التي توجهت للحوزة في كربلاء والنجف والكاظمية بضرورة إعلان الجهاد). لقد اخذ السيد الحيدري زمام المبادرة، وقاد جماهير الكاظمية في معركة من اجل الإسلام، رغم مرارته الشخصية من قسوة الأتراك وظلمهم. واثر ذلك تحرك السيّد محمد سعيد الحبوبي علي رأس كتيبة من المقاتلين صوب قاعدة الشعيبة في البصرة، واعقبه شيخ الشريعة الأصفهاني، ثم اعقبه السيّد مصطفي الكاشاني. في ما بعد قُرئت فتاوي هؤلاء المراجع، في الساحات العامة في النجف وكربلاء ايذاناً بتحرك الشيعة لمواجهة البريطانيين. في العام 1920 دار نقاش صاخب ومماثل حول التحرير والإحتلال في اوساط العراقيين، شبيه تماماً بالنقاش الدائر اليوم. ومع ان الحوزة العلمية كانت اكثر المتضررين من الحكم العثماني، وكانت الطائفة الشيعية عُرضة لفنون من القسوة والإضطهاد تفوق التصّور، فإن قضايا مثل حرمة الوطن و حرمة الإسلام كان لها حضور قويّ وفاعل في الوسط الشيعي. وليس دون معني ان الفتوي صدرت من الكاظمية، حيث قادت المرجعيات الشيعية اولي عمليات المقاومة، وليس دون معني ايضاً ان العشائر أعلنت المقاومة من دون ان تنتظر صدور الفتوي. ان بِنيْات مجتمع اللادولة ليست حلقات في سلسلة محكمة الترابط، والأقرب الي الصواب انها بِنْيات تتمتع بقدرٍ من الإستقلالية عن بعضها، وما يجمعها الي بعضها في النهاية ليس الدافع المذهبي، كما هو الوهم السائد، بل الثقافة المشتركة الراسبة والمستمرة أيضاً.

بصراحة ابو كاطع

ترسم حكاية شعبية عراقية من الجنوب، سمعتها ُتروي في مجالس عشائر العمارة، كما سمعتها في مجلس عميّ في بغداد، وهي ُتروي من معظم عشائر الكوت والعمارة والديوانية، وكان الكاتب العراقي الراحل شمران الياسري سجلها بذكاء نادر (نشرت بعض حكاياته في كتيب صغير في العام 1974 في بغداد ـ دار الرواد تحت عنوان بصراحة ابو كاطع) صورة دقيقة ورائعة عن طبيعة التمايزات بين مجتمعات اللادولة في العراق. ان قراءة استرجاعية للحكاية سوف تكشف عن هشاشة الروابط التي تجمع هذه المجتمعات الصغيرة والمغلقة. وقبل ان نشرع في رواية الحكاية لابد من التوقف عند بعض مفرداتها وتوضيحها للقاريء غير العراقي. يُطلق إسم السيّد في الأعراف والتقاليد الثقافية ـ الإجتماعية في العراق، علي الرجل الذي يوصل نسبه الي النبيّ محمد صلي الله عليه وسلم من دون اشتراط قبول العشائر بدقة هذا النسب أو صحته، حتي ان بعض مّنْ يُطلق عليهم إسم السيّد قد يكونون من اصول غير عربية. إن اسرة الحكيم الأب ـ مثلاً ـ المعروفة في النجف، هي من اصول ايرانية، مع انها ترتبط بأسرة آل الحكيم العربية ـ النجفية المعروفة، بروابط مصاهرة، مكنتها من حمل الإسم نفسه. وهذه الأسرة العربية المعُترف بأنسابها الواصلة الي شجرة النبي ّ، يحمل افرادها إسم السيد . كان الحكيم الأب، حسب مزاعم خصومه، من اسرة ذات اصول ايرانية، وقد دخلت عائلته القادمة من ايران في مصاهرات مع آل الحكيم في النجف، مكنتهم من حمل اسمهم، أيّ انهم اندمجوا في عائلة عربية الجذور بما مكنهمّ، حسب هذه المزاعم (والتي لا اوافق عليها شخصياً، لأن آل الحكيم في ما اعلم اسرة عربية خالصة الجذور) من استخدام اللقب العائلي. مع الوقت، ومع صعود بعض ابناء هذه العائلة في عالم المرجعية الشيعية، وخصوصاً محسن الحكيم الأب ، باتت هذه العائلة ُتعرف كفرع من العائلة العربية ـ النجفية، وحظيت بلقب السيّد . بينما يُطلق تعبير المؤمن علي كل رجل دين يعيش حياته اليومية كرجل دين، ويتلقي عادة معونات مادية من الفلاحين، ويُقصد به ـ هنا ـ الشيخ . اما تعبير المعيدي الذي يُطلق عادة علي كل ابناء العشائر الجنوبية، وخصوصاً سكان الأهوار، فهو وإنْ كان مزعجاً لأبناء العشائر الذين يُقيمون في المدن، وقد يُسبب لهم الشعور بالإهانة، فهو تعبير ظريف ودقيق عن الإقامة الطويلة في المكان والإستقرار فيها ـ من هنا جاءت كلمة معدن لأنه يمكث في عمق الأرض ـ . تقول الحكاية ما يلي (وأنا انقل موجزاً عنها سجله شمران الياسري مُضافاً اليها ما سمعته بنفسي في ديوانيّات العشائر):
ذات يوم كان هناك ثلاثة اصدقاء: السيّد ايّ ذو النسب الشريف والمؤمن أيّ رجل الدين والمعيدي ُيطلق الإسم علي سكان الريف بعامة ممن يعملون في صيد الأسماك وفي الأرض كفلاحين قرروا الذهاب الي المدينة. ولمّا كان الطريق طويلاً ولا توجد مواصلات أو طرق حديثة، فقد سلك الأصدقاء طريقاً بريّاً هو الأقصر بين الطرق المؤدية الي المدينة. كان هناك لص يتعقب أثرهم، انشغل طوال الوقت في التفكير بالطريقة المناسبة لمهاجمتهم والإستيلاء علي نقودهم. في الليل وحين كان الثلاثة ينحدرون من التل، خرج اللص من مخبئه واسرع نحوهم. ارتمي تحت قدمي السيّد باكياً ثم قبّل يده، واستدار نحو الشيخ وهو ينشج من البكاء مقبّلاً يده ايضاً. ثم انتصب واقفاً وهو يخاطبهما قائلاً: أنا دخيل عند جدكما رسول الله صلي الله عليه وسلم لي في ذمة هذا الرجل دين قديم. وأشار الي المعيدي فاتركاه لي جازاكما الله خيراً. لم يحر السيد ولا الشيخ جواباً، بل قالا: ما دامت لديك معه قضية فاذهبا لتسويتها. علي هذا النحو انفرد اللص بالمعيدي وسلب منه نقوده. ما ان انتهي من سرقته الأولي حتي هرع خلف الرجلين يتعقب اثرهما، وحين كان هذان ينحدران من التل، فاجأهما اللص ثانية وهو يتجه نحوهما باكياً. ارتمي علي يد السيد وراح يقبلها والدموع تنهمر من عينيه وهو يقول: انا دخيل عند جدّك رسول الله صلي الله عليه وسلم ليس لي ايّ قضية معك بل مع هذا المومن، أي الشيخ فبيني وبينه دين قديم فخل سبيله لي. وعنئذِ قال السيد وهو يرمق صاحبه بنظرة عتاب: ما دامت بينكما قضية دين قديم فاذهبا لحلها. وهكذا انفرد اللص بالرجل وسلب منه نقوده. وحين اصبح السيد وحيداً عند المنحدر البعيد، بعد ان تخلي عن رفيقي دربه خرج اللص مرة أخري، وهذه المرة لم يكن مُضطرّاً للتصنع ولا للبكاء. لقد أصبح وحيداً في مواجهته وكان بوسعه ان يسلب منه النقود بسهولة وان يوسعه ضرباً.
تروي هذه الحكاية، عادة، في اطار تندّر العشائر العراقية في الجنوب، وربما سخريتها المُحببّة، من السلوك المُرائي لطبقة رجال الدين و السادة في المجتمع الفلاحي العراقي. وهي ـ كما يتضّح من محمولاتها الرمزية ـ ترسم صورة دقيقة عن مشاعر ومعارف الفلاحين، المباشرة، بأن رجال الدين (الشيوخ والسادة) يتخلون بسهولة عن العشائر في الأوقات الحرجة، وان الرهان علي وحدة من نوعٍ ما يمكن ان تجمع العشائر مع هؤلاء، قد يكون ُعرضة للإنهيار بسهولة عند اول مُنعطف حقيقي يتهدد المصالح. بيد إن المحمولات الرمزية الأكثر وضوحاً في هذه الحكاية، تلمح الي ما هو ابعد من مجرد اظهار الوحدة العضوية بين العشيرة ورجال الدين، وطبقة السادة ـ الأشراف في المجتمع الفلاحي. تبدو صورة الرجال الثلاثة وهم ينحدرون من أعلي التل، في طريقهم الي المدينة، كما لو كانت استطراداً في تعميق معارفنا التقليدية عن هذه الوحدة، التي تجمع مجتمعات بيئة واحدة وذهنية واحدةً وفي طريق واحد ايضا. ان هذا الجانب، حيث يُخيّل للمرء وهو يستمع الي الحكاية، انه العنصر الأكثر جوهرية، سرعان ما يتكشف عن أمر آخر. في الواقع تسخر الحكاية من حقيقة هذه الوحدة، التي يمكن لها ان تنهار بسهولة أمام خُدعة لص. فمن اجل ان يتمكن اللص من نهب اموال الرجال الثلاثة، توجب عليه ان يبتكر حيلة تفككّ وحدتهم الهشّة هذه. وهكذا كان عليه ان يطلب اولاً من السيّد والشيخ، تخليهما عن رفيقمها المعيدي ابن العشيرة التي يعيشان علي هباتها ومساعداتها أصلاً.
وحين تخلي السيّد والشيخ عن رفيقهما، أصبح الطريق سالكاً أمام اللص لمعاودة اللعبة. ولأجل أن ينهب المزيد من المال توجب عليه ان يتنكرّ، ويتقنّع بقناع الضحية مرة أخري. علي هذا النحو تتفككّ الوحدة وتتلاشي الروابط بين مجتمعات اللادولة وتفترق عن بعضها البعض. إن العشائر العراقية، وعلي الرغم من ارتباطها الأخلاقي والروحي برجال الدين، تختزن عنهم في ذاكراتها الجمعية، صوراً غيرسارة وساخرة في الكثير من الأحيان، وهذا ما تكشف عنه سلسلة من الروايات الشعبية والطرائف والحكايات المتداولة في الريف العراقي، عن جشع رجال الدين وطمع السادة. وحتي اليوم، فإنّ العشائر، وبسبب الشعور بعبء الضرائب الدينية عليها، وخصوصاً غير المنظورة منها، مثل الهبات المالية للسّادة ورجال الدين، الذين يدورون في الأرياف ولا يكتفون بالقليل من المال، تنعت الكثير من هؤلاء بنعوت قاسية وجارحة. علي الجانب الآخر، فإن رجال الدين لا يترددون عن نقد ولوم العشائر وربما السخرية من بعض رجالها. ان التماسك الظاهري للرجال الثلاثة ـ في الحكاية ـ ووحدتهم الرمزية، لايستمدّ عناصره من الواقع الحقيقي دائماً، بل ثمة ما يدعو الي الإعتقاد أنه مُصمم لغرض تهكميّ، فالمصالح لا الثقافة، ستلعب، في النهاية الدور الحاسم في بقاء هذه الوحدة او انهيارها. ان انماط النهب في الريف، تلعب، وفي الإطار ذاته للتوترات الإجتماعية، دوراً حاسماً علي صعيد تفكيك بنيات مجتمعات اللادولة السائدة، وهي نفسها ستكون ُعرضة للنهب من قوة خارجية اخري تتخيِّلها الحكاية في صورة لص ماكر يهاجم هذه المجتمعات المُتبدّية في صورة جماعات مُتماسكة ظاهرياً.
إذا ما تعاملنا بإحتراس مع نصّ الحكاية الفلاحية، بوصفه نصّاً مُهندساً بعناية لإبلاغ رسالة مُحددّة عن نمط التوترات التي تتحكم في العـــــلاقة بين قوي مجتمــــــعية، تبدو شكليّاً مُتماسكة، فيما هي أقل ميلاً للوحدة، فإن ما يتوجب ملاحظته يجب ان ينصبَّ علي رؤية المسكوت عنه في الحكاية وفي الواقع الحقيقي: ثمة نزوع للإنقســــام لايزال كامناً حتي داخل هذا النوع من المجتمعات، فهي مُستعدة للدفاع عن استقلالها الخاص، والشخصي الأناني وحماية نفسها من الأخطار، بأكثر ممّا هي مُستعدة للدفاع عن وجودها الجماعي . بكلام آخر: تصبح قضية الدفاع عن المجتمع الخاص الضيق والصغير والمُغلق، أكبر من قضية الدفاع عن المجتمع العام الكبير والمفتوح. علي هذا النحو يمكن للروابط ان تكون ُعرضة للتفككّ و للتناهب

القدس العربي

من أيقظ علي بابا ؟.. النهب الإستعماري وعقلية الفرهود العراقي في زمن الإحتلال / الحلقة الثالثة