من أيقظ علي بابا ؟.. النهب الإستعماري وعقلية الفرهود العراقي في زمن الإحتلال

الحلقة الثالثة

 

بقلم فاضل الربيعي

 

(نصب الناجين الذي حل محل تمثال صدام.. نموذج صارخ للقبح والرداءة ولايرمز الي أيّ شيء عراقي
التاريخ يعيد نفسه فبدلاً من السبيّ البابلي يشتري اليهود الآن في أرض بابل وشارع فلسطين العقارات)
فاضل الربيعي


(هذه دراسة في الواقع العراقي تحت الاحتلال، تحاول البحث في بني الدولة العراقية التقليدية، العشيرة والحزب والطائفة، ولكنها تريد دراستها وتسليط الضوء عليها ضمن منظور ما حدث ويحدث في عراق اليوم. تبدأ الدراسة التي يقدمها الباحث العراقي فاضل الربيعي، بسؤال يتمحور حول السبب الذي ادي الي تحول العراق اليوم لمجتمعين، مهادنة الجنوب/ الشيعة ومجتمع مقاومة، في ما صار يطلق عليه بـ المثلث السني .
وهنا يحلل الكاتب المواقف والفتاوي داخل الحزب والطائفة الشيعية، حيث يؤكد ان قرار المقاومة في مناطق السنة اتخذ علي الارض، فيما انتظر المجتمع الشيعي في الجنوب فتاوي المرجعيات التي حاولت استخدام الفتاوي للتغطية علي حرجها من التعاون مع الاحتلال. القراءة هذه لافتة، لانها تقدم تحليلا جديدا للعلاقات المتشابكة في السياق العراقي وتحاول الابتعاد عن التبسيطات التي وقعت فيها المعارضة العراقية القادمة من الخارج وبحماية الدبابات الامريكية، وهي جديرة بالانتباه لانها تقدم صورة تتجاوز وضع الذهول والصدمة الذي وقع فيه العراقيون بعد سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس وسط بغداد، بداية نيسان (ابريل) من العام الحالي. انها دراسة في بنيات المجتمع التقليدي، او ما يطلق عليه الباحث هنا بنيات مجتمع اللادولة الشيعي خاصة، ودراسة في ادبيات الخطاب، وخطاب مجموعات شيعية والذي يذكر بخطاب مشايخ الازهر الذين اجتمعوا لقراءة البخاري لرد الحملة الفرنسية عن مصر.) القدس العربي


القادمون يفتخرون باسر العرب: الفلسطينيون خاصة

ان قضية الدفاع عن المجتمع الخاص الضيق والصغير والمُغلق، يمكن رؤيتها ايضا في سياق التاريخ الإجتماعي والسياسي، لا ضمن الأدب والحكايات وحسب. اذا ما عدنا الي الثورة العراقية الكبري ضد الانكليز بعد سقوط بغداد، فسوف نلاحظ المغزي ذاته الوارد في الحكاية، فقد تخاذلت الحوزة العلمية في النجف، في بادئ الأمر، عن نجدة الفلاحين والعشائر في البصرة علي وجه التحديد، وذهبت ادراج الرياح مناشدات لا حصر لها انطلقت من الجنوب، تدعو رجال الدين الي مؤازرة الثورة. ولكن بالضدّ من ذلك، جاءت المُساندة من بغداد، حيث استقبل علماء الدين في الكاظمية نداءات العشائر بالكثير من الإهتمام والتعاطف والتأييد. وهكذا، فقد اصدر علماء الدين في الكاظمية الفتوي الأولي التي دعت الي الجهاد ومناصرة ثورة العشائر في البصرة.
ارغمت مبادرة علماء الدين في الكاظمية ـ من الناحية الإجرائية ـ وتصرفهم البطولي، كل قوي المجتمع العراقي علي اتخاذ مواقف اكثر جذرية من التطور المتسارع للإحداث في الجنوب. بالضد من هذه الصورة التاريخية، وجدت الحوزة العلمية في النجف نفسها مقيّدة اليدين في العام 2003، لا تقوي علي أن تخطّ الفتوي بالمداد نفسه، الذي خُطت فيه في الماضي، كل دعوات المقاومة، والتي كان الشيعة ـ اليوم ـ في العديد من مدن العراق، يلحوّن علي اصدارها مع تصاعد المقاومة في المثلث السنيّ.
يعني هذا ان رجل الدين في المركز ـ بغداد ـ لم يتخلّ عن المعيدي في ثورة 1920، ولم يتركه وحيداً في مواجهة اللص ، بل سارع الي حمل السلاح للدفاع عنه وعن حُرمة الإسلام . لكنه اليوم، ومع تصاعد الدعوات لإصدار فتوي بالمقاومة، يجد نفسه وكأنه يتصرف علي النحو ذاته في الحكاية الفلاحية، التي تنبأت ـ من قبل ـ بالسلوك الإنتهازي لبعض رجال الدين الشيعة، وليقول للصّ القديم، نفسه، البريطاني العائد الي البصرة مع عودة الإستعمار: يمكنك ان تتصرف مع المعيدي بالطريقة التي تحلو لك.
فالمقاومة ليست عملاً شرعياً، وليس لدينا نصّ شرعي يُجيز مقاتلة المحررين الذين أزالوا الظلم عنّا؟ إن التأويل الطائفي للتاريخ، لايصلح لتفسير كل هذه الوقائع المتناقضة، والنقد المُوجّه لبعض رجال الدين الشيعة او السُّنة، ليس موجهاً لهم، بأيّ حال من الأحوال، بوصفهم مُعبرّين عن مذهب او طائفة بعينها، بل بوصفهم تعبيرات اجتماعية سلكت في هذا الجانب او ذاك، وفي هذه المرحلة او تلك، سلوكاً يتطلب المُعاينة من منظور نقديّ صادق، لا يحجب الحقيقة بدواعي الخوف من الفهم المُلتبس، ولا بدواعي التسترّ علي التاريخ المسكوت عنه. بينما، علي الضد من ذلك، يمكن لتأويل آخر يأخذ بنظر الإعتبار حقيقة ان الإنقسام في المجتمع هو ـ في الأصل ـ ثقافة راسبة ومستمرة لمكوّنين أصيلين، تبلورا في صورة مجتمع دولة و مجتمع لادولة ثم تحكما في صيرورة التطور التاريخي للمجتمع العراقي، أن يقدّم تصوّراً مغايراً واكثر موضوعية، عن نوع وطبيعة التنافسات والنزاعات والعوامل والمحرّكات، وأيضاً عن طبيعة العوامل التي ستقوم بتفكيك الوحدة الشكلية. هذه الوحدة التي تجمع العشيرة والحوزة، والحزب الديني، في ما يبدو للمراقب إطاراً طائفياً واحداً. ومع ذلك، يمكن للمرء ان يتوقف أمام سلوك لافت للإنتباه ميّز شيعة الكاظمية، المدينة البغدادية العريقة، عن سلوك شيعة النجف وكربلاء. إن الشيعي المعاصر ابن الكاظمية، يمكنه ان يري ـ في مرآة نهر دجلة بمياهه الرقيقة ـ صورته القديمة في العام 1920 عندما باع كل ما كان يملك من حاجيات ليشتري بندقية عتيقة، وليقف كالجندي المنضبط خلف السيد الحيدري، منتظراً إشارة التحرك مشياً علي الأقدام صوب البصرة لمساندة العشائر الثائرة. أيّ لمساندة المعيدي الذي اعلن الثورة بعد ان يئس من استجابة رجل الدين في النجف الممُسكة بالحوزة. إنه علي غرار ما فعل هارون الرشيد سوف يتساءل، وهو يري شبيهه في المياه المترقرقة لنهر دجلة: أهذا أنا حقاً؟ إنه يشبهني ولكنه ليس أنا؟ فمن يكون إذن ما دام يشبهني كل هذا الشبه؟ ومَنْ أكون أنا، إذا لم نكن نحن معاً الشخص نفسه في صورتين؟ وهذا هو ـ برأينا ـ المضمون الحقيقي لمسارعة ابناء الكاظمية الشجعان لإعلان الوحدة الإسلامية بين الشيعة والسنّة، بينما كان انصار الحكيم في النجف، يتظاهرون حاملين السلاح، تأكيداً لهويتهم المذهبية، في استعراض قوة هدفه الوحيد البرهنة علي انهم الإغلبية . ومع ذلك سيبدو السيّد باقر الحكيم وبالرغم من سلوكه السياسي الإنتهازي اكثر تعقلاً وحكمة من محمد تقي مدرسي، الإيراني الأصل والفصل، والذي ظل يُسيّر تظاهرت صاخبة في بغداد وسواها، داعياً قوات الإحتلال، ودون حياء، الي الإعتراف بالشيعة كأغلبية وتسليمها الحكم، بينما كان رصاص المحتلين يحصد ابناء الشيعة وابناء السُّنة دون تفريق. هذا التمايز داخل الطائفة وداخل طبقة رجال الدين، يجب ان يُنظر اليه من الزاوية نفسها: فالمكوّن الأصلي لمجتمع الشيعة في الكاظمية، أقرب الي مكوّن مجتمع الدولة ، منه الي مجتمع لادولة كما هو عليه الحال في النجف، التي تشعر بفضل مجتمعها الذي تُهيمن عليه الحوزة، بدرجة اكبر من الإستقلالية عن الدولة. كما ان القرب من العاصمة ـ أي من مركز الدولة ـ ووجود شبكة معقدّة من المصالح التجارية مع دوائر والمؤسسات الرسمية، قد يكون واحداً من بين اسباب عدّة، تقبع خلف احساس ابن الكاظمية بأنه ابن لمجتمع دولة أكثر منه ابن لمجتمع مؤمنين شيعة انفصلت روابطهم عن الدولة.
ان استخفاف بعض رجال الدين الشيعة ـ تيار الحكيم ومدرسي علي وجه التحديد ـ بفكرة وجود مقاومة ، ونعت المقاومين بالمجرمين و المخرّبين لا يبدو مفهوماً، في المرحلة الأولي من الأعمال التي انطلقت هنا وهناك، ولكنه سيبدو مُلتبساً ومُثيراً في المراحل التالية، حين كشفت هذه الأعمال عن تنوّع فريد في القوي المقاومة، وفي الأساليب المُبتكرة والدقيقة وذات الطابع الإحترافي، والأهم من ذلك، في قدرتها علي جذب اهتمام وتعاطف معظم العراقيين، الذين صاروا، مع الوقت، يعلنون تأييداً علنياً للمقاومة. لقد واصل بعض رجال الدين الشيعة من انصار الحكيم ومدرسي، التشهير بالمقاومة، بينما كان عودها يشتدذ ويتعاظم الإلتفاف حولها في الشارع. في السابع عشر من حزيران (يونيو) أعلنت منظمة تُطلق علي نفسها إسم سرايا المقاومة العراقية مسؤليتها الكاملة عن كل أعمال المقاومة في العراق.إن لإختيار إسم السرايا دلالة وجدانية بالغة، فعدا عن ظلالها الدينية المرتبطة بالإسلام المبكر وسراياه الأولي، فإنها تلمح الي شبيه لها في فلسطين هو سرايا القدس . وبصرف النظر عن صحة هذا التنسيب، الذي لانعرف عنه ايّ شيء، فإن الإعلان بحد ذاته مؤشر حقيقي، علي مرحلة جديدة كانت المقاومة المشّتتة تنتقل اليها. والمثير للإهتمام أن هذا الإسم، الذي يستهوي العراقيين، يُعيد تذكيرهم بمشاهد مؤلمة ُألصقت بهم، فقد كان هناك أكثر من 300 عائلة فلسطينية تقيم في العراق بصورة دائمة (بعضها وهو قليل كان يُقيم منذ العام 1948 والبعض الآخر في سنوات 1980 وما بعدها) جري طردها من قبل جماعات من الرعاع، الذين استولوا بالقوة علي منازلهم، بحجة انها من املاك صدام حسين و دولته المفككة. وفي هذا الصدد يُلاحظ ان التحريض المُخزي الذي ظلت جماعة الحكيم تمارسه، ضد الفلسطينيين المقيمين في العراق بحجة مساندتهم لصدام حسين، انتهي بقيام اعضاء في فيلق بدر الي الإستيلاء علي منازل الفلسطينيين. أي نهب املاك الآخرين بحجة سياسية مُسندة بدعاوي فقهية . وهكذا انتقلت حمي النهب من حيّز اللصوصية الي السياسة والفقه. في ما بعد زعمت قوات الإحتلال، ولمواجهة احتجاج المنظمات الإنسانية في العالم، علي تجاهلها وربما تشجيعها علي هذا النوع من الأعمال، أن هؤلاء استأجروا البيوت او قاموا بالإستيلاء عليها في عهد صدام حسين، ولم يكن هذا التبرير مقبولاً، لأن معظم البيوت كانت شققاً سكنية حديثة بنتها الدولة. لقد تمّ الإستيلاء علي منازل الفلسطينيين في سياق هجوم قام به مهووسون ورعاع، وضعوا انفسهم في خدمة القوات الغازية، وساعدوها في القاء القبض علي شبان عرب من سورية والسعودية ومصر ومن المخيمات الفلسطينية البائسة في لبنان. كانت هستيريا ملاحقة العرب و المسلمين الذين تطوعوا للقتال دفاعاً عن العراق، واحدة من الصور المخزية والمُشينة في هذا الوقت. وعندما وقف الشيخ الفرطوسي احد اتباع السيد الصدر امام عدسات التلفزيون يوم التاسع من نيسان (ابريل) ـ في مدينة الثورة ـ ليعلن ان لديه اسري ظن الكثيرون انه يقصد اسري من القوات الأمريكية بينما كان يعلن بإبتهاج انهم فلسطينيون وسوريون . لقد كان الإسلام نفسه يُنهب وتُنتهك حُرماته ورموزه، من جانب مسلمين أيضاً. ان طرد الفلسطينيين من مساكنهم وتحويلهم الي لاجئي مخيمات من جديد، واسر المجاهدين السوريين والمصريين والسعوديين وتسليمهم الي قوات الإحتلال، كانا صورة اخري من صور النهب في مجتمع تفككتّ فيه الروابط، وارتدّ الي طور ما قبل الدولة.

محو الدولة ـ ورمزية 1920

في التاسع من نيسان (ابريل) عاد العراق بضربة واحدة صاعقة، مئة عام الي الوراء علي الأقل: لقد تم محو الدولة، وتلاشي العراق. لم يحدث مثل هذا في ايّ وقت من التاريخ، ولم يسبق أن قام محتلون (مغول، ايرانيون، اتراك، بريطانيون) بمحو بلد من الوجود كما فعل الأمريكيون مع العراق. وعلي امتداد الإشهر الثلاثة الأولي من الإحتلال الأمريكي، كان الهاجس الوحيد للعراقيين يتبلور في صيغة سؤال مُبهم لا جواب له: ما دمنا قد ُارغمنا علي العودة الي الوراء، فهل يمكننا العودة الي العام 1920؟ ايّ الي العام نفسه الذي كان بوسعنا الإنطلاق منه لإعادة تأسيس الدولة؟ يمثل هذا التاريخ، بكل ملابساته، نقطة الإنطلاق في تأسيس الدولة العراقية الحديثة، التي بزغت بعد عام واحد فقط من الثورة أي: في العام 1921، ولذا يمثل استرداد فكرة العودة بالزمن الي الوراء، تجسيداً لقدرية تاريخية يتلازم فيها النضال من اجل إعادة تأسيس الدولة، سلميّاً، مع الدعوة الي إعلان الجهاد او المقاومة . أعادت الحواجز الأمريكية وما يرافقها من إذلال ومهانات يومية، وتفتيش وقح للنساء، و سرقات مكشوفة لأموال السكان، الذين كانوا يضطرّون الي الوقوف ساعات عند الحواجز، تذكير العراقيين، بأن ثمة أوجه كثيرة للشبه مع الفلسطينيين تتجاوز مجرد التماثل بين اسم السرايا العراقية و السرايا الفلسطينية. ها هنا الحواجز ذاتها وها هنا المداهمات والجنود انفسهم. كانت المسافة بين رام الله وبغداد تتقلص بصورة مُحزنة في وعي العراقي. وفاقمت اعمال القتل العمد والإستهتار الناجم عن الذعر، ومعها الأعمال الصادرة عن روح غرائزية مُشبعة بالرغبة في العبث، بأرواح وممتلكات العراقيين، من هذه الصور المحزنة التي كانت فيها بغداد تتحول الي رام الله اخري. يروي عراقيون تعرضت منازلهم للتفتيش والمداهمات، قصصاً مرّوعة عن الطرق والأساليب التي كان جنود الإحتلال يتبعونها مع السكان في مختلف مناطق العراق. وتنبّه الكثيرون للشبه المذهل بين ما كانوا يرونه علي شاشات التلفزيون في رام الله والخليل والقدس وبيت لحم، حيث يحطمّ الجنود الإسرائيليون أثاث المنازل، وكل ما تقع عليه ايديهم من البرادات الي أجهزة الكهرباء وحتي أسرّة نوم الأطفال، وبين ما كان يحدث لهم علي ايدي الأمريكيين. كل شيء كان يوحي بحضور إسرائيل القوي في بلاد ما بين النهرين الجديدة. هاهو التاريخ يعود، دفعة واحدة، الي الوراء لتنقلب الصور، فبدلاً من السبيّ البابلي لليهود هاهم اليهود في أرض بابل يعودون لشراء العقارات في شارع الرشيد وشارع فلسطين. وقيل في هذه المناسبة انهم لايتجاوزون 50 شخصاً من يهود العراق المسنيّن، الذين ُهجرِّوا الي اسرائيل، ولم يكن هذا صحيحاً، إذ تشير المعلومات الي اعداد اكبر بكثير من هذا الرقم المتواضع، والي أنها جاءت في اطار سياسة استراتيجية تهويد بغداد التجارية، تماماً كما في الصورة النمطية الزائفة التي روجها الجنرال مود عام 1917، عندما زعم ان بغداد مدينة يهودية بفضل غالبيتها اليهودية المسيطرة علي النشاط الإقتصادي. بيد ان لشراء العقارات في شارع فلسطين، يظل من بين أكثر هذه الوقائع أهمية في الدلالة الرمزية، فقد باع عراقيون املاكهم لليهود القادمين من اسرائيل بأضعاف أسعارها الحقيقية، من دون ان يكلفوا انفسهم عناء السؤال عن مغزي هذا البيع؟

نهب الذاكرة العراقية

لقد تلاشت الذاكرة في المدينة المنهوبة، بل ان الذاكرة العراقية كانت في سياق النهب، تتعرض لنهب من نوعٍ آخر. ومع هذا كله ظلت الرمزيّة في هذا النوع من النهب صارخة: هاهم اليهود يشترون العقارات في شارع يحمل إسم فلسطين وليس أي شارع آخر؟ حتي ُنصْب الناجين الذي صنعه فنانون عراقيون كانوا يغنون مبتهجين بلحظة سقوط تمثال صدام، كان دليلاً آخر علي تلاشي الذاكرة. لم ينتبه صانعو النصب الي غرابة الإسم الذي أُقترحه عليهم صديق اسرائيل الحميم كنعان مكيّة، الإبن البكر لاسرة مكية الشيعية، العائد الي بغداد علي أنغام العزف العنيف للتوما هوك والكروز، والذي كتب دون حياء في اليوم الثاني من الغزو: (أجمل موسيقي احب سماعها هي موسيقي القصف العنيف لبغداد). عاد مكية لينجز اول واهم عمل ساخر له: المساعدة في انشاء نصب الناجين في مماهاة ماكرة ومُخادعة، موظفة لتصوير العراقيين كما لو كانوا مماثلين لليهود الناجين من محرقة هتلر. كان نصب الناجين الذي حلَّ في المنصة ذاتها لتمثال الرئيس المخلوع، نموذجاً صارخاً للقبح والرداءة من حيث تقنياته والمواد التي صُنع منها. إنه لايرمز الي أيّ شيء عراقي قط، بل يرمز الي الناجين من المحرقة . وهذا ما لم ينتبه اليه الفنانون المخدوعون الذين صدقوا مكية الإبن. كانت محاكاة النصب التذكاري الشهير في اسرائيل، والذي يخلد ذكري المحرقة اليهودية في المانيا النازية ويحمل الإسم نفسه الناجون ، دليلاً علي حضور اسرائيل القوي في بغداد المنهوبة والمحطمة، وكذلك علي الطريقة التي كانت فيها الذاكرة العراقية تتلاشي، فلا تعود تتذكر شيئاً عن نفسها أو عن العالم أو التاريخ. لقد اُمحيت الدولة تماماً، ُأفترست وُأبتلعت، ولم يتبق منها سوي نسيج مُهلهل من طبقات وطوائف وأحزاب مذهولة، أو سكري بنشوة نصر كاذب. وفي تلك اللحظات، لم يكن بوسع ايّ عراقي ان يري صورته في مرآة نهر دجلة، أو ان يري شبيهه في المركب القادم، كما خُيِّل لهارون الرشيد في حكاية الف ليلة وليلة.
تشخصُ الطريقة التي تمّ فيها تفكيك العراق ومحوه من الخارطة، صباح التاسع من نيسان (ابريل)، كبرهان علي حقيقة مُفزعة: ان التعارضات الداخلية يمكن ان تبلغ نقطة اللارجعة في المجتمع، وبدلاً من الحرب الأهلية، وهي خيار يظل اقل مرارة، ربما، من محو الدولة عن الوجود نهائياً، ستندفع طبقات وجماعات قد يبدو انها تمثل خيارات مذهبية بإتجاه الخارج للإستقواء به علي الدولة وحسم التناقض معها. إن واحدة من هذه التعارضات بين المجتمعين المتنازعين، يمكن ان تتجلي في صورة تعارض جديد، أي أنها تُعيد انتاج نفسها كتعارضات جديدة تندفع بقوة زخم الوقائع علي الأرض، إذ برز فور سقوط بغداد وتدفق المنفيين من الخارج بمساعدة وتسهيل قوات الإحتلال، تناقض جديد بين أحزاب الداخل و أحزاب الخارج . كانت المغارة ذاتها التي ترّصدها علي بابا في الف ليلة وليلة تشخص من جديد علي ارض الواقع : ها هنا سكان مغارة مُغلقة فتحت ابوابها بعد افتضاح السرّ، وها هنا مجتمع آخر يعيش خارجها، ويستعد لدخولها بعدما نُهبت. وحين اتضحّ للجميع ان الدولة زالت عن الوجود وجري تفكيكها ـ وليس النظام السياسي وحده ـ ظهرت الي المسرح قوي مُطالبة بالسلطة (ولم يتحدث أيّ حزب سياسي من احزاب الخارج، قط عن الإستقلال او إعادة بناء الدولة). ومن جديد برز منافس يقف بصلابة، ليُعيد انتاج المعادلة ذاتها من قوي الداخل التي شرعت منذ اليوم الأول للإحتلال في تنظيم صفوفها وافتتاح مقرات واصدار صحف. إذا كانت القنابل التي صهرت قوات الحرس الجمهوري ومحتها من الوجود، في بعض المعارك ـ كما قيل عن معركة المطار ـ قد صهرت معها الدولة وذوّبتها بحيث تلاشيا معاً، فإنّ هذا المحو النظمّ كان يوّلد، مع ذلك نتائج جديدة، فالمواد المنصهرة كان يُعاد انتاجها بسرعة، وبدلاً من الحرس الجمهوري بملابسه المّرقطة، ظهر جيش ممِّن ألقوا سلاحهم قبل نشوب معركة بغداد بأربعة أيام. وبدلاً من حزب البعث، الذي تمّ تذويبه بالقنابل والتصفيات ودعوات الإستئصال، وبواسطة قرار حظر النشاط السياسي، ظهرت أحزاب، بعضها من بقايا مواد منصهرة . كانت الرغبة لاتُقاوم للبقاء علي قيد الحياة. كل شيء في العراق في لحظات المحو والموت تلك، كان يُصارع من أجل ان يُعيد انتاج نفسه . حتي التناقضات التي صهرتها نيران الإحتلال، عادت من جديد لتبزغ في صورة تناقضين حقيقيين: عراقيو الداخل وعراقيو الخارج . كان هناك عراقيون ميسورون مترفون عاشوا اعواماً طويلا في المنافي، بعيداً عن العذاب الجماعي للشعب، يقفون في مواجهة عراقيين آخرين تجرّعوا السمّ لوحدهم، وجاء من يشاطرهم كأس العسل. ومن جديد ايضاً استفاق العراقيون علي حقيقة مُفزعة أخري: انهم محكومون بقدرٍ لا فكاك منه هو الإنقسام. لم يكن ثمة كأس عسل حقيقية تستحق الصراع حولها، بل كانت هناك كأس سمّ إضافية يتعين علي الجميع ان يشربوا منها حتي الثمالة.
كانت لوثة الإنقسام في المجتمع العراقي، قد أدّت، علي مرّ التاريخ الي سقوط الدولة، ولكنها ابداً لم تؤدِ الي تلاشيها علي هذا النحو. (فحتي في العصر البويهي او السلجوقي او المملوكي او الإيراني او التركي او المغولي او البريطاني، كان يمكن للمرء ان يتحدث عن العراق كدولة محتلة). هذه الطاقة المذهلة التي تختزنها ثقافة الإنقسام في المجتمع العراقي، المستمرة والمتوارثة والراسبة، تتجلي اليوم في صراع الشقيقين: الفلاح المُقيم في الأرض، والراعي المهاجر وهما يتنازعان ـ الي الأبد ـ علي الفوز بقلب عشتار. إنهما معاً يمثلان الصورة ذاتها التي سبق للإسلام المبكر ان قدّمها: مهاجرون وأنصار. ويا لها من مُصادفة مُحزنة ان يجري السجال، من جديد، وهذه المرة بين الراعي المهاجر ـ العائد من المنفي اخيراً ـ وبين الفلاح الذي تلقي لوحده عذاب وشقاء العيش في ظل حكم استبدادي، ومن جديد أيضاً سيدور الجل فوق الأرض ذاتها وعلي ضفاف النهرين الجميلين ذاتهما. إذا كانت مثل هذه الصور المُسْتَنبطة من أساطير وتاريخ العراق، ومن الوقائع السياسية والحياتيّة اليوميّة، لاتثير في المؤرخين والباحثين حبّ البحث عن الحقيقة ، فلأنها تُلامس الجانب الخفي والمسكوت عنه، والمُثير للحرج دائماً، نعني: الترابط ُ العضوي، بين تراخي الروح الوطنية وضعفها الشديد عند العراقيين وبين تدمير الدولة. وهو ترابط يجب ان يضعنا ـ اليوم ـ وجهاً لوجه، أمام المغزي الفعلي للتوافق الذي حدث علي أرض الواقع بين النهب الإستعماري وبين النهب الداخلي او ما يُعرف بالفرهود العراقي. إن هذا التوافق، الذي كان يستهدف في الجوهر، تفكيك الدولة، ومحوها من الوجود، لايمكن ان يكون مجرد نتاج عرضي من نتائج الفرح والإبتهاج بسقوط الطاغية، بل هو في صميم الفكرة الآنفة : التلازم بين ضعف الوطنية العراقية وبين روح الإنقسام التي ترفرف علي المجتمع العراقي. إن حقيقية كوننا نعيش في مجتمع إنقسام نموذجي، تاريخي ومستمر، يفضي في كل لحظة من لحظات الصراع والتنازع، الي تفاقم اشكال الإختلافات والتباينات والتعارضات السياسية والثقافية، والي تفجرّ أنماط من التجاذب في الفكر والسياسة والثقافة والحياة اليومية للعراقيين، هي الحقيقية الوحيدة الجديرة بأن ترغمنا اليوم علي التأمل بعين حاذقة، ومن دون تزييف او تلاعب أو تخاذل، في الواقع كما هو وليس في الواقع كما نتمناه. عمليّاً تمَّ محو العراق كدولة، في شروط الفوضي، وداخل شروط النهب الجماعي لممتلكاتها وتفكيك بِنْياتها التاريخية وللرموز ايضاً. لربما كان الإحتلال سيواجه مصاعب وعقبات حقيقية علي طريق محو كاملٍ ومنظم للدولة، لو أنه أخفق في إيجاد أو تأسيس أرضيات الفوضي، وتشجيع أعمال النهب الجماعي . في حكاية الف ليلة وليلة، لم يكن علي بابا ليتمكن من نهب المغارة المُغلقة من دون ان يتعرّف علي السر. هذه اللصوصيّة المُقترنة بمعرفة السرّ، هي عينها التي سوف تقع في المكان نفسه، فلا نعود نعرف: هل نحن ـ اليوم ـ جزء من حكاية الف ليلة وليلة التي دارت في بغداد هارون الرشيد ؟ أم نحن شهود حكاية نهب جديدة تتعرض لها المغارة ذاتها، بعد ان عرف علي بابا آخر، السرّ نفسه؟ لقد كان يتعيّن إحداث الفوضي ونشر الخراب والتدمير وتشجيع اعمال النهب والسرقات وتسليط الأضواء عليها، ليتسني التفرغ من أجل المهمة الحقيقية: محو الدولة. ولذا، ليس دون معني ان القوات الأمريكية إختارت عند دخول بغداد، إختراق حزام الفقر الشيعي (مدينة الثورة تحديداً) حيث جرفت معها أعداداً غير قليلة من اللصوص والرعاع والمجرمين والمعوزين والفقراء والناقمين، وقدّمت لهم تسهيلات غير مرئية، للشروع بأولي أعمال تفكيك الدولة ونهبها. كان لابد لنا من رؤية علي بابا، كي يتسني لنا التعرّف علي الأربعين حرامياً كما في الحكاية. ومن دون وجود علي بابا، لربما كان من الصعب علينا رؤية هذا العدد الهائل من اللصوص.

صحوة اللصوص في المغارة

لقد أيقظ الأمريكيون في اللحظة التي إخترقوا فيها حزام الفقر، كل اللصوص النائمين خارج المغارة. بل إن الجندي الأمريكي نفسه، الذي يري الي صورته في مرآة مياه دجلة، وفي بغداد الثرية والإسطورية، سيغدو منذ الآن هو ذاته علي بابا، ولكن بعينين زرقاوين وشعر اشقر. والطريف ان جمهوراً غاضباً من السرقات التي كان الجنود الأمريكيون يقومون بها، كررّ في بغداد والبصرة وفي مناطق أخري الهتاف التالي: علي بابا، علي بابا. لا جدال ان تنبّه العراقيين المنهوبين من قبل لص امريكي، الي ان اللص هو علي بابا، يشير الي الحقيقية الآنفة بقوة: لقد أصبح الشخص الذي جاء لمطاردة اللص، هو نفسه لصاً، في المدينة الوحيدة التي سوف يتمكن فيها من التماهي بسهولة، وفي شروط النهب والفوضي التي أسسّها الإحتلال، مع الشخصية المُحببّة في ثقافته المحدودة والإستشراقية عن الشرق ،إنه في المدينة ذاتها التي لطالما سحرته بثرائها واسطوريتها، وخلبت لبّه مغامرات علي بابا في شوارعها. سوف لن يكتفي بالقتل بل سيمارس السرقة أيضاً، ليغدو هو نفسه علي بابا.
هذا الجانب من التلازم بين النهب الإستعماري والنهب الداخلي الفرهود سيظل حقيقياً الي النهاية كما عرضته تجربة سقوط بغداد.
ليس ثمة من يرغب في العيش داخل حقيقة قاهرة ومُحطمّة للآمال، كهذه الحقيقة، وليس ثمة من يريد تكريس ظاهرات عابرة إذا جاز لنا الإفتراض ان ما نتحدث عنه هو مجرد ظاهرات عابرة. ولكن هناك من يريد، بالفعل، ان يرغمنا علي قبول تصوراته الإيديولوجية الجامدة والتي شاخت منذ وقت طويل، بديلاً عن رؤية الواقع التاريخي واليومي، وان نتعامي عن رؤية صورنا في مرآة النهر. نعم : نحن نعيش في مجتمع إنقسام نموذجي، تتشظي فيه صورنا فوق صفحات مياه النهر، وقد يتسني لنا في بعض الأحيان ان نري صورتنا وصورة شبيهنا، تماماً كما في حكاية الف ليلة وليلة، عندما شاهد هارون الرشيد مركباً ـ في النهر ذاته ـ يحمل رجلاً هو نفسه الخليفة. ليست هذه حقيقة مُسطرّة أو مُصَّنعة، بل هي الواقع موصوفاً دون حذلقة ايديولوجية. إن قوة الإختلافات والتعارضات داخل المجتمع العراقي، حتي بين الأفراد العاديين، بصرف النظر عن قيمة هذه الإختلافات او التباينات، تفوق قوة التقاليد والأعراف والتاريخ والأسرة والروابط والثقافة والذكريات الشخصيّة الحميمة. انه لأمر مثير، بالفعل، ان قوة التعارضات الإجتماعية او السياسية او الثقافية، وحتي تلك التي تجري في نطاق الإجتهادات الدينية، أكثر تفوقاً وهيمنة من قوة التقاليد، وبحيث يصبح انتهاك الأفراد لبعضهم البعض أمراً عادياً ومألوفاً، وكأن لاقيمة أوقدرة لهذه التقاليد علي كبح جماح الرغبات الجنونيّة في القتل والإنتهاك، الذي يجري داخل المجتمع العراقي بين الأفراد أنفسهم.
بل وأن يقوموا بإختراق المنظومات الدقيقة في الحياة الإجتماعية والدينية، وتجاوزها أيضاً، وهو أمر لطالما تسببّ في حدوث انتهاكات مأسوّية لا من جانب الدولة، بل بين الأفراد انفسهم، الذين يقومون ـ في اطار حل التباينات بينهم ـ بواسطة القوة، بانتهاك الحرمات والقرابات المباشرة، من دون أن تكون هناك أي مبررات مقبولة. أحياناً يكفي ان تتسببّ حادثة عابرة وبسيطة للغاية وعديمة القيمة، وربما مجرد التباس تافه، في تنازع عنيف بين شخصين من قرابة واحدة، أو تجمعهما ذكريات مشتركة وعميقة، أو بين شخصين لطالما تباهيا بعمق الموّدة بينهما، بل يمكن لهذه الحادثة ان تتطور الي تبادل مُخزٍ للشتائم والتهديدات بالقتل. وفي الحياة الحزبية والسياسية العراقية، فإن تراثاً ضخماً من التشهير المُقذع بالأفراد، والتصفيات الدموية، والإنتهاكات، يمكن رؤيته بسهولة. إن السياسة في العراق هي الحقل النموذجي الذي تمتّ فيه أبشع الإنتهاكات بين الأفراد، وقد لاتكون الدولة أو النظام السياسي، علي صلة بها، بل هي تجري بين جماعات متنافسة، مُغالية ومُتعصبّة، تؤمن ـ حتي اليوم ـ بأن الوسيلة الوحيدة لحل التعارضات تكمن في حيز القوة وليس في حيز الأفكار . ولذلك يبدو الأفراد في مجتمع الإنقسام هذا، النموذجي والمتواصل، والذي وطدّت أركانه ايديولوجيات عنيفة، عُرضة لنوع آخر من النهب .
إنه فرد تتناهب دمه قوي متعارضة، آمنت، الي النهاية، بأن القوة هي المصدر الوحيد للبقاء، فيما يصعب رؤية مثل هذا القدر من العنف المكبوت في مجتمعات اخري أقل إنقسامية. وإذا ما ُأضيف الي قوة التعارضات الإجتماعية او الشخصية او السياسية، الميول الغريزية للمُبالغة (والغلوّ) في تقدير اهمية وقيمة ودرجة خطورة هذه التعارضات، بل وطبيعة العراقي كشخصية هلعيّة شديدة الذعر والنفور، يصبح من السهل، آنئذٍ، فِهمُ المعني الحقيقي لمغالاة العراقيين وُمبالغاتهم وإفراطهم المُحزن في تصوير أنفسهم كضحايا. إن الشخصيّة العراقية نتاج ثقافة بكائية قديمة ومستمرة، لا علاقة لها بعنف الدولة ولا بالمظالم، بل لها صلة بتقاليد ثقافية تضرب بجذورها في تربة الأساطير والتاريخ القديم، فمن البكاء علي تموز وصولاً الي البكاء علي الحسين، مروراً بالبكاء علي المنازل المهجورة كما في الشعر العامي، الذي يسير علي خُطي تقاليد مماثلة في الشعر الجاهلي، تعلقت روح العراقي، علي مرّ الوقت، بصورة أثيرة للضحية. إن لهذه الصورة صلة حقيقية بموقف العراقي السياسي أيضاً، فهو يفضل رؤية نفسه ـ باستمرار ـ كضحية لعنف الدولة.
إن المظالم الفظيعة التي تعرّض لها العراقيون، في عهد الرئيس السابق صدام حسين، ليست موضع جدال. والجرائم التي ارتكبها النظام ليست موضوعاً للنقاش. بيد ان الجانب الآخر من الصورة هو الذي يستدعي النقاش: تصوير المظالم كمظالم استثنائية، فريدة، لا شبيه لها في التاريخ او في بلدان اخري، بينما نستطيع تدوين قائمة سريعة بمجرمين يفوقون الوصف ـ بول بوت في كمبوديا، مثلاً، الذي لاتزال جماجم ضحاياه وهم مليونا رجل وامرأة وطفل محفوظة في متاحف بدائية هناك ـ هذه المبالغة في تضخيم صورة المجرم مُصممّة، في الأصل، لتعظيم صورة الضحية . يجب ان يظل المجرم فريداً في نوعه، استثنائياً، ومُفارقاً، لكي يكون بالإمكان رسم صورة موازية لضحية فريدة في نوعها واستثنائية. إذا ما عدنا قليلاً الي الوراء، الي ما قبل التاسع من نيسان (ابريل)، فسوف نتلمس الطريقة التي ُأعيد فيها انتاج الغلوّ العراقي. لقد تجلت المبُالغات السياسية في ابشع صورها مع الإستعدادات الأمريكية لغزو العراق، وذلك حين ازدحمت خطوط الهواتف في بعض الفضائيات العربية بنداءات المتصلين، من العراقيين المُقيمين في اوروبا والدول الإسكندنافية، ومعظمها ـ وياللدهشة ـ كانت تكررّ عبارة واحدة مُشبعة بالجزع المُفرط: (فليأت شارون ليحكمنا. المهم ان يذهب صدام حسين).
وقد تسني لي شخصياً في بعض اللقاءات المحدودة مع مواطنين هولنديين، وبحضور عراقيين يرددّون مثل هذه الفكرة الفظيعة، رؤية الإندهاش وعدم التصديق وهي تعلو وجوه الهولنديين، الذين كانوا يتساءلون ببراءة: ما علاقة شارون بالأمر؟ وبلغ التهريج ذروته في اتصالات المنفيين العراقيين من الأكراد، مع الفضائية العربية
ANN عندما راح احد الشبّان الأكراد يغني مُبتهجاً: (نحبك يابوش نحبك والله نحبك). كانت صور شارون و بوش و بلير تتراقص في هذا النحيب المتصاعد للضحايا الذين صممّوا علي ان يري العالم الصورة الوحيدة للعراقي بوصفه ضحية . وهكذا، وبخلاف الواقع اصبحت صور المحتلين هي صور المحررين المُنتظرين.

القدس العربي