من أيقظ علي بابا ؟.. النهب الإستعماري وعقلية الفرهود العراقي في زمن الإحتلال

الحلقة الرابعة

 

بقلم فاضل الربيعي

 

(الهتافات المشتركة بين السنة والشيعة توقفت بعد تدفق رجال الدين من ايران وتفاهمات جنيف السرية
اكثر الأفكار سُخفاً تلك التي سعت للتقليل من قيمة ايّ مقاومة واتهام أصحابها بالتخريب
)
فاضل الربيعي


(
هذه دراسة في الواقع العراقي تحت الاحتلال، تحاول البحث في بني الدولة العراقية التقليدية، العشيرة والحزب والطائفة، ولكنها تريد دراستها وتسليط الضوء عليها ضمن منظور ما حدث ويحدث في عراق اليوم. تبدأ الدراسة التي يقدمها الباحث العراقي فاضل الربيعي، بسؤال يتمحور حول السبب الذي ادي الي تحول العراق اليوم لمجتمعين، مهادنة الجنوب/ الشيعة ومجتمع مقاومة، في ما صار يطلق عليه بـ المثلث السني .
وهنا يحلل الكاتب المواقف والفتاوي داخل الحزب والطائفة الشيعية، حيث يؤكد ان قرار المقاومة في مناطق السنة اتخذ علي الارض، فيما انتظر المجتمع الشيعي في الجنوب فتاوي المرجعيات التي حاولت استخدام الفتاوي للتغطية علي حرجها من التعاون مع الاحتلال. القراءة هذه لافتة، لانها تقدم تحليلا جديدا للعلاقات المتشابكة في السياق العراقي وتحاول الابتعاد عن التبسيطات التي وقعت فيها المعارضة العراقية القادمة من الخارج وبحماية الدبابات الامريكية، وهي جديرة بالانتباه لانها تقدم صورة تتجاوز وضع الذهول والصدمة الذي وقع فيه العراقيون بعد سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس وسط بغداد، بداية نيسان (ابريل) من العام الحالي. انها دراسة في بنيات المجتمع التقليدي، او ما يطلق عليه الباحث هنا بنيات مجتمع اللادولة الشيعي خاصة، ودراسة في ادبيات الخطاب، وخطاب مجموعات شيعية والذي يذكر بخطاب مشايخ الازهر الذين اجتمعوا لقراءة البخاري لرد الحملة الفرنسية عن مصر.
) القدس العربي

دبابة وتمثال ونعل بائع فشافيش

تكتب صحيفة المؤتمر التي يصدرها احمد الجلبي من لندن في عددها الصادر يوم 13 ـ 19 حزيران (يونيو) ما يلي:
صورتان ستخلدان في تاريخ العراقيين مثلما ُخلدت ألواح
سومر ونقوش بابل وآشور
احدي هاتين الصورتين الخالدتين ، اللتين احتفت بهما الصحيفة، هي صورة العراقي، الذي شاهده العالم كله يضرب صورة الطاغية بنعاله. ولتعظيم هذا الفعل، فقد اوردت الصحيفة خبراً عن تلقي الرجل عرضاً من متحف الكويت لشراء النعل . وبالطبع فقد رفض الرجل ـ الذي تقول عنه الصحيفة انه بائع فشافيش متجول ـ لأنه لايريد التفريط بنعاله العتيق ويريد من المتحف العراقي ان يحتفظ به . أما الصورة الأخري الخالدة فهي صورة الدبابة الأمريكية التي سحبت تمثال الرئيس المخلوع من المنصة، واسقطته ارضاً. لا أحد يمكنه تصديق هذا النوع من المُبالغات المُريعة: لا لأن التاريخ العراقي بأبهته الإمبراطورية، يخلد عادة أحذية الملوك بدلاً من أحذية الرعاع، وبالتالي فهو لا يعطي بطبيعة الحال لهما المستوي نفسه من الأهمية، وإنما لأن هذا النوع من المُقتنيات غير الثمينة لا مكان له، عادة في المتاحف (وفي هذه الحالة علينا ان نتخيل متحف اللوفر وقد امتلأ بأحذية ابطال الهجوم علي الباستيل). تريد الصحيفة ـ بناء ربما علي رغبة المواطن ـ ان يحتفظ العراقيون عبر التاريخ بنعل بائع متجول الي جانب ملحمة جلجامش. وإذا كان هذا جائزاً فيتوجب علينا ـ في هذه الحالة ايضاً ـ ان نطالب المتحف العراقي بتخليد صورة الكهل المتبوّل في الشارع العام فوق صورة صدام حسين بوصفها لحظة خالدة. ثمة مستوي رخيص من تعظيم المشاعر المنفلتة واللاعقلانية، وتمجيدٍ للسلوكيّات السوقية والبذيئة في الثقافة السياسية العراقية المعاصرة ـ كما هو الحال مع صورة الكهل الذي تبول في الشارع فوق صورة الرئيس المخلوع ـ ومُبالغة وإفراط يصعب تخيلهما، ولكن هذا كله، مع ذلك يوفر الفرصة لرؤية ردّ فعل الضحية واستكشاف أعماقها المضطربة. إنها وإنْ تخلصت من جلادها، ستظل متعلقة به ومشدودة اليه في كل حين، حتي بعد اختفائه عن المسرح. انها ضحية استثنائية غير قادرة علي نسيان الجلاد الإستثنائي الذي اخترعته، ولذا ُتطالب التاريخ بأن يتولي تخليد أفعالها العفوية وردود افعالها، حتي وإنْ كانت لا عقلانية ومٌنفلتة وبذيئة وسوقية، تماماً كما يُطالب الطاغية. إن للطاغية مطالب ممُاثلة من التاريخ، فهو يريد منه أن يُخلد افعاله البذيئة والوحشية. بيد ان التاريخ ليس مخزناً لنفايات الضحايا او الجلادين.
سرعان ما ُصدم أصحاب هذه الدعوات وأصابهم الذهول، بعد مضي وقت قصير علي التحرير الأمريكي، إذ اكتشفت غالبية العراقيين، كما قال أول إستطلاع علمي للرأي يجري في العراق (استطلاع المركز العراقي للدراسات الإسترتيجيبة يوم 18 ـ 6) ان حرب التحرير كانت خُدعة صدّرها عراقيو الخارج وتجاوب معها في البداية جمهور محدود من عراقييّ الداخل ، وانها لم تكن سوي ذريعة لإحتلال العراق، وهي كانت لأهداف أمريكية خالصة. لم تكن الحرب، قط، من أجل العراقيين الضحايا ولا من اجل الرخاء الموعود، بل من أجل تنصيب صديق شارون الحميم حاكماً عسكرياً علي العراق، تماماً كما أراد الضحايا الهاربون الي الخارج . فجأة اكتشف العائدون من المنفي مع الأمريكيين، ان العراقيين ليسوا سعداء بالإحتلال، وأن 75 بالمئة ـ حسب الإستطلاع ـ من العراقيين يدركون الحقيقة، التي لم تكن بحاجة لإكتشاف أصلاً، واتضحّ ان دعوة بعض المهووسين من عراقييّ الخارج لتنصيب شارون او صديقه جيه غارنر، حاكماً علي العراق لم تكن جادة تماماً، بل كانت تعبيراً عن الجزع وحسب. وذهب آخرون الي ابعد من ذلك: أن صدام حسين، سيبدو في اعين العراقيين أكثر رحمة من الأمريكيين ـ حسب وصف عراقيين غاضبين كانوا يتظاهرون عند حاجز للجيش الأمريكي قبالة فندق فلسطين يوم 16 ـ 6، لأن هؤلاء صاروا يقتلون البشر في الشوارع دون ايّ مبرر. هذا الإفراط في الجزع، والمبُالغة في تصوير الحقيقة عند العامة من العراقيين كما عند الساسة والمثقفين، لا يُقابلهما سوي الإفراط ذاته والمبُالغة ذاتها في القسوة والبطش والقمع علي الطرف الآخر في شخص الحاكم العراقي. إن الشخصية العراقية المُنتجة لصورتها الأثيرة والمُحببَّة كضحية ، والراغبة دون تردد في ترويجها وتكريسها، هي شخصية هلعيّة بامتياز، حيث جزعُ الحاكم العراقي و هلعه من معارضيه، وضيقه وبرمه ونفاد صبره من تململ العراقيين واضطرابهم، وافراطه في القسوة، ومبُالغته في البطش، هو الجزع ذاته، ولكن مقلوباً عند الضحايا . علي ان الشخصية العراقية، مع ذلك، نتاج أحداث هلعية حقيقية، ونتاج مظالم حقيقية أيضاً، وليست مُتخيَّلة طبَعتها بطابعها الأدبي او الأسطوري. ولسوف تنشطر الصورة المُفضلة للعراقي، عن نفسه، الي شطرين: إمّا ان يري فيه الآخرون بطلاً استثنائياً أو ضحية استثنائية: إمّا جلجامش او الحسين. إمّا ان يفزع من فكرة الموت، كما حدث لجلجامش، او ان يذهب اليه كقدرٍ محتوم مثل الحسين.
إنه لأمر لافت للنظر، حقاً، ان كل الفنون والآداب العظيمة إزدهرت في العراق القديم والحديث، وفي مقدمتها الشعر والنحت والرسم، ولكن لم يحدث، قط، ان قدّم العراقيون للعالم فيلسوفاً واحداً ولا مفكراً واحداً كبيراً ومُعترفاً به. إذا كان التاريخ الأدبي والثقافي العراقي يخلو، بالفعل، من فن التأمل فلأن الفلسفة و إنتاج الأفكار هما امران متناقضان مع الغلوّ (ولنتذكر هنا ان ظاهرة الغلوّ في المذهب الشيعي لم تكن من إنتاج مدرسة المدينة المنورة بل من انتاج المدرسة السياسية العراقية في الكوفة). هذا الميل العفوي والغريزي للإفراط، يمكن رؤيته حتي في عادات الطعام عند العراقيين، وهي عادات يستحيل رؤية ما يُماثلها في ثقافات البلدان العربية والإسلامية.لقد وجدت الروح الوثابة، النارية البروميثوسيّة في الشخصية العراقية، بكل خزينها الثقافي الراسب من الغلوّ طريقها الوحيد للتفجرّ كطاقة مُلهمة، في فنون تتقبل درجة عالية من الذوبان والإنصهار في لهيب المشاعر الحارقة، فكان إزدهار النحت والرسم والشعر، منذ السومريين وأناشيدهم، والآشوريين ومنحوتاتهم العملاقة والثورية، دليلاً قاطعاً علي انها الميادين الفسيحة، التي يمكن فيها تجربة أمكانية صياغة ذلك الإضطرام والتأججّ في صورٍ نارية، أو هادئة، ساكنة أو حالمة علي حدّ سواء. ان الشعر، لهو بالفعل، الميدان الرحب والوحيد الذي يتقبّل روح المُغالاة ويبارك طاقتها الوثابة والنارية، بينما تنغلق ميادين التأمل والفلسفة أمام هذه الروح. ولذلك يبدو منطقيّاً التفكير في تفسيرٍ من هذا النوع لسرّ إزدهار الشعر والرسم والنحت في العراق، بينما لاتعرف الحضارات العراقية العظيمة فيلسوفاً واحداً، كما لا يعرف العراق الحديث مفكراً واحداً. ومن غير شكّ، فإنّ كون العراقيين جزءاً من أمة شفاهية إزدهرت فيها حضارة اللسان لا حضارة العقل أمر لايُبررّ غياب روح التأمل . هذه المُغالاة هي واحدة من الأدوات التي استخدمها الأمريكيون بدهاء وقاموا بتوظيفها من أجل محو الدولة . ليس ثمة من أداة قاهرة ومُدمرّة ولا عقلانية، مثل الغلوّ، يمكنها ان تكون قابلة للتوظيف توظيفّاً مُتقناً وفعالاً لأجل هدف من هذا النوع. إن نزوع العراقي، العفوي والغرائزي، نحو تغليب القوة في تصورّاته لأشكال حل، ولظروف واساليب معالجةّ التعارضات الناشئة، هو الذي انتصر ـ في النهاية ـ بانتصار الإحتلال ومحو الدولة.

إغراء القوة

في مجتمع الضحايا بطقوسياته وشعائره ورموزه وشعاراته و الإيديولوجيات السائدة فيه، ليس ثمة ـ حتي علي مستوي الإفراد وبالنسبة لكل ضحية ـ إغراء أكثر جاذبية من إغراء القوة ، ولقد بينتّ وقائع دامية من تاريخ العراق القديم والحديث، أن لفكرة القوة طاقة غير محدودة للهيمنة علي الثقافة المجتمعية. إن الضحايا في العراق، سواء أكانوا من ممارسي التضحية علي المستوي الشعائري والطقوسي كما هو الحال عند ابناء الطائفة الشيعية، أم أؤلئك الذين عملوا في حقل السياسة من العلمانيين، وتعرّضوا، فعليّاً، في حياتهم الإجتماعية والسياسية للألم والعذاب والسجن، يشكلون مجتمع ضحايا نموذجياً. وهؤلاء ـ سواء أكانوا متدّينيّن أم علمانييّن ـ غالباً ما يتعلقوّن او يؤمنون بأن المخرج الوحيد المتروك أمامهم، للخروج من العذاب الشخصي والإجتماعي، هو ذلك المتمثل في إستخدامهم استخداماً ديناميكياً، و لكن مُفرطاً لايعرف الترددّ لأدوات ووسائل القوة ضد خصومهم ومنافسيهم، حتي وإن كانوا من أبناء جلدتهم، وبالطبع ضد مَنْ يتخيِّلونهم مصدر المأساة. ليس ثمة تقشف في الدم اثناء ممارسة السياسة في العراق كفعالية اجتماعية، وهذا امر مثير ومُحزن، فهو يحوّلها ـ ايّ السياسة ـ الي مصدر آخر من مصادر العنف. ولذلك شكل مجتمع الضحايا علي الدوام، تجسيداً لتصوّرات العراقيين ولنظراتهم السياسية والدينية إزاء قهر الدولة وقسوتها.
كان سقوط النظام في صباح ذلك اليوم الدافئ من نيسان (ابريل)، واحدة من المناسبات النادرة التي يختلط فيها ـ بإلتباس فظيع ـ الإحساس الزائف بتحررّ مجتمع الضحايا من عقود من الخوف والعذاب، مع الإحساس بأن هذا المجتمع قد وقع في قبضة خوف وعذاب جديدين. في التاسع والعاشر من نيسان (ابريل) وما بعدهما بقليل، كان الهتاف الجماعي الذي عبرّ عن الخوف، يتمثل في فكرة التضامن بين الطوائف والإثنيات التي يتشكل منها المجتمع العراقي. ولذا، جاء هتاف المتظاهرين في الأعظمية والكاظمية (إسلام سنّة وشيعة هذا البلد ما نبيعه) ليعبرّ عن هلع حقيقي من خطر الإنزلاق في مجابهة دموية بين الطائفتين.
وتجلي هذا الهلع مع تصاعد دعوات التنكيل بالبعثيين، دون ايّ شعور بالمخاطر الناجمة عن هذا النمط من القصاص الجماعي. هللّ أهل السنة في الأعظمية لهتاف اخوتهم الشيعة في الكاظمية، وتنفسّوا الصُعداء، حتي ان الشيخ احمد الكبيسي، الذي عاد علي الفور من الإمارات العربية المتحدة الي بغداد، وجد نفسه في خطبة يوم الجمعة في جامع ابو حنيفة وهو يوجه التحية لأبناء الطائفة الشيعية، مرحباً بروحهم الوطنية. لكن الوقت لم يطل، فخلال أقل من شهر وابتداء من الثامن والتاسع من ايار (مايو)، بدأت تظهر تصدّعات وشروخ مثيرة للقلق، تلاشي معها الهتاف من أفواه المتظاهرين، خصوصاً مع تدفق رجال دين من ايران، مُستغلين الفراغ في السلطة، ووجود تفاهمات جنيف السرّية بين طهران وواشنطن حول العراق، في مقدمة هؤلاء باقر الحكيم ثم محمد تقي مدرسي والشيخ الناصري. كان مدرسيّ من اكثر رجالات الدين الشيعة هوساً وهستيريا بفكرة الأغلبية الشيعية، وقد قام ـ كما سنري تالياً من سياق الأحداث ـ بتسيير تظاهرات طائفية مُبتذلة في شعاراتها ومُنحطّة في افكارها واهدافها، تركزّت علي التنديد بأهل السنُّة، من خلال شعارات لا يُفهم منها سوي ان مصيبة العراق تكمن في وجود اقلية سنيُّة . ولم يكن هذا سوي تحريف مقصود ومُمنهج لخط الكفاح ضد الإحتلال. علي الضد من ذلك لعب علماء الشيعة في الكاظمية دوراً رائعاً، ونموذجياً في توطيد الوحدة بين الطائفتين.
وممّا فاقم من درجة الذعر في بعض الأوساط السنيّة، أن التصفيات الجسدّية ضد البعثيين، أخذت طابعاً قد يُلمح الي انه من طينة طائفية لا سياسية وحسب. في الأيام التالية، ومع تراخي روح المواجهة الجدّية في المجتمع العراقي مع قوات الإحتلال، بل وظهور بوادر ترحيب واستعداد للتعاون، عبرّت عنها الأحزاب القادمة من الخارج، وفي مقدمتها الأحزاب والجماعات الشيعية، ولقيت نوعاً من الإستجابة المحدودة في اوساط سياية سنيّة، حدث تطور مفاجيء أعاد ترتيب الأولويات. لم تعد مسألة الإحتلال أو التضامن بين الطائفتين تحتل أيّ منزلة حقيقية في تفكير بعض العراقيين، وبدلاً من هذه القضايا تقدّمت مطالب وشعارات لا تتعدي نطاق التعبير عن التطلع الي تحسين ظروف الإحتلال عبر المُطالبة بصرف المرتبّات الشهرية واصلاح شبكات الكهــــــرباء وايصال الماء النقي والخدمات اليومية. في هذا الوقت كان الأمريكـــــيون منهمكون ـ علي العكس من ذلك ـ في عمليات تفكيك واسعة النطاق للدولة العراقية. وفي سياق هذه التطورات، حدث تحول مثير في الخطاب الديني والسياسي للجماعات المتنافسة في الوسط الشيعي، عبرّ عنه ببلاغة هتاف جماعي جديد هزّ اروقة ضريح الإمام علي في النجف الأشرف يوم الجمعة (20 ـ 6). لقد تدفقت حشود من عراقييّ حزام الفقر في بغداد، بأتجاه النجف، في الوقت ذاته الذي كان فيه السيّد باقر الحكيم يلقي خطابه الثاني، في المكان نفسه بعد خطاب الإستئصال، لتستمع الي الخطاب الثوري الجديد.

الخطاب التضحوي يعود من جديد

جاء الهتاف الجماعي قويّاً ومسموعاً بوضوح داخل الحوزة: (ارواحنا كلها فدا ـ للصدر وابنه مقتدي). من جديد بزغ الخطاب التضحوّي القديم نفسه، وهذه المرة ليطرح علي الجمهور الشيعي الفكرة ذاتها: تقديم تضحيات جديدة من اجل إنتصار داخلي . لقد عاد الضحايا، ليعرضوا إفتداء دمهم في سبيل الهدف الوحيد، الذي كانوا يرونه جديراً بالتضحية: إنتصار داخلي، ُيمكنّ خط الصدر الإبن ـ في الصراع علي الحوزة ـ من فرض هيمنتة علي الجمهور الشيعي. أمّا الدعوة لتقديم تضحيات من اجل الإنتصار علي الإحتلال ، فقد بدت وكأنها دعوة يتيمة لا يُعترف لها بأبٍ ولا بنصير. وبذلك تمتّ، من الناحية العملية، إعادة إنتاج للتصورات القديمة القائلة، أن السبيل الوحيد لحسم التعارضات الداخلية، هو ذلك المتمثل في سفك الدم، ايّ الإنتقال من التقشف الي الإفراط . وهذا، في الواقع، قانون قديم ظل يحكم الحياة المجتمعية في العراق، حيث ينتقل البشر، مع كل حقبة، من التقشف والشعور بالإثم بأن دماً بريئاً قد أهرق، الي الإفراط في سفك الدم، لإرواء عطش جماعاتٍ مُتطلعة الي الثأر لا الي التسامح.
بينما كان الحكيم الإبن يقول لحشود مماثلة من ابناء الشيعة، انه يضيق ذرعاً بتنصل قوات الإحتلال الأمريكي من وعودها، كان أنصار الصدر الإبن يجوبون شوارع النجف مُنددّين بالهيمنة الإيرانية علي الحوزة، في إشارة صريحة تغمز من قناة المجلس الإسلامي الأعلي، الذي يشكل من الناحية التنظيمية، جسماً ايرانياً نظراً لأغلبيته الكردية الفيلية القادمة من إيران. كان السجال المحتدم في الوسط الشيعي يدور في نطاق النزاع الداخلي الذي تمّ تصعيده علي نحوٍ يبدو معه الجمهور الشيعي وكأنه مُنشغل ـ في هذه اللحظات العصيبة ـ عن مسألة الإحتلال كلياً لصالح معارك سياسية وفقهية، كانت تحتدم وتجري داخل مجتمع الضحايا نفسه. في هذا الوقت، وفي اليوم ذاته لأحداث النجف، عقب صلاة الجمعة، كانت وسائل الإعلام والفضائيات العربية والعالمية، التي باتت تُشاهد في العراق مع تدفق أجهزة الستلايت، تنقل شريطاً مُصورّاً لفدائيين عراقيين يحملون مدافع آر. بي. جي، يعلنون ولادة جبهة الفدائيين العراقيين الوطنية، ويتوعدون، في اول بيان لهم، بقتال الأمريكيين حتي الموت. علي هذا النحو بدا لكل مراقب في العراق، أن فكرة القوة نفسها كانت تتأرجح و تنشطر الي شطرين في العراق المحتل، وفي المجتنع الذي بدا مُنقسماً علي نفسه مرة اخري: فهناك تيار يدعو الي التركيز علي حسم التعارضات الداخلية بالقوة وعبر تصيد روح الإفتداء من أجل إنتصار جماعة بعينها علي جماعات منافسة داخل الحوزة او خارجها، أيّ داخل مجتمع اللادولة الصغير والنموذجي والمُغلق بوجه الطوائف الأخري في العراق (بما انه مجتمع مواطنين شيعة كفرّوا الدولة ورفضوا الخضوع لإرادتها) مقابل: تيار آخر يدعو الي حسم التعارضات مع الإحتلال بالقوة، والي وتركيز فكرة الإفتداء في نطاق الوطن و الإسلام وليس في نطاق الطائفة. ليس دون معني ان يحدث هذا التزامن في صلاة يوم الجمعة بين الهتافين: هتاف جماعي تضحوّي من الجمهور الشيعي لإفتداء الأرواح في سبيل حسم تعارضات داخلية، قد لا تهتم بها او لاتعرف أغلبية المجتمع العراقي عنها أيّ شيء حقيقي، بينما ينشعل بها مجتمع الشيعة ويتابعها وحده، و هتاف أو خطاب تلفزيوني موجّه لكل العراقيين، بإسم فدائيين يدعون الي إفتداء الوطن بالروح والدم. كان المجتمع العراقي، في هذه اللحظة، ومرة أخري مجتمع انقسام نموذجي، ينادي بمفهومين للقوة وبفكرتين عن استخدام طاقتها علي الهيمنة.

الاستهانة بالمقاومة

وبدا واضحاً ان ضعف الروح الوطنية، وتراخي بواعث الإجماع الوطني، كانا نتاجا تلقائياً لتفتت وفساد المادة الصمغيّة التي كانت مصدر تماسك الموزاييك العراقي. لم تعد هناك قوة جذب مركزية واحدة، تتجسدّ فيها الدولة وتعبرّ عنها، وبدلاً منها حلتّ قوي جذب متنوعة وجديدة صادرة عن مجتمعات ومراكز تبدو متنافرة: سياسية وعرقية وطائفية وجهوية. وفي قلب هذا التشظي الجديد كانت تكمن روح الحرب الأهلية الشريرة، التي لطالما ذُعر العراقيون من أطيافها. ومن جديد بزغ نقاش عقيم آخر كان يفاقم من حدّة الإنقسام، فمع تصاعد عمليات المقاومة في ما بات يُعرف بالمثلث السنيّ ، وبينما كان الجمهور الشيعي يُجَرجَرُ من قبل الأحزاب ورجال الدين الي مواجهات داخلية بين ابناء الطائفة، تصاعدت بعض الأفكار والمشاعر ذات البعُد الطائفي: لقد ُترك أهل السنّة يقاتلون بمفردهم. أثارت هذه النقاشات مرة أخري الحرج والإحتجاج في الأوساط الحزبية الشيعية، التي ردّت بتصعيد الإنتقادات للإحتلال، مع التشديد علي فكرة اخري ستكون مثيرة للإنقسام أيضاً: إننا لانعرف مّن ْيكون هؤلاء الذين يقاومون، فقد يكونون من مجرمي النظام وأزلامه ومن المتضررين من سقوطه. وكانت اكثر الأفكار سُخفاً في هذا النطاق، تلك التي سَعَت الي التقليل من قيمة ايّ مقاومة والي اتهام أصحابها بالتخريب.
وسرعان ما أصبح مألوفاً رؤية المتحدثين والناطقين بإسم الإحزاب الشيعية، وهم يستخفوّن بالمقاومة ويثيرون من حولها الشُبهات. وطوال هذا الوقت، وبينما كانت البلدات والمدن والقري السنيّة في الفلوجة، والرمادي وهيت وبلد والقائم والموصل والضلوعية والمشاهدة والخالدية، وصولاً الي بغداد نفسها والي الأحياء السنية والشيعية فيها، علي حدّ سواء، مثل الأعظمية والبيّاع والدورة، تُنتهك وتُحطمّ، كانت المدن الشيعية الكبيرة والمقدّسة مثل النجف وكربلاء والكوفة تنعم بالهدوء بفضل هيمنة المجلس الإسلامي الأعلي بقيادة الحكيــــم، الذي كان يلتزم حرفياً بتفاهمات جنيف السرّية، وكانت كاميرات المصورين الأجانب مهتمة بإبراز جــــنود الإحتلال، وهم يجوبون الشوارع والأسواق في هذه المدن دون ايّ شعور بالخطر. لقد غطس مجتمع الضحايا في المغطس نفسه: اعلاء شأن التناقضات الداخلية وتفضيلها علي ايّ تناقض آخر.
ان هتافات يوم الجمعة في النجف (20 ـ 6) المدّوية والصاخبة عن إفتداء الصدر وابنه، والتي تزامنت مع ظهور جبهة الفدائيين ضد الإحتلال، كانت تجسيداً حيّاً لذلك النمط الجديد من التعارضات القديمة التي أعاد مجتمع الضحايا إنتاجها. واتضحّ مرة أخري أن إغراء القوة في هذا النوع من المجتمعات، كان غرائبيّاً وشاذاً بصورة لا توصف، وأن روح الإفتداء قد انشطرت الي شطرين.
في الواقع، لم تنل فكرة الوطنية العراقية، أيّ نصيب جدّي وحقيقي من الدراسة والتأمل في الأدبيات السياسة للإحزاب الشيعية. ومن النادر ان يعثر الباحث النزيه علي ايّ نصّ سياسي او فقهي يتناول هذا الجانب. وباستثناء بعض الدروس والمواعظ التي ُتلقي علي طلاب العلم في المدارس الدينية في النجف، ويجري التطرق فيها الي قضايا ذات طابع عمومي عن مجابهة الكفار، فإنّ النشاط السياسي للأحزاب الدينية طوال فترات العمل السرّي، وفي الخارج حيث العمل شبه العلني، اقتصر علي مسائل فضح النظام وتبيان عيبوبه الطائفية وجرائمه، ونشر الأخبار عن العمليات الفدائية ضده. علي الطرف الآخر، كانت الأحزاب العلمانية، بما فيها حزب البعث الحاكم، تعطي منظوراً للوطنية العراقية شديد الإرتباط بأحداث وبطولات حزبية . وهذا ما فعله خصومهم في الحزب الشيوعي العراقي. طوّرَ الشيوعيون ـ مثلاً ـ الذين نظروا الي انفسهم كمجتمع ضحايا صغير ومُغلق وعقائدي نظيف، خالٍ من الشوائب والعيوب المتشوّهة لنقاوة ونضارة النظرية الماركسية، هذه النظرية التي تربي الشيوعيون منذ خمسينات القرن الماضي علي النظر اليها علي انها كليّة الصّحة وحيّة علي الدوام، والتي لا سبيل الي تعديلها، مفهوماً للوطنية العراقية يقوم في ما يقوم، علي الربط بين نضال الطبقة الكادحة في سبيل تحسين شروطها الحياتية، وبين النضال من اجل الإستقلال . وفي نطاق هذه المعادلة جري تقديم مُقتصد واقتصاري للتاريخ العراقي، يصبح فيه البطل الشيوعي أي البطل القادم من مجتمع الضحايا العقائديين، هو النموذج الذي يتوجب تعميمه في ثقافة المجتمع. والمثير للإنتباه إن قائمة الشيوعيين الذين سقطوا في النضال من أجل الإستقلال طوال مراحل النضال الوطني، ومنذ تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في آذار (مارس) 1934، وحتي العام 1958 عندما سقطت الملكية، أيّ مايقل قليلاً عن ربع قرن، لا تضمّ أيّ شخصية شيوعية، ربما باستثناء مؤسسّ الحزب واثنين من قادته، اعدموا في الربع الأخير من الأربعينات، يمكن اعتبارها موضع إجماع وطني، بحيث ينظر المجتمع الي بطولتها علي انها بطولة تخصّه مباشرة. لقد ظل شهداء الحزب الشيوعي هم شهداء الحزب، ايّ شهداء مجتمع عقائدي مُغلق ونظيف، يؤمن بأفكار، هي في النهاية موضع اختلاف وتباين، ولم يُنظر الي ايٍّ منهم علي انه بطل قومي عراقي، لأن هؤلاء سقطوا في مجابهات داخلية مع النظام السياسي ولم يسقطوا في معارك من اجل الإستقلال. أليس أمراً مُثيراً ان الحركة الوطنية العراقية تملك قائمة طويلة من ضحايا وأبطال الإحتراب الداخلي، بينما لا تملك بطلاً واحداً يمكن الإجماع علية بوصفه بطلاً قومياً؟ بل لا تملك معارك يمكن ان ينظر اليها المجتمع علي انها معارك وطنية كبري . وبذلك، اخفق مجتمع الضحايا العقائديين في انتاج بطل قومي يكون موضع إجماع الأمّة، ويقوم بفضل موته البطولي، بتوحيد المجتمع المنقسم علي نفسه، بل وليشكل قوة جذب واستقطاب مجتمعيّة، تماماً كما اخفق مجتمع الضحايا العقائديين داخل الطائفة الشيعية. ولكنهما معاً، وبالرغم من ذلك، نجحا في تقديم قوافل من الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن قيم ومثُل ومباديء أحزابهم. والأمر ذاته ينطبق بسهولة وبساطة علي حزب البعث والأحزاب القومية الأخري.
حين أصبح الإستشهاد داخل الثقافة السياسية العراقية منذ عام 1934 مع تأسيس الحزب الشيوعي العراقي، ثم منذ العام 1947 مع تأسيس حزب البعث، موضوعاً حزبيّاً وعملاً بطوليّاً يخص بالدرجة الأولي مجتمع الضحايا العقائديين، الذين نذروا ارواحهم في سبيل الحزب ، فقد تلاشت، مع الوقت، أيّ إمكانية لصناعة بطل قومي عراقي يخرج من صفوف هذه المجتمعات المُنقسمة المتنافرة والمتعارضة. وفي مجتمع ٍ شديد التعلق بالبطل وبفكرة التضحية كالمجتممع العراقي، بكل ظلالها الطقوسيّة وأُبهة رموزها الفروسية، فإن غياب البطل القومي أيّ الرمز الوطني الحيّ، الذي يشدّ طرفي المجتمع اليه، ويكون هو المادة الصمغية التي يتماسك بفضلها الموزاييك الإثني والطائفي والعقائدي، بات يتمثل ـ في بعض اشكال تجلياته ـ كغياب لعنصر حاسم من عناصر الإجماع الوطني. ويبدو ان العراقيين ادركوا بالغريزة، وبإستمرار، حاجتهم الي بطل قومي حقيقي يُجمعون علي بطولته ، وهذا ما تعكسه بدقة سلسلة من الأدبيات السياسية والأعمال والنشاطات أيضاً، والتي هدفت الي تحويل انتحار رئيس الوزراء عبد المحسن السعدون احتجاجاً، علي اتهامه بالتعاون مع الإنجليز، الي استشهاد في سبيل الوطن، كما تمّ، علي نحو ما، تصعيد شعري وبطولي لشيوخ عشائر سقطوا في المجابهات مع القوات البريطانية عام 1920 ـ مع ان فكرة الإستقلال لم تكن قط من بين أهداف الشهداء الذين ضحوّا بأرواحهم بشجاعة ـ وفي موازاة ذلك استمرت عمليات استثمار سياسي واسع ولكن من دون جدوي احياناً، للبطولات والمآثر الحزبية، بهدف تسويقها داخل المجتمع كبطولات وطنية . ومع ذلك لم تهفو قلوب العراقيين ولم يتعلقوا بمثال بطولي واحد، فلم يصبح فهد مؤسس الحزب الشيوعي العراقي بطلاً قومياً برغم كل المحاولات اليائسة وأطنان من المقالات والدراسات العقائدية، مثلما لم يصبح يونس السبعاوي العروبي بطلاً قومياً بالرغم من كل محاولات البعثيين والقوميين، الصبورة والمثابرة، لتفسير الإلتباس المأسوّي في حياته السياسية، أو نفي التهمة الزائفة عن صلته بالنازية. كانت قلوب العراقيين شتي، وهم ينظرون الي الأبطال الذين تقدّمهم مجتمعات الضحايا .

العودة للخزان القديم وقد غاب البطل القومي

ولهذا عاد المجتمع، مع غياب البطل القومي ، الي الخزّان الثقافي القديم، ليسترّد صور الأبطال القدامي. بيد ان ايّاً من الصور التي روجتّها الأحزاب والجماعات الدينية ورجال الفكر والثقافة وكتّاب التاريخ، لم تجد هويً يُذكر، حتي صور أبطال الفتوحات الإسلامية مثل خالد بن الوليد او سعد بن ابي وقاص، الذين جري التركيز عليهم في الخطاب القومي ـ البعثي، بهدف تصعيد مشاعر القوة و بعث أمجاد العرب وخلق بطل قومي، بدت يتيمة لا يعبأ بها شطر من المجتمع، مُتلهف الي رؤية بطل قومي حقيقي ومن طينة اخري. بل ان غالبية من العراقيين الشيعة، لربما نفرت من تعظيم هذه الشخصيات الإسلامية، ونظرت اليها علي انها صور بعثية وسنيّة. علي هذا النحو عاش الأبطال الذين استرّدهم قسم من المجتمع العراقي، وكأنهم بُعثوا وسط جمهور مُنقسم علي نفسه، ولا يبدو مُستعدّاً لإحياء وبعث بطولاتهم أو تمجيدها والتماهي معها. لم تكن سائر الصور البطولية لتستهوي العراقيــــــين، ولذا انقســـمت وانشطرت صور الأبطال القدامي في مجتمع الإنقسام.
وحدها صورة البطل المأسوّي، أيّ البطل الذي يذهب الي حتفه طائعاً، مُستسلماً الي قدره، هي التي كانت تناسب مجتمعاً، بدا انه غير موحدّ حتي علي صعيد فكرته عن البطل القومي المطلوب. وحدها صورة البطل الذي يتمناه المجتمع، يطلبها ويرغب بها، حيث يسقط مُضمخّاً بالدم، وحيداً ومستوحشاً في العراء ومُحاطاً بالقتلة، أو ُتسبي أسرته فتؤخذ اسيرة قبل أن ُتساق الي بلاط الحاكم الظالم ، هي التي كانت وطوال الوقت، الصورة الأكثر إنسجاماً وتوافقــاً مع الثقافة الراسبة والمستمرة في المجتمع. وكانت هذه بإمتياز هي الصورة الرائجة في الثقافة الشيعية عن مأساة الحسين، والتي طغت علي ما عداها من الصور البطولية المأسوّية. أضحت صورة الحسين، حتي خارج الجماعة الشيعية جزئياً، قابلة للتحول مع كل حدث هلعي الي صورة نموذجية.
لا تخلو الحقيقية التالية من قيمة، ومن إثارة للحرج والإستياء ايضاً، ومع هذا يتعين لفت الأنظار اليها: ان المجتمع العراقي ـ باستمرار ـ كان مجتمعاً خالياً تماماً من الأبطال القوميين، ايّ من العنصر الحاسم في الإجماع الوطني علي المستوي الثقافي والنفسي في مجتمع شديد التعالق بفــــكرة البطل الماسويّ. حتي المحاولات اليائسة للإستعانة بالخزّان الثقافي، لإسترداد صور بديلة، انتهت ـ في آخر المطاف ـ الي انتاج صور نمطية عن ابطال ينتسبون الي طائفة بعينها، وابتعدت عن امكانية تحولها الي مصدر اجماع. في مجتمعٍ من هذا النوع، مؤلف من موزاييك شديد الغني والثراء الثقافي، ويصعب فيه تحقيق اجماع علي بطل قومي من الماضي او من الحاضر، فإن الوطنية عند العراقيين كانت تتراخي مع الوقت وتضعف، ويصيبها الوهن والتشّوش، لا في اوساط السياسيين وانما كذلك في اوساط المثقفين
.

القدس العربي