من أيقظ علي بابا ؟.. النهب الإستعماري وعقلية الفرهود العراقي في زمن الإحتلال

الحلقة الخامسة

 

بقلم فاضل الربيعي

 

(بمقدار ما تبدو تمردات العراقيين مُفرطة كان الخضوع والإستخذاء امام الهيمنة مفرطا بنفس الدرجة
العراقي بطبيعته لا يكل ولا يمل عن النواح علي الاطلال.. وبسقوط بغداد وسيادة الاحتلال لم يعد الماضي مهم)      فاضل الربيعي
 
(في هذا الكتاب يقدم الكاتب دراسة في الواقع العراقي تحت الاحتلال، تحاول البحث في بني الدولة العراقية التقليدية، العشيرة والحزب والطائفة، ولكنها تريد دراستها وتسليط الضوء عليها ضمن منظور ما حدث ويحدث في عراق اليوم. تبدأ الدراسة التي يقدمها الباحث العراقي فاضل الربيعي، بسؤال يتمحور حول السبب الذي ادي الي تحول العراق اليوم لمجتمعين، مهادنة الجنوب/ الشيعة ومجتمع مقاومة، في ما صار يطلق عليه بـ المثلث السني .
وهنا يحلل الكاتب المواقف والفتاوي داخل الحزب والطائفة الشيعية، حيث يؤكد ان قرار المقاومة في مناطق السنة اتخذ علي الارض، فيما انتظر المجتمع الشيعي في الجنوب فتاوي المرجعيات التي حاولت استخدام الفتاوي للتغطية علي حرجها من التعاون مع الاحتلال. القراءة هذه لافتة، لانها تقدم تحليلا جديدا للعلاقات المتشابكة في السياق العراقي وتحاول الابتعاد عن التبسيطات التي وقعت فيها المعارضة العراقية القادمة من الخارج وبحماية الدبابات الامريكية، وهي جديرة بالانتباه لانها تقدم صورة تتجاوز وضع الذهول والصدمة الذي وقع فيه العراقيون بعد سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس وسط بغداد، بداية نيسان (ابريل) من العام الحالي. انها دراسة في بنيات المجتمع التقليدي، او ما يطلق عليه الباحث هنا بنيات مجتمع اللادولة الشيعي خاصة، ودراسة في ادبيات الخطاب، وخطاب مجموعات شيعية والذي يذكر بخطاب مشايخ الازهر الذين اجتمعوا لقراءة البخاري لرد الحملة الفرنسية عن مصر.)  القدس العربي

 

ما هي الوطنية العراقية؟

وفي الأيام القليلة التي سبقت الغزو الأمريكي شهدت صحف المعارضة العراقية ـ ولاتزال حتي بعد مرور ثلاثة اشهرمن الإحتلال ـ سجالاً عقيماً عن معني الوطنية . يسخر ابراهيم احمد ـ وهو من كتاب القصة في العراق، في مقال شديد السطحية نشره في صحيفة المؤتمر ـ 13 ـ 30 ايار ( مايو): 2003، لا من دعاة الوطنية في الوسط العراقي، وإنما كذلك من زمرة عرفات : (إنهم اميّون في الوطنية وعرب مستعربة) جاءوا (ليعلموا العراقي الوطنية وليعيدوا عليه برامج اذاعة صوت العرب).هذه الاشارة الغاضبة المُتعالية والجوفاء، والتي تختزل شعباً بأكمله الي زمرة ليس القصد منها تجنب توجيه الشتيمة المباشرة للفلسطينيين، وحسب، وإنما الإستخفاف بهم. يزعق ابراهيم احمد في هذا المقال، بلسان وصوت النخبة الثقافية العراقية، التي ظلت تكررّ هذا الهراء دون خجل، بأن الفلسطينيين وعبر تشجيعهم وتأييدهم للرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، إنما جعلوا من انفسهم في (موقع المعادي للشعب العراقي) حسب العبارة الرائجة هذه الأيام.
وهذه الجملة كانت تُسمع بأشكال مختلفة منذ وقت طويل، إذ يُنظر للفلسطينيين في الخطاب السياسي العراقي المعارض، منذ ما يزيد عن عشر سنوات، علي نحو يتجلي معه نوع مرضي من العداء، الذي يحوّل شعباً بأكمله الي شعب عدوّ . وهذا ما اتضحّ بجلاء مع عمليات طرد الأسر الفلسطينية من منازلها ورميها في الشارع. هؤلاء، إذن، لسوا اكثر من زمرة عرفاتية وليسوا شعباً، وهم فوق هذا أميّون بل وليسوا عرباً في الأصل. إنهم عرب مُستعربة . ومن أجل فضح أهداف هذه الزمرة، و تبيان اميّة الذين يدعون الي الوطنية لابد للكاتب من استهلال مناسب. ما الوطنية؟ يتساءل ابراهيم احمد. لقد اكتشف بنفسه، بعد ثلاثة عقود من العمل الحزبي كشيوعي مخلص في مجتمع ضحايا عقائديين، أن الأمريكيين هم صنّاع الحرّية، وان حرب تحرير العراق ضرورية للإندماج بالعالم الحرّ .
وفي مقال سابق نشره في الصحيفة ذاتها، اعلن أحمد مبنهجاً بوقاحة، أنه أيد علناً ويؤيد اليوم ايضاً مبررات بوش لشن الحرب. امّا في مقاله الذي نناقشه هنا، فقد وردت فقرات ضافية مكرّسة للتنديد بالمظاهرات، التي خرجت في العالم كله للتنديد بالحرب القذرة. انها مظاهرات اشخاص يتسمّون بالطيبة المفرطة والسذاجة، ولكنها مع ذلك لا تخلو من ايادي مشبوهة. يكتب ابراهيم احمد بافتراء لا حدود له ـ يمكن ان يُحيله الي القضاء السويدي ببساطة ـ ما يلي: (ثمة تقديرات تتحدث عن عشرة مليون جنيه استرليني كلفة مظاهرة متوسطة الحجم في شوارع لندن من اجور سفر وطعام واقامة ولافتات ورسوم يدفع تكاليفها مراكز عملاء النظام والدول والشركات المستفيدة منه). هذه الإشارات الرخيصة والمُريعة في دلالاتها، والتي تغمز من قناة الملايين من الطيبين والأبرياء حسب توصيف الكاتب، فضلاً عن كونها تغمز من قناة النائب العمالي البريطاني جورج غالوي، الذي اعتذرت له صحيفة كريستيان ساينس مونيتر ، بسسب الوثائق التي نشرتها عنه وتتهمه بتلقي أموال من صدام حسين، ثم تبين انها وثائق مزورة روجتها وكالة الإستخبارات الأمريكية وجماعة احمد الجلبي، هي تجسيد حقيقي للأسلوب الدعائي المّبتذل، الذي يستهوي الوسط السياسي والثقافي العراقي، والقائم علي التهم الجاهزة والأكاذيب، بل والوقاحة الممزوجة بقدرة شاذة علي الإفتراء وتصنيع الوقائع.انتقل ابراهيم احمد، فجأة، وبفضل حرب التحرير الجديدة، التي خلبت لبُه بأهدافها الطيبة والنظيفة الخالية من ايّ اطماع إمبريالية، من عصر الشيوعية وعقود النضال ضد الحروب الإستعمارية القذرة وعصر معاداة الإمبريالية، الي عصر التمجيد العلني الهستيري للحرب. ها هنا حرب طيبة تختلف كل الإختلاف عن الحروب الإمبريالية. ومع ان التعريف القانوني الذي حرص الأمريكيون علي تقديمة الي مجلس الأمن، ينصّ صراحة وبكل وضوح، علي ان وضعية القوات هي قوات احتلال فإن الكاتب الشيوعي السابق، الإبن المخلص لمجتمع الضحايا العقائديين، لايزال يتحرج من استخدام كلمة احتلال ويفضل بدلاً منها كلمة تحرير .
ان الوطنية التي يتساءل احمد بمرارة عنها وتؤرقه ليل نهار بحيث: (أظل اسأل نفسي ماهي الوطنية حقاً؟ أهي التصاق جامد متحجرّ بمفاهيم لم تنبت من التراب والماء؟) هي ببساطة، وكما يراها الكاتب: (فهم عميق متفجرّ قادر علي إختراق قشرة الوطن). ولأن ابراهيم أحمد يفضل العيش في وطن أمكن ـ أخيراً ـ نزع قشرته، بالفعل، بواسطة حرب إمبريالية جديدة، فإنه لم يُفاجأ بأنّ شدّة وقسوة النزع العنيف للقشرة، قد تسببت في حدوث قدر فظيع من الإلم، وذلك حين نفذ مبضع الجرّاح الأمريكي الي قلب المدينة الجميلة والهادئة التي ولد فيها ابراهيم احمد: هيت، الطرف الناتيء من المثلث السنيّ في الشمال الغربي، حيث داهم جنود الإحتلال منازل المواطنين وسرقوا نقودهم وحليهم وقاموا بتدمير كل شيء، علي الطريقة الإسرائيلية تماماً في رام الله او جنين. لقد كانوا هناك، في هيت، من اجل نزع القشرة عن الوطن .

انحطاط الثقافة العراقية

كمثقف شديد التعلق بمدينته الجميلة، وكحزبي شديد الإنضباط يتغنيّ بأمجادها وطيبة ووطنية سكانها، عاش الكاتب سنوات طويلة في المنفي، مُعذباً بأطيافها وغير قادر علي نسيان ذكرياته هناك، في وطنه الصغير الذي لم تُنزع قشرته بعد.كمثقف بهذه المزايا ُعرف أحمد في الوسط الثقافي العراقي بإلتزامه الشديد والحميمي، بتعاليم الحزب الشيوعي وشدة كراهيته للأمريكيين، ولكن هيت تبدو اليوم مثيرة للإزعاج. انها مدينة تُحرج ابنها الذي تحوّل والتحق بالعصر الإمبريالي، بينما ظلت هي متسكة بالثوابت الصمّاء والمُتحجرّة عن الوطنية، بل وتتمّنع إزاء محاولات الأمريكيين الطيبين لتحويلها الي واحة ديمقراطية من اجل ان يعود اليها ابنها الكاتب. لقد عبروا الأطلسي من اجله ومن اجل نزع قشرة الوطن الصغير. (في مقال آخر كتب ابراهيم احمد، منددّاً بهجمات المجرمين البعثيين علي قوات التحالف، الذين كانوا يدمرّون هيت ويسببّون الذُعر للمدنيين الأبرياء فيها من دون أي اشارة الي ممارسات الأمريكيين المهينة ومعاملتهم الوحشية للمدنيين العُزل في هيت). اليوم يستخف الكاتب بنقاد الحرب، أنهم اميون و ساذجون ويتعين عليه ان يشجب اميتهم ويقدم لهم ـ بدلاً من نقدهم الساذج للحرب، فهماً عميقاً وجذريّاً للوطنية غير الجامدة، وغير الصمّاء والمُتحجرّة. ايّ فهماً يتماهي مع الفهم الأمريكي للحرب: انها ببساطة حرب نظيفة من اجل اهداف نظيفة غايتها النهائية نزع قشرة وطن يعيش فيه آخرون لايقدّرون قيمة التخلص من القشور. ومن اجل هذا الفهم العميق للوطنية، الذي يعدنا فيه كاتب فضلّ ان يجد نفسه ـ اخيراً ـ جندياً في كتيبة هجوم امريكية، سوف يكتب ما يلي:
إن الحديث عن اُسسّ ومُنطلقات حرب الحلفاء للإطاحة بنظام صدام حسين مهم جداً بل هوفي غاية الخطورة للإستقرار في المستقبل.إ ذ علي حصيلة جدله ونقاشاته المريرة يرتكز تفهمّ وقناعة الملايين من الناس وقرارهم في عدم الدخول في صرعات وحروب جديدة مع من سيعتقدون انهم محررون او محتلون لفترة طويلة او قصيرة بينما يمكن ان يُحلّ الأمر علي اسس ان مساعدة هؤلاء كانت ضرورية وتستحق الشكر والتقدير .
بصرف النظر عن ركاكة النصّ ولغته الرثة، ووعيه السطحي للأمور أيضاً، فإن الطريقة التي يُحلل فيها كاتب عراقي أمضي أكثر من ثلاثة عقود من عمره في الصحافة والعمل السياسي، بعض قضايا الوطنية العميقة المطلوبة، ومسائل اخري تخصّ الإحتلال والموقف من زمرة عرفات تبدو بحدّ ذاتها موضوعاً للتأمل في درجة الإنحطاط المُخزي الذي بلغه وعي النخبة الثقافية والسياسية في العراق. فالوطنية الحقة هي تقديم الشكر والإمتنان للمحتلين، والفهم العميق للوطنية هو قناعة الملايين من العراقيين بعدم مجابهة المحتلين. علي الجميع ان يعتقدوا ويقتنعوا ان مسألة الإحتلال قابلة للحل ببساطة: ان مساعدة هؤلاء كانت ضرورية وتستحق الشكر والتقدير. يؤكد هذا النموذج علي الحقيقة التالية: ان الوطنية في مجتمع الإنقسام في العراق، هي في الجوهر خلاصة وعي الفرد لنفسه وهويته، وهذه لا صلة لها بالقسِمة المذهبية السائدة. ان الأفراد ـ في التاريخ ـ لا يخونون او يصبحون متعصبين لوطنيتهم بسبب انتمائهم العرقي او الطائفي، بل بسبب وعيهم لأنفسهم، وقدرتهم علي التأمل في المرآة ذاتها، وفي مياه النهر ذاته، حين يُصادفون اشباههم يتهادون في المراكب.إن التفسير الطائفي لتاريخ العراق الإجتماعي والسياسي، والذي يبدو اليوم بضاعة رائجة، تفسير فاسد ولا معني له، فالمواقف لا تتحددّ بفضل الإنتساب الي الهوّيات المذهبية بل بفضل وعي الأفراد والجماعات للأدوار الحقيقية المُتعينّة في الواقع. ومن غير ادني شك، فإن رؤية الواقع كما هو، تتطلب نزاهة عالية وترفعاً عن استخدام الحساسيات الثقافية بطريقة مشوّهة او مزورة.
علي غرار نموذج ابراهيم احمد، الآنف، يعج ّ الوسط الثقافي العراقي، نعني: مثقفي مجتمعات الضحايا العقائديين الذين ينوحون ليل نهار، علي وطن لم تُنزع قشرته بعد ، بكتّاب يتلذذّون في كتاباتهم بكل التعابير، التي تشي بإنعدام أي أثر للحّسٍ الوطني حتي في صوره الغريزية. انهم علي غرار الكاتب لا يفكرون بأيّ أمر آخر سوي نزع قشرة الوطن مهما كلف الثمن. ان الطاعة والخضوع للقويّ، والإستخذاء أمام قوة الهيمنة الخارجية، ليست امراً عابراً في التاريخ الثقافي والإجتماعي والسياسي في العراق، كما انها ليست غريبة عن مجتمعات الضحايا في العراق، بل هي في صلب الأثر الذي يُخلفه احساس الضحية بأنها تحيا وتموت كضحية، وأن امتيازها الوحيد ومصدر قوتها، يكمنان في انها تُعامل كضحية. وكما ان التمرد صفة موازية من صفات هذا النوع من المجتمعات، فقد تعايش في التاريخ الإجتماعي والسياسي في العراق القديم والحديث، نمطان متناقضان من النزوع الي الطاعة والتمرد في الآن ذاته.
بمقدار ما تبدو تمردات العراقيين مُفرطة ومبًالغ بها، فقد كان الخضوع والإستحذاء امام الهيمنة مُفرطاً ومبُالغ به ايضا. وهذه مسألة لطالما شغلت وحيّرت الكتاب، من دون ان ينتبهوا الي انها ذات صلة حميمة بذلك النمط الإستثنائي من المُغالاة في الشخصية العراقية. تروي احدي الحكايات من العصر الأموي أن عراقياً كان يعيش في الشام أثناء بناء مسجد دمشق الجامع الأموي عندما صدر امر الخليفة لرعيته بان يساهموا في البناء. طلب الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك ان يحمل كل رجل حجراً واحداً. ولكنه فوجيء وهو يتفقدّ أعمال البناء ان احد الرجال كان ينوء بحمل حجرين ثقيلين، فاستدعاه وسأله: من أين انت يا أخا العرب؟ قال الرجل: أنا من العراق يا مولاي. وعنئذٍ قال الخليفة مُتحسرَّاً: أهٍ يا أهل العراق تبالغون حتي في الطاعة؟

من القوة الي الخضوع

في مجتمع الضحايا الذين انتسبوا الي مجتمع خاص بهم، يتمكنون فيه من ابراز امتيازهم الوحيد في مواجهة الآخرين، ايّ امتياز كونهم ضحايا دفعوا ثمناً مُكلفاً، ترددّ الآخرون او تخاذلوا عن تسديده، ثمة نوع خفي من الخضوع . إنه الخضوع الذي يتقنّع ويتنكرّ في هيئة تمنّع ورفض وربما احتجاج علني. إن الخضوع والتظاهر بالضعف هما ايضاً من اسلحة الضحية، التي تجابه بها كل حدث هلعي يُعيد تذكيرها بالثمن الذي سددّته. حتي الأبطال في التاريخ الأدبي، يتظاهرون بالضعف، وربما يُبدون قدراً من الإستعداد للخضوع، حين يجدون ان حياتهم باتت مُهددّة بالفعل. إذا ما قمنا بتحليل الوقائع اليومية التي رافقت سقوط بغداد، وراقبنا سلوك الجماعات والأفراد والطبقات، ورأينا الي الحدث بوصفه حدثا هلعياً، فسوف يكون بوسعنا رؤية مجتمع الضحايا علي حقيقته. لقد كان أمراً لافتاً ان قوات الإحتلال الأمريكية لجأت الي تقديم استمارات الطاعة لموظفي الدولة في الحلة، والتي اشترطت فيها توقيع كل موظف راغب في البقاء في ظيفته، علي وثيقة يتعهد فيها بالطاعة وعمليا: إعلان خضوعه.
ما الذي أغري الإحتلال علي التفكير بهذا النوع من الإستمارات؟. لابد ان هذا التصرف يعكس فهماً، من نوع ما، للحالة التي كان عليها الجمهور العراقي في لحظة تفكيك الدولة؟ فجأة تشكلّ مجتمع ضحايا جديد، غالبية أفراده من موظفين وعمال خدمات ومهندسين واطباء واساتذة جامعات، كانوا حتي وقت قصير سابق، جزء من مجتمع دولة قويّة وغنيّة، دمجتهم في آلتها الإقتصادية والسياسية.
ولكنهم ـ الآن ـ ومع سقوط بلادهم تحت الإحتلال، صاروا، فجأة، في عداد مجتمع آخر يجمعهم مع آخرين من أمثالهم أي آخرين يشبهونهم. وكما في حكاية الف ليلة وليلة حين شاهد هارون الرشيد مركباً في النهر، يجلس فيه رجل شبيه، فظن انه هو نفسه في المركبين، وفي الآن ذاته، وتساءل مُندهشاً، عما إذا كان هذا الشبيه هو نفسه الخليفة؟ فإن الضحايا وجدوا انفسهم في المركب المُحطمّ وقد أصبحوا مُتماثلين، يشبهون بعضهم بعضاً. لقد زالت الفوارق بين الضحايا ولم يعد ثمة ما يمكن اعتباره السلاح السرّي، الذي كان يُمكنّهم من الحصول علي امتياز التفرّد.
علي مبعدة 120 كم الي الشمال، كانت العاصمة بغداد تضجّ بتظاهرات الجنود والضباط المُسرّحين من الخدمة. لقد تشكل مجتمع ضحايا آخر، ناهز عدد افراده نصف المليون، وهؤلاء جميعاً، وجدوا أنفسهم في قلب صورة أثيرة وراسبة في الثقافة الشعبية هي صورة الضحايا. أمّا الي أقصي الجنوب، في البصرة، فقد تشكلت مجتمعات ضحايا أصغر وأقل توتراً، غالبية أفرادها من موظفي الإدارة المحلية والمؤسسات الخدمية والتعليمية والصحّية. لم يكن هناك ما يوّحد كل هذه المجتمعات المذعورة، لا العشيرة ولا الحزب ولا الحوزة ولا الأفكار.
كانت كل جماعة وربما كل فرد، ُيقاتل في خندقه وحيداً ومعزولاً عن الجماعات الأخري، ولكن من أجل هدف واحد: أن لا يمكث وقتاً أطول داخل المجتمع الجديد مجتمع الضحايا الذي أنشأه الإحتلال. علي هذا النحو، حطمّ الإحتلال فكرة الضحية عن نفسها ودفع بها الي الشعور بأن هذه الفكرة مُدمرّة، وانها يجب ان تتخلص منها. في هذا الوقت بدأت علائم التخلص من شعور الضحية هذا، المقيت والمحطمّ للآمال، واخذت تنطلق افكار وشعارات تدعو الي المقاومة. كانت فكرة المقاومة تلوح كبشير خلاص من ربقة الإحساس المُذل بان المرء محكوم عليه بالعيش داخل امتيازه الخيالي كضحية. وهنا تكمن اهمية وخطورة التحول، الذي بدأت ملامحه بالتشكل في هذه الآونة. قبل هذا الوقت بقليل، وقبيل توزيع استمارات الطاعة في محافظة الحلة، بدا ان العراقيين كانوا يتقبلون الصورة التي رسمها لهم الإحتلال، حين راحوا يركزون علي أهداف مطلبية، لا تتعدي في النهاية، حدود صرف المرتبّات أو ايجاد فرص عمل جديدة. وعملياً ستؤدي الإستجابة لهذه المطالب الي تحسين شروط الإحتلال، وتحسين شروط تقبله. وفي هذا المنحي من السلوك تجلت ـ مرة أخري ـ طبيعة المأساة العراقية، حين دخل العراق ـ المُغيّب ـ فعلياً الطور التالي من التفكيك: تمزيق المجتمع، بعد محو الدولة. لقد عاد العراق بعد محوه، الي طور سابق علي الدولة والمجتمع في آن معاً، فبعد تفكيك الدولة، جري هتكّ منظم للنسيج الإجتماعي، وتمزيق خسيس للروابط والتقاليد والثقافة في المجتمع، الذي تمّ تحويله عملياً الي مجتمعات صغيرة تعجّ بالضحايا. فمن أقصي الجنوب في البصرة مروراً بمحافظات الفرات الأوسط وصولاً الي بغداد، لم يكن بوسع المرء رؤية كيان مجتمعيّ موحدّ وتقليدي، بل سلسلة من الكيانات المعزولة او شبه المعزولة، الغارقة في هموم سابقة علي نشوء الدولة، بل وهموم ما قبل مجتمعية مثل هموم البحث عن وقود وطعام وأجر ودواء.
لم يكن العراقيون في أيّ وقت، لا تحت الإحتلال المغولي، ولا تحت الإحتلال الإيراني فالتركي ثم البريطاني، كياناً ممُزقاً ومجتمعاً ضائعاً، كما هو الحال مع الإحتلال الأمريكي ـ البريطاني. ومع ذلك لم ينشأ أي حوار مجتمعي في هذا الوقت بين النخب السياسية والثقافية والمجتمع، ولم يحدث أيّ اتصال حقيقي للأحزاب والمثقفين والجماعات المّنظمّة الأخري، بما فيها الإسلامية، مع بعضها البعض، فالندوات السياسية والمؤتمرات، كانت مُكرّسة للثرثرة السياسية و النواح علي ضحايا النظام السابق.
حتي ان جمهور الندوة التلفزيونية التي عقدتها قناة ابوظبي ـ بعد نحو شهر من سقوط بغداد ـ وجمعت فيها طلاب الجامعات والموظفين والعسكريين السابقين والنساء، مع قادة الأحزاب القادمة من الخارج، قال بما يشبه الإجماع: لقد مللنا سماع الحديث عن الماضي وجرائم النظام، وما نريده هو التعرّف علي رأي النخبة السياسية والفكرية بما يجري، ومعرفة تصوراتها للمستقبل؟
منذ التاسع من نيسان (ابريل) وحتي العاشر من حزيران (يونيو)، وطوال تلك الأيام الحزينة، سار المجتمع العرافي بأسره، نحو المجهول وقد عُصبت عيناه، ولم يكن لدي النخبة السياسية والفكرية العراقية ايّ جواب او تصوّر. لقد كانت هي الأخري في قلب الذهول والصدمة تمضي في طريق الحل العنيف الذي دعمته وايدته الي النهاية. وفي بعض الحالات النادرة إكتشف سياسيون عراقيون عادوا مع قوات الإحتلال، وعلي استحياء، انهم كانوا ضحية خُدعة وتلاعب، وأنهم ُاستُغلوا في مشروع امبريالي جديد وطموح يتخطيّ احلامهم الشخصية في الإستيلاء علي السلطة.إن الإنشداد الي الماضي والإنغماس فيه، والذي تنبّه اليه جمهور الندوة التلفزيونية، يجسّد، علي أكمل وجه، ذلك الجزء غير المنظور في الشخصية العراقية، نعني الثقافية البكائية العراقية القديمة والراسبة، والتي استيقظت علي دوّي الزلزال. وهذا ما يُفسرّ لنا السبب الحقيقي وراء استمرار ثقافة النواح السياسي علي جرائم النظام حتي بعد زواله، والإنصراف عن مجابهة الأسئلة المحرجة بشأن ما يجري وحدوده ونهايته المحتملة، بإعادة ضخ صورجديدة من الجرائم التي يعرفها المجتمع أصلاً، وعاشها لحظة بلحظة، بل والانشغال في الترويج لها داخل مجتمع، سبق له وان تبادل قصصاً عجائبية عنها. وفيما كان المجتمع بأسره، المُمَزق والمُرتدّ بالقوة، الي طور ما قبل مجتمعي، يتطلع الي مساعدة النخب السياسية والثقافية، للخروج من أسر مجتمعات الضحايا الجديدة، التي نجمت عن إجراءات الإحتلال، والي مبادراتها أيضاً علي صعيد رسم تصورات قابلة للتصديق، عن المستقبل والحلول والمخارج العاجلة، كان النشيج الجماعي للسياسيين المُنتحبين يُسمع في الخارج.

البكاء الدائم علي الاطلال

ان الشخصية العراقية بطبيعتها لا تكلّ ولا تمل من النواح علي الماضي ومن اجترار الحديث عن فاجعتها و مأساتها الإستثنائية والفريدة، والمُفارقة لكل مأساة او فاجعة اخري في التاريخ والعالم، وهذا ما نراه بوضوح مع تضخيم جرائم النظام في الأدب السياسي العراقي المُعارض، حيث يختلط، غالباً، الواقع بالخيال. انها نخبة قادرة علي اكتشاف امتيازها هنا ايضاً، في اظهار تفرّدها المأسوّي لا الحضاري، الذي طالما تغنتّ به. بيد ان ثقافة النواح السياسي هذه، كانت تلعب حينئذٍ، دور ثقافة حجب للواقع، تمويه وتغطية علي مأساة أكثر عنفاً هي مأساة الإحتلال. ومع طغيان النواح السياسي الجماعي، في احاديث العراقيين، وفي ادبيات الأحزاب السياسية العائدة من الخارج، وهذا ما قامت قوات الإحتلال بتصعيده، عبر الإعلان عن المقابر الجماعية، تراجع الي مؤخرة المسرح كل حديث عن المستقبل: مستقبل الدولة التي تمّ تفكيكها، ومستقبل المجتمع الذي تمّ تخريب نسيجه الإجتماعي. علي هذا النحو تعالي البكاء الجماعي عند الشواهد المأسوية، وطغي علي كل ما عداه من قضايا مُلحّة أخري، بما فيها التفكير الجدّي بالوسائل والسبل الكفيلة بإخراج المجتمع من المأزق. ولكن، ومع سقوط بغداد وتزايد مهانات الإحتلال وظهور الوجه الحقيقي للتحرير لم يعد الماضي مهماً، بالنسبة للعراقيين البسطاء المطحونين والمفجوعين بوقوع بلادهم تحت الإحتلال، بل المذعورين من خنوعهم وإضطرارهم الي تقبّل قيام جنود الإحتلال، بتحسسّ اجساد نسائهم عند التفتيش علي الحواجز ـ وهي مسألة شدية الحساسية وغير مسبوقة ـ لم يعد الماضي برمته مهماً، لأنهم كانوا يتحرّقون لسماع تصورات قابلة للتصديق عن مستقبل بلادهم، التي ُأمحيت من الخريطة، وعن حياتهم التي باتت معّلقة في السماء. وتبيّن ان اكثر ما يُشغلهم هو توقع حدوث المعجزة، التي سوف تنتشلهم من عذاب المجهول. في هذا الوقت وتحديداً في ظهيرة الثالث والعشرين من حزيران (يونيو)، بادر طلبة جامعة بغداد للعلوم السياسية، الي أخذ زمام مبادرة هامة، سيكون من شأنها ان تُعيد طرح المسائل المُلحة للنقاش. هذه المرة لم تكن هناك روح مطلبية . وعلي خلاف ماهو متوقع، ركزّ الطلاب الذين اقتحموا اجتماعاً في منطقة الجادرية كان يعقده نائب الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر، مع شخصيات عراقية واساتذة جامعات، علي حسم مسألة الدستور التي وضعها الأمريكيون في عهدة يهودي من اصول عراقية بعيدة. كان احتجاج طلاب جامعة بغداد عنيفاً من المنظور السياسي الأمريكي، إذ عبرّوا عن رفض قاطع لأيّ محاولة لوضع مسألة صياغة الدستور في يد يهودي اسرائيلي ـ امريكي. هذه هي المرّة الأولي التي يجري فيها طرح موضوع الدستور العراقي الجديد، كمادة من مواد الصراع السياسي العلني والمكشوف مع الإحتلال، ولكنها لم تكن المرة الوحيدة التي تحضر فيها اسرائيل كقوة هيمنة مُستترة. كان حضور اسرائيل قويّاً ومثيراً في العراق المحتل، قد يبدأ بمسألة الدستور ولا ينتهي عند شراء العقارات في الموصل وبغداد.

القدس العربي