من أيقظ علي بابا ؟.. النهب الإستعماري وعقلية الفرهود العراقي في زمن الإحتلال

الحلقة السادسة

 

بقلم فاضل الربيعي

 

(ضرب انابيب النفط تذكير بأن النفط العراقي لن يذهب الي اسرائيل بالسرعة التي تمناها الاسرائيليون
في المجر الكبير... اكثر ما اثار الشعور بالعار دخول البريطانيين غرف نوم النساء وانكشافهن علي الغرباء)

فاضل الربيعي
(في هذا الكتاب يقدم الكاتب دراسة في الواقع العراقي تحت الاحتلال، تحاول البحث في بني الدولة العراقية التقليدية، العشيرة والحزب والطائفة، ولكنها تريد دراستها وتسليط الضوء عليها ضمن منظور ما حدث ويحدث في عراق اليوم. تبدأ الدراسة التي يقدمها الباحث العراقي فاضل الربيعي، بسؤال يتمحور حول السبب الذي ادي الي تحول العراق اليوم لمجتمعين، مهادنة الجنوب/ الشيعة ومجتمع مقاومة، في ما صار يطلق عليه بـ المثلث السني .
وهنا يحلل الكاتب المواقف والفتاوي داخل الحزب والطائفة الشيعية، حيث يؤكد ان قرار المقاومة في مناطق السنة اتخذ علي الارض، فيما انتظر المجتمع الشيعي في الجنوب فتاوي المرجعيات التي حاولت استخدام الفتاوي للتغطية علي حرجها من التعاون مع الاحتلال. القراءة هذه لافتة، لانها تقدم تحليلا جديدا للعلاقات المتشابكة في السياق العراقي وتحاول الابتعاد عن التبسيطات التي وقعت فيها المعارضة العراقية القادمة من الخارج وبحماية الدبابات الامريكية، وهي جديرة بالانتباه لانها تقدم صورة تتجاوز وضع الذهول والصدمة الذي وقع فيه العراقيون بعد سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس وسط بغداد، بداية نيسان (ابريل) من العام الحالي. انها دراسة في بنيات المجتمع التقليدي، او ما يطلق عليه الباحث هنا بنيات مجتمع اللادولة الشيعي خاصة، ودراسة في ادبيات الخطاب، وخطاب مجموعات شيعية والذي يذكر بخطاب مشايخ الازهر الذين اجتمعوا لقراءة البخاري لرد الحملة الفرنسية عن مصر.)  القدس العربي

 
الدستور العراقي ونوح فيلدمان

يُقيم نوح فيلدمان اليهودي الإسرائيلي ـ الأمريكي (36 عاما) في اسرائيل بشكل متقطع، فاسرته ذات الإصول العراقية البعيدة تقيم هناك. ولم يُعرف عنه أيّ اهتمام حقيقي بمسائل صياغة الدساتير والنُظم، كما ان خبرته المحدودة بالوضع العراقي تجعل من مثل هذه المهمة، أمرا عسيرا . ومع ذلك جاء اسناد مهمة كتابة دستور العراق الجديد لفيلدمان، ليؤكد علي المخاوف السائدة، حينئذ، في الأوساط الشعبية والدينية العراقية، من ان الحرب لم تكن، في الأساس، ذات اهداف نظيفة وان اللاعب الحقيقي فيها كان اسرائيل. وبينما كان طلاب جامعة بغداد يواصلون داخل القاعة التعبير عن رفضهم لصياغة يهودية حسب تعبيرهم، لدستور العراق القادم، كان جمهور من التجار والحرفيين والنساء يشتبك مع كردي عراقي مُقيم في الولايات المتحدة، عاد الي العراق للتوّ، مع قوات الإحتلال ليفتتح فرعا جديدا لشركته المُسماة القاطن . تشير التركيبة اللغوية لهذا الإسم، الي التركيب التوراتي قطن او قاطن ان التعرّف علي هذا البعد اليهودي في الإسم لم يكن ميسورا، بالنسبة لجمهور حانق، أدرك بالفطرة، ان الحرب اوصلت الإسرائيليين، بالفعل، الي الفرات الذي حلموا طويلا بالوصول اليه. منذ اليوم الأول لإفتتاح فرع القاطن في بغداد قام مالكها بشراء عقارات في مختلف مناطق بغداد لحساب الجالية اليهودية العائدة من اسرائيل. وفي المؤتمر الصحافي الذي عقده مدير الشركة، لتبرئة ذمته من تهمة شراء عقارات لليهود ُأثير موضوع النشاط الحقيقي لهذا النوع من الشركات، الإسرائيلية، الأمريكية في المظهر، وجري التساؤل عن الأبعاد الفعلية لهذا النوع من النشاط الإقتصادي وصلته بمخططات تهويد بغداد التجارية (أيّ بغداد التي يهيمن اليهود علي حياتها التجارية كما ردد الجنرال مود عام 1917). في مساء اليوم نفسه كان الحريق الهائل، الذي نجم عن ضرب انابيب النفط في العُبيدية قرب القائم ـ عند الحدود مع سورية ـ لايزال مُشتعلا ، يُعيد تذكير المحتشدين في الجادرية وفي شركة القاطن بأن النفط العراقي لن يذهب الي اسرائيل بالسرعة التي تمناها وزير المالية الإسرائيلي.
جاء حريق انابيب العُبيدية، وهو الثالث في غضون عشرة ايام؛ مباشرة بعد حريق انابيب الغاز في هيت وبعد تدمير جزء من انابيب الخط الإستراتيجي في كركوك. إن كلا الخطين، العُبيدية وكركوك، وضعا بالحسبان من جانب قوات الإحتلال لتمرير مشروع خط كركوك ـ حيفا، ولذا جاءت عمليات المقاومة العراقية، لتضع المشروع برمته في دائرة التساؤل، وفي الآن ذاته لتنعطف بأساليب المقاومة انعاطفة هامة وكبري.
رسمت هذه السلسلة من النشاطات والفعاليات السياسية والعسكرية، منذ العشرين وحتي الثالث والعشرين من حزيران (يونيو)، أي بعد أقل بقليل من ثلاثة اشهر علي سقوط بغداد، صورة مغايرة ومُختلفة كليّاَ، عن الصورة الكئيبة التي كان السياسيون العراقيون العائدون مع الإحتلال، يرسمونها بحرص وعناية، مركزين أبصارهم علي البُعد المأسوي. ومع هذا أشاح شطر كبير من المجتمع، بوجهه، عن الصور النمطية المُنتقاة له، وعن أجوبة النخبة السياسية والثقافية أيضا، وغادر منصات الثرثرة الفارغة، التي كان السياسيون العراقيون يحرصون علي نصبها لأجل النواح علي ضحايا الماضي البشع للدكتاتورية.
ومن غير شكّ، فإن العراقيين كانوا يعرفون الوجه البشع للدكتاتورية، افضل بكثير مما يعرفه عراقيو الخارج وهم بالتالي ليسوا بحاجة الي َمنْ يُذكرهم به. ولذا راح الجمهور يتلمس بنفسه عن الطريق الي جوابه الخاص. لقد علمته تجربة العيش في ظل الدكتاتورية علي امتداد خمس وثلاثين عاما، فن رؤية الواقع كما هو، وابتكار اشكالٍ من المقاومة والصمود والتكيّف مع الظروف القاسية. ولسوف يتوقف المؤرخون طويلا عند وقائع هذه الأيام العشرة، بوصفها بداية المنعطف في طريق استعادة استقلال العراق.

السيستاني وبريمر

في يوم الإثنين الخامس والعشرين من حزيران (يونيو)، وفي خطوة لافتة، رفض آية الله علي الحسيني السيستاني، المرجع الشيعي الأكبر، والأكثر اعتدالا وتعقلا ومهابة بين المراجع الدينية، عقد لقاء مع الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر، الذي طلب عقد هذا اللقاء فور عودته من عمان. كان بريمر عائدا للتوّ من العاصمة الأردنية لحضور المنتدي الإقتصادي العالمي كممثل عن العراق. وبالطبع فقد أظهر اعتذار المرجع الكبير، مقدار ونوع التشقاقات التي كانت تأخذ، في هذا الوقت طابع السلام البارد المُخيِّم علي العلاقة بين الشيعة وقوات الإحتلال. تلقي بريمر في القصر الجمهوري حيث كان يُقيم، بإنزعاج وتعجب، خبر رفض المرجع الشيعي الكبير اللقاء به، وبدا مُنزعجا اكثر حين تلقي بعد يوم واحد فقط نسخة علي الأنترنت من صحيفة الـ واشنطن بوست الأمريكية، وعلي صدر صفحاتها عناوين بارزة عن مقابلة صحافية اجراها مراسلها في بغداد مع آية الله السيستاني، يعبرّ فيها عن قلقه ومخاوفه من الأهداف الحقيقية للأمريكيين ومُطالبا بترك الأمر للعراقيين من اجل ان ينصرفوا الي حلّ مشكلاتهم وإدارة بلادهم.
في هذه الأثناء، اظهرت سلسلة من الوقائع ان الطائفة الشيعية، وخصوصا الحوزة في النجف، قد بدأت، فعليا ، بمراجعة اولية لموقفها من الإحتلال، وذلك مع تصاعد المخاوف الشعبية من الأهداف الخفيّة للأمريكيين في العراق. بيد ان هذا التقييم الأولي لم يكن قابلا للتطوير، بأيّ إتجاه، مع بروز هيمنة ايرانية كانت تدفع الشيعة بإتجاه مهادنة الأمريكيين، ربما تطبيقا للتعهدات السرّية الإيرانية في محادثات جنيف. وفي الوقت نفسه تلقت بعض اوساط الحوزة في النجف، وجماهير غاضبة ومُحتجّة من ابناء الشيعة؛ تفاصيل المقابلة الصحافية، بشيء من عدم الرضا واللامُبالاة وربما الفتور. لقد كانوا يعتقدون، كما عبّر كمال عبد الله بحر العلوم، احد اتباع السيستاني، للصحيفة ذاتها، انه سوف يستغل الفرصة ليقول كلاما أكثر وقعا من حيث قوته ولكنه لم يفعل ذلك علي الإطلاق . كان السيستاني، الذي بدا مُتحفظا أكثر ممّا ينبغي، قادرا علي ان يقول مع ذلك، الكثير ممّا كان يدور في خلد الغاضبين من انتهاكات الإحتلال للحُرمات. نظر الأمريكيون الي المقابلة الصحافية، علي انها أقل من فتوي من حيث قوة افكارها وتوجهاتها.

حرب الفتاوي: ضد الدستور وبيع العقارات

وفي التاسع والعشرين من حزيران (يونيو) يُصدر آية الله علي الحسيني السيستاني فتوي قاطعة بعدم اهلية قوات الإحتلال، القيام بصياغة الدستور العراقي او تكليف آخرين من خارج العراق، في أشارة ضمنية الي نوح فيلدمان وفريقه اليهودي، الذي كلفه الأمريكيون القيام بهذه المهمة. تضمنّت هذه الفتوي تحريما صريحا لا لبْسَ فيه، سيمنع العراقيين من قبول أو تأييد فكرة كتابة الدستور من جانب قوات الإحتلال، او تقبل الخضوع للأمر الواقع. كما تدعو ـ الفتوي ـ وبصورة قاطعة وللمرة الأولي الي جمعية تأسيسية مُنتخبة تقوم بصياغة الدستور وطرحه لإستفتاء شعبي. جاءت فتوي السيستاني، التي لم تكن مفاجئة، وعلي العكس من ذلك، كانت مُنتظرَة؛ نظرا لتعاظم القلق الشعبي من ضياع فرص العراقيين في صياغة الدستور بأنفسهم وإدارة بلادهم دون وصاية خارجية، لتعبرّ، و ببلاغة، عن هلع العراقيين من الوقاحة الأمريكية بتسليم ملف صياغة الدستور لفريق يهودي يُقيم في تل ابيب برئاسة نوح فيلدمان الأمريكي ـ اليهودي من اصل عراقي، وهي جاءت بعد اقل من اربعة ايام علي صدور اول فتوي قاطعة ونارية من آية الله كاظم الحائري، اجاز فيها إهدار دم كل يهودي يشتري عقارات في العراق. تنصّ فتوي الحائري، التي جاءت، هي الأخري، لتضع حدّا للفوضي وللتضارب في الإجتهادات الفقهية والسياسية، بشأن امكانية بيع الأراضي والعقارات ليهود سبق لهم العيش في العراق، علي تحريم بيع ايّ قطعة ارض او عقار في عموم العراق، لأيّ يهودي يحاول من الآن، فصاعدا، استغلال الفوضي في البلاد لشراء عقارات، كانت ـ وياللسخرية ـ ُتباع بأسعار زهيدة في هذا الوقت. وفي الموصل، وفي ما كنت فتوي الحائري تنتشر انتشار النار في الهشيم، أصدر رئيس رابطة علماء الموصل الشيخ ابراهيم النعمة، فتوي ممُاثلة بإسم أهل السنة استند فيها الي سلسلة من الوقائع عن قيام شركات اسرائيلية، وتحت غطاء من رجال اعمال اكراد واثرياء عرب، بشراء اراضٍ وعقارات في بغداد والموصل. وفي ليلة 24 ـ 25 حزيران (يونيو)، وفي ما كانت اعمال الإحتجاج والمقاومة في الموصل تتصاعد، بالرعم من تجاهل وسائل الإعلام لها تعالت اصوات أئمة المساجد وعلماء الدين والمواطنين، مُحذرّة من مخاطر التغاضي عن هذا التطور الجديد. وبذا تلاقت فتوي الشيعة وفتوي اهل السنّة عند هذه النقطة من التفجرّ المتعاظم للأوضاع. وفي هذه الليلة ( ليلة 24ـ 25 حزيران (يونيو) ايضا، تصادف وقوع هجومين كبيرين علي القوات الأمريكية في الطريق بين النجف والكوفة، وهو أمر ما كان له إلا ان يتضمّن إشارة ذات دلالة خاصة، فبعد ثلاثة اشهر من سقوط بغداد، نعمت خلالها المدينتان الشيعيتان بالهدوء والسلام البارد مع قوات الإحتلال، وقع الهجومان المتزامنان مع صدور فتوي اهل السنة في الموصل. كما تزامن الهجومان والفتوي، مع سلسلة من العمليات في احياء شيعية وسنيّة في بغداد، شملت حي المنصور والعامرية وحيّ الشعب والفحّامة، بل ومع صدور أول بيان لمنظمة تطلق علي نفسها إسم (المقاومة الشعبية لتحرير العراق). في هذا الوقت اعلنت جماعة اخري ُتطلق علي نفسها إسم مجاهدو الطائفة المنصورة عن اول عملية لها عبر شريط مصوّر تظهر فيه قوات المنظمة وهي تقوم بتفجير آلية عسكرية أمريكية. ترافقت كل هذه التطورات العسكرية والسياسية و الفقهية مع حادث مفاجئ أثار العجب والذهول في معسكر ابو ناجي في المجرّ الكبير في محافظة ميسان العمارة ففي يومي 25 و26 التاليين، قامت القوات البريطانية المتمركزة في الجنوب، ومن دون ايّ اسباب مقنعة، بهجوم مباغت، قيل انه يأتي في اطار عملية واسعة النطاق لتجريد السكان من اسلحتهم. وهذا ما يستدعي التوقف عنده.
في مجتمع الإنقسام النموذجي هذا، حيث يؤدي الإنقسام الأكبر الي سلسلة من الإنقسامات الصغيرة، المتتابعة، والمتنامية، في الثقافة والسياسة والحياة اليومية، يمكن لحادث نموذجي مثل حادث قضا ء المِجرّ الكبير ان يخْتَزِنَ دلالة خاصة تُعيد انتاج الإنقسام وتضعه في صورة تنافر بين الحزب الديني و العشيرة . يتألف سكان القضاء بغالبيتهم الشيعية المُطلقة، من خليط شبه متجانس وتقليدي، ومن عشائر ترتبط ببعضها البعض بتحالفات، او توافقات، ما كان لها مع ذلك، في ايّ وقت، ان تمنع امكانية التنازع في ما بينها في احيان كثيرة، ولأسباب قد تبدو سطحية أو واهية. علي ان سكان البلدة و بفضل وجودهم التاريخي في أرض خصبة تشتهر بزراعة الحبوب، كانوا يجمعون في إطار تجمعهم السكني، والي جانب خصائص المجتمع الفلاحي التقليدي، صفات ومزايا مجتمع صغير شديد الحيوية بتعاملاته التجارية مع كبريات المدن، وهذا امر شديد الأهمية في تكوين المجتمعات المحلية في الجنوب العراقي، إذ هي تغدو بفضل هذا النوع من المزايا، أقرب الي صورة المدينة الصغيرة منها الي البلدة الفلاحية. تبعد البلدة عن سوق البصرة، مثلا ، والتي تصّرف فيه بعض المنتجات الزراعية، نحو 200 كم الي الشرق. وهناك شبكة طرق حديثة تربط البلدة بمركز المحافظة وببقية المدن والبلدات، الأمر الذي يوفر لها امكانية التواصل بسهولة مع محيطها السكاني والأقتصادي.

المجر الكبير

بعد ما بدا ان الحرب علي العراق اصبحت وشيكة، ومحتومة، قام النظام بتسليح السكان في قضاء المجرّ ، الذين سبق لهم ان لعبوا دورا محوريا ضمن الإقليم الجنوبي المتاخم لإيران، إبّان أحداث كبري مثل الحرب العراقية ـ الإيرانية سنوات 1980ــ 1988، وأبّان الأحداث التي أعقبت الغزو العراقي للكويت عام 1991 (عندما تسلل أعضاء المجلس الأعلي للثورة الإسلامية بقيادة الحكيم، ومعهم جنود من قوات الباسدار الإيرانية، الي داخل الأراضي العراقية، وقاموا بعمليات قتل وتدمير واسعة النطاق، شملت السيطرة علي القضاء نفسه، الذي سقط يومئذٍ بسهولة).
يتمتع المجلس الأعلي، منذ ذلك الوقت، بنفوذ محدود وسط سكان القضاء، وربما كان لعامل القرب الجغرافي من الحدود مع ايران، اثر نفسيّ وثقافي، في نشوء نمط من ثقافة تقبّل للنفوذ الإيراني، وفي صياغة نوع من المشاعر المحايدة، ومن اللامبُالاة ايضا، إزاء مسألة الإحتلال ذاتها، فقد اعتاد السكان، علي وجود قوات اجنبية، سواء أكانت إيرانية امّ بريطانية. و بينما يختفي تأثير القوي السياسية الأخري تقريبا داخل الحياة العامة لسكان القضاء الصغير، فإن النفوذ السياسي الوحيد، الذي تمتّ استعادته مع سقوط بغداد، يظل حِكرا علي المجلس الأعلي، الذي لم يكسب سوي عطف عددٍ محدود للغاية من السكان، مع هذا. في ليلة 25 ـ 26 حزيران (يونيو) هاجمت القوات البريطانية، دون سبب ظاهر، قري القضاء، التي كانوا ينعمون فيها بسلام غير مسبوق، وبوفاق قد يصعب تفسيره او تخيّله، إذ لم تقع اية حوادث يمكن ان تعكرّ صفو السكون المُطبق طوال اشهر الإحتلال الثلاثة. فوجئ سكان القضاء، بمشاهد عشرات الدبابات والمصفحات وناقلات الجنود والآليات العسكرية، وهي تقتحم شوارع البلدات الصغيرة، وتشق سكون الليل بهدير مجنزراتها وعجلاتها، ثم لتبدأ، وعلي الفور، عمليات مُداهمة للمنازل، خليقة بأنّ تُذكرّ السكان بمناظر مماثلة في رام الله وجنين في فلسطين المُحتلة: تحطيم للأبواب وتدمير للأثاث، وتدمير للجدران، وتفتيش وقح، بواسطة الكلاب البوليسية، لخزانات الملابس ولأغطية وأفرشة النوم. كان ردّ الفعل الفوري للسكان، الذين ُذهلوا من طريقة الإقتحام والتفتيش، حيث رًوِّعَ الأطفال والعجائز بمناظر الكلاب المتوحشة، وهي تنقضّ علي النائمين، أنهم قاموا ودون تنسيق، بالتجمع في الباحات العامة، ساعين ـ سلميّا ـ الي ثني القوات البريطانية عن الإستمرار في هجماتها الإقتحامية، ومُذكرّين قائد الحملة بالإتفاق السابق، الذي ُأبرمَ معه بخصوص السلاح. بيد ان الجنرال البريطاني ما كان له ان يُصغي الي رجاءات السكان، المذعورين من انتهاك حُرمات بيوتهم، بينما كان جنوده يواصلون تنفيذ الأوامر، مُرسلين الكلاب الي غرف النوم، حيث شاهد سكان القضاء، بما يشبه الصدمة والذهول، الملابس الداخلية لنسائهم، وقد عضتّ عليها الكلاب البوليسية، باسنانها الوحشية كما لو كانت أكياس مخدرات انتزعت من ايدي المُهربين، ليُعاد تجميعها في الباحة. واتضحّ ان أكثر ما كان يثير مشاعر الحنق والغيظ وربما الشعور بالعار والخزي، ان الجنود فاجأوا السكان في ُغرف نومهم، حيث انكشفت النساء المُحجبّات علي الغرباء . وعلي الرغم من الإحتجاج والرجاءات اليائسة بوقف العملية، فإن القوات البريطانية أمضت ساعات طويلة وهي تواصل، دون جدوي، البحث عن اسلحة ثقيلة. ووسط الهرج والمرج وانفلات مشاعر الغضب، حيث تجمهر العشرات من سكان القضاء، قام مجهولون بإطلاق قذائف الآر. بي. جي، والمدافع الرشاشة، وقتلوا ستة من الجنود البريطانيين وجرحوا ثمانية ـ حسب إدعاء البريطانيين في ما بعد ـ . وعلي نحوٍ غير متوقع فرّ البريطانيون من المكان الي خارج القضاء بسرعة، وهم يطلقون النار، اثناء انسحابهم المُخزي، علي المدنيين العُزل، حيث ُقتل علي الفور سبعة من الرجال و سقط نحو 15 رجلا وطفلا وإمرأة جرحي، جرّاء إطلاق النار العشوائي. وحين تلفت البريطانيون الفارّون الي الوراء، اكتشفوا انهم تركوا جثث قتلاهم وآلياتهم المُحترقة والمُدمرّة في الباحات، التي جمعت فيها الكلاب البوليسية الملابس الداخلية النسائية.
في اليوم التالي جرت مفاوضات صعبة مع شيوخ القضاء ورؤساء العشائر، لا من اجل تسليم السلاح، وإنما من اجل مطالب جديدة من بينها تسليم قتلة الجنود، وهذه باءت بفشل ذريع، كشف مرة أخري عن جهل البريطانيين بالتقاليد العشائرية وبثقافة المجتعات المحلية في الجنوب الشيعي. ولذا استبدل القائد البريطاني المُفاوض مطالبه كلها، بمطلب وحيد، حين ركز علي الإكتفاء بتسليم الجثث والآليات المُحترقة، وشعر البريطانيون، الذين فوجئوا بعنف الرّد، انهم ارتكبوا خطأ قاتلا، بدفع ثمن غير مجز وعبثي، سوف يُفسد عليهم أياما عزيزة من الهدوء. فالسلاح الذي جاءوا لجمعه من السكان، كان حصيلة اتفاق سابق مع النظام المخلوع، وقد امتلكته العشائر ـ في الأصل ـ بحكم وجودها عند الثغور العراقية، وهم بالتالي لايستطيعون التنازل عن سلاحهم حتي للنظام نفسه، الذي ارتضي بقاء ه في ايديهم، وقد يكون معظمه سلاحا خاصا تمّ الحصول عليه من مهربين قبل وقوع الحرب. في مساء اليوم التالي، قام أنصار باقر الحكيم بتنظيم تظاهرة هزيلة، لا يتجاوز السائرون فيها عشرين او ثلاثين شخصا؛ جابت شوارع القضاء مُنددِّة (بالإرهابيين الذين شنوا الهجوم علي قوات التحالف) وهذا التعبير قيل حرفيّا وبصوتٍ عالٍ، فيما كان البريطانيون يتسّلمون من شيوخ العشائر جثث قتلاهم وبقايا آلياتهم المحترقة. دللت التظاهرة التي لم تحظ بتأييد السكان المجروحين في كرامتهم، ولا برضاهم علي تسييرها في شوارع البلدة، علي نوع التكتيكات الإنتهازية الرخيصة التي اتبعّها الحزب الديني في وقت كانت فيه العشيرة تخوض معركة ثأر لكرامتها المهدورة. لقد تخلي الشيخ ـ المؤمن كما في حكاية الأصدقاء الثلاثة، عن رفيقه المعيدي ابن العشيرة التي يعيش علي تبرعاتها وهباتها، وعند اول منعطف، حين طلب منه اللص البريطاني ان يتركه وشأنه لتصفية الحساب مع المعيدي المسلح. وبالفعل، فإن التظاهرة الهزيلة، كانت واحدة من دلائل ومؤشرات كثيرة علي الطابع المنافق والمرائي لسياسات السيّد الحكيم. ومن جديد يُعطي البرهان الكافي علي ان التنافر بين الحزب الديني و العشيرة ليس سوي استطراد في تنافر اعمّ لمجتمعات اللادولة تحت الإحتلال.
الثقافة لا الوطنية

يتحددّ المغزي الفعلي، والحقيقي، للحادث بكل دلالاته هنا : لقد لعبت الثقافة لا الوطنية بمعناها السياسي المباشر، دور الصاعق في تفجير الموقف. إن طاقة المجتمعات المحلية، ذات التكوين الديني والإجتماعي الخاص، علي التعايش مع فكرة الإحتلال الأجنبي محكومة، وبدرجة لا تُصدق، لا بإستعداد هذه المجتمعات علي تأسيس اشكال مرنة من التعامل، تستجيب للحاجات اليومية والإجتماعية، وإنمّا، علي نحو مُغاير وأكبر من ذلك بكثير، بقدرة الإحتلال نفسه، علي تفادي الإرتطام بالحسّاسيّات الثقافية، وتجنبّ الإنزلاق وراء تصرفات تفضي الي تهديد الثقافة المحلية في الصميم. إن إرغام السكان في المجتمع المحلي، علي قبول فكرة انكشـــــاف النساء المُحجبّات، عنوة، علي الغرباء كما يحدث في المدن الكبيرة عادة، مثل بغداد والبصرة، أثناء إقتـــحام البيوت وتفتيشها وحيث ردود الأفعال أقل عُنفا ، وفوق ذلك تحدي إرادة رجال العشائر في هذا النطــــاق، بل وارغامهم علي تأييد هذا النوع من التدابير الإحترازية، لهو دليل آخــر علي ان الإستعمار الجديد كان يتخطيّ في عُنجهيته تقاليد وارث الإستعمار القديم.
وهذا ما أعاد تذكير سكان المجِرّ الكبير بحقيقة أن مُخيم ابوناجي ، الإسم المُحببّ الذي يطلقه العراقيون علي الإنكليز، لم يعد، منذئذٍ، المخيمّ نفسه الذي نُصبَ في العام 1917، وكان يكفي السكان ان يتأملوا في مرآة الآليات المهاجمة، ليدركوا كم تغيّر البريطانيون: هاهو ابو ناجي القديم يعود اليهم اكثر شراسة وأقل تعقلا داخل مركبه النشوان.
ولقد توجب عليهم، لأجل تذكيره بماضيّه، ان يُرغموه علي التحديق في المرآة وعلي التساؤل: هل هذا الذي يتراءي لي، شبيها وممُاثلا ، هو انا وقد عدت من الماضي الإستعماري، ام هو مجرد شبيه لا أكثر ؟. ألقت حادثة المجرّ الكبير بظلال موحشة علي العلاقة بين السكان والوحدة البريطانية العاملة في العمارة، لأنها بيّنت، وبصورة غير متوقعة، بل وصاعقة، ان الإحتكاك العنيف بالحسّاسيّات الثقافية في المجتمع المحلي، يمكن ان يؤدي وبسهولة الي تغيّر جذري في اشكال تلقي وتصّور الآخر، المحتل، وتأسيس ارضيات جديدة للتعامل معه؛ ولكنه من جهة اخري، وهذا هو الجوهريّ في دلالات الحادث، يمكن أن يبرهن علي ان الوطنية ليست سوي هذه الغِيْرَة المتأججة، والمترائية كغضب عارم، وكشعور مرير وجماعي بالمهانة. ان رجل العشيرة، المعيدي الذي قد لايفقه كثيرا بمسائل الوطنية كمفهوم سياسيّ، وقد يتلعثم امام سؤال مُحرج عن مفهومه لها، وهو ربما لم يكن مُباليا في الماضي، وأثناء تمرّداته العنيفة علي العثمانيين والبريطانيين بمسائل من هذا القبيل مثل الإستقلال و الوطنية يدرك، مع ذلك، بالغريزة وبعمق نادر، ان هذه الوطنية، التي يتشدق بها السياسيون والكتّاب، ليست بالنسبة له، وياللدهشة، سوي الغِيْرة ذاتها علي عِرضه و شرفه الشخصي، وقد لبست معني آخر. لقد كانت الوطنية خليقة، حينئذٍ، بأن ُتري بالنسبة لرجل العشيرة، كثقافة خاصة وحميمة جري انتهاكها والمسّ بها، ولذا تبدي إرغام أهالي قضاء المجرّ الكبير علي قبول سلوك قوات الإحتلال البريطاني بإنكشاف نسائهم علي الغرباء وكأنه كان يمسّ، وفي الصميم، مفهومهم هذا للوطنية . لم يكن ابن قضاء المجر الكبير الشيعي، بحاجة الي فتوي من الحوزة في النجف، لقتال البريطانيين، ولم يكن بحاجة ايضا لنزع القشرة كما نصحه الكاتب العراقي ابراهيم احمد، السني و الشيوعي الذي ارتضي لنفسه في ما تبقي من ُعمر، ان يكون في منزلة الخادم المُطيع للإحتلال، يزعق من آخر الممرِ في المنفي السويدي، ومن دون ان يطلب من احد، انه مستعدّ لتقديم الشكر للمستعمرين الجدد. كل ما كان يلزم ابن العشيرة في البلدة الصغيرة، في تلك اللحظات هو ان يقوم بمقاربة بسيطة بين مفهوم الوطنية الذي يتشدق به السياسيون والمثقفون العراقيون، وبين ثقافته الفلاحية، ليكتشف ان الوطنية الحقة، ليست، ولن تكون، سوي الغِيْرة علي العرض والأرض . ان المرء ليأخذه العجب، حقا ، حين يتأمل في نمط التنافر المسكوت عنه بين العشيرة بما هي مجتمع لا دولة صغير ومُغلق، وشديد الخصوصية، وبين الحزب الديني الذي يبحث وسطها عن انصار ومؤيدين له، ويُمني نفسه باستمرار تدفق معوناتها ونبرعاتها وهباتها له. ومع ان الناظم العقائدي ـ المذهبي الذي يجمع العشيرة الشيعية و الحزب الشيعي، يبدو ظاهريا، من بين اكثر العوامل المُساعدة علي الإنتشار والنفوذ، فإنه، في المقابل، يتكشـــــف عن كونه مجرد عامل قليل الأهمية، وان انتهازية الحزب الديني الشيعي ـ ونموذجه حزب السيّد الحكيم ـ يمكن، في الختام، ان تكون مصدر التوترات وربما مصدر التدمير لهذه الآصرة، وذلك حــــين تبلــــغ عقلية تملق الأقوياء المصاحبة لسلوك انتهازي رخيص، في السياسة اليومية، حدودا تفوق التصّور، وتماما كما في حكاية الأصدقاء الثلاثة، فقد تخلي رجل الدين عن رفيقه المعيدي وأسلمه للصّ لينهب نقوده او دمه عند اول منعطف. ليس مُصادفة، في هذا الإطار، ان يصدر اول تعليق ايراني رسميّ علي احداث المجرّ الكبير علي لسان السيد خاتمي رئيس الجمهورية الإيرانية، كان من شأنه، كما هو متوقع في مثل هذه الحالة، ان يُضاعف من حرج الجمهور الشيعي بأسره، لا العشائر وحدها، إذ قال السيّد خاتمي لوكالات الأنباء، في اول تعليق علني من الطينة الإنتهازية ذاتها، يوم 30 حزيران (يونيو)، وفي بـــــادرة لا يمكن تصوّرها الا كمحاولة لأسترضاء الأمريكيين، ان المقاومة في العراق ضد قوات الإحتلال هي من تدبير ارهابيين و مجرمين من فلول النظام. وهذا الإتهام الجارح، عينه ُالإتهام الــــذي وجهه الأمريكيون والبريطانيون.

القدس العربي

من أيقظ علي بابا ؟.. النهب الإستعماري وعقلية الفرهود العراقي في زمن الإحتلال/ الحلقة الخامسة

من أيقظ علي بابا ؟.. النهب الإستعماري وعقلية الفرهود العراقي في زمن الإحتلال / الحلقة الرابعة

من أيقظ علي بابا ؟.. النهب الإستعماري وعقلية الفرهود العراقي في زمن الإحتلال/ الحلقة الثالثة

من أيقظ علي بابا ؟.. النهب الإستعماري وعقلية الفرهود العراقي في زمن الإحتلال / الحلقة الثانية

من أيقظ علي بابا ؟.. النهب الإستعماري وعقلية الفرهود العراقي في زمن الإحتلال / الحلقة الاولى