من أيقظ علي بابا ؟.. النهب الإستعماري وعقلية الفرهود العراقي في زمن الإحتلال

الحلقة الاولى

 

  بقلم فاضل الربيعي

 

( السنّة لم يحتاجوا فتوي تبيح الجهاد.. والاحزاب الشيعية ركزت علي مركزية رفض المقاومة شكوي السيد باقر الحكيم
 المريرة من التشكيك بموقفه من الاحتلال.. تدلّل علي مبلغ حرجه
)  فاضل الربيعي
 
(هذه دراسة في الواقع العراقي تحت الاحتلال، تحاول البحث في بني الدولة العراقية التقليدية، العشيرة والحزب والطائفة، ولكنها تريد دراستها وتسليط الضوء عليها ضمن منظور ما حدث ويحدث في عراق اليوم. تبدأ الدراسة التي يقدمها الباحث العراقي فاضل الربيعي، بسؤال يتمحور حول السبب الذي ادي الي تحول العراق اليوم الي مجتمعين، مجتمع مهادنة الجنوب/ الشيعة ومجتمع مقاومة، في ما صار يطلق عليه بـ المثلث السني .
وهنا يحلل الكاتب المواقف والفتاوي داخل الحزب والطائفة الشيعية، حيث يؤكد ان قرار المقاومة في مناطق السنة اتخذ علي الارض، فيما انتظر المجتمع الشيعي في الجنوب فتاوي المرجعيات التي حاولت استخدام الفتاوي للتغطية علي حرجها من التعاون مع الاحتلال. القراءة هذه لافتة، لانها تقدم تحليلا جديدا للعلاقات المتشابكة في السياق العراقي وتحاول الابتعاد عن التبسيطات التي وقعت فيها المعارضة العراقية القادمة من الخارج وبحماية الدبابات الامريكية، وهي جديرة بالانتباه لانها تقدم صورة تتجاوز وضع الذهول والصدمة الذي وقع فيه العراقيون بعد سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس وسط بغداد، بداية نيسان (ابريل) من العام الحالي.
صدمة العراقيين لم تدم، فقد جاءت الصحوة بعد شهر واحد. يري الربيعي ان الموقف الرسمي الشيعي من مقاومة الاحتلال، كان سابقا لدخول الحزب الشيعي للعراق، مثال، المجلس الاعلي، فالفتاوي بعدم التصدي للاحتلال، سابقة علي بروز المقاومة. كفعل هام في العـــراق المحتل
.)  القدس العربي

الحوزة ـ العشيرة والحزب الديني

كان العراقيون بحاجة الي الكثير من الوقت لكي يستفيقوا من هول الصدمة والذهول، والي الكثير من الصبر والإنتظار ايضا، ليتأكدوا بأنفسهم بأن عاصمة بلادهم ليست تماما ، كما روج المعارضون القادمون مع قوات الإحتلال، ووسائل الإعلام الأمريكية مدينة متأهبة لإحتضان المارينز بالورود والموسيقي. كان عليهم ان ينتظروا اقل من شهر (من مطلع ايار (مايو) حتي الربع الأول من حزيران (يونيو) ليتأكدوا بأنفسهم كذلك، ان اختفاء النظام المفاجئ بعد سقوط بغداد، لم يكن نتيجة ضربة ماحقة وسحرية أزالته من الوجود، بل ربما كان نوعا من الإنسحاب الي تحت الأرض. وفي هذه الفكرة كل ما يلزم المهزوم من عزاء، من اجل ان لا يفقد صوابه. ثم حدث بعض مّما كان يرجوه الحالمون، إذ فوجئ الأمريكيون والعالم، بعنف ومقاومة جديدة مشتتة، يصعب القول انها شبه منظمة في هذه المرحلة من تطور الأحداث، ولكنها مع ذلك كانت قادرة علي توجيه ضربات قاسية لجنود الإحتلال. وما لبث العراقيون ان تحدثوا، في هذا الوقت، عن مقاومة ربما تكون منظمة تحسبّ لها النظام السابق. ومع أن أعمال السلب و النهب كانت لاتزال مستمرة وتتصاعد، في ظل فلتان أمني وانهيار سياسي شامل، فإن انباء الضربات الناجحة، التي وُجهت الي الجنود الأمريكيين اخذت تحل ـ في احاديث الشارع ووسائل الإعلام الأجنبية ـ كصورة اخري، مغايرة للصورة التي حرص الإحتلال علي تثبيتها وتكريسها. في مطلع حزيران (يونيو)، شاع تعبير المثلث السني الذي يضمّ من الناحية الجغرافية والإدارية، محافظة الرمادي والخالدية والفلوجة، ولكنه من الناحية الثقافية يمكن ان يتسع ليشمل هيت وبلد واطراف الدور وتكريت والمشاهدة والضلوعية بوصفه مصدر المقاومة الوطنية. وخلال شهر سقط خمسون من جنود المارينز ومشاة الفرقة 101 .
في الخامس عشر والسادس عشر من حزيران (يونيو)، تعرضت قوات الإحتلال الي هجمات ناجحة علي ارتال من الدبابات والجنود، كما هوجمت مقرات الجيش الأمريكي في الفلوجة والرمادي بالقذائف. وفي بغداد نفسها تعرضت الحواجز الأمريكية الي اطلاق نار في مناسبات مختلفة، والي عمليات قنص شبه يومية في قلب بغداد والي الشمال منها في (منطقة التاجي ). تري لماذا صدرت المقاومة العنيفة وشبه المنظمة في هذا الوقت ـ من المثلث السنيّ بينما ظل الشيعة أقل استعدادا للإنخراط في المواجهة مع قوات الإحتلال ؟ هل يبدو هذا السؤال دقيقا في صورته هذه ؟ ولماذا انقسم المجتمع العراق، مرة أخري، الي مجتمعين تحت الإحتلال؟ مجتمع مقاومة وإنْ كانت مُبعثرة، و مجتمع مهادنة غير مُعلنة  بين يدّي ما لا ُيعد ولا يُحصي من التقارير والتصريحات والبيانات التي صدرت تعبيرا عن مواقف الأحزاب والجماعات الشيعية، وكلها تؤكد علي نقطة مركزية واحدة: رفض الدعوة الي مقاومة الإحتلال. هاكم ما قاله سماحة آية الله السيّد باقر الحكيم في وقت مبكرّ من بدء أعمال المقاومة (الأربعاء 30 نيسان (ابريل)، جريدة المستقبل الإسلامية، وانظر جريدة المؤتمر التي يصدرها احمد الجلبي 2 ـ 8 أيار (مايو) في بيان له نقلته وكالات الأنباء من طهران: ان هناك عملا جادا ومؤامرة تحاك ضد الشعب العراقي لإدخاله في معركة جديدة من اجل ان يحقق الآخرون أغراضهم، وكأن الشعب العراقي نائب عنهم. هناك من يتهم شيعة العراق بالعمل لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، ويسعي لإدخال العراقيين في قتال مع القوات الأمريكية. لماذا الضجيج الإعلامي الذي يريد ان يفرض علي الشعب العراقي، القيام بهذه المعركة مع انه لايوجد حكم شرعي يوجب ذلك. لايجوز لعلماء الدين الدخول في مثل هذه المعركة لأنه لاتوجد مصلحة للشعب العراقي . ثمة مغزي شديد الأهمية لصدور هذا البيان عبر وكالة الأنباء الإيرانية ومن طهران، والذي يتضمّن دعوة صريحة للكفّ عن الضغط علي الأحزاب الشيعية العراقية، من أجل الإنخراط في المقاومة . ولكن: لماذا إفترض سماحة السيّد الحكيم في بيانه أن هناك مَنْ يتهم الشيعة بالعمل لصالح القوات الأمريكية ؟ بينما كان سماحة السيّد الحكيم يُدلي بهذا البيان في طهران، وعشية دخوله الي البصرة بعد تفاهمات جنيف بين الأمريكيين والإيرانيين الذين تحدثوا بالنيابة عن المجلس الأعلي قال آية الله السيّد حسين الصدر أحد كبار المراجع العلمية في النجف لفضائية ابو ظبي (انظر المستقبل ـ العدد نفسه) ما يلي ردّا علي سؤال: هل القوات الأمريكية والبريطانية قوات تحرير أم قوات احتلال ، الجواب: هي قوات ازالت الظلم ولله الحمد علي هذه الإزالة . سوف تكرّس هذه الجملة المرائية، فكرة زائفة عن الواقع، سرعان ما تلاقفها السياسيون الشيعة، المُحرجون من صورتهم في الشارع كجماعات متعاملة مع الإحتلال، ليعيدوا ترويجها عبر هجوم إعلامي مكثف ومُضاد يؤكد علي شرعية النظر الي قوات الإحتلال علي أنها قوات لإزالة الظلم طِبقا للتصريح ـ الفتوي. ومع أن الأمريكيين تقدّموا بمشروع قرار الي مجلس الأمن، لتعرّيف وجودهم في العراق، ينص بكل وضوح قانوني ممكن: بوصف هذه القوات قوات احتلال ، فإن الخطاب السياسي للأحزاب الشيعية، في هذه الآونة من تطور الأحداث، بالكاد شهد تعديلا جوهريا . وبإستثناء استخدام كلمة احتلال في خطابات الحكيم ـ تاليا ـ في البصرة والنجف، تماشيا مع التعريف القانوني الجديد الذي صاغه الأمريكيون، فقد بات متعذرا الحصول، من هذه الأحزاب، علي ايّ تصوّر عن الموقف المتوقع منها، في ظل تفاقم ممارسات جنود الإحتلال ـ في هذا الوقت من تطور الأحداث ـ والتي وصلت في العديد من الحالات الي حدّ إنتهاك الأعراض ونهب البيوت. علي الطرف الآخر، لم يكن السنّة بحاجة الي أي فتوي ولم تصدر عن أيّ رجل دين من أهل السنّة، أي إشارة أو تصريح يمكن ان فهمه علي انه فتوي . ومع ذلك، فإنّ أعمال المقاومة كانت تصدر ـ علي الأرض ـ من الجمهور السنيّ علي امتداد المثلث وخارجه. ظاهريا، قد يبدو موقف المجلس الأعلي للثورة الاسلامية بالعراق، ومثله الي حدّ كبير موقف حزب الدعوة كما لو كان هو نفسه موقف الطائفة، وهناك مزاعم في هذا الصدد تلمح الي ان الموقف السياسي قد يعبر عن تصوّرات الشيعة ورؤاهم، وان السبيكة السياسية التي تبدو لنا متماسكة وموحدّة، هي استطراد في صورة سبيكة إجتماعية. بيد أن هذا الإنطباع في الواقع؛ فليس ثمة موقف واحد لشيعة العراق؛ كما لا يوجد موقف موّحد لأهل السنّة في هذا الوقت. إن شكوي سماحة السيّد باقر الحكيم المريرة، وفي وقت مبكر، من تصاعد التساؤلات عن موقف الشيعة الفقهي من الإحتلال، وبَرمه وضيقه ممّا دعاه الضجيج الإعلامي يدّلل علي مبلغ الحرج الذي كان يشعر فيه هو شخصيا، علي الرغم من انعدام أيّ أثر لمقاومة حقيقية ومؤثرة في هذه الآونة، إذ لم تكن هناك ـ حين صدر التصريح ـ أي مقاومة حقيقية ما عدا بعض صيحات الجهاد الخافتة هنا وهناك. وأكثر من ذلك، فإن تحرّج الحوزة العلمية في النجف، وتلاعب بعض رموزها بالألفاظ، بإستخدام تعابير من قبيل قوات لإزالة الظلم في توصيف الإحتلال، لايمكن تفسيره إلاّ في سياق الحقيقية الوحيدة القائلة ان معادلة التحرير ـ الإحتلال الزائفة، التي هندسها الحكيم وحزب الدعوة ومحمد تقي مدرسي وجماعة الوكيل، من وراء ظهر الحوزة العلمية، ومن وراء ظهر الجمهور الشيعي المخدوع والمُضلل، قد أدّت من الناحية الإجرائية الي أزمة أخلاقية ، فضلا عن المأزق الفقهي في تعريف الإحتلال، الذي كان، وياللمفارقة، يُعرّف نفسه في هذه الأثناء تعريفا قانونيا صادقا ودقيقا : قوات إحتلال.

بين الحوزة العلمية والحزب الشيعي

أريد في هذا الإطار التمييّز بين ثلاث قوي مراكز للقرار عند الشيعة: الأولي: الحوزة العلمية في النجف، والثانية: الأحزاب السياسية الشيعية، والثالثة العشائر ـ التي هي في غالبيتها وخصوصا في الجنوب والفرات الأوسط عشائر شيعية ـ. قبيل اندلاع الحرب بأيام، بادرت الحوزة العلمية وانسجاما مع تراثها الروحي والسياسي وموقفها التاريخية المشهودة، بدعوة العراقيين جميعا الي مقاومة الإحتلال. وكان للفتاوي التي أصدرتها المراجع العظام وفي مقدمتهم السيدّ السيستاني، أثر بالغ في توحيد موقف الشيعة وفي شحذ الوطنية العراقية. واستنادا الي هذه الفتاوي، قادت العشائر الشيعية في الجنوب، ببسالة، أكبر معاركها، وقد شهدت مدن الناصرية وسوق الشيوخ والديوانية والكوت والعمارة، وسواها معارك بطولية، تمكنت فيها العشائر من وقف زحف القوات الغازية وتكبيدها خسائر جسيمة. أمّا الأحزاب الشيعية كالمجلس الإسلامي والدعوة وحزب العمل الإسلامي وسواها، فقد كانت علي الضد من ذلك، تقوم بتفنيد فتاوي المرجعيات في النجف، وتصوّرها علي انها ُأخذت بالقوة وتحت التهديد. وهذا امر مفهوم تماما، فقد كانت هذه الأحزاب وفي مقدمتها المجلس وحزب الدعوة، تشارك بنشاط في محادثات ومؤتمرات واشنطن ولندن تحضيرا للغزو. ثم حدث تبدل مثير في مواقف هذه القوي، عندما وقعت الحرب وسقطت بغداد، إن معاينة موضوعية لدلالات هذا التبدّل سوف تبرهن علي وجود مأزق أخلاقي . لقد جلبت الحرب تحدّيا غير متوقع للحوزة العلمية، فمنذ اللحظات الأولي لدخول القوات الأمريكية الي النجف، تبيّن أن هناك قوي مُتصارعة علي الحوزة ، كانت تتواري عن الإنظار في عهد النظام السابق. من الناحية الرمزية تبدو الحوزة العلمية نموذجا صغيرا ، مُهندسّا بعناية، ومُشذبّا ، لما يمكن ان تكون عليه صورة مجتمع اللادولة . إنها نوع من فاتيكان شيعي مُصغرّ يمسك بيدين قويتين بثروة طائلة، ويدير مدارس ومؤسسات مستقلة تماما عن الدولة و مجتمعها . وفي قلب هذا المجتمع الديني، الذي ُيفضل صور الزهد والتقشف عن نفسه، ولايبدو مُنشغلا بأمور السياسة والدنيا، بأكثر من انشغاله بالأمور اليومية لجمهور الطائفة، كانت هناك نخبة تحظي بإحترام وولاء مطلقين. فجأة وفي لحظة دخول قوات الإحتلال الأمريكية الي قلب المدينة، اتجهت الأنظار صوب مرقد الإمام علي. كان علي علماء الحوزة وجمهورها منع قوات الإحتلال من دخول المرقد المقدّس، بحجة وجود عناصر بعثية (هذا ما يذكرنا بالحجّة الإسرائيلية عند إقتحام كنيسة بيت لحم). وما ان نجح الشيعة الغاضبون من هذا التدبير، في منع الأمريكيين من اقتحام المرقد، حتي ألقت حادثة غير متوقعة، ومفاجئة هي حادثة مصرع السيّد عبد المجيد الخوئي، داخل مرقد الإمام علي، بظلال موحشة علي زعماء الحوزة، الذين وجدوا انفسهم عُرضة للنقد شبه العلني والجارح، ولا للتشهير كذلك وحسب، وإنمّا أيضا لخطر الإعتداء علي حياتهم، فقد تصاعدت هستيريا القصاص من كل الموالين للنظام داخل الحوزة. في الواقع لم يكن هناك موالون حقيقيون للنظام، ولكن وجد في إطار الوظائف الدينية الرسمية، رجال من الحوزة، كانوا يقومون بواجباتهم كموظفين يتصلون بالنظام او يستقبلون زوارا منه، ومن هؤلاء السيد حيدر الرفيعي الكليدار القتيل، الذي ُطلب إهدار دمه، وقُتل مع الخوئي الإبن. تنبّهت الحوزة العلمية إثر هذا الحادث مباشرة، الي انها باتت مُستهدفة من داخلها، فقد قاد اتباع الشيخ مقتدي الصدر ابن المرجع الكبير محمد صادق الصدر الثاني حملة طاولت السيّد السستاني نفسه، ودعت الي نزع الشرعية عنه. وهؤلاء الأتباع هم في الغالب الأعم من فقراء الشيعة، ويتمركز جسدهم التنظيمي، ويتمددّ داخل حزام الفقر المحيط ببغداد، وتحديدا في مدينة الثورة (التي سوف تُدعي منذ الآن مدينة الصدر التي يتمتع فيها احد نوابه ويدعي الشيخ محمد الفرطوسي بنفوذ كبير). في هذا الوقت هرع رجال الدين الشيعة في لبنان، اثر تلقيهم انباء عن تهديد حياة السيّد السّيستاني، الي التدخل، وبقوة، لمنع حدوث صراع داخلي مُشين، وجرت في هذا الإطار اتصالات عاجلة مع طهران، التي تدخلت بسرعة مُستغلة الصراع، لا لحماية السيستاني، ولكن لتعرض علي الشيخ مقتدي الصدر، منافسها المُحتمل، أموالا ودعما لقاء ولاء صريح، أساسه الخضوع لولاية الفقيه في طهران. تمّت تهدئة الموقف، فعليا، ولكن كان من الواضح ان المشكلات المُثارة لم تسوّ تماما، فقد طرح سماحة السيّد باقر الحكيم، وهو يدخل البصرة لتستقبله حشود من الشيعة تهتف بإسمه، وبطريقة لا تخلو من البراعة والدهاء، إمكانية تفرغه للحوزة و للإفتاء ، أيّ أن يتخلي عن العمل السياسي المباشر لصالح شقيقه عبد العزيز الحكيم، الذي كان يدير الإتصالات مع الأمريكيين. عني هذا الإعلان من الناحية الواقعية، اطلاق أول بالون اختبار، من الحكيم الإبن، المعروف بولائه الشديد لإيران، لمعرفة إمكانية استرداد ارث والده السيد محسن الحكيم، والتربّع ـ بالتالي ـ علي عرش الفاتيكان الشيعي، خصوصا وأنه يتمتع بلقب آية الله العظمي وهي مرتبة علمية وإجتهادية رفيعة. علي هذا النحو اكتشفت الحوزة العلمية بزعامتها التاريخية والتقليدية، انها باتت مسرحا للصراع مع جيل جديد من ابناء القادة التاريخيين للحوزة، وأن التجاذب بين المرجعيات سوف يتخذ، جزئيا، هذه الصبغة، فهناك ابن الصدر الشهيد، الذي يطالب بحوزة أكثر راديكالية، وبإصلاحات هيكلية جذرية، بل ووصل الأمر بمطالبه هذه، ان أعلن عن قيام الحوزة الناطقة التي ظلت من الناحية الإجرائية حوزة تُسيطر علي الشارع الشيعي، وإنْ لم تعمل كحوزة بديلة وفي هذا النطاق، نظرت الحوزة التقليدية بشيء من الإستخفاف لشخص الصدر الإبن لعدم كفاية علمه فهو لايزال صغير السّن، ولم يكتسب، بعد، ما يكفي من المعارف التي تؤهله للعب دور الفقيه . وهناك ابن الحكيم القادم من ايران، فضلا عن مُطالب آخر، لم يُمكنّه خصومه من التعبير عن مطالبه، وبالتالي لم يتسن لنا سماعها، نعني: ابن الخوئي قتيل المرقد. لقد عبّرت رسالة الحكيم الإبن عن تأهبه للإنتقال الي العمل الفقهي وبكل وضوح، عن رغبة ايرانية محمومة، لوضع اليد علي الحوزة العلمية في النجف، بتنصيب شخص اختبرت ولاءه جيدا ، وتدرك مغزي احتفاظه بعلاقات مًصاهرة مع خامنئي المرشد الروحي لإيران كما تزعم بعض الروايات ـ التي لم أتأكد منها بشكل قاطع.
وهي بذلك تواصل تقليدا تاريخيا من تقاليد التنافس علي الحوزة، بوضع رجال إمّا من اصول إيرانية أو من الموالين لها، والحكيم الإبن جمع ـ علي ما تقول الروايات ـ بين المزيتين. هذا التجاذب الخفي والمُعلن، في آن معا داخل الحوزة التقليدية، بين تيار يساري مؤلف في غالبيته من الشباب الفقراء، والذي تذهب به يساريته الي حدّ التغاضي عن مقاومة الإحتلال الأمريكي ـ في هذا الوقت من تطور الأحداث ـ مقابل اطلاق يده في فرض قيود قاسية علي المجتمع بأسره تبدأ بتحريم الخمرة ولا تنتهي بتهديد دور السينما بالنسف، بل وتهديد النساء غير المُحجبّات كما هو الحال مع بيانات الفرطوسي احد اتباع الصدر الإبن وبين تيار تقليدي شديد الولاء لإيران.إن بعض ممثلي هذا التيار، كان عُرضة للإتهام، بأنه ربما كان مستعدا للتواطؤ مع الغرب ـ من اجل مصالح ايران وتكتيكاتها ـ باكثر مما هو مستعد لإعلاء مصلحة العراق أو حتي مصالح الطائفة نفسها. وهذه الإتهامات سوف نسمعها بوضوح من مسجد الإمام موسي الكاظم في بغداد، في خطبة الجمعة في شهر آب (اغسطس) وعلي لسان الشيخ الأعرجي أحد اتباع الصدر الإبن؛ الذي سوف يتهم الأعضاء الشيعة، من المُعمّمين، في مجلس الحكم (بحر العلوم والحكيم الأصغر) بأنهم عملاء للأمريكان . وفي هذا الإطار، وجد البعض في سياسات السيّد الحكيم، بما في ذلك إقدامه علي فتح قنوات الحوار المباشر مع الولايات المتحدة والغرب، بحجة المصلحة العامة؛ والتي بلغت حدّ التصريح بإمكانية التعاون معها لإسقاط النظام، فرصة للطعن والتشهير الذي تجاوز شخص الحكيم نفسه ليطاول الطائفة. لم يكن السيّد الحكيم الإبن يجد ادني حرج سياسيّ من تقديم صورة للشيعة، كما لو كانوا يريدون تغيير النظام بأيّ ثمن، بما في ذلك ثمن الإحتلال الباهض، بل وتوريط الطائفة كلها، وجرّها الي التعاون مع الإحتلال. ويبدو ان هذه الإنتقادات الجارحة التي تلقاها الحكيم الإبن من خصومه، كانت تذهب الي حدّ تصويره رهينة للسياسة الإيرانية، فإذا ما تطلبت التكتيكات الإنتهازية الإيرانية، ومن اجل اسقاط النظام العراقي، مثل هذا التعاون مع الأمريكيين والبريطانييّن، لقاء تأمين مراكز ومناصب سياسية وبعض الإمتيازات للطائفة في العراق، والإستجابة لمطالب التساهل السياسي مع طهران، فإن من الممكن التعاون مع الإحتلال والتعايش معه. وهكذا وضع تطور الأحداث السريع، الحوزة العلمية في النجف، في قلب صراع خفيّ، ضد تيارات ورموز وضد مطالبين بالتركة أيضا، وكان عليها إزاء ذلك ان تفتش عن أفضل الخيارات وأقلها كلفة.

العشيرة الحائرة

علي الطرف الآخر كانت هناك العشائر العراقية بغالبيتها الشيعية ـ وهي مركز هام للغاية من مراكز صنع القرار الشيعي ـ تقف حائرة إزاء التطورات المفاجئة، وبدا أن عليها تغيير مواقفها بسرعة والتعايش مع الظروف الجديدة. إن التمييّز بين الحوزة، والعشائر، والأحزاب الدينية، سيكون ضروريا للغاية، من أجل فهم مُتطلب لطبيعة مكوّنات مجتمع اللادولة . من المنظور الرمزي نفسه، تمثل العشائر ما يشبه مجتمع لادولة نموذجياً هو الآخر، فهي تمتلك تنظيما هرميا جيدا لقواها البشرية، كما تمتلك نفوذا أخلاقيا علي افرادها، بحيث يشعر كل فرد، لا بحاجته الي العشيرة كمصدر حماية من الأخطار، وحسب، وإنمّا ايضا بأن العشيرة، هي، في ظرفٍ من هذا النوع مصدر من مصادر التوازنات السياسية في المجتمع، خصوصا وان التجارب التاريخية للعشائر العراقية تؤكد علي انها تُحسن استغلال الظروف لصالح دورها السياسي. علي الصعيد المالي، تحتفظ كل عشائر العراق بنظام مالي يقوم علي ضرائب تدفع لصندوق خاص، من اجل تسديد نفقات واحتياجات العشيرة في السلم وفي الحرب. هذا يعني ان العشيرة كنموذج مصغر لمجتمع اللادولة يمكنها ان ُتلبيّ بعض الإحتياجات المادية التي يتطلبها العمل السياسي. لكن العشائر، من جانبٍ موازٍ، وفي إطار علاقتها بالحوزة العلمية، تترك لنفسها بإستمرار هامشا مريحا من المناورة، فهي تطيع تعليمات وفتاوي الحوزة العلمية، وتتقيّد بها، لكنها في الآن ذاته، تظل مُتحسبّة، وحذرة، وقادرة كذلك علي الإحتفاظ لنفسها بحدّ أدنيٍ من المرونة في التعاطي السياسي مع الأحداث، بمعزل عن التأثير المب