هل انتهى عقد المتعة بين الشيعة والأمريكان ؟

من تزوج من!؟

 

شبكة البصرة

فائق الياسري

 

   بات من المرجح ان يستفيق الشيعة من الأوهام التي عقدوها على تحالفهم مع الشيطان الأكبر الذي ما فتئ يساند بكل قوة واقتدار المشروع الصهيوني في المنطقة العربية التي تعيش مخاضا عسيرا قد يودي بولادة مشوهة لتغييرات وتشكيلات سياسية ونظم إدارية وصياغة جديدة للشخصية العربية في العديد من بلدان المنطقة وبما لا ينسجم مع القيم الفكرية والتقاليد التي تسالم عليها الناس لعدة مئات من السنين.

   لقد جاء تحالف الشيعة مع المحتل الأمريكي على أمل تحقيق الوعود الأمريكية المعسولة بإخراج حلفائهم من المأزق الاجتماعي والسياسي والوضع الثانوي في سلم الإدارات العراقية الذي وضعهم فيه الاستعمار البريطاني منذ تأسيس الدولة العراقية والذي أعطى الأولوية لأتباع الطائفة الإسلامية السنية التي تحالف قادتها حينذاك مع الاحتلال البريطاني للعراق بعد هزيمة الدولة العثمانية والتخلي عن ممتلكاتها إلى الأبد لصالح قوى الاستعمار الجديد الذي لم تسلم هي من التأثر بطروحاته وبرامجه وبرامج الحركة الصهيونية التي حولت المجتمع التركي المسلم المحافظ إلى مجتمع متحرر مقلد للغرب المستعمر في كل مفاصل الحياة.

   أراد الشيعة المتضررين من تحالفهم مع تركيا العثمانية أثناء قيام بريطانيا بغزو العراق في بداية القرن الماضي تجنب تهميشهم هذه المرة عبر الحصول على قصب السبق في تسلم الوظائف الإدارية المهمة التي حرموا منها طيلة عقود خلت بسبب موقفهم السابق الذي ألزمتهم به مبادئ الإسلام المشتركة فيما بين الاثنين متغافلين عن عبط أو سوء نية من بعض الاطراف المتنفذة في أوساطهم والخاضعة لتأثيرات خارجية جوارية أو تلك الحالمة بالفوز بالتسلط على رقاب الشعب العراقي ونهب ثرواته أن الأمريكان لم يأتوا بجيوشهم غزاة محتلين من أجل سواد عيون الشيعة وإنما كان لهم مخططهم واستراتيجيتهم المرسومة للمنطقة والقائمة على تحقيق أهداف الحلف الصهيوني الأمريكي وليس الحلف الشيعي الأمريكي الذي أراد منه الأمريكان تهدئة وتهيئة الشارع العراقي لتقبل الاحتلال من خلال العزف على نغمة تحرير الشيعة من قبضة القوى السنية العلمانية المتسلطة وربقة الدكتاتورية الصدامية التي تجاوز اضطهادها للشيعة كل الحدود الممكن غفرانها وفقا للمصالح الدولية فيما تسعى قوات الاحتلال أيضا من خلال ذلك ترويض الشعب العراقي عبر مقولة التحرير كي يتقبل المشروع الأمريكي الصهيوني الذي سيطال إعادة صياغة العديد من المفاصل الفكرية والاجتماعية والتربوية والبنى الاقتصادية بما يوافق مصالح وأهداف الحلف غير المقدس بين أمريكا والصهيونية العالمية مقلدا بذلك سلفه الاستعمار البريطاني عندما غزا العراق والمنطقة العربية تحت ذريعة تحرير العرب من قبضة السلطنة العثمانية المتخلفة حسب زعمهم.

  لقد وعى منذ الأشهر الأولى للاحتلال بعض الوطنيين العراقيين العارفين بخفايا التوجهات الأمريكية الحقيقية في المنطقة العربية الإسلامية خاصة وتحركوا من أجل  تنبيه العراقيين الغافلين أو المستغفلين إلى الخطة المرسومة لوطنهم داعين إياهم الى تشكيل مرجعية وطنية عراقية تسعى لقيادة الشعب العراقي باتجاه تحريره من قبضة الاحتلال والتصدي لمشروعه الهدام بالطرق السلمية الحضارية واللجوء الى التشريعات القانونية الدولية التي تكفل للشعب العراقي حقه في استعادة سيادته على أرضه وإعادة بناء مؤسسات دولته المنهارة على أسس حديثة وديمقراطية تحقق العدالة والمساواة لكافة أبناء الشعب العراقي في ظل مصالحة وطنية شاملة تجعل من المرحلة الجديدة مرحلة إحساس بالمسؤولية الجماعية تجاه الوطن المستباح وتجعل الباب مفتوحا للمشاركة في عملية البناء الحضاري للعراق في مرحلته التأسيسية الثانية.

     ومن هذا المنطلق وتلك الرؤية وشعورا بالمسؤولية نحو أهلنا وأبناء عمومتنا في العراق اندفعت شخصيا لبذل جهدي كأحد المساهمين في هذا الطرح الجديد الذي تفرضه ضرورة المرحلة وحركة التطور الطبيعي في مسار المتغيرات السياسية الناتجة عن الاحتلال وأجريت بمعيية عدد من الأخوة اتصالاتي المباشرة بالعديد من الشخصيات الوطنية والدينية والعشائرية والأحزاب السياسية داخل الوطن وخارجه وعلى مدى أربعون يوما تقريبا لمناقشة الفكرة والتوصل إلى طريقة تساهم في تخفيف وطأة الغزو والاحتلال على العراق وشعبه وتساعده على انتزاع استقلاله والتمتع بسيادته على أرضه وكان كل من إلتقيناهم على وفاق تام مع الطرح الذي كنا قد أعددناه وهيأناه كأساس تتمحور عليه كل القوى الوطنية من اجل إنقاذ الوطن مما آل إليه نتيجة تزاوج التعنت الصدامي غير المسؤول مع الأهداف الطموحة المرسومة من قبل الحلف الصهيوني الأمريكي.

    لقد كان المشروع بمجمله ولازال مشروع المرحلة السياسية التي يمر بها عراقنا الممتحن ويعبر أيضا عن حاجة ماسة لملأ الفراغ السياسي والإداري الذي لن يتم كما نعتقد إلا بمشاركة كل القوى الوطنية والرموز الدينية والاجتماعية والعشائرية والذي بدأ بعضها هنا أو هناك يتبنى ما يماثل طرحنا في العنوان فيما تنقصهم التفصيلات التي حددناها والتي كان أهما ضرورة تشكيل هيئة وطنية عليا تقوم بانتخاب مجلس وطني انتقالي مرشح أعضائه من بين القوى المذكورة آنفا وكذلك انتخاب مجلس رئاسة مكون من خمسة أشخاص يمثل الطيف العراقي فيما ينبثق عنها حكومة وحدة وإنقاذ وطني يعتمد في عضويتها على الكفاءة العلمية والخبرة الإدارية المشهود لها والمقرونة بالإخلاص والنزاهة.

   كما تم بالتشاور والتوافق مع تلك الشخصيات والرموز والفعاليات السياسية والدينية إعداد مسودة دستور مؤقت للبلاد يحدد مهام وواجبات الإدارات المنوي تشكيلها ويوضح الحقوق والحريات الأساسية للشعب العراقي التي ناضل من أجلها طويلا فيما رسمنا برنامجا يحدد أولويات عمل حكومة الوحدة والإنقاذ الوطني ونصت أيضا مسودة الدستور على ضرورة تشكيل محكمة دستورية عليا تمثل المرجعية القانونية العليا في البلاد وتكون الحكم الفصل في كل النزاعات والتفسيرات والتأويلات الدستورية والقانونية فيما ستتولى حماية الدستور والقانون من الانتهاك وستتولى أيضا مهمة التهيئة والإعداد للمرحلة الدستورية الدائمة بما فيها الإشراف على انتخاب الهيئة التأسيسية والاستفتاء على الدستور والانتخابات البرلمانية والرئاسية.

   وبالتوازي مع هذا التحرك الذي شعرت به قوات الاحتلال أنه سيساهم في إفشال مخططهم المرسوم للعراق والمنطقة أقدمت عبر التغرير بوعود معسولة على الاتصال بالعديد من الشخصيات والقوى التي اتصلنا بها داعية إياهم إلى تشكيل واجهة سياسية عراقية تحت قيادة بريمر ذاته وبشروطه هو كان الغرض الحقيقي منها إحباط مشروعنا ذلك أو أي مشروع عراقي وطني مماثل يعيق تحقيق الأهداف الأمريكية المرسومة مما دعانا بعد قبول تلك الأطراف الى التريث في إكمال المشروع حتى تتضح الأمور للشعب العراقي ويتفهم ماهية الواجهة التي شكلها بريمر وأسياده في واشنطن.

   كما ان إحدى المعوقات التي أدت الى التريث في إنجاز مشروعنا ذاك هو ضعف الجانب المالي وجوانب فنية أخرى لا تغرب عن بال أي متتبع للوضع العراقي السائد آنذاك.

   واليوم وبعد مرور الوقت وتصاعد العمل العراقي المسلح ضد قوات الاحتلال واتضاح الهدف من تشكيل ( المجلس الصوري للحكم ) وتعثر أداء الوزارات العراقية المشكلة بإيعاز أمريكي والتي تفتقد لأي صلاحية تذكر كون هذه الوزارات تدار رسميا وفعليا من قبل عناصر سلطة الاحتلال في حين جعلوا من الوزراء المعينين صورا كاريكاتيرية معلقة على واجهات مباني الوزارات إن وجد لها بناية تتحمل حنق وتعليقات المواطن العادي الذي بات يحملهم مسؤولية تردي الأوضاع وأخطاء الإدارة الأمريكية في العراق كما جاء اتفاق نقل السلطة بين بريمر ومجلسه ليخيب آمال كل الأطراف التي يمثل الثقل الأكبر فيها الخط الإسلامي بشقيه وخصوصا الشيعي منه.

    لقد خاب ظن الشيعة بحلفائهم وأحبطت آمالهم في تحقيق مبتغاهم للوصول الى تسنم المهام القيادية في العراق بعد ان كانوا مقودين على مدى تكوين الدولة العراقية ومضطهدين على طول الخط السياسي وشعروا عن كثب بعدم جدية الولايات المتحدة الأمريكية في تنفيذ وعودها بإعطاء الشعب العراقي الحق في أن يقول كلمته في شكل النظام الجديد ومنحه الحرية في اختيار حكامه الجدد أو من سيرسموا ميثاق دولته الجديدة الأمر الذي دعاهم اليوم الى إطلاق التهديدات بإنهاء العقد وفك التحالف غير الشرعي مع المحتل الكافر الهادف إلى ترويض المسلمين فكريا وسياسيا بما يتوافق مع مصالح العولمة المنطلقة من الرؤى الأمريكية والصهيونية.

   ومن هنا يأتي النظر بجلاء الى تركيبة مجلس الحكم الذي شكله بريمر ليتبين مدى التآمر الأمريكي على الشيعة ويتبين مدى الغبن الذي لحق بهم في وقت كانوا يعدون أنفسهم أنهم وحدهم الذين لهم الحق في تمثيل الوسط الشيعي باعتباره انتماءا دينيا قيميا مؤد لجا.

    لذلك فإن ممثل الحزب الشيوعي العراقي الذي يعده الشيعة من يتبنى الأفكار الإلحادية الكافرة أصبح من بين يمثلهم في المجلس وكذلك العلماني المعاقر للخمرة والمتهم في نزاهته احمد الجلبي وزمرته التي لا تقل سوءا عن زمرة صدام حسين وأياد علاوي البعثي المنشق عن حزبه والحليف الأساسي للأمريكان وآخرين ممن لم يعد لهم ارتباطا يذكر بالمذهب الشيعي وفق القياسات الإسلامية الشيعية أصبحوا أيضا ممثلين للشيعة الذين جاهدوا بكفاءة الطاغية صدام حسين على مدى ثلاثين عاما خلت وقدموا آلاف الضحايا والقرابين من اجل تحكيم شريعة الله وتحقيق العدل بين صفوف الشعب الذي مازال يحلم بتلك الأمنية حتى ظهور المهدي المنتظر الموعود والذي سيتحقق العدل على يديه في الأرض بعد ان ملأت ظلما وجورا وغزوا وفساد.

 

فائق الياسري

النرويج في

17/1/2003