أسباب قانونية لإصرار المحتل على الإنتخابات الآن

ثم ماذا بعد الإنتخابات؟

شبكة البصرة

د. عبد الحق العاني

مقدمة

كتب بعض المهتمين متسائلين عن سبب هذا الإصرار من قبل المحتل على إجراء الإنتخابات في العراق في أسرع فرصة رغم أن كل المؤشرات تدعو للتريث بل إن قادة عالميين مثل الرئيس الروسي بوتين وأمين عام الأمم المتحدة صرحوا علنا بعدم جواز إجرائها أو تعذر ذلك أو الشك بإمكانية قيامها بشكل سليم.

 

وقد قرأت بعض ما كتب للرد على هذا التساؤل ، وأقول البعض حرصا على ألا أظلم أحدا إذا قلت كل ما كتب ثم خلصت لتصور سلبي لا ينصف من إنتبه لما سأقوله. أقول إن ما قرأته أعطى في الغالب تفسيرات سياسية ليست بالضرورة مغلوطة ولكنها لا تبرر سر الإصرار على الإسراع على إجراء الإنتخابات أمس قبل اليوم إن أمكن رغم كل ما يدعو لتأجيلها ، مثل إنعدام الأمن وجهل الناخب بإسلوب الإنتخاب ولا معقولية كون العراق دائرة إنتخابية واحدة ولا قانونية لقانون إدارة الدولة ولا حق لقانون إدارة الدولة في منح الأقلية حق نقض الأغلبية وجعل شرط الحزب الذي يرشح للإنتخاب أن يوقع على قبول قانون إدارة الدولة وكثير مثل هذا مما يدعو للتريث وإعادة النظر في كل هذه السقطات التي نتجت عن قوانين مرتجلة كتب أغلبها ساسة من الدرجة الثانية ممن لا يفهمون بالقانون بل وربما لا يهتمون به. وتكتسب هذه الإنتخابات أهمية متميزة إذا كانت ، كما يدعون ، أول إنتخابات حرة ونزيهة ومعبرة عن راي أغلبية العراقيين. فإن العقل يقضي أن يتم الإعداد لها بأوسع شكل وأن تتم والناس يعتقدون ويؤمنون بأنها كذلك ، إذ لا يكفي للعدالة أن تمارس بل يجب أن يشهد الناس أنها تمارس كذلك!

إن عدم إدراك ما أعتقده سببا أوليا لهذا الإصرار في الإسراع في عقد الإنتخابات الآن هو ما دفعني للكتابة حول الأمر.

 

هيمنة الصهيونية

إن أحدا لا يختلف على حقيقة أن الصهيوينة العالمية تمتلك اليوم القدرة على الإنفراد بعمل ما ترتأيه دون الحاجة للعودة لأحد للحصول على إذن أو تفويض. وهي إذا ما شعرت بحاجة لذلك فإنها سرعان ما تجمع مجلس الأمن لتبتز طرفا فيه وتهدد آخر وتغري ثالثا للتصويت على القرار الذي تريده. فإذا شعرت بالعجز عن تحقيق ذلك إدعت أنها ليست بحاجة لذلك التفويض لأن أمنها القومي في خطر.  وهذا ما حدث في غزو العراق بالذات ، حيث دأبت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على التأكيد على قرارات مجلس الأمن في التعامل مع العراق لكنها ما أن أدركت أن مشروعها لغزو العراق لن يمر في مجلس الأمن ، لأسباب عدة ليس هذا مجال التعرض لها ، حتى عدلت للإدعاء بأنها لا تحتاج لقرار من مجلس الأمن لذلك الغزو جاعلة من كل القانون الدولي الذي ترسخت قواعده  بعد الحرب العالمية الثانية أضحوكة تليق بعقل محدود مثل عقل الرئيس الأمريكي جورج بوش!

 

لكن الصهيونية رغم تمكنها هذا تدرك في الوقت ذاته أن التأريخ في حركة دائمة وما أمكن اليوم قد لا يمكن غدا. لذا فإنها تحرص على محاولة أن يكون سلوكها قابلا للتبرير وفق القانون الدولي كلما أمكن ذلك ، وقد أصبح هذا المطلب أكثر إلحاحا بعد تشكيل محكمة الجنايات الدولة  وتوقيع أكثر دول العالم على نظامها الأساس الذي حدد عدم سقوط متابعة الجريمة بالتقادم. حيث أن الصهيونية تدرك أن ما يمكن أن يكون جريمة حرب أو جريمة إبادة أو جريمة ضد الإنسانية لكنها تنجح في الإفلات من المساءلة عنها اليوم قد تضطر في يوم لاحق للرد على تلك التهمة إذا ما تغير الميزان الدولي قليلا. خصوصا وأن المتابعة القانونية ستكون ضد الأفراد الذين قد يكونون خارج السلطة وقتها. ومن أجل ذلك فإن رجال القانون الذين يقدمون النصح للحكومتين  الأمريكية والبريطانية يحاولون صياغة سياسة الإحتلال في العراق ، إن أمكن ، بما يتفق مع القانون إما بإتباع مواثيق معروفة أو بإستصدار قرارات من مجلس الأمن كما حدث في فرض الإبادة على العراق خلال 12 عاما.

 

ما حدث قانونا منذ الإحتلال

ولتحقيق هذه السياسة فقد قامت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا بعد إحتلال العراق ، والذي تم خلافا للقانون ، بمحاولة العودة للقانون من خلال خلق الحقائق وإلزام العالم للتعامل معها ، كما هي تفعل في فلسطين منذ خمسين عاما ، فقدمت يوم 8 مايس 2003 ، اي بعد إسبوع من إعلانها إنتهاء العمليات العسكرية في غزو العراق ، رسالتها المشؤومة إلى مجلس الأمن.

 

وقد صيغت الرسالة بذكاء حيث أنها لم تطلب من مجلس الأمن قرارا حول الحرب أو حول إحتلال العراق ، وإنما تحدثت عن نزع سلاح العراق بشكل مبطن يدعو في الحقيقة إلى الهيمنة التامة على العراق. فماذا فعل مجلس الأمن حيال هذا الواقع الجديد الذي جاء به الإحتلال ورسالة القوى المحتلة؟ وقد يكون السؤال الصحيح هو ما كان يجب على مجلس الأمن عمله في وضع كهذا؟

 

والجواب على سؤال كهذا يقتضي العودة لقواعد القانون الدولي وقوانين الحرب. حيث أن ميثاق الأمم المتحدة حرم على دولة ما القيام بأي عمل عسكري ضد دولة أخرى إلا في حالة الدفاع عن النفس وحتى في تلك الحالة فإن العمل العسكري في الدفاع عن النفس يتوقف ما أن يتدخل مجلس الأمن وتصبح القضية في قبضته. لذلك فإن السلوك القانوني الصحيح لمجلس الأمن إثر الإحتلال كان يجب أن يكون إصدار قرار بإعتبار غزو العراق عملا عدوانيا غير قانوني يجب أن يتوقف فورا بإنسحاب المعتدي وتعويض العراق عن كل الضرر الذي لحقه. لكن أحدا لا يمكن أن يتوقع في عالم تتحكم الصهيونية فيه بشكل مطلق أن يتمكن مجلس الأمن أن يطبق القانون الدولي حتى إذا توفرت النية والإرادة السياسية عند الأغلبية لذلك. فقد تحول مجلس الأمن في الأغلب بالوعد والوعيد والإبتزاز إلى سلطة تختم قرارات الصهيونية العالمية التي تقدمها الولايات المتحدة.

 

ورغم القول بأن مجلس الأمن أصبح أداة بيد الولايات المتحدة إلا أن هذا لا يعني أنه كان عليه أن يتجاوز القانون الدولي كليا في قراراته. حيث أن هناك فرقا بين التغاضي عما تفعله الصهيونية وبين إصدار القرارت التي تدعم علنا أو ضمنا سلوك الصهيونية.

 

ذلك أن مجلس الأمن أصدر قرارا مهما يتعلق بالعراق يوم 22 مايس 2003 حين أشار إلى رسالة الحكومتين البريطانية والأمريكية. ورغم أن المجلس أغفل التعرض للحرب والإحتلال إلا أنه تضمن أمورا خطيرة جدا وخلق سوابق لا تقل خطورة في القانون الدولي.

 

(ملاحظة وتنبيه) وقبل المضي في تحليل هذا الأمر لا بد أن نعرج لنوضح مفهوما مهما. ذلك إن المشاهد والمستمع يواجه كثيرا ما يصرح به بعض أنصاف المطلعين من العرب ، والذين تحولوا بين ليلة وضحاها إلى خبراء في القانون الدولي ، من أنهم يستندون لقرار مجلس الأمن كذا. والحقيقة هي أن قرارات مجلس الأمن لا يمكن لها أن تتجاوز القانون. فمجلس الأمن تشكل بموجب ميثاق الأمم المتحدة ولا يمكن لمجلس الأمن هذا أن يصدر قرارات ليس له سلطة إصدارها بموجب الميثاق الذي تأسس هو بموجبه. فليس لمجلس الأمن سلطة فرض الإبادة على شعب ما ذلك لأن منع الإبادة من قواعد القانون الدولي القسرية التي لا يمكن تجاوزها ، كما أن نزع سيادة دولة ليست من صلاحيات مجلس الأمن لأنها نقض لميثاق الأمم المتحدة. إن مجموعة القواعد التي تشكل القانون الدولي هي المواثيق التي إتفقت دول العالم على التعاقد عليها. وليس لأحد سلطة تجاوز قواعد العقود بين الدول المتعاقدة. فلو كان لمجلس الأمن سلطة تجاوز الميثاق لأصبحت له سلطة تغيير القانون الذي أوجده وهذا لا يمكن قانونا!

 

أعود لما قرره مجلس الأمن في قراره المرقم 1483 في 22 مايس 2003  فأقول إن مجلس الأمن ، الذي أغفل تعمدا الإشارة إلى غزو العراق على أنه خرق للميثاق ، تجاوز ذلك حين أشار مرحبا بما أسماه "بيان الناصرية الصادر في 15 نيسان 2003 وبيان بغداد الصادر في 28 نيسان 2003". ذلك لأن مجلس الأمن أقر في هذا أن الحكومة الشرعية للعراق قد تم إزاحتها بمباركة المجلس وأن الذين أصدروا بيانات الناصرية وبغداد كانوا بداية النظام السياسي الجديد في العراق. وقرار مجلس الأمن هذا تجاوز للميثاق ولقواعد القانون الدولي وهو على ذلك قرار باطل ولا فاعلية له لأنه ليس لمجلس الأمن سلطة إصداره. فمجلس الأمن ليس له الحق في نزع سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة بل عضو مؤسس لها نتيجة حرب عدوانية عليها، وليس لمجلس الأمن سلطة سحب الإعتراف بالحكومة العراقية القائمة ومحاولة إستبدالها بمجموعة من الناس جاؤوا مع القوى المحتلة. فالقانون الدولي الذي ترسخ بعد الحرب العالمية الثانية رفض قبول الحكومات التي عينها الألمان في الدول التي إحتلوها أثناء الحرب وأقر شرعية الحكومات التي كانت قائمة عشية الحرب وحق الشعب المحتل في مقاومة الإحتلال.

 

إن قرار مجلس الأمن المرقم 1483 وما تبعه من قرارات تستند إليه هي في جملتها قرارات باطلة ويجب على أية سلطة تمثل حكومة العراق الشرعية أن تطعن بها قانونا ودون إبطاء  أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي.

 

وعلى الرغم مما ورد أعلاه فلا بد من الإشارة إلى أنه قد نجحت أطراف معروفة في مجلس الأمن ، ليس من باب حرصها على العراق قدر حرصها على تورط أكبر لبريطانيا والولايات المتحدة  في مستنقع الإحتلال لأطول فترة ، نجحت في إلزام دول الإحتلال بتطبيق القانون الدولي وذلك بنص القرار على ما يلي:

 

"يطلب من جميع المعنيين أن يتقيدوا تقيدا تاما بالتزاماتها بموجب القانون الدولي بما في ذلك بصفة خاصة إتفاقيات جنيف لعام 1949 وقواعد لاهاي لعام 1907".

 

وذلك يعني أن تخويل إحتلال العراق الممنوح ضمنا وليس تصريحا ، إشترط أن يلتزم المحتل بالقانون الدولي وخص منها إتفاقيات جنيف المتعلقة بمعاملة المدنيين والأسرى في وقت الحرب وقواعد لاهاي المتعلقة بقواعد الحرب الواجب إتباعها من قبل الأطراف المتحاربة. ولا بد هنا من الإشارة إلى نقطة مهمة ، تلك هي أن بعض اعضاء مجلس الأمن الذين ضمنوا هذا البند في القرار 1483 ربما تعمدوا التعميم في إلزام دول العدوان بالقانون الدولي أثناء تعرضهم للقانون الملزم لقوى الإحتلال. حيث ان إلزام المحتل بالقانون الدولي يفتح الباب أمام الطرف المعتدى عليه أن يطعن بالحرب والإحتلال بجملته مستندا إلى قرار مجلس الأمن نفسه. أي أن بعض الدول التي لم تتمكن ، أو لم ترغب حقا ، في التعرض لقانونية الإحتلال قد أبقت الباب مفتوحا أمام حكومة العراق الشرعية أن تطعن بالإحتلال معتمدة على القرار نفسه الذي يبدو أنه شرع للإحتلال.

 

وأصدر مجلس الأمن عددا من القرارت الأخرى منذ الإحتلال نذكر منها لأهميتها القرار المرقم 1500 في14 آب 2003 الذي رحب فيه بتشكيل مجلس الحكم دون تحديد الصفة القانونية التي تم بموجبها تشكيل المجلس أو سلطة تشكيله ، وهو بهذا متفق مع موقفه اللاقانوني في القرار 1483.

 

ثم أصدر مجلس الأمن قراره المرقم 1511 في 16 تشرين الأول 2003 والذي كان أهم ما فيه أن مجلس الحكم ووزراءه هم الأجهزة الرئيسة للإدارة المؤقتة العراقية وكذلك الإذن بتشكيل قوة متعددة الجنسيات لصيانة الأمن والإستقرار في العراق دون تحديد الآلية التي تتم بموجبها تشكيل مثل تلك القوة. ثم أصدر مجلس الأمن قراره المرقم 1546 في 8 حزيران 2004 الذي أضاف فيه للخرق الكبير في القانون الدولي. فقد قرر مجلس الأمن في ذلك القرار ضمن ما قرره ما يلي:

 

أنه أحيط علما بحل مجلس الحكم دون الإشارة لقانونية تشكيله قبل حله.

أكد سيادة القانون في العراق لكنه أهمل تحديد اي قانون يعنيه في قراره.

اقر تشكيل حكومة مؤقتة.

وافق على رسالة رئيس الحكومة المؤقتة بطلب الإبقاء على قوات الإحتلال في العراق.

أقر إجرءا الإنتخابات في العراق في موعد لا يتجاوز 31 كانون الثاني 2005.

 

قوانين الإحتلال

إن هناك تداخلا بين قوانين الحرب التي جمتعها قواعد لاهاي لعام 1907 وبين إتفاقيات جنيف لعام 1949 التي جاءت لتعزز وتكمل قواعد لاهاي بعد أن كشفت الحربان العالميتان ثغرات تلك القواعد.

 

ولا نريد التعرض لقواعد الحرب التي خرقت في غزو العراق وإحتلاله فقد يكون لهذا حديث أخر ، أو ربما أضمنه كتابا عن غزو العراق وإحتلاله إذا مكنني تعالى من ذلك ، لكن المهم هنا هو التعرض للجانب القانوني الذي يتعلق بالإنتخابات لتبيان سبب الإصرار عليها.

 

وأول نقطة نبدأ بها هي تعريف الإحتلال وإنتهائه. فأقول ان القانون الدولي كما نص في المادة 42 من قواعد لاهاي يعتبر الأرض محتلة ما أن توضع عمليا تحت سلطة الجيش الغازي.

 

Art. 42. Territory is considered occupied when it is actually placed under the authority of the hostile army. The occupation extends only to the territory where such authority has been established and can be exercised.

المادة 42: تعتبر الأرض محتلة عندما توضع عمليا تحت سيطرة الجيش المعادي. ويشمل الإحتلال فقط الأراضي التي تم فيها تأسيس تلك السيطرة وأمكن مزاولتها.

 

 وبموجب هذا التعريف الشامل والبسيط فإن العراق كله أصبح محتلا يوم سيطرت جيوش بريطانيا وأمريكا عليه وحلت جيشه النظامي ونزعت سيادة الدولة العراقية. وسبب أهمية هذا التعريف هو أن الإحتلال يضع مسئوليات قانونية في عنق المحتل والتي تبقى كذلك حتى ينتهي الإحتلال قانونيا.

 

وينتهي الإحتلال ، بموجب القانون الدولي ، في إحدى حالتين وهما إما إنسحاب الجيش الغازي من الأرض أو طرده منها. وليس هناك حالة ثالثة يمكن أن تنهي الإحتلال. وأهمية فهم هذا التعريف القانوني تتأتى من محاولة المحتل التخلص من المسئولية القانونية بإدعاء إنتهائه قبل إنتهائه فعلا ونقل المسئولية القانونية المترتبة على الإحتلال لجهة ثانية. وعلى هذا فإن قرار مجلس الأمن المرقم 1546 في 8 حزيران 2004 في نصه:

 

"يرحب بأنه سيتم بحلول 30 حزيران 2004 أيضا ، إنتهاء الإحتلال ، وإنتهاء وجود سلطة الإئتلاف المؤقتة ، وبأن العراق سيؤكد من جديد سيادته الكاملة."

 

قد أشار خطأ إلى إنتهاء الإحتلال في وقت يدرك فيه المجلس يقينا أن الإحتلال لن ينتهي فعلا في 30 حزيران ذلك لأن جيش الإحتلال كان سيبقى في العراق فارضا  سيطرته على الأرض مما يعني إستمرار الإحتلال. ووقع المجلس في تناقض قانوني خطير ففي الوقت الذي رحب فيه بإنتهاء الإحتلال أكد في القرار نفسه إستمرار جيش الإحتلال في السيادة على العراق في الموافقة على طلب الحكومة المؤقتة ، والتي عينها الإحتلال ، ذلك. إن قرار مجلس الأمن هذا والذي كتب ولا شك بطلب قوات الإحتلال يشكل سابقة قانونية خطيرة حيث أنه أدخل تعريفا جديدا للإحتلال وإنتهائه يتناقض والقانون الدولي.

 

إن محاولة الصهيونية في تصوير الوضع القائم في العراق على أنه نهاية للإحتلال له ما يسببه حيث أن اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب  تنص في المادة السادسة على:

 

"يوقف تطبيق هذه الاتفاقية في الأراضي المحتلة بعد عام واحد من انتهاء العمليات الحربية بوجه عام، ومع ذلك، تلتزم دولة الاحتلال بأحكام المواد التالية من هذه الاتفاقية: من 1 إلي 12 و 27 ومن 29 إلي 34 و 47 و 49 و 51 و 52 و 53 و 59 ومن 61 إلي 77 و 143، وذلك طوال مدة الاحتلال ما دامت هذه الدولة تمارس وظائف الحكومة في الأراضي المحتلة ".

 

ويبدو واضحا من هذا أن إتفاقية جنيف تلزم المحتل بتطبيق بنودها على الأراضي المحتلة لمدة عام منذ بدأ الإحتلال على أن يستمر الإلتزام بأهم مواد الإتفاقية ما بعد العام الأول ما دامت القوة المحتلة تمارس سلطة الحكومة. فإذا إدعت تلك السلطات أن الإحتلال قد إنتهى فإنها تصبح خاضعة لقوانين العراق ويعامل أفرادها معاملة أي مواطن عراقي وفق قوانين العراق حيث يحق للعراقي أن يقاضي الأمريكي والبريطاني أمام محاكم العراق. أما إذا إدعت ان الإحتلال ما زال قائما فإنها تصبح مسئولة عن المدنيين في العراق وفق إتفاقية جنيف وكل ما يترتب على تلك المسئولية. ولا يخفي على المتتبع أنها لا تريد أيا من الحالين!

 

ما هي حقيقة الوضع القانوني

بعد هذا العرض السريع للخلفية القانونية التي يجب إعتبارها عند محاولة فهم الإسباب القانونية التي تدفع المحتلين للإصرار على الإنتخابات أن تتم باي شكل وفي أي ظرف في أسرع فرصة ، يبقى السؤال ما هي حقيقة الوضع القانوني بل الأصح ما هي حقيقة الفوضى القانونية؟

 

وقد يتساءل أحد كيف يكون في القانون فوضى؟ فأقول إن الفوضى تعم إذا كان صاحب القانون عازما على خرقه وكان خصمه إما جاهلا بالقانون أو غير قادر على التصدي والدفاع عن حقه ، وهذا حالنا نحن اليوم!

 

إن خلاصة ما مر أعلاه من عرض يقود لما يلي:

إن العراق قد أعتدي عليه وأحتل خلافا للقانون الدولي.

إن مجلس الأمن ، إما بسبب إستبداد الصهيونية العالمية به أو لرغبة بعض أعضائه في توريط الولايات المتحدة ، قد خرق القانون الدولي الذي أوجده وذلك من خلال عدم تحمل مسئوليته في الدفاع عن دولة عضو في الأمم المتحدة ومن خلال مصادقته على إجراءات المحتل المخالفة للقانون.

إن مجلس الأمن ، رغم خضوعه لإستبداد الصهيونية ، لم يجد بدا من إلزام قوات الإحتلال وحكوماتها بالقانون الدولي في جملته مع التأكيد على إتفاقيات جنيف وقواعد لاهاي.

إن مجلس الأمن تجاوز صلاحياته وفق القانون الدولي في الموافقة على نزع سيادة العراق وقبول حكومة مؤقتة عينها المحتل ، حيث كان يجب تطبيق القانون الدولي بعودة حكومة العراق الشرعية والمعترف بها وفق القانون والتي هي وريثة حكومة العراق المؤسسة للأمم المتحدة.

إن حكومات الإحتلال بتحديدها موعدا للإنتخابات وإلزام العراق به خلقت سابقة خطيرة في القانون الدولي.

إن موافقة مجلس الأمن على قيام الإنتخابات في ظل الإحتلال هي تشريع للإحتلال خلافا للقانون.

 

لماذا تريد الصهيونية قيام الإنتخابات الآن؟

إن الفوضى التي لخصنا أهم ملامحها أعلاه قادت إلى الوضع الذي نحن فيه اليوم والذي تصر فيه الصهيونية على قيام إنتخابات تحت مدافع الدبابات الغازية. والحقائق التأريخية ، مهما قال من يحسن أو لا يحسن أن يقول ، هي أن القوات الصهيونية في العراق ، مهما كانت جنسياتها ، هي قوات إحتلال وأن بقاءها في العراق هو ديمومة للإحتلال ، فليس لمجلس الأمن أن يعلن ترحيبه بزوال الإحتلال في الوقت الذي تسيطر فيه الجيوش الغازية على كل المساحة الجغرافية للعراق أرضا وجوا وماء.

 

ولم يسبق في التأريخ البشري أن جرت إنتخابات في ظل الإحتلال ، وإذا ما تمت فإن أحدا لم يعترف قط بمشروعيتها. فلماذا يراد منا أن نقبل في العراق ما لم يقبله العالم في كل تأريخه؟

 

إن ما تريد الصهيونية تحقيقه في العراق هو قيام إنتخابات بأية صورة وذلك لتمكينها من الإدعاء بأن العراق وفق قرارات مجلس الأمن قد أصبح دولة كاملة السيادة مما يحق له أن يقيم علاقات سياسية أو عسكرية أو إقتصادية مع اية دولة.

 

وحيث أن الإنتخابات التي تجري في ظل الإحتلال لا يمكن أن تفرز إلا حكومة موالية للإحتلال ، حيث أنه إذا لم تفعل ذلك فإن ذلك الإحتلال يكون أغبى عمل سياسي وعسكري في التأريخ ، فإن أحدا في العراق ، أللهم إلا المغفلين ، لا يمكن أن يعتقد أن حكومة وطنية يمكن أن تستلم الحكم في العراق.

 

فإذا تمت الإنتخابات والتي لم يشترط القانون ، الذي وضعه المحتل ، أية نسبة صغرى من الناخبين لتحديد شرعيتها ، فإن قوات الإحتلال سوف تسارع في الحصول على إعتراف مجلس الأمن على شرعية تمثيل الجهة المنتخبة لشعب العراق. وليس من المستصعب على اي متفرج أن يدرك أن هذه السلطة المقبلة والتي نرى شخوصها يصرحون اليوم بأنهم سيطلبون بقاء قوات البغي في العراق لحين تمكن العرقيين من تحقيق الأمن ، وهو الأمر الذي ستقرره قوات الإحتلال بلا أدنى شك! سوف تطلب هذه السلطة المقبلة من قوات الإحتلال البقاء في العراق. وأن هذه السلطة "الوطنية جدا" ستمنح حكومات الإحتلال ثروات العراق عن طريق خصصة كل مؤسسات العراق ومنحها لهم وفق القوانين التي وضعهتا قوات الإحتلال قبل تسليم السلطة الشكلي للحكومة المؤقتة!

 

وحين تحصل الصهيونية على إعتراف مجلس الأمن بشرعية الإنتخابات فإن قوات الإحتلال تصبح في حل من المسئولية القانونية التي تقع على عاتقها وفق المادة السادسة من إتفاقية جنيف. وبهذا يمكن لقوات الإحتلال الإستمرار في القتل والتخريب دون الخوف من المتابعة القانونية في أي وقت لاحق وذلك بإستنادها إلى أنها لم تكن قوات إحتلال وإنما هي قوات حليفة لدولة ذات سيادة مما يخرجها عن حدود المسؤولية القانونية التي تقع على عاتقها في حال كونها قوات إحتلال. إن هذا في تقديري هو السبب الرئيس للإصرار على عقد الإنتخابات في الموعد الذي حدده مجلس الأمن بناء على طلبها. فلو أن الإنتخابات لم تقم في وقتها لأصبح وضع قوات الإحتلال عرضة للطعن والشك من حيث مشروعية وجوده حتى بموجب القرارات المرتجلة التي أصدرها مجلس الأمن منذ الغزو والإحتلال. وهذا يعني أن قوات الإحتلال بكل أفرادها تصبح عرضة للمساءلة القانونية أمام محاكم العالم في أي وقت كان عن سلوكها في العراق في تلك الفترة التي لم يكن وضعها القانوني قد تحدد.

 

وخلاصة هذا هو أن قوات الإحتلال تريد أن تهرب من مسئولية خراب العراق بالإدعاء بأن حكومة العراق المنتخبة بشكل شرعي هي المسئولة عن العراق وأن عمل تلك القوات إنما هو بطلب رسمي وقانوني من تلك القوات ، اي أنه ليس هناك غزو ولا إحتلال ولا خراب ولا قتل ولا تدمير ولا خرق لكل أعراف الأرض والسماء!

 

ماذا سيحدث بعد الإنتخابات؟

لست منجما ولكني محلل أبني ما أقوله على مشاهدتي للحدث وإستنتاجي لما يمكن أن يحدث. فأخلص لما يلي:

إن نوعا من الإنتخابات سوف تجري لأن إيقافها إعتراف بالهزيمة الكاملة وهو ما لا يمكن أن يقع الآن.

إن الصيونية سوف تسوق تلك المسرحية على أنها عمل متميز وفريد وسوف يعزف الإعلام العربي ، والذي هو في أغلبه في خدمة الأعراب الصهاينة  أو أغبى حتى من ذلك ، على تلك النغمة.

سوف تسارع الصهيونية إلى الطلب من مجلس الأمن بإصدار قرار يعترف فيه بنتائج الإنتخابات وسوف يصدر مجلس الأمن راغبا أو صاغرا مثل ذلك القرار.

سوف ينقسم العراق ، ولا أقول يقتتل ، على أسس طائفية وعرقية ، بين الشيعة والسنة من جهة وبين الشيعة والأكراد من جهة ثانية.

سوف تتفق الصهيونية مع الحكومة المقبلة ، والموالية لها دون أدنى شك ، على طلب التالية للأولى للبقاء في العراق مدة تحددها المتطلبات الأمنية.

سوف يوضع جدول زمني لإنسحاب قوات الإحتلال من المدن إلى مواضع لها حصينة في معسكرات يجري حال¡