نواقض وحدة المسلمين : الطائفة اولاً

شبكة البصرة

صلاح المختار
      يخطئ من يظن ان أكبر تهديد للمسلمين هوأعداء الاسلام، بل يصل هذا الظن الى حد الاثم الفاحش، حينما ينام على وهم ان العدو يشتم الاسلام علنا ويحمل السيف عليه تحت اضواء ساطعة ، فالاعداء الرسميون  مشخصون ومحددو الهوية وخططهم معروفة، ومن ثم فالحصانة ضد تآمرهم موجودة. إذاً ثمة سؤال يفرض نفسه: من يهدد حصون الاسلام وهوية المسلمين؟ دون ادنى شك ان التهديد الاول، والاخطر، هو كل عمل يسمح
بشق الصف الاسلامي وجعل وحدة المسلمين مستحيلة. بل ان ذلك الانشقاق يسمح ببروز جهات منشقة عن الدين، لكنها تعمل باسمه، تحارب المسلمين بضراوة وغل واصرار، لانجد مثلها لدى الاعداء التقليديين للإسلام !
فمن هم هؤلاء ؟ إنهم خيول طروادة الماشقون سيوف الطائفية بوجه الاسلام والمسلمين، والذين لايقبلون بأقل من حكم الطائفة المطلق، المصمم على اجتثاث الطوائف الاخرى، واجبار افرادها على الاستسلام المطلق لفقههم وتفسيرهم للاسلام، وتلك هي كارثة الكوارث التي حلت بالاسلام !

اجتهاد؟ ام اجتثاث؟

     لايوجد اعتراض على وجود طوائف في الدين الواحد، فتلك ظاهرة طبيعية تعكس وجود اجتهادات ومدارس فقهية تنتمي كلها، وتلتزم كلها بجوهر الدين، وتختلف حول التفاصيل. لكن المشكلة تبرز، وتصبح خطراً على وحدة الدين، حينما يدعي طرف ما بأنه هو وحده يمثل الاسلام، وان الطوائف الاخرى محض هراطقة منحرفون عن اصوله، ومن ثم فإن هذا الطرف يضع استراتيجية بعيدة المدى تبشيرية، لكنها تستهدف تحويل المسلمين الآخرين، ووضعهم بين خيارين: اما إتهامهم بالكفر، او اتباع المبشرين بسيادة طائفة ما على الاسلام!
     كلنا نعرف أن في الاسلام مذاهب يتبع كلاً منها مسلمون، لكنها جميعها مجرد مدارس فقهية، تختلف حول الفروع الثانوية، وتلتقي عند النبع الاعظم : القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ولذلك لم تبرز في تأريخ المذاهب الاسلامية نزعة استئصالية وتكفيرية كبرى الا مع ظهور التشيع الصفوي، وليس التشيع العلوي، حيث اختط الصفويون طريقاً جديداً، يقوم على تأسيس دين جديد تحت غطاء مضلل هوالتشيع. وكان ابرز ما في هذا الدين الجديد هو تمحوره حول اقناع اتباع المذاهب الاسلامية الأخرى بالإنضمام اليه لأنه هوالاسلام الحقيقي ، ولآن المذاهب الاخرى لاتمثل الاسلام الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم واودع اسراره الى ابن عمه الامام علي كرم الله وجهه كما يدعي الصفوي المعتمر عمامة سوداء او بيضاء! اما التبشير في اوساط غير المسلمين فهو ليس الهدف، وهذا بحد ذاته مؤشر جدي وخطير لما ينطوي عليه هذا الضرب من الطائفية .
     ان هذا الطريق لايوصل ابداً لوحدة المسلمين ولا يخدم قضية الاسلام ، لأنه يضع بقية المسلمين امام تحد خطير، يجب ان لايظهر في وقت يتعرض فيه المسلمون للابادة الجسدية والاجتثاث الديني والوطني والقومي من قبل الصهيونية واتباعها في الغرب .
ولعل ابرز مظاهر الخطر المتجسدة فيه هو الاصرار الغريب على تطبيق شعارالطائفة اولاً! مامعنى هذا 

القلب الجذري لقواعد البداهة

     إن حوزة السيستاني الصفوية، وبأوامر خارجية، رفعت علناً اثناء غزوالعراق، - وقبله كان ذلك سرياً- دعوة تقوم على الزام شيعة العراق بعدم الدفاع عن وطنهم المعرض للغزو، ومهادنة المحتل ، اولاً، ثم التعاون معه ومساعدته على تثبيت اركان الاحتلال ثانياً، من خلال اصدار فتاوى تحرم المقاومة المسلحة وتسمح فقط بما اطلق السيستاني عليه وصف المقاومة السلمية، وهي في الواقع ليست مقاومة سلمية ابداً، وتوفير الدرع البشري العراقي ، او المستورد من الجوار، للجيش الامريكي كي يحميه من المقاومة الوطنية، والذي سمي الحرس الوطني، ويسميه العراقيون، بصواب تام،الحرس الوثني، واصدار أوامر الحوزة بتشكيل احزاب ذات طبيعة طائفية بالتعاون مع الاحتلال وتسهيل اموره .
      وبدفع من الحوزة الصفوية روجت نظرية مدمرة لوحدة مسلمي العراق تقول : ان السنة قد حكموا العراق لقرون وحرموا الشيعة منه، رغم انهم الأكثرية! وحان الوقت ليحكم الشيعة بمساعدة الغزو الذي دمر الدولة العراقية. بل ان بعض غلاةالصفويين وصف الوضع على انه استعمار سني للشيعة وطلب انفصال الشيعة عن العراق ، اذا فشلوا في حكمه! وقد عبّر عن هذا الموقف الخطير بإعلان تشكيل الفيدرالية الشيعية في جنوب العراق! ان المعنى الرئيسي المتضمن في كل ذلك ، هو ان الحوزة تتبع نفس خطوات التمرد الانفصالي الكردي في شمال العراق وتكملها، فالتمرد الكردي وبتحريك صهيو- امريكي، عزل شمال العراق عن الوطن الأم ، ووفرت له حماية خارجية بحجج شتى سقطت الآن كلها، وثبت ان الهدف كان الانفصال. وهذا بالضبط ماتفعله الحوزة في الجنوب العراقي.
     لقد قلب شعار ونهج الطائفة اولاً كل بدهيات الوطنية لدى بعض اتباع الحوزة ، وحولهم من عراقيين يجب ان يدافعوا عن وطنهم المهدد، الى معاول تستخدم لتهديمه! وماكان ذلك ليحدث لولا الطبيعة التبشيرية للتشيع الصفوي المناقض جذرياً للتشيع العلوي.

من الإجتهاد الى خنادق متقاتلة

      كان التشيع في اصله موقفاً سياسياً لايقوم ابداً على اي فلسفة فقهية او مذهبية، حيث طالب شيعة علي، اي بتعابيرنا المعاصرة- انصار علي- كرم الله وجهه ، بأن يكون هو خليفة المسلمين. وهذا الاصل لاخلاف حوله، واذا انطلقنا منه اكتشفنا بسهولة تامة أن ماحصل، بعد ذلك، كان خروجاً على اصل الخلاف، ودساً لمفاهيم وممارسات غريبة عن النهج العلوي، ومن ثم الحسيني، ويجسد مفاهيم زرادشتية لا صلة لها بالاسلام. وفي هذا الاطار يرى الباحث في هذا الموضوع ان عناصر فارسية ويهودية، متسترة بالاسلام، لعبت الدور الحاسم في نقل الاجتهاد والخلاف السياسيين الى صراع أبدي لايحل بين بشر يتخندقون في حفر متقابلة ولا تلتقي ابداً!
     إن التجلي الاخطر والأكثر تدميراً لجوهر الاسلام ، هو هذا الاصرار الصفوي على رفض التعاون مع المسلمين الآخرين ، حتى وهم يتعرضون للابادة الجماعية ولغزو الوطن واستباحة الاعراض ومحو الهوية ! بل ان العجز عن توحد المسلمين لمواجهة الخطرالمميت لم يكن ثمرة خطأ في الاسلوب او الاجتهاد، لأن الطفل الغر يفهم مايجب عليه فعله ، حينما يرى النار قريبة جداً منه، بل هو نتاج نهج اجتثاثي هدفه القضاء على الاغلبية الاسلامية ، واجبارها على قبول التشيع الصفوي حتى لو اقتضى ذلك السماح بغزو الوطن وتدميره!

اذا حكمت الطائفية

     وتجرنا هذه الحقائق جراً الى جانب مثير للقلق في هذا النهج، وهو ان الطائفية اذا حكمت في العراق، فسوف يكون ذلك بداية لعصرالمجازر الجماعية بين المسلمين، فكلا المعسكرين الطائفيين الصفوي والسني لايقبل اقامة حكومة دينية ائتلافية من الطائفتين، لأن كلاً منهما تدعي انها هي الاسلام الحقيقي! وبما ان كلاً منهما مغموسة حتى شعر الرأس بنزعة تكفير الآخر، او على الاقل اتهامه بالضلال عن الاسلام، لذلك ليس من الطبيعي ان تتفقا على حكم اسلامي عام، لايمثل طائفة معينة. وذلك هو مدخل القتال الاسلامي- الاسلامي! وهذا بالضبط هو ماخططت له الصهيونية الامريكية في العراق، والاصرار الصفوي والامريكي على اجراء الانتخابات رغم ان كل الظروف مجافية لذلك هو احد صواعق تفجير حرب أهلية.

وجه بشع

      ان شعار الطائفة اولاً هوالوجه الاشد بشاعة وخطراً على الوطن والاسلام للطائفية، سواء كانت صفوية او سنية، وهوالتهديد الاخطر ليس للعراق فقط بل للاسلام ووحدته ووجوده ، ففي وقت يواجه فيه العرب والمسلمون حروب ابادة جماعية، تقوم بها الصهيونية الامريكية ، نجد الطائفيين مشغولين بحسابات من يحكم؟ وكيف تٌبعد الطائفة الاخرى؟ او يتحالف معها تكتيكيا للاستفادة المؤقتة ثم تضرب، ويعلن حكم الطائفة الواحدة! في العراق تظهر خطورة هذا الوضع، في اخطر واسوأ اشكالها ، لانه موزع طائفياً بين الشيعة والسنة، وبنسب قريبة جداً، ان لم تكن متساوية، لذلك فإن السعي الصهيو- امريكي لاستبعاد طائفة بواسطة اخرى هو جرس انذار يحذر من تنفيذ مخطط تقسيم العراق بعد اشعال حرب اهلية.

ما الحل؟

      ليست الأوضاع في العراق ميئوساً منها، كما قد يتوهم البعض، فالطفح الجلدي الطائفي الذي نراه هو ثمرة تخطيط وعمل خارجي صهيو- امريكي، واقليمي، اما داخل العراق فإن شيعة علي كرم الله وجهه يرفضون منطق الشيعة الصفويين ،لانه وضع لخدمة غير الاسلام وغير العرب، لذلك فشيعة علي هم  قادة المقاومة المسلحة في جنوب العراق. وهذه الحقيقة تكشف النقاب عن حقيقة اخرى، وهي ان المقاومة الوطنية هي القوة الاعظم في العراق، فالذي يدحر اميركا، وقواتها المسلحة وامكاناتها التكنولوجية، قادر بلا شك على دحر الفتنة وقبرها، وسير الاحداث في العراق المحتل يؤكد ذلك تماماً.
     اذاً لماذا مناقشة هذا الموضوع ؟ ببساطة اردنا أن نفعل كما يفعل الاطباء، فبعد ظهور الطفح الجلدي ندرك ان المرض قد ظهر ويجب معالجته، وبما ان الطفح الجلدي للطائفية قد ظهرت مخاطره جلية في العراق، يجب ان نمنع استمراره فيه اولاً، وان نحمي بقية العرب والمسلمين من عدواه، ثانياً. وذلك لن يتم إلا اذا تمسكنا بالاسلام  العام، وليس بطائفة معينة، ورفضنا بشدة ان نذبح الوحدة الاسلامية من اجل مصالح اجنبية تتبرقع
باسم الاسلام. وهذا يعني تحديداً حتمية اسقاط شعار الطائفة اولاً وتدعيم شعار الاسلام والوطن اولاً. لقد اكدت احداث العراق ، وبصورة لا تقبل اي التباس ، ان وجود احزاب مبنية على اساس طائفي وليس على اساس الاسلام العام ، والوطنية والقومية ، هو تنفيذ لمخطط صهيو- امريكي . ومهما اقسم من اسس تلك الاحزاب على انه مسلم ويريد خير المسلمين ، فاننا نرى سيف الطائفية بيده وهو يجتث راس الوحدة الوطنية والاسلامية .

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الخميس 25 ذي القعدة 1425 / 6 كانون الثاني 2005