نواقض الديمقراطية : النزعة الامبريالية

شبكة البصرة

 صلاح المختار

      في مقال له نشر مؤخراً يصف باتريك بوكانن، المرشح السابق للرئاسة الامريكية والكاتب اليميني المعروف، الامبريالية الامريكية بأنها (امبريالية ديمقراطية)، فهل هذا الوصف صحيح؟ وهل يمكن للامبريالية أن تكون ديمقراطية ؟ ان الاجابة على هذين السؤالين تتطلب التذكير الموجز بمعنى الامبريالية والديمقراطية، كي نرى ان كان بالامكان الجمع بينهما،ام انهما نقيضان لايلتقيان.

تحديد المعاني

      إن الكثير من الالتباسات في الوضع الانساني تنجم عن سوء فهم المصطلحات المستخدمة في الحوار، او التخاطب، وهذه الحقيقة استخدمت، كما هوحال اميركا دائماً، في تطوير نظرية سيمانتيكية لغوية تفسر مشاكل واحداث المجتمعات والتاريخ الكبرى، على اساس انها ثمرة سوء فهم المعاني اللغوية، وهذا خاطئ تماماً لانه يتعمد اخفاء الاسباب الاقتصادية وتضارب المصالح المادية ، التي تعد العامل الاساس في الصراعات الكبرى والحروب التي اشعلها الغرب.

      اذن علينا ان نحدد بدقة ماتعنيه الامبريالية والمصطلح الآخر الديمقراطية . فالامبريالية، لغة، تعني نزعة التوسع الامبراطوري الخارجي من اجل العظمة والنفوذ والنهب، اما الامبريالية، اقتصاداً، وبمعناها الحديث، فهي تعني المرحلة العليا من التطور الرأسمالي، والذي يتخذ شكل الاعتماد، في التوسع الخارجي،على تصدير رأس المال. وهذا هو تعريف لينين للامبريالية. وهناك تعريف معاصر للامبريالية يجعلها متجسدة في ظاهرة العولمة. في هذه المعاني المختلفة للامبريالية، يبدو واضحاً أنها نزعة التوسع في الخارج والسيطرة على الآخرين، أو على ثرواتهم. ويخطئ من يظن ان الامبريالية كانت نهج اليمين البورجوازي الاوربي والامريكي فقط ، فهي سمة مشتركة بين شرائح البورجوازيات، والبورجوازيات الصغيرة ، في اوروبا، بما في ذلك (الاشتراكيين الديمقراطيين )، كحزب العمال البريطاني والحزب الاشتراكي الفرنسي ، فهؤلاء جميعاً يعتقدون بأن العالم غير الاوروبي ، والذي نسميه (الدول النامية) او(العالم الثالث) ،عالم متخلف سكانياً لدرجة العجز عن استثمار ثرواته الطبيعية، لذلك تتدخل (امبريالية الاشتراكيين) مثلما تتدخل امبريالية الاستعماريين، من اجل خدمة الانسانية عبر استثمار ثروات العالم الثالث!

        هذه النظريات الامبريالية، نجد جذرها الاجتماعي والثقافي في المفهوم الاوروبي الاصلي للديمقراطية، وهو المفهوم الاثيني، نسبة الى اثينا عاصمة الاغريق قبل الميلاد، فتلك الديمقراطية كانت حكرا على الارستقراطيين السادة، اما الآخرين فهم عبيد لادور لهم سوى الخدمة، وبذلك ازيح دورهم كبشر. وعند هذه النقطة نعود الى مابدأنا به، وهو استخدام بوكانن لمصطلح (الامبريالية الديمقراطية) الذي يجمع بين معاني ماسبق عرضه، فهو يشير من جهة اولى الى النزوع التوسعي الخارجي، لكنه يتخفى بمظهر ديمقراطي ينتمي لصنف (ديمقراطية اثينا) ، القائمة على التمييز بين ( السادة) و(العبيد) من جهة ثانية .

        الجمع بين الصيف والشتاء ولئن كانت امبريالية الاستعمار قد ظهرت في مرحلة السيطرة التامة على الاسواق الداخلية الوطنية، واتجهت نحو (شعوب متخلفة )، كانت تعاني من كل عوامل الضعف من امية وبدائية انماط الحياة،   فوجدت من يستخدم عقلية (ديمقراطية اثينا) في تسويق استعمار الآخرين، فاننا في (عصر العولمة) و(القرية الالكترونية) لانستطيع ابداً تسويق ثقافة الديمقراطية الاثينية، التي تمنح للسادة حق استعباد الآخرين، وسوقهم كالبهائم نحو اهداف يحددها الامبريالي، ومنها فرض الديمقراطية، كما يفعل الامبراطور التوسعي، جورج بوش الابن.
لقد تغير العالم كله فحتى اشد الناس تخلفاً يملك راديو ترانزسستر، يمكنه من التعلم وفهم كثير من احداث العالم . ولعل المثال الهندي هو افضل مايمكننا الاشارة اليه، اذ بالرغم من ان الامية في الهند، فعلياً وليس رسميا، ًتتراوح نسبتها بين0 7-80% من السكان ، وبالرغم من ان من يتقنون الانكليزية لايتجاوزعددهم 2% من السكان، فقد مكنت تكنولوجيا المعلوماتية الاميين من استخدام الكمبيوتر قبل ثلاث او اربع سنوات، حينما طور كومبيوتر خاص للاميين او انصاف الاميين.

        اضافة لذلك فان الغرب ـ اميركا الشمالية واوروباالغربية- قام اثناء الحرب الباردة، وخدمة لمتطلباته، برفع شعارات (حقوق الانسان) و(المساواة بين البشر) ،  و (حق تقرير المصير ) وغيرها، والتي كانت اهم اسلحته في الحرب الايديولوجية ضد الشيوعية، وهو، لذلك، لايستطيع الآن هجر هذه المفاهيم ، وهي في اساسها وبغض النظر عن الدوافع من طرحها، فوانيس نور تمكن الانسان في كل مكان من رؤية نفسه مساوياً لكل انسان آخر، وبغض النظر عن لونه ودينه وقوميته وحالته الاجتماعية. فكيف اذن يمكن الجمع، في زمن كهذا، بين وصاية السادة وتساوي البشر وتمتعهم كلهم بنفس الحقوق الاساسية، وفي مقدمتها (حق تقرير المصير) ؟ ان بوكانن ينساق خلف ثقافة الديمقراطية الاثينية حتى وهو يعارض امبراطورية بوش! فمجرد استخدام مصطلح (الامبريالية الديمقراطية) يذكر بالسادة والعبيد، وينقض بشدة، وعلى نحو صارخ، اي امكانية لوصف احتلال بلد اخر، من أجل (تعليم) شعب اخر كيف يصبح ديمقراطياً، بالعمل الديمقراطي . ان الاحتلال هو احتلال بكل سماته الثابتة وفي مقدمتها سلب الشعب المستعمر حريته ، ومن المستحيل قيام نظام ديمقراطي بلا الارادة الحرة للشعب مرة اخرى : الديمقراطية ثقافة ان الديمقراطية هي، قبل ان تكون نظاماً سياسياً، ثقافة اجتماعية، فلولا سيادة هذه الثقافة لما برزت النظم الديمقراطية، وهي لذلك ثقافة ووعي اجتماعيين. وهذه الثقافة وذلك الوعي لايمكن ان يكونا ملتبسين او ينطويان على ازدواجية في المعايير والممارسة، الا اذا قاما على قاعدة التميز العنصري، او قاعدة النهب النخبوي، وبما ان امريكا هي عبارة عن اكبر شركة تجارية في التاريخ، فان ازدواجية معاييرها وتناقضاتها تنحدر من الرغبة في التوسع الامبريالي بالاساس، اي نهب الآخرين، لكنه توسع مطعم بـ ، ومتوكأ على ، افكار عنصرية انكلوسكونية، واخرى لاهوتية تبشر بحروب ابادة ضد (اعداء المسيح).

        لايتجسد مأزق المدنية الغربية، وليس الحضارة لان الغرب لايملك حضارة ، في ظاهره مثلما يتجسد في السقوط الاخلاقي والقيمي الكامل، والسيادة المطلقة لعقلية لص الشركة الكبرى، الذي لاهم له سوى بيع سلعه بقوة السلاح او الكذب، او حتى ابادة الملايين، من اجل نهبهم والاستيلاء على ثرواتهم . وكما ان الديمقراطية، في جوهرها واساسها، هي حكم الشعب الحر، او التعبير عن الارادة الحرة للشعب، فان (الامبريالية الديمقراطية) وصف ملتبس ينطوي على اندماج ، حتى الكثير من معارضي التوسع الإمبريالي ، في العملية الايديولوجية والثقافية في المجتمعات الغربية الحديثة. لذلك علينا ان نستبعد اي امكانية لوصف الامبريالية والاستعمار بالديمقراطية حفاظاً على نقاوة مفهوم الديمقراطية ونظمها من جهة، ومنعاً لحدوث اضطراب فكري مقصود من جهة ثانية.

 ديمقراطية الانسان الواحد

      ان القرون الثلاثة الماضية قد بلورت مفاهيم الغرب الاساسية، والتي اصبحت واجهة ثقافته ونظمه السياسية، ومن بين تجليات تلك الثقافة حقوق الانسان  ، التي ساوت بين البشر مهما اختلفت خلفياتهم، والقانون الدولي، الذي ساوى بين الدول، صغيرها وكبيرها، كما وضح ذلك ميثاق الامم المتحدة .  لذلك سقطت، من الناحية النظرية والقانونية، ديمقراطية اثينا، وسادت ديمقراطية الانسان الواحد، المتعدد الخلفيات. لكن (ديمقراطية) السادة والعبيد مازالت تمارس، في الواقع، فالغرب بشكل عام وامريكا بشكل خاص عاملا البشر على قاعدة التمييز بين انسان متقدم، ومن ثم يتقن مهنة استثمار ثروات العالم، وانسان متخلف ، ومن ثم لايستطيع استثمار الثروات الطبيعية في بلده. وبما ان البشر بحاجة ماسة و(فورية) لثروات العالم فان وضع اليد، على قسم حيوي منها، من قبل الغرب، وحرمان شعوب العالم الثالث منها ، يفجر ازمات تمييز واستغلال وحروب وغزو، وتلك هي البيئة المثالية لنقض الديمقراطية .

الزورق الالكتروني

      حينما استخدم وصف ( القرية الالكترونية ) لوصف عالم الثورة المعلوماتية في التسعينات، من القرن الماضي ، كان ردنا عليه هو التالي : ان العالم ، بعد ان صار قرية الكترونية يستطيع فيها الجالس في اليمن ان يخاطب ،عبر الانترنيت، صديقه في امريكا وشقيقه في العراق، دون عوائق، وهو عاجز عن الاحساس بالمسافات الجغرافية بينه وبين الآخرين، ويتصور انه يخاطب شخصين يجلسان جنبه في الغرفة الثانية، تداخلت مصالحه ومصائره، واصبح فقر مواطن العالم الثالث مصدر تهديد لثراء ثري العالم الاول، وصار ازدياد فجوة الفقر والمعلوماتية عامل ترجيح لكفة الصراعات حول الرزق، بين الافراد داخل الامم الفقيرة، وبين الامم الغنية والامم الفقيرة.
      وهكذا تحولت القرية الالكترونية بسبب غياب العدالة، الى زورق الكتروني، وتعمقت الصلات العضوية بين الامم وشعوب الارض، فمثلاً صار التلوث الذي يحصل في الدول النامية او غيرها تنتقل آثارة عبر الحدود الى كل الجنس البشري . واذا قبلنا بمفهومي وحدة الانسان والزورق الالكتروني علينا ان نتساءل ماذا يحدث حينما يقوم احد راكبي الزورق، وهوفي عرض البحر، باحداث ثقب في الزورق ؟ بالطبع سوف يغرق ويموت الجميع ولن ينجو احد . من هذه الزاوية يجب ان يتم التعامل مع مشاكل الحروب والفقر، والفوارق المدمرة بين الشمال والجنوب، والغزوات الاستعمارية، وعلى الغرب ان يفهم ان ابادته لملايين الناس لن تمر دون رد فعل مناسب، لانها ستخلق ردود فعل مشحونة بمشاعر الظلم العميقة ونتاجها الطبيعي: العنف يولد العنف  .

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الخميس 2 ذي الحجة 1425 / 13 كانون الثاني 2005