نواقض الاستقامة : البراغماتية

شبكة البصرة

صلاح المختار
       يترجم مصطلح البراغماتية (
PRAGMATISM) الى العربية بمصطلح الذرائعية، وباعتقادي أن هذه الترجمة غير دقيقة ،لانها لاتعكس جوهر الكلمة الاجنبية، بل تقدم جزءاً من معناها فقط. اذن ماهو المصطلح العربي الاقرب اليها؟ انه النفعية. تعرف البراغماتية بانها طريقة حل المشاكل والقضايا بواسطة وسائل عملية. وهذا التعريف وسيلة براغماتية بحد ذاته، لأنه محاولة لاخفاء جوهرها، القائم على قياس كل عمل اوشيء، او حالة، بما تحققه من فائدة او ضرر، فالشيء جيد وصالح اذاكان نافعاً، وهو سييء اذا كان ضاراً. والسؤال هناهو من يقرر الفائدة والضرر؟ انه الشخص المعني معتمداً على معاييره الخاصة كاداة لتقويم الاعمال والاشياء،
ومن ثم يفقد الشيء خصائصه الموضوعية، مثلاً الحق يصبح نسبياً، حسب الشخص المتعامل معه، وليس
حالة تحددها عوامل موضوعية، ويصبح عرضة لثقافة ومزاج ومصالح ونوعية قيم الشخص ذاته!

 اصل البراغماتية

       يمكن رصد المعاني المختلفة السائدة  للبراغماتية في المجالين الاجتماعي والسياسي، ففي الغرب بشكل عام، يضعون البراغماتي مقابل الايديولوجي، وكنقيض له، فحينما تقول هذا الانسان ايديولوجي، فإنك تقصد انه يتقيد بمنظومة افكار واهداف ثابته تحدد مواقفه العامة سلفاً، كالوطنية والقومية والدين. مقابل هذا النمط يقال هذا الرجل براغماتي، ويقصد بذلك انه متحرر من كل ايديولوجيا، او موقف مسبق، ويتصرف وفق اللحظة او الظرف، مستهدياً بما ينفعه ويضره هو شخصياً. لذلك فالبراغماتية، اساساً، هي منطلق فردي، وتجمع هذه المنطلقات عددياً، اي دون ان تصبح ذات مصدر جمعي واحد، لتعبر عن مصالح مشتركة بين افراد توجد بينهم اختلافات وتناقضات جوهرية وثانوية كثيرة.
     وازدهار هذه الفلسفة في اميريكا يفسر وبوضوح جوهرها، فأمريكا ليست دولة ذات هوية قومية، كفرنسا وايطاليا مثلاً، بل هي ملاذ تجمعات مهاجرين، تركوا بلدانهم الاصلية من اجل الرزق، او تم نفيهم اليها من السجون التي اكتضت بالمجرمين، او من الهاربين من الاضطهاد الديني، لذلك كان طبيعياً ان تختلف، بل وتتناقض، ثقافاتهم ودوافعهم، وهنا برزت اهمية وجود فلسفة تلبي رغباتهم المختلفة، فازدهرت البراغماتية لانها تخاطب، وتستجيب، للمصلحة الفردية وتمنحها غطاء المشروعية الذاتية.

البراغماتية الانتهازية

     ولئن كا ن المعنى السائد في امريكا ،هوالذي يطبع البراغماتية بطابع الذات المطلقة السيادة على المجموع، او النحن ، فإن ثمة مفهوم آخر اقل ذاتية ظهر في اوروبا، ويعد امتداداً للفكر البراغماتي، هو الذي طوره وبلوره في اطار فلسفي ميكيا فيلي، والمتجسد في مقولة الغاية تبرر الواسطة. اذ اننا مهما حاولنا ان ننسب هذا النمط من التفكير الى فلسفات معينة، فإن جوهره يكمن في البراغماتية. اننا حينما نقول بأن عقيدتنا كذا نوصف باننا ايديولوجيون في الغرب، لكننا حينما نفصل الهدف العقيدي عن قدسيته وجودته، ونستخدم وسائل لا اخلاقية، او تناقضية، نقع في بئر البراغماتية.
      وهذه الازدواجية هدف نبيل ووسيلة وضيعة، هي ابرز مايميز الانتهازية السياسية، وشقيقتها التوأم: الانتهازية الاجتماعية، لأن الميكيافيلية تؤمن الزواج غيرالشرعي بين نقيضين، استناداً لمفهوم محدد، هو تحقيق المصالح الخاصة،   سواء بفرد اوجماعة. لقد تلوث الهدف النبيل بالوسيلة الفاسدة، والميكيا فيلي يعرف تماماً ان التلوث قدوقع في صلب هدفه، الذي كان نبيلاً ونظيفاً، ومع ذلك يستمر في اتباع وسائله القذرة! ماهي النتيجة؟
بالطبع سيضطر الميكيافيلي لإعادة النظر، تدريجياً باهدافه وإعادة تفسيرها وكتابتها بطريقة تفصلها عن اصلها، عملياً، وتجعل الاصل مجرد غطاء شكلي لفكر أخر مختلف تماماً. وهكذا نجد هذا الانسان وقد صار مركزاً للكون، وليس جزءً او ذرة منه ويخضع لقوانينه المطلقة، رغم انه في قرارة نفسه يدرك انه مازال ذرة تافهة في كون عظيم، سيده رب اعظم، يقرر كل شيء!
     تلك الحقيقة تقرر طبيعة الانتهازي البراغماتي، فهو، مهما تظاهر بالقوة واليقين يمتلك عموداً فقرياً يسند موقفه مصنوعاً من نفايات مزابل الورق، لذلك سرعان مايتمزق، ويسقط، عند مواجهة موقف صعب يهدد حياته، مصالحه الانانية، فيتراجع وينقلب، كقرد السيرك، على ماكان يتباهى به، ويتبنى سيداً جديداً ! ان الاصل الضائع
في معادلة الانتهازي، الذي يستخدم البراغماتية لتبرير وتسويق مصالحه الانانية، هو انه يدرك انانيته ويعرف انه ملوث عقلياً وروحياً، مهمابدت اسنانه بيض، لذلك يفتقر الانتهازي، في كل اشكاله، الى الاستعداد للتضحية بأي شيء مهم حتى لوكان ذلك من اجل مصلحة اخرى انانية!

البراغماتية الواقعية

       يقدم البعض لدينا تفسيراً آخر للبراغماتية، عماده وصفها بأنها خيارالواقعية. ففي غمرة مواجهة تحديات خطيرة، كالتي نواجهها في كل الوطن العربي، خصوصاً في العراق، طفا على سطح السياسة والفكر عدد من قرود السيرك الذين يقولون: يجب ان نكون واقعيين، وان لانناطح الجبل بقرون من طين، لأن ذلك انتحار، وعلينا ان نقبل بالإستسلام لامريكا واسرائيل، حفاظاً على حياتنا ومصالحنا. ان ابرز هؤلاء هم مارنيز  الاعلام العرب، ومنهم من يطلق عليهم وصف ملتبس الليبراليون الجدد ، لانهم في الواقع مسوقو ومبررو الابادة الجماعية. البراغماتية الواقعية هذه تقذفنا آلاف السنين الى الخلف، الى مرحلة ماقبل الانسانية، حينما كان الحيوان المسمى الآن انسان، يعيش كما يعيش الخنزير البري او الضبع، بلا قيم او روادع، وهدفه غريزي صرف: حفظ البقاء.
      الحضارة والتحضر، نقلت الانسان تدريجياً من الحيوانية الى الانسانية، بعد ان علمته وزرعت في روحه وعقله طبيعة ثانية، مستندة على منظومة قيم عليا روادع وموانع حجْمت وقيدت الطبع الحيواني فينا، وجعلتنا نسمو فوق عالمنا الأصلي : عالم الحيوان ونؤسس عالماً جديداً، هو عالم الانسان، والفرق بين العالمين هو ذاته الفرق بين ضباع و خنازير البراغماتية الواقعية، وحملة المبادئ والشهداء والمناضلين.
ان كتائب المارنيز العرب، في الاعلام والثقافة والسياسة، يعرفون تماماً انهم يرتدون نحو الحيوانية، بل الى ماقبل الحيوانية، مستخدمين منطقاً تبريرياً دونياً، يدغدغ الغريزة ويهين العقل. ان الانسان هو
انسان لانه مقيد بقيم عليا، وحينما يتخلى عنها، تحت التهديد، يفقد احساسه بالتميز، ويصبح، كالكلب، يتبع من يقدم له عظمة! وهؤلاء الذين يروجون لضرورة الاستسلام لقوة امريكا، يريدون تدمير وتفكيك اعظم مايمز الانسان: الكرامة، فباسم غريزة البقاء يدافعون عن عهر الضمير، ويستخدمونه غطاء لبيع الوطن والدين والعرض، وكل هذه الاشياء تلخص بكلمة واحدة: الكرامة، والكرامة هي الموقف القيمي والاختيار الحر للتضحية من اجله.

 تحقير الايديولوجيا: لماذا؟

      كل هؤلاء يتعمدون تحقير الايديولوجيا، استناداً الى فكرة صحيحة، في الاطار المنهجي، وهي ان المجتمع والانسان والكون، اكبر بكثير من أي هدف، واعقد بكثير من اي فلسفة، لكن هذا الانسان مضلل تماماً، فلئن كانت الدوغماتية، اي التمسك الاعمى بالقوالب الجاهزة، مرفوضة وخطرة على انسانية الانسان ،لانها تقيده احياناً بأوهام، فإن في الايديولوجيا رموز انسانية الانسان، وفي مقدمتها منظومة القيم العليا، التي تتشكل من الدين والوطنية وافكار وضعية صاغها الانسان بفضل تقدمه وخبرته.
     لايمكن للانسان ان يبقى انساناً، مكرماً من قبل الله ، الا اذا خضع لمنظومة قيم، لان ذلك هو الذي يمنعه من الارتداد للحيوانية والسلوك الفاسد، وهنا يكمن بالضبط سر النزعة التحقيرية لدى الغربيين، ومارينز الاعلام العرب، للايديولوجيا والمواقف الثابتة، القائمة على الدفاع، حتى الاستشهاد اوالنصر، عن الوطن والدين والقيم العليا والحقوق، فأذا اقنعنا الفرد العربي ، بان مصلحته الانانية تأتي قبل قدسية الدين والوطن والقيم العليا، وقدمنا له عظمة من مطعم مكدونالد ، فإنه سيصبح جاهزاً لقبول الغزو الصهيو- امريكي، دون مقاومة، بل سيعده تحريراً، كما فعل العملاء في العراق ، الذين جاءوا مختبئين في احذية جنود الصهيو- امريكية ودمروا العراق، لأجل ان يرمى لهم بوش عظمة رفضت كلبته اكلها!
      ان تحقير الفكر عموماً، والمبادئ خصوصاً لدى الآخر، هو ابرز كتائب الجهاد المقدس للمحافظين الجدد في امريكا، فهم ايديولوجيون حتى نخاع العظم، ويستخدمون البراغماتية وسيلة لافساد الآخر، اي نحن، كي تدمر قلاعنا الحصينة، وتخترق، عبر خيول طروادة العرب ، ومع ذلك لايرى من يتمتعون بقضم عظمة كلبة بوش، ان سادتهم ايديولوجيون! ولايسألون: لماذا هم ايديولوجيون ويطلبون منا التخلي عن ديننا وقوميتنا؟

الجواب التاريخي

      ان البراغماتية ليست فلسفة خاطئة فقط، بل هي ممارسة وضيعة، تسقط الانسان في وحل سلوك الحيوانية وماقبلها، فالانسان لم يصبح انساناً الا بفضل تطويره منظومة قيم،  وحينما يتخلى عنها يرتد، لكنه بارتداده للحيوانية، وماقبلها، يفقد الخيط والعصفور، كما يقول المثل العراقي، اي انه يخرج من مملكة الانسان لكنه لايدخل مملكة الحيوان مجدداً، بل يدخل مملكة عهرالضمير، وهي مملكة يأكل فيها المخلوق ذاته كي يعيش، وهي احط  واقذر ممالك المخلوقات. لذلك فالبراغماتية هي فلسفة وقوعية وليست واقعية.
     لقد قدمت المقاومة الفلسطينية ،الجواب التاريخي على مقولات مواطني مملكة عهر الضمير،
بتأكيد ان الانسان هو انسان لانه يقاوم الظلم ويرفض الانتساب لمملكة عهرالضمير. اما المقاومة العراقية فلم تكتف بما اكدته شقيقتها وتوأمها المقاومة الفلسطينية، بل تقدمت خطوة حضارية كبرى، وهي النجاح في خلخلة، وتدمير اسس مملكة (امبراطورية) عهر الضمير، بتسجيل انتصارات حاسمة على قوات الاحتلال الصهيو - امريكية في العراق وتمهيد الطريق لطردها قريباً جداً من العراق.
     ان شهداء المقاومة العراقية ومقاتليها الابطال قد اعادوا للانسانية كلها، وليس للعرب والمسلمين فقط، ايمانهم بأن مملكة الله هي التي تنتصرفي النهاية، ومن ثم فإن القيم العليا هي قرين انسانية الانسان وحافظتها، والحدود الحمر التي تبقى الانسان في احضان الوطن وقيمه، وتحفظ له استقامته. ان  المعنى الحقيقي والجوهري للبراغماتية ، في ضوء ما تقدم هو اخضاع كل شيء للذات ، بكل عيوب الذات الخطاءة بطبيعتها ، والقاصرة عن الادراك الكلي ، بامتداده عموديا وافقيا، وبتعقيداته البنيوية، بصفته ادراكا لما يقع جوهره  ، اي الله وكل المشهد الميتافيزيقي ، خارج نطاق ادراكنا ووعينا. فاذا كان الانسان ناقصا بطبعه ، كيف اذن تلجم الانانية العمياء بغير الايديولوجيا؟
هل تعلمون الآن لِم قلنا في السابق، قبل سنوات، ان البراغماتية هي تفاحة الخطيئة الاولى التي توقع الانسان في فخ الشيطان حتما ً؟

        salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الخميس 9 ذي الحجة 1425 / 20 كانون الثاني 2005