نواقض الاستعمار: تغليب الخسارة على الربح

شبكة البصرة 

صلاح المختار

     والمقصود بالاستعمار هو الاستعمار الامريكي تحديداً، لأنه آخر طبعة كلاسيكية له، لكنها تنفرد بتغلب نزعة إبادة الضحايا على الصفات الاخرى، فغزو العراق- وهو مثل معاصر- ما كان ليحصل لولا تركز عيون حكام امريكا الحقيقيين، اي الشركات العملاقة مثل (هالبيرتن وبكتل)، على نفط العراق وموارده المهمة الاخرى، والتقاء هذه النظرات اللصوصية مع نظرات اخرى، لكنها (توارتية) ،لأنصار اسرائيل الذين يقولون: ان بابل تبعث من جديد على يد ملك بابلي جديد (الرئيس صدام حسين)، لذلك يجب التخلص منه مرة اخرى وافناء بابل قبل ان ينقلب الزمان!
     النهب كان، ومازال، هو الهدف الاول لأي استعمار. والرعب كان، وما زال،
هو الاسلوب الاول لأي استعمار. والكذب كان، وما زال، هو خطة التضليل الاولى لأي استعمار. وهذه الشروط الثلاثة توافرت وبصورة انموذجية واضحة في غزو العراق: النهب والرعب والكذب! لكن فرادة الاستعمار الامريكي تتجلى، في اوضح صورها، في انضمام مخلوق رابع الى (شياطين الاستعمار)، وهو المبيد فصار العالم يرى عصابة النهاب والرعاب والكذاب والمبيد! بل ان اندماج هذه الخصائص الاربعة ، اصبح هو ما يميز الاستعمار الامريكي عن
 غيره ، لدرجة ان (اسطورة جانوس) قد تغيرت ابعاد الوجه فيها ، فبدلاً من ان يحمل جانوس الاسطوري
هذا وجهين، اصبحنا نراه يحمل اربعة وجوه ، يمثل كل منها صفة امريكية مميزة، برزت وكرست منذ بدأت الهجرة الى امريكا الشمالية وقدمت (صورة حداثية) لها عملية غزو العراق.

وجوه جانوس الأربعة

      حينما سألت مادلين اولبرايت، وزيرة خارجية امريكا، اثناء رئاسة بيل كلينتون: لماذا ارسلتم نصف مليون جندي (لتحرير الكويت) في عام 1991م ولم ترسلوا جيشكم لمنع قتل مليون رواندي؟ اجابت ببرود استعماري، كلاسيكي ايضاً، لم نتدخل في رواندا لأنه لا يوجد نفط فيها، فيما يوجد في الكويت ! النهب، وليس الاعمال الخيرية، هو الهدف الاعلى للاستعمار، لذلك لا يوجد استعمار بلا نهب ونهابين. وفي غزو العراق رأينا النهاب الامريكي يتعرى من كل البراقع، التي تخفت خلفها الاشكال الاخرى للاستعمار، مثل البريطاني والفرنسي ، فالآن لا ي وجد رادع دولي يحد من حركة النهاب الامريكي، كما كان الحال اثناء الحرب الباردة ، لذلك رأينا (رامزفيلد ) لايكتفي بنهب ثروات العراق العامة علناً ، بل انه وجد وظيفة اخرى : انه يدخل بيوت العراقيين ، وبلا اوامر غالباً، ويطلب من اهلها مغادرتها تحت تهديد السلاح، ثم يبدأ بالاستيلاء على كل ما خف وزنه وغلا ثمنه، مثل الذهب والفضة والساعات والنقود وغيرها، ثم يخرج، وهكذا يفقد الناس كل ذخيرة العمر!.
     اما وجه جانوس الامريكي الثاني، وهو الرعاب، فإنه انبثق من جبن قاتل استولى، ويستولي، على الجنود الامريكيين في العراق، بعد ان تعلموا بسرعة ان العراقي اما قاتل او قتيل، فإن لم يقتل فسيقتل الامريكي لامحالة وهذه الحالة فريدة بالنسبة للامريكي الغازي، لأنه وحتى في فيتنام، كان يقاتل انساناً لا يريد ان يموت، وان كان مستعداً لبذل نفسه من اجل وطنه، اما في العراق فإن المقاومة العراقية قد دخلت التاريخ الانساني على انها طورت اعظم اسلحة الدمار الشامل الفردية: الهجمات الاستشهادية. فهذا النمط من القتال لا يمكن ايقافه، او دحره، مهما تفوق الغازي، وهو لذلك يصل الى عمق العدو، فيزرع الموت في صفوفه، بطريقة لا تبقي لدى
جيوشه اي قدرة على منع البكاء كالاطفال، والوقوع فريسة كوابيس تأتيهم في رابعة النهار وهم يقظون!
لقد تملك الرعب نفوس الامريكيين في العراق، وطور آليته الحمقاء: ارعاب الشعب في البلد المحتل عبر القتل العشوائي واطلاق النار على الاشباح، وكل ما يتحرك حتى لو كان جندياً امريكياً آخر!
     ارعاب الآخر هو الوجه المخفي لرعب ذاتي عنيف، تطلقه من عقاله اوامر عليا بعدم رحمة اهل البلد المحتل، واعتماد الشك اساساً لاتخاذ قرار القتل للبشر والشجر والحجر، ومنع محاكمة اي جندي امريكي مهما قتل او فعل. في الاستعمار الامريكي نرى إرعاب السكان العراقيين لا يقتصر على الجيش الامريكي كمؤسسة فقط، بل خصخصت امريكا الرعب، ومنحت افراد الجيش والمقاولين حق القتل على الهوية،
فمجرد كونك عراقياً عادياً يعني انك يمكن ان تقتل، واحياناً اثناء تسلية الجندي الامريكي. ومن اشكال الارعاب المنظم التي رأيناها هي الاغتصاب الجنسي للأسرى العراقيين، سواء في ابو غريب او غيره ، والتعذيب الجنسي والجسدي واجبار الاسرى على ممارسة اللواط والعادة السرية امام عشرات الناس!
     الوجه الثالث لجانوس الامريكي هو وجه الكذاب، ولعل اوضح صورة له هو كولن باول وزير الخارجية الامريكي، الذي ولى بغير رجعة، والذي وقف في مجلس الامن، ليقول، وبثقة تامة ووجه جامد: اننا نملك أدلة ووثائق حاسمة تؤكد ان نظام صدام حسين يملك اسلحة دمار شامل، وانه بها يهدد العالم بخطر مميت، وهاكم صوراً تثبت ذلك صورتها اقمارنا الصناعية! لكن المعلومات المؤكدة ، والصور الوثائقية حول وجود اسلحة دمار شامل، ثبت انها كانت محض اكاذيب، لفقت رسمياً، لتسويغ غزو العراق. واهم ما في هذه
القصة هي ان باول وغيره من كبار المسؤولين، هم الذين اجبروا المخابرات الامريكية على تلفيق هذه القصص، وحينما كشف ذلك نحر تينيت، مدير المخابرات الامريكية كخراف عيد الاضحى.

     وكرت السبحة: اعترف الامريكيون ان ما سمي بـ(مجزرة حلبجة) لم يكن من فعلها العراقيون، بل الايرانيون ثم تخلوا عن اتهام القيادة العراقية بارتكاب (مذبحة الجنوب)، واسقطوا تهمة التعامل مع القاعدة! بل وصل الامر حد اسقاط حتى الاكاذيب الاصغر، مثل اكذوبة (جمانة)، التي ادعت انها اغتصبت وعذبت في العراق، فتولت صحيفة الواشنطن بوست تبني قضيتها ضد العراق، والآن كشف النقاب في امريكا ان جمانة لم تغتصب ولم تعتقل ابداً وان قضيتها قد لفقت! ورغم هذا فالكذاب ما زال يكذب ووجهه جامد لا يرمش له جفن لسبب بسيط هو انه يعرف ان كذبه ضرورة لضمان قيام توأمه الذاتي (نهاب) بالنهب!
     والوجه الرابع لجانوس الامريكي هو وجه المبيد فالنهاب والكذاب والرعاب يحتاجون للمبيد، لأنه يؤمّن لهم ازاحة العقبات من الجذور، باجتثاث ارواح البشر دونما رحمة او تردد! الم تصدر ادارة بوش قانوناً يحرم محاكمة الجندي الامريكي مهما فعل؟ اذن ما الذي يمنع جندياً (ثقف) على ان العرب جنس خطر ويكره امريكا وغدار من قتل هؤلاء، والتسلي برؤيتهم يحتضرون وينزفون دما؟ ان المبيد الامريكي  سبق ان اباد (112) مليون هندي احمر، وهو يتسلى بقطع فروة رؤوسهم او اعضائهم التناسلية لصنع جرابات لتبغه منها، اونشر الاوبئة القاتلة بينهم، هو ذاته الذي تسلى، ومازال يتسلى، بقتل العراقيين في كل انحاء العراق يومياً. لكنه هذه المرة  طور (وسائل متحضرة) لم يستخدمها مع الهنود الحمر، مثل ادخال الاصابع ، والايادي احياناً، في مؤخرات الاسرى، وكي يبقى (متحضراً) يرتدي قفازات بلاستيكية ، كتلك التي يرتديها الاطباء!
     المبيد ثقفوه على ان قتل العربي معنوياِ اقسى لديه من قتله جسدياً، لذلك فان المبيد الامريكي لم يتخصص فقط في القتل الجسدي للعراقيين، بل هو يتفنن بقتلهم معنوياً واعتباريا، باغتصاب اطفال ونساء الرجل امامه، او العبث بعوراته امام اهله واصدقائه، وهكذا نرى المبيد الامريكي لايبقي انساناً في العراق الا وأباد منه روحه، اوجزءاً من روحه او جسده! وهذا بالطبع يخلق اثاراً ابدية لاتزول، مهما تعاقبت الاجيال وتصرمت القرون.

انها القيامة

      هذا النمط من الاستعمار، هو بداية تفصل بين الجنة والنار، فمن عاش في ناره لايجد خلاصاً الا في الجنة، وهذا يعني الاستعداد المطلق للاستشهاد. ان الاستعمار الابادي ليس فقط اقسى اشكال الاستعمار واخطرها، بل هو بنفس الوقت، اكثرها انتاجاً لنواقضه، واهمها تطوير سلاح الاستشهاد، المتسم بانه من اعظم اسلحة الدمار الشامل الفردية.  لقد طور العراقيون، وبفخر، اسطورة جانوس، واعادوها الى اصلها الثنائي وليس الرباعي، ففي غزو  العراق نرى تلاصقاً مدهشاً لوجهين: وجه الاحتلال الامريكي المبيد، ووجه المقاومة العراقية المدمر، الثاني انتجه الاول كترياق لدائه! ولذلك لن يختفي وجه الاستشهاد من العراق الا باختفاء وجه المبيد الامريكي.

انقلاب الميزان

      هنا نصل الى جوهر الموضوع، فالنهاب والرعاب والكذاب والمبيد ، اجتمعوا من اجل هدف واحد يؤمن لهم تحقيق اهداف اخرى، وهو استيلاء على نفط وثروات العراق، واستخدامها لحل مشاكل الاقتصاد الامريكي المزمنة، والمحافظة على (رفاهية امريكا) ، حتى لو تطلب ذلك ابادة ملايين العراقيين! وهذه الحقيقة تعني وتقود الى معرفة حدود الاستمرارية في الية الابادة الاستعمارية، وهي ميزان او معادلة الربح والخسارة ، فاللص لايأتي ابداً لفعل الخير، او للدفاع عن حقوق ومبادئ، ونحن لم نسمع ولن نسمع عن هكذا لصوص . بل ان كل اللصوص، سواء كانوا جماعات او افراداً، هم لصوص. ولذلك فثقافة اللصوصية حاكمة بلا استثناء، وقاعدة هذه الثقافة هي الحصول على مكاسب، الامر الذي يؤدي، وبحتمية لامفرمنها، الى تخلي اللص عن مشروع النهب والسلب، حينما يكلفه عمره، او ماله، بدل ان يحصل على كل ماهو ثمين.
      مرة اخرى : هل سمعتم بلص يغامر بحياته، إذا تيقن انه لن يتمكن من سرقة الضحية؟ الجواب هو كلا لم يسجل التاريخ حادثة كهذه ابداً، وهذا بالضبط مافعلته المقاومة العراقية لقلب معادلة الربح والخسارة وجعلها تعمل ضد الاستعمار الامريكي. اول مافعلته هو منع الاحتلال من الشعور بالامن والامان، بجعل هجماتها تقع في كل مكان وزمان، وبغياب الامن والامان تختفي شروط النهب المنظم. اما الخطوة الثانية فكانت جعل نهب النفط وموارده مستحيلاً على الاحتلال، من خلال منع تصديره وعرقلة انتاجه، فما دام جورج بوش قد اعتمد في انجاح الغزو على (استثمار) موارد النفط وتغطية تكاليف الحرب من موارده ، فان منعه من ذلك سيجبره على تسخير موارد امريكية لتغطية تكاليف الغزو.
     ماالذي ادى اليه ذلك؟ حتى الآن صرفت امريكا حوالى مائتي مليار دولار على الغز، وهناك مصادر امريكية تقول ان ما صرف هو اكثر من 350 مليار دولار ، وتصرف شهريا 5،4 مليار دولارً من الخزينة الامريكية . ولمعرفة الاثر المدمر لهذا الاستنزاف لامريكا، نشير الى ان العجز في الميزانية الفدرالية قد ارتفع بسبب الغزو اساساً، من 300مليار دولار قبل الغزو، الى 600
مليار دولار في عام 2004م،  وسيرتفع تقديراً هذا العام الى اكثر من 700 مليار دولار وبسبب الغزو اساسا ايضاً!

     جاءت امريكا الى العراق لتجد دواء لداء اقتصادها، فوقعت في فخ استنزاف مميت زاد اوجاع ومقاتل داءها!  ثالث مافعلته المقاومة هو استخدام سلاح الدمار الشامل الوحيد الذي تملكه وهو الاستشهاد لنقل اكبر عدد ممكن من الغزاة الامريكيين من الدنيا الى الاخرة ، في اسرع واروح رحلة موت معروفة! فمع كل استشهادي ينتقل الى الجنة يقذف بما لايقل عن ستة غزاة الى جهنم! وتلك هي حالة (ابوالخطوط الحمر)، لان امريكا توقعت ان يجد جنديها الغازي في بلاد النهرين، انهار عسل ولبن، وجنات فيها نساء حور وعطر بخور، ومال يتدفق كما شلالات (نياغارا)، لكنهم وجدوا ان كل طرق وازقة العراق، من زاخو في الشمال الكردي حتى الجنوب، تفتح لهم بوابات جهنم، وتقول لهم : تفضلوا وتمتعوا بلعنات العراق!
      وهذا التحدي الخطير للغزو وصل ذروته بإعلان مصادر امريكية (اعلامية)، بأن عدد قتلى الامريكان في العراق هو (27) الف قتيل،  وليس (1500) قتيل حسب الرقم الرسمي، ومن يتابع البيانات الامريكية الرسمية حول عمليات المقاومة المسلحة، يجد انها تعترف بوقوع عدد يتراوح بين (80-100) عملية يومياً، لابد ان يصدق ان عدد القتلى قريب من رقم (27) الف ، إذا حسبنا ان كل عملية تقتل جندي امريكي وليس اكثر. ولتجديد نوعية وحجم ورطة امريكا في العراق، من الضروري التذكير بأنها خسرت في فيتنام (58) الف قتيل خلال عقد من الزمن تقريباً، في حين انها خسرت حوالى (27) الف قتيل في عام ونصف في العراق ! فكم سيصبح عدد قتلاها اذا بقيت في العراق عقد من الزمن؟ وكم ستتحمل الخزينة الامريكية التي تعيش على الاقتراض؟
     ويترتب على ماسبق ذكره، امر خطير جداً، وهو ان الاستشهادية العراقية اخذت تحيّد مصادر تفوق امريكا بعد ان قلبت معادلة الاستعمار الاساسية، فأصبحت امريكا تخسر في العراق بشراً واموالاً بإعداد ومستويات يستحيل تحملها لوقت طويل، دون ان تحصل على اي ربح مجز. وهذا الامر الخطير حشد قادة عسكريين، وساسة سابقين وحاليين، وخبراء بارزين، وجعلتهم يقولون علناً : يجب ان ننسحب من العراق قبل فوات الاوان وزيادة ورطتنا فيه.
     لقد فقدت امريكا عوامل تفوقها في العراق، فالمعنويات انهارت تماماً، والموارد البشرية والمادية شحت والأزمة الاقتصادية تفاقمت بدل حلها بموارد عراقية منهوبة، وسمعة امريكا العالمية انحطت الى الحضيض، ومصداقيتها تبخرت، وقوة ردعها المخيفة صارت لا تقلق أرنباً في جزر القمر! فهل يتوقع عاقل بعد ذلك ان تبقى في العراق؟ وهل يستطيع من بقيت لديه ذرة عقل ان يتجاهل ان مسرحية الانتخابات، بكل تزويرها الغبي، هي خطوة امريكية غبية وحاسمة على طريق الانهيار القريب للاستعمار الامريكي في العراق؟

salahalmukhtar@hotmall.com

شبكة البصرة

الخميس 23 ذي الحجة 1425 / 3 شباط 2005