والان حان وقت الهروب الامريكي من العراق

شبكة البصرة

صلاح المختار

        هل تتذكرون شخصا، يحمل على كتفيه وجها  قد  من شمع ، اسمه دونالد رامزفيلد؟ اين هو الان ؟ لماذا يمارس رياضة (صمت الخرفان) منذ شهور ، بعد ان كان لسانه يتحفنا برطانة لغوية فذة ، ممهورة بوباء صلافة ،لا نجدها الا في وجه جلاد، من القرون الوسطى، يأكل لقمته الحرام، من قطع رؤوس الانام ؟ هل تذكرون لغوه عن (فلول النظام) و(بقايا البعث السابق) ، وهو يرد على تصاعد الثورة المسلحة ضد الاستعمار الامريكي في العراق؟ هل نسيتم (تأكيداته القاطعة) بأن (الديمقراطية ستقام في العراق) ؟ لماذا لم يعد يتحفنا بثغاء خروف أخر ، ينظم الى فلول المتسكعين في ازقة عهر الضمير، وهو يتحدث عن (فرادة التجربة الديمقراطية في العراق) ؟

        مئات الاسئلة تتزاحم ، وتتراكم ، والمرء يحدق في الفصل ما قبل الاخير من احتلال العراق ، وهو مسرحية الانتخابات التي جرت ، ويتمنى لو ان رامزفيلد يتطوع بتقديم (طروحاته الفلسفية) حولها ، لكنه ، وياللاسف ، صمت ، وقنت ، كما يفعل خروف ادرك ، بحسه الخرافي (بكسر الخاء) العبقري ، انه يساق الى الذبح ، في ظل عجز تام عن ابعاد السكين عن رقبته ! لماذا صمت الخرفان ، هذا الذي يمارسه كل اقطاب غزو العراق ، مثل ريتشارد بيرل وبول ولفووتز ودوجلاس فيث ، الذي نحر ضحية لاسقاط المخطط الكوني  ل (المحافظون الجدد) في العراق ، على يد المقاومة العراقية ؟ هل من المنطقي ان يعقل العريس لسانه ، في ليلة عرسه ، فلا يزغرد فرحا (باعظم تجربة ديمقراطية في العراق) ، ويرقص على وحدة ونص؟

 

عبقرية حدس الخراف

        من شهد ذبح خروف في صغره ،لابد ان يتذكر كيف ان عبقرية حدسية خرافية ، تستولي على ذلك المخلوق المسكين ، فيشرع في ثغاء حار وصاخب ، لكنه ، حينما يتيقن انه مذبوح لا محالة ، يكف مستسلما لقدره ، في تعبير أخر عن براغماتية خرافية مدهشة، لا تضاهيها الا براغماتية عمرو موسى ! فالخروف يحس بانه مقدم على قطع صلته بالحياة ، فيتمرد بثغاء ، فيه الوان من  رطانة رامزفيلد ، و(طهارة) كوفي عنان ، لكنه يكف ، وهو يرى السكين تقترب من رقبته الجميلة ، ويسلم امره الى الله ، شاكيا ظلم البشر !

        اليوم نرى امريكا ، بكل خرافها المسحورة بمزامير التوراة ، تصوم عن الثغاء ، لانها وصلت الى النقطة ، التي تتفتق فيها عبقرية حدس الخراف ، عن ادراك حاد بانها وصلت بوابة الانتقال الحتمي الى عالم العدم والندم ، واكتشاف انها القت بنفسها في يم العراق ، فلا نجدة ، ولا حبل يحمل وزر أثامها ! لم استطع ان ابعد ، عن مخيلتي، هذا التناسج بين ثغاء الخراف وعبقرية اكتشافها انها تساق لموتها الحتمي ، وبين رطانة رامزفيلد ، وهو يؤبن نفسه وجنده ، المزروعين في عين ثقب اسود اسمه المقاومة العراقية .

        لقد قدم لنا المشهد العراقي الساخن ، منذ انتهاء معركة الفلوجة الاولى في نيسان ابريل الماضي ، صورة بالغة الوضوح ، راينا فيها امريكا كلها ، وليس جيوشها وجحوشها فقط ، تقف مذهولة ، حائرة ، وقد اصابها مس من رعب ، لم تصب به من قبل ، اسمه (كابوس العراق) ، بعد ان لجأت  لخيار القوة الاعلى MAXIMUM FORCE ، وهو خيار من يأس من كل الخيارات الاخرى، ولم يعد لديه سوى استخدام اخر، وافضل وسائله ، لحسم الصراع الستراتيجي مع المقاومة العراقية ، وفي ظنها ان كل البشر يمكن كسر شوكتهم ، بابادتهم جسديا . لكنها فوجئت ، بما لم تكن تتخيله ، حتى في افلام الخيال العلمي الهولي وودية ، وهو ان العراقي الذي تبيده في الفلوجة، او النجف الاشرف ، او الموصل ، او بعقوبة ،او شارع حيفا ، في بغداد ، سرعان ما ينبت ، من رواء دمه الطاهر ، مائة عراقي يحملون السلاح ، وعلى جبينهم كتبت عبارة : الله اكبر النصر او النصر .

        لم يواجه اي استعمار في العالم ،على الاطلاق، تدفق الاستشهاديين للقتال ضده ، كما يجري في العراق . وحينما يتقابل فولاذ دبابة ابرامز الامريكية مع اللحم الطري للعراقي ، ينتصر اللحم ، بفولذته المدهشة ، على الفولاذ ، بهشاشته المدهشة ايضا ! ففي النهاية ان من صنع الدبابة هو عقل ليس ثمة ما هو اطرى منه، لكنه ينجب متواليات هندسية ، من القوة ، تعطل قوانين الاشياء ، حينما تحضر عبارة (الله اكبر)، وتصبح راية لوطن مغتصب . نعم لقد انتصر اللحم الطري على الفولاذ وفلقه ، وكان رامزفيلد يرى ان الاستشهادي العراقي الذي يفلق دبابة ، ينجب فورا مائة استشهادي اخر ، في حين ان تعويض دبابة فلقت ، وجثة امريكي تمزقت ، يزداد صعوبة ، ويصبح استحالة ، كلما تصرم الزمن . ان الدبابة البديلة تعني دولارات اضافية ، والجندي البديل يعني الوصول الى بوابة الخواء ونقص الاحتياط ، الامر الذي دفع جنرالات امريكا مؤخرا للتحذير من ان قلب الجيش الامريكي اخذ ينهار ، لان  نخبته ، المارينز، تتمزق في العراق ، وتحرق ، وان البديل الجاهز او المنتظر غير كاف ، واحيانا غير موجود ، بعد ان وصل استخدام العنصر البشري الامريكي في غزو العراق ذروته ، ولم يعد هناك حتى احتياط !

        وبفضل عبقرية حدس الخراف ، ادرك رامزفيلد ان مصير الاحتلال الامريكي للعراق قد تقرر ، بفضل اللحم الطري للاستشهادي العراقي ، فالق ابرامز  وحارق همر ، وخارق عقول الجنرالات المخبولين بهواية الابادة ، لذلك توقف ثغاء الخراف بعد ان كان عاليا ، وهي تدرك ان الخيارات المتاحة لامريكا في العراق تنحصر حتما بين اثنين لا ثالث لهما : الهزيمة المنظمة ، او الهزيمة المذلة والمهينة . اما النصر، الذي بشر به بوش ، ورقص من اجله على دق طبول الجوبي (رقصة عراقية تقليدية) ، فقد تبخر مع اقتراب الخروف الامريكي من الذبح ، واعداده من قبل المقاومة العراقية ليصيح قوزيا لذيذا ، رغم ذوبان ليته ( وهي كيس الدهن في مؤخرة الخروف ) وتحولها الى ذيل هزيل.

 

نماذج من اعترافات مصدومين

         هل نبالغ بقولنا ان امريكا تنهار في العراق؟ كلا ، فقط تذكروا حقيقة طفت ، وفرضت نفسها خلال الستة شهور الماضية ، وهي ان كبار مسؤولي امريكا السابقين ، وبعض مسؤوليها الحاليين، وجنرالاتها المحاربين ، وخبراءها اللامعين ، قد اخذوا يتسابقون، في طرح  (سيناريوهات الخروج من مأزق العراق) . ومن الاسماء التي برزت في هذا السباق : هنري كيسنجر وزبغنيو بريجنسكي ، وبرنت سكوكرفت ، انتوني كوردزمان ، انتوني زيني ...الخ ، ناهيك عن صرخات الوجع التي اطلقها ، وما زالت تطلق ، من افواه اعضاء في الكونغرس ، مثل السناتور كنيدي ، وافواه اخرى لجنرالات يقودون الحرب في العراق ، مثل جون ابي زيد وكيسي وغيرهما سبق لنا ان عرضناها في مقالات سابقة .

        والان ماذا يقول غير  هؤلاء؟ عشية رأس السنة الجديدة أجرت المحطة التلفزيونية "الديمقراطية الآن" مقابلة صحفية على الهواء مع الصحفي البريطاني الشهير "روبرت فيسك"، والذي قام بتغطية احداث العراق المحتل كصحفي مستقل، ووجهت اليه المحطة سؤالاً عن انطباعاته عن احداث عام 2004 في العراق، فلخص جوابه بالقول : "هناك الكثير من الادلة تشيرالى ان مشروعنا
في العراق قد فشل فشلاً ذريعاً، وان جيوشنا الغربية، حينما لا تعذب المعتقلين او تقتل الابرياء او تدمر واحدة من اكبر المدن العراقية فانها تهزم بحرب جيش عصابات، لم نر لها مثيلاً في الشرق الاوسط". ويضيف فيسك قائلا : "اعتقد ان كامل المشروع في العراق قد انتهى، لم يخبرنا "توني بلير" في حالتي و "جورج بوش" في حالتك (يقصد المحطة التلفازية) بذلك، فهما غير مستعدان لقبول هذه الحقيقة ، اما بسبب سوء تقديرهما للامور، او بسبب تخيلاتهما للامور. بيد ان المشروع الامريكي، إن كان للديمقراطية او اية أغراض اخرى سواءً أكان من اجل النفط، التوسع الاقتصادي او كان من اجل شرقاً اوسطياً اكثر ملائمة لاسرائيل، وكيفما كان، هذا المشروع قد انتهى. انه مشروع يائس ، لا يمكن ان يكتب له النجاح. فالمقاومة في العراق اليوم هي من العظمة بحيث ان القوات الامريكية ومهما امتلكت من تكنولوجيا هائلة لا يمكن لها من ان تسيطر عليها."

        ثم يصل فيسك الى الملاحظة الجوهرية الحاسمة : " وهكذا وصلنا الآن الى مرحلة ان قوات المقاومة تسيطر على معظم انحاء البلاد. والمنطقة الآمنة الوحيدة في العراق هي منطقة كردستان في الشمال، والتي هي منطقة تدار من قبل حكم ذاتي كفوء. وهي خارج سيطرة الحكومة العراقية في كل الاحوال" . ويكمل رؤيته الكارثية ، من وجهة نظر امريكية بريطانية حينما يقول : "واعتقد ان ما سنشاهده في نهاية الامر ، وكما كنا قد شاهدناه في كل حروب الاحتلال في الشرق الاوسط ، فتح بعض الاتصالات بين الامريكان والمقاومة، وهذا ما فعله الفرنسيون بعد سنوات من القول انهم لن يتفاوضوا مع الارهابيين ، غير انهم فعلوا ذلك وتفاوضوا مع جبهة التحرير الوطني الجزائرية . وبعد سنوات من القول انهم لن يتفاوضوا مع الارهابيين تفاوض الانكليز مع الجيش الايرلندي السري .كما تفاوضت بريطانيا مع المناضلين في عدن ، وكذلك منظمة " ايوكا " في قبرص . وانا اتوقع ان يبدأ الامريكان بايجاد الصلات مع المقاومة ، ان لم يكونوا قد بدأوا بعد . وذلك يعني بداية النهاية ، ذلك يعني ان المشروع الامريكي قد فشل . فقد اعترفوا وقبلوا ذلك خاصة فيما يتعلق بعدد الجنود على الارض . اما اذا ما تحدثت مع الجنرالات الامريكان في العراق ، فانهم يدركون ان اللعبة قد انتهت . غير ان الجنرالات القابعون في البنتاغون ، واولئك القابعون في فلوريدا القديمة ، واولئك السادة في الخارجية الامريكية والبيت الابيض فانهم لم يقروا او يعترفوا بهذا الواقع بعد لان هناك حاجزاً يقف بين وهمهم الذاتي وبين الحقائق على الارض . لكن الامر قد حسم في العراق . لقد انتهى الامر . وما سنشاهده هذا العام سيكون بداية نهاية اللعبة ، والتي هي كيف سيخرج الامريكان من العراق دون ان يفقدوا ماء وجههم. وهنا يتوجب علي ان اقول ايضاً ومن دون ان يفقدوا ايمانهم ايضاً" . ويختتم فيسك المقابلة الصحفية هذه بالقول :" في مرحلة معينة فان القوى التي تقف خلف الانتفاضة ، التمرد ، المقاومة ،الارهابيين ، سمها ما شئت ، سوف تتحرك في المكان لتسيطر على البلاد ، ومن المحتمل انهم سيفعلون ذلك".

        فيسك يبدد كل امل امريكي بريطاني بالانتصارن ويقول ان حرب تحرير العراق ستنتهي حتما بانتصار المقاومة وستهزم امريكا لا محالة ، بل انه يتوقع ان تفاوض امريكا المقاومة للوصول الى حل يحفظ ماء وجهها . ودخل كولن باول على خط الاعتراف بالهزيمة ، حين قال يوم 13-1- 2005 انه يرغب ان يرى القوات الامريكية تغادر العراق بالسرعة الممكنة ، لكن قوة التمرد لا تسمح لادارة بوش بوضع اطار زمني للانسحاب هذا العام .

     كولن باول ، وهو يتحدث كوزير للخارجية ، يكتم ويناور في كلامه ، لكن المعنى الطاغي بالغ الوضوح : الانسحاب السريع ضرورة تتم مناقشتها على اعلى المستويات . ودخل ، بعد اجراء لعبة الانتخابات ، على الخظ واحد من اكبر كتاب امريكا المخضرمين : وليم بفاف ، الذي كرر ، بوضوح ودون لف او دوران، ما قاله فيسك : ان المقاومة العراقية (هكذا اسماها ولم يقل المتمردين) هي التي تمتلك المبادرة الستراتيجية والتكتيكية العسكرية في ذلك البلد . فحسم الامر ووضع الادارة الامريكية ، امام راي عام ، اخذ يتململ ويقلق من تورط امريكا في مستنقع العراق .

        واعترفت صحيفة الغارديان البريطانية ، يوم 18-1- 2005 ، بان المقاومين ينصبون نقاط تفتيشهم في كافة المناطق. وهذا اعتراف واضح بان السيطرة على المدن هي للمقاومة وليس لقوات الاحتلال ،  كما انه تكرار لاعترافات امريكية سابقة بأن عدد الهجمات في كافة أنحاء البلاد يبلغ متوسطه حوالي ثمانين هجمة في اليوم الواحد ، حسب قولها. واعاد ادوارد كنيدي السيناتور الديمقراطي البالغ من العمر 72 عاما ، التأكيد: " لن أتراجع عن وجهة نظري القائلة أن العراق هو فيتنام جورج دبليو بوش ، مضيفاً: أن الإدارة قد انحرفت عن ملاحقة أسامة بن لادن وفضلت الخيار المدمر لتورط القوات الأمريكية في مستنقع لا نهاية له في العراق". اذن كنيدي يعرف ، ويعترف بان التورط الامريكي في العراق هو خيار مدمر .

        ووصل الاحساس بمراة هزيمة امريكا في العراق ، الى حد تراجع احد اشد داعمي الحرب على العراق واحد المنتمين للحزب الجمهوري الحاكم، بل ومن أقدم المتمرسين المخضرمين في قياداته ، حيث أعيد أنتخابه لعشر مرات متتاليه كنائب جمهوري في مجلس النواب الأمريكي، فالنائب (هوارد كوبل) رغم أعترافة بتأييده لبوش في حربه العدوانية ، وغزوه للعراق، نراه يتراجع عن ذلك الدعم  محتجا بعدم وجود خطة واضحة لأدارة بوش لما بعد الغزو والأحتلال! ولكن السبب الحقيقي يتضح جليا من خلال قوله :

اشعر بالمرض والارهاق كلما قرات في صحف الصباح عن مقتل 5 او عشرة من جنودنا في العراق ، واضاف ملخصا مطالبه : ان الانسحاب من العراق يجب ان يدخل في الحسبان (اسوشيتد بريس 9-1-2005 ) .

        وكان سناتور اخر اشد وضوحا من السابق ، اذ نصح 'جيم ليتش' ، العضو المخضرم بمجلس النواب الأمريكي، حكومة واشنطن بأن انتهاء الانتخابات العراقية يعد إيذانًا بالانسحاب الفوري للقوات الأمريكية؛ حتى لا تظهر الولايات المتحدة الأمريكية كأنها تنوي احتلال العراق لفترة طويلة الأجل.
وحسب وكالة إسوشيتد برس أضاف ليتش: إنه ينبغي علينا الآن بعد أن أجرينا [الانتخابات الديمقراطية] أن ننسحب بشكل رمزي ، هذه نصيحتي.
وشدد النائب الجمهوري ،عن ولاية أيوا الأمريكية ،على أن الولايات المتحدة لا بد أن تضع عمليات الانسحاب في حسبانها، في الوقت الذي تتقدم فيه نحو
(الديمقراطية) في العراق، وقال : إن الوجود الأمريكي هناك سوف يأتي بنتائج عكسية ، وأكد ليتش على ضرورة إعداد بلاده أجندة للانسحاب، مشبهًا بقاء قوات الاحتلال الأمريكية بالعراق بالمغناطيس الذي يجذب المشكلات ويرسخ لحالة من عدم الاستقرار بالمنطقة.
        ويعد 'جيم ليتش' واحدًا من الخبراء الأمريكيين المعدودين، داخل الولايات المتحدة ، في قضايا السياسة الخارجية ، حيث أمضى نحو ثلاثين عامًا داخل الكونجرس، ويتوقع أن يكون لتعليقاته وقع مسموع في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه العراق.
وهاجم النائب الجمهوري آراء بعض المحافظين في الإدارة الأمريكية والذين يرون بقاء قوات الاحتلال الأمريكية لفترة طويلة الأمد وتأسيس قاعدة أمريكية بالمنطقة للعمل على تصدير (الديمقراطية) إلى كافة أنحاء الشرق الأوسط .
وقال 'ليتش':
أعتقد هذا مثل هذا المنطق الضعيف ينبغي أن يطرح جانبًا لأننا إذا فكرنا في ذلك، فسوف نجلب الحزن العميق لبلادنا، والحزن الأعمق حول العالم.
       
وفي مقال نشره موقع البصرة للسيد محمد الخولي (20-1-2005) يعرض فيه ما ركزت عليه مجلة الفورن افيرز، الاكاديمية المهمة جدا بالنسبة لصناع القرار الامريكي ، في ثلاثة اعداد متنالية ، وهو ضرورة الانسحاب من العراق ، لان النتيجة الحتمية للبقاء فيه هي العجز عن تحقيق النصر . يقول السيد الخولي : فلاعجب ان تنشر فورن أفيرز ايضا عدد نوفمبر/ديسمبر 2004 مساجلة فكرية تختار بعنوانها سؤالا يمكن ترجمته علي النحو التالي:
- هل أصبح العراق هو سكة الندامة أو مشوار الخسارة ، لا يعود منه المرء سوي بخفي حنين ؟  
     وربما جاءت مثل هذه التساؤلات ، تمهيدا لاحدث دراسة نشرتها في الموضوع ،هي تلك التي المحنا اليها عن
أن العراق حرب لا سبيل إلي الفوز فيها.
     كاتب الدراسة الأحدث، المنتمية كما اسلفنا إلي مؤسسة راند،وهي من اهم مراكز البحوث المؤثرة في صنع القرار، يسهل موضوعه قائلا: ان عملية الانتخابات الرئاسية في نوفمبر الماضي أدت إلي تأجيل الحوار القومي الجاد المسئول بشأن تطورات الأمور في العراق،
وما اذا كانت واشنطن قد دفعت بقواتها البشرية وبموارد وعناصر مجهودها الحربي إلي حيث تخوض - بكلمات صاحب الدراسة - في بوادي صحراء من الرمال الناعمة الخادعة التي تسوخ فيها الاقدام، أو في اغوار مستنقع من مياه الاحراش والأدغال.. والمعني انه مكتوب عليها في الحالتين أما ان تغوص إلي حد الاختناق في رمال الصحراء أو الي حد الاسفكسيا غرقا في مياه المستنقع.
الكاتب الأمريكي يستخدم للمعني الأخير كلمة كواغماير وهي مصطلح يثير مواجع تاريخية في البنية النفسية الأمريكية من ايام ورطة فيتنام.

      يقول الخولي : يؤكد جيمس دوبنز علي انه لم يبق أمام واشنطن سوى واحد من خيارين بغير ثالث وهما:
إما أن تبقي في العراق فلا يؤدي ذلك سوي إلي اتساع نطاق المقاومة ضدها ومزيد من شراستها ، حرفيا:( زيادة وحشيتها) ، وإما ان تخرج من العراق وقد يؤدي ذلك إلي حرب اهلية وانهيار ودمار واسع النطاق. ويخلص من ذلك إلي أن يقول:
- يبدو أن الرئيس بوش قد بقي امامه أن يختار بين ان يزيد الامور سوءاً ببطء.. أو يزيدها سوءاً بسرعة.

ثم يضيف مسئول راند قائلا:
- من هنا فالحكمة مطلوبة واولي خطوات الحكمة هي التسليم بان الحرب الدائرة في العراق لايمكن للولايات المتحدة أن تكسبها.. ذلك لان واشنطن خسرت ثقة العراقيين ورضاءهم ومن المستبعد أن تكسب هذا الرضا أو تستعيد تلك الثقة.. وقد جاء ذلك نتيجة خطأ الحسابات منذ البداية فضلا عن سوء التخطيط وقصور الاستعدادات.

          وفي يوم 16 -1- 2005  أكدت صحيفة 'صنداي هيرالد' أن عددًا من كبار القادة العسكريين الأمريكيين قد اعترفوا أخيرًا بأنهم قد أخفقوا في تقدير إمكانيات المقاومة العراقية، مؤكدين على أنهم يواجهون في العراق مقاومة منظمة ذات مستوى تدريبي عالٍ.
       وأشارت الصحيفة إلى إن الهجمات التي تشنها المقاومة ما زالت مستمرة في كامل  قوتها.
وكان القادة الأمريكيون قد جادلوا أكثر من مرة خلال الشهور الماضية بشأن سيطرتهم على الموقف في العراق،
إلا أنهم مع تزايد الهجمات المنظمة للمقاومة فإنهم قد اعترفوا بأنهم لا يواجهون مجموعة من 'الراغبين في الموت' بل يواجهون حركة من المقاومة المنظمة المدربة على مستوى رفيع، والتي تضم نحو ربع مليون مقاتل، قادرين على شن هجمات 'مذهلة' قبيل نحو أسبوعين من موعد الانتخابات المقررة، وهو ما قد أكده ضابط كبير بالجيش الأمريكي في حديث له مع 'صنداي هيرالد'، أوضح خلاله أن قوات الاحتلال تفقد المعركة في العراق، وأن تلك الحرب ربما لن يتحقق فيها النصر أبدًا، على حد تعبيره.
وقد أكد الضابط الأمريكي كذلك على حتمية فشل المعركة مفسرًا ذلك قائلاً: 'إننا قد فشلنا في فرض سلطتنا، واكتساب ثقة العراقيين المحليين بنا في العديد من أجزاء العراق، الأمر الذي حدا بالعراقيين لتأييد المقاومين كأفضل رهان لهم'.

        ان هذه الاعترافات لم تأتي عرضا ، ولا نتيجة رأي فردي لقائد عسكري ، لان العسكر غير مسموح لهم بالادلاء بتصريحات كهذه محبطة للعزائم ، بل هي تسريب منظم يراد به تهيئة الراي العام لتقبل موقف لن يكون غير الانسحاب .

        وبسبب هذا القرار الواضح بالانسحاب ، وضعت خطة لاعداد ما يسمى ب (الجيش العراقي الجديد) ليحل محل الامريكيين في تحمل ضربات المقاومة ، لكن المصادر الامريكية اكتشفت شيئأ اخرا ، فقد قال الجنرال ديفيد بتراوس، المسؤول عن تدريب القوات العراقية ، ان قوات الامن العراقية اصيبت بخوف شديد نتيجة هجمات المقاومة العراقية ، وقال ان هناك 136 الف جندي عراقي اعدوا للقتال ، لكنها لا تقوم بواجباتها القتالية ، وان من بين هذه القوات لا تقاتل سوى كتائب لا تتجاوز اصابع اليد ، من مجموع يبلغ 88 كتيبة . وفسر بول ولفووتز ، نائب وزير الدفاع الامريكي، ذلك بقوله ان الجنود يهربون من الخدمة . لذلك فان خطة حعل القوات العراقية درعا بشريا يحمي القوات الامريكية من الموت ، قد فشلت ، ولم يعد هناك من خيارلدى القوات الامريكية سوى الاستمرار بمقاتلة المقاومة ، وهو وضع يقود الى ما لا تستطيع امريكا تحمله ، اي الاستنزاف البشري والمادي ، وهو المعيار الاساسي بالنسبة لامريكا فيما يتعلق بمواصلة الحرب ، او اية  سياسة ، او التخلي عنها ، فاذا زادت الخسائر على المكاسب يصبح حتميا تغيير السياسية الامريكية .

 

        وتأكيدا لما سبق من اعترافات ، وفي تطور جديد وسريع على الساحة العراقية، بعد اجراء الانتخابات الصورية ، قامت قوات الاحتلال الأمريكية بسحب 25 ألف جندي من قواتها المتمركزة في العراق، وفق ما أكده مراسل مفكرة الإسلام في مدينة البصرة يوم 6- 2 2005 الذي قال ان ميناء البصرة وقاعدة البصرة الجوية التي يستخدمها الاحتلال
كقاعدة له، شهدت خروج أكثر من 65 طائرة نقل عسكرية، وأكثر من أربعين باخرة أمريكية تحمل على متنها جنود الاحتلال الأمريكي في طريقهم إلى الكويت، وأن عمليات الخروج بدأت منذ الساعة الواحدة ليلة السبت.

        وفي تصريح لمراسلي بعض الصحف في البصرة قال السيد كمال البصري المسئول الاداري في ميناء ام قصر:
إن القوات الأمريكية سحبت 25 ألف جندي من قواتها المتمركزة في العراق. وأضاف: تم سحب هؤلاء الجنود الأ مريكيين، وبعضهم ممن أصيب بحالات نفسية مثل الهستريا والأرق، مما جعل جيش الاحتلال الأمريكي يسقطهم من حساباته العسكرية.

       ما الذي يعنيه كل ذلك ؟ وما ذا يترتب عليه عمليا ؟ الجواب قدمته  كوندليزا رايس مستشارة الأمن القومي الأمريكي يوم الثلاثاء 18- 2- 2005 قبل ان تتسلم منصب وزيرة الخارجية : إن على الولايات المتحدة استخدام الدبلوماسية خلال ولاية الرئيس بوش الثانية. وقالت  رايس، خلال إدلائها بشهادتها أمام مجلس الشيوخ، بصفتها مرشحة لمنصب وزير الخارجية : يجب علينا استخدام الدبلوماسية الأمريكية للمساعدة في خلق نوع من توازن القوى في العالم. واضافت : إن وقت الدبلوماسية هو الوقت الحاضر! أن الدبلوماسية الأمريكية يجب أن تبني نظامًا دوليًا يقوم على قيمنا المشتركة وسيادة القانون! وحول اتباع إدارة الرئيس بوش لسياسة أحادية الجانب في العراق وغيرها من دول العالم بغض النظر عن ا لرأي العالمي، قالت رايس : أن تفاعل الولايات المتحدة مع دول العالم الأخرى ينبغي أن يقوم على الحوار وليس على فرض إملاءات من جانب واحد !

        ما قالته رايس هو ، وبحق، انقلاب واضح على سياسة التفرد الامريكي ، التي تبنتها ادارة بوش منذ احداث 11 سبتمبر ، والتي دفعتها لرفض اي دورمستقل ورئيسي  للامم المتحدة واوربا وروسيا والصين ، بل ان كولن باول وصف اوربا الغربية بانها اوربا القديمة ، اما بوش فقد هدد الامم المتحدة حينما قال : اذا لم تتبعي سياستنا فسوف تصبحين  بلا دور ! وكان الخلاف الرئيسي بين هذه الاطراف وامريكا هو الاصرار على ستراتيجية الضربات الاستباقية ، في حل المشاكل الدولية ، والرفض الامريكي لاي دور فعال لهذه الاطراف في حل القضايا الدوليةالشائكة ، وتعمد امريكا ان لا يكون للامم المتحدة اي دور فعال الا تحت مظلتها .

        في هذه الشهادة تنقلب ادارة بوش على سياستها ! وتقترب من الطرح الاوربي الروسي الصيني ! فما الذي حدث واجبر امريكا على ذلك؟ انه العراق ومقاومته العظيمة، التي القت امريكا كلها ، وليس ادارة بوش وحدها، في اليم العراقي المهلك والمغرق ، لذلك لم يكن امام امريكا من خيار سوى التراجع عن سياسة الانفراد والهيمنةالمنفردة ، كي تحصل على دعم دولي فعال لها في العراق ، ليس للبقاء فيه ، فهذا يعني الانتحار لها ولمن يتورط معها في دخول العراق ، بل لمساعدتها على الانسحاب منه بطريقة تحفظ ماء الوجه .

 

 كابوس العراق

        هؤلاء جميعا يتحدثون عن شيئ واحد ، وان اختلفت التعابير : يجب ان ننسحب من العراق قبل ان نزداد تورطا فيه . وبطبيعة الحال ان هيمنة هاجس ، بل لنقل لاجل الدقة في التعبير ، كابوس العراق، على امريكا الرسمية والشعبية ، قد دفع الادارة الامريكية عقب معركة الفلوجة الاولى ، في نيسان ابريل الماضي، الى اتخاذ قرار حاسم ، وهو الانسحاب من العراق ، وترك تحديد وقته للجنرالات، بالتنسيق مع الادارة. وهذه حقيقة كتبت عنها، وكررتها، في مقالات ودراسات ومحاضرات، نشرت في مواقع انترنيت عديدة، في مقدمتها موقع البصرة ودورية العراق منذ نيسان ابريل الماضي، اي قبل ان يعترف هؤلاء بالامر الواقع، ومن تلك المقالات  :(اذا الفلوجة توقدت واذا الثورة ارعدت)، و(هل أكملت أميركا استعدادات الهروب من العراق؟)، و(هل ستدخل حرب تحرير العراق مرحلتها الرابعة؟) و(الثورة العراقية تسقط اوهام المخمورين)  و(معركة الفلوجة : من وقع في الفخ؟ المقاومة؟ ام امريكا؟ و(وعراق ما بعد التحرير: كيف سيكون؟) و(ملاحظات سريعة حول معركة الفلوجة واعلان الطوارئ)، كما نشرت صحف عربية تاكيدي ان امريكا هزمت وقررت الرحيل ، مثل الاهالي المصرية (السياسي والباحث العراقي صلاح المختار المقاومة مستمرة وأكثر تنظيما وإصراراً علي كسب المعركة) ، والشروق التونسية (صلاح المختار المقاومون استخدموا دبابات أمريكية في معارك الفلوجة) و(السياسي العراقي صلاح المختار: الاحتلال الأمريكي وصل مرحلة الإعياء والعجز والانهيار صار وشيكا)، والوحدة الاردنية (امريكا ما قبل العراق وامريكا ما بعد العراق)، والمواطن (ها ولاتي)  الكردية العراقية التي تصدر في المنطقة الكردية المتمردة، (صلاح المختار : انصح القيادات الكردية بالالتحاق بالثورة المسلحة) وغيرها .

        نعم ان امريكا قد قررت الانسحاب من العراق ، لتجنب تعرضها الحتمي لكارثة الانهيار التام لمشروعها الكوني الامبراطوري ، بعد ان صار ارنب في جزر القمر يتحدى امريكا ، دون خوف او خرف ، نتيجة هزائمها المريرة والكثيرة في العراق، والنجاح الباهر للمقاومة العراقية في السيطرة الفعلية على اغلب مدن وقرى العراق .

 

 خيار ما قبل الانسحاب  

        ان السبب الجوهري لاتخاذ قرار الانسحاب هذا ، هو انقلاب كفتي ميزان الربح والخسارة ، فبدلا من ان تجد امريكا في العراق مزرعة تنتج يوميا الالاف من الخراف السمينة (النفط) ، اصبح (اي  العراق) اكبر مجزرة (قصابة) لامريكا وجنودها واموالها وسمعتها واحلامها العتيقة ! ورغم كل البدائل والسيناريوهات التي وضعت لايقاف الانتشار السريع للثورة المسلحة في العراق ، فان المقاومة بقيت تنتشر ، وفق معادلة هندسية غير (مرتدة) ، كما يفضل المناضل كاتب بيانات الحزب في العراق ان يقول ، ولا يمكن ايقافها . من هنا رأينا ادارة بوش تلجأ الى خيار ما قبل الانهيار الحاسم ، وهو اجراء انتخابات تعرف جيدا انها لن تكون الا مزورة وغير شرعية ، من اجل تحقيق هدفين جوهريين ، من بين اهداف اخرى، وهما : هدف فبركة حكومة تتمتع شكليا بالشرعية ، كي توقع معها اتفاقيات عسكرية وامنية واقتصادية ، بعيدة المدى (ربع قرن على الاقل) ، يتم بموجبها تسليم النفط العراقي لشركات امريكية ، وتقام قواعد عسكرية امريكية خارج المدن ، لضمان تنفيذ هذه الاتفاقيات .

        اما الهدف الثاني فهو تهيئة العراق للتقسيم ، عبر فبركة شرعية دستورية تضفى على احزاب وكتل ومرجعيات، لاجل انشاء فدراليات في الجنوب والوسط والشمال ، يراد منها ان تدافع بالسلاح عنها (الفدراليات)، والتي تعني تقسيم العراق واقعيا ، حتى لو بقي موحدا شكليا ، لانها تنقل السلطة  من  المركز(العاصمة)، الى الاطراف (الفدراليات) . ففي اللحظة التي يفشل فيه سيناريو ما قبل الانهيار ، الذي ذكرنا اسسه ، تعطي امريكا اشارة البدء باستقلال الفدراليات ، ومحو اسم العراق من الخارطة . ان الاصرار الامريكي على اجراء الانتخابات ، رغم ان كل الظروف مجافية ، يستبطن الحقائق المشار اليها اعلاه ، واهمها الادراك الحاسم، لحقيقة ان بقاء امريكا مشتبكة ، في حرب دامية وباهضة التكاليف مستحيل .

 

اين تكمن الشرعية العراقية؟

        لئن كنا قد ركزنا على ما تفكر فيه امريكا ، وما قررته وما فعلته ، فلاننا كنا نريد ان نمهد لمناقشة خيار الشعب العراقي التاريخي، في مواجهة خطط الصهيونية الامريكية . ولعل من اهم ما يجب التذكير به هو ان (الغطاء لشرعي) ، اي الانتخابات ، الذي لجأت اليه امريكا هو ، في الواقع ، خال من اي شرعية ، لان الاحتلال عمل غير شرعي ، وفقا للقانون الدولي وميثاق الامم المتحدة ، ولذلك تفرض القاعدة القانونية المعروفة : (ما قام على باطل فهو باطل) نفسها ، وتزيح ما عداها . ومن يظن ان صدور قرار من مجلس الامن كاف لشرعنة احتلال العراق، واهم تماما ، لان الميثاق والقانون الدولي قاما ، اصلا ، على قاعدة سيادة الدولة القومية ، لذلك فهما لاستطيعان تشريع ما ينقض اساسهما ، اي منح الشرعية لاحتلال دولة ذات سيادة .

        يضاف الى ذلك ان ما جرى في العراق ، تحت يافطة الانتخابات ، كان محض تزوير فاضح لم يسبق ان جرى مثله من قبل على الاطلاق . فالمواطن لايعرف اسماء المرشحين لانهم سريين ! ومراكز الاقتراع سرية هي الاخرى ! وجرت عملية منح اكثر من مليون من غير العراقيين بطاقات الاحوال المدنية العراقية المزورة (هوية المواطنة العراقية) ! بعد ان احرقت عمدا كل وثائق الاحوال المدنية من قبل عصابات الاحتلال ، وانشأ الاحتلال ، وليس الامم المتحدة ، ما سي ب(المفوضية العليا للانتخابات) ، والتي ضمت الاف العراقيين والاجانب من انصار الاحتلال ، لتشرف على الانتخابات، (حاميها حراميها) ، كما يقول المثل العراقي !

        اكثر من ذلك لقد منع الاعلام من تصوير مشاهد الانتخابات ، وسمح فقط بتصوير خمسة مراكز منتقاة بعناية ، ومع ذلك ظهر الرقم الحقيقي للمشاركين وكان متدنيا بشكل هائل . واستخدم التهديد بسحب البطاقة التموينية ، وهي الوسيلة الرئيسية لحصول المواطن على غذاءه ، من الذي لا يصوت ! ومنحت مكافأت لمن يشارك تتراوح بين 50 100 دولار ، وهددت عوائل كثيرة بالقتل ان هي لم تشارك في الانتخابات ....الخ .

        ورغم هذه الفبركات والتزويرات ، فان نسبة من سجلوا في خارج العراق وداخله ، فعليا ، لم يتجاوز 20% من مجموع من يحق لهم الانتخاب ، وطبقا للمصادر العميلة للاحتلال فان من ادلى بصوته من هذه النسبة لم يتجاوز 80 % ، لذلك ، وحتى لو افترضنا نزاهة الانتخابات ، لا يحق لاقل من 20 % من السكان تقرير مصير الشعب والوطن . وهنا يجب ان نستثني المنطقة الكردية من هذه الارقام.

        نأتي الان الى النقطة المركزية وهي: من يمثل الشعب العراقي ؟ ان من يظن ان الشعب العراقي ليس له ممثل حاليا واهم تماما ، فالتمثيل ، اساسا ، هو قدرة تتولد من دعم الشعب ، وقد يعبر عنها من خلال الانتخابات ، لكنها تصبح مستحيلة في ظل الاحتلال وسلب ارادة الشعب ، فيعبر عنها بطريقة اخرى اكثر دقة وصدقا من الانتخابات ، وهي دعم المقاومة المسلحة ، او الاشتراك فيها . فالشعب ، وقد وجد نفسه عرضة لكل انواع الاذلال والقتل وانهب ، يلجأ الى المقاومة المسلحة ، كتعبير شرعي عن حقه في الحياة الحرة الكريمة ، ومن ثم فأن الشرعية الثورية للمقاومة تصبح هي الشرعية الوحيدة التي يصنعها الشعب ، ويمنحها لمن يفتدي الوطن بروحه ودمه ،لان الوطن ليس فندقا يستخدم للراحة ، ويؤكل عند الجوع ، كما فعل من افتى بعدم مقاومة الاحتلال.

        وهذه الحقيقة برزت ، وتبلورت ، وفرضت نفسها في كل حروب التحرير ، مثل التي دارت في الجزائر وفيتنام وكوبا والصين وغيرها . والسبب في ذلك معروف ، وهو ان القانون الاساسي لنجاح اي ثورة مسلحة ، هو حتمية دعم اغلبية الشعب لها ، وقد عبر عن ذلك بالمقولة المشهورة : (ان الشعب هو الماء الذي تسبح فيه سمكة المقاومة المضادة للاحتلال) . فبدون الماء تموت السمكة ، وبدون الدعم الشعبي للمقاومة تموت الاخيرة . ويترتب على هذه الحقيقة حقيقة اخرى ، وهي ان انتشار المقاومة ، بعد تثبيت اركانها ، والفشل في القضاء عليها ، يعني ، ويؤكد ان الشعب يدعمها ، ويغذيها ، ويحميها . من هنا فان الشرعية ، في ظل الاحتلال ،لا تتجسد الا في المقاومة المسلحة ، وما عداها هوامش وملحقات ، من يرتبط منها بالمقاومة المسلحة ، كامتداد لها ، يكتسب الشرعية ، ومن يناهض المقاومة يعجز عن اكتساب اي صفة شرعية ، حتى لو تمتع بدعم شعبي جزئي .

        في ضوء ما تقدم ، نفهم بوضوح امرين مهمين جدا : الاول هو لم كانت حركات المقاومة والتحرير توصف بانها (الممثل اشرعي والوحيد للشعب) ، والثاني هو ان المقاومة العراقية المسلحة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب العراقي ،خصوصا لانها تمسك فعليا بارض العراق ، ونجحت في جعل الاستعمار الامريكي يتقيأ دما ويقرر الانسحاب . ولذلك لا مجال لبروز شرعيتين في العراق على الاطلاق . والانتخابات ، بما ستفرزه من (شرعية زائفة) ، سوف لن تستطيع تغيير مجرى الاحداث في العراق ، وستبقى الشرعية الوحيدة هي شرعية البندقية المقاتلة ، المدعومة من قبل الاغلبية الساحقة من العراقيين .

 لماذا ستهرب امريكا؟

        ان التخطيط للانسحاب من المدن ، بعد تعزيز ما سمي ب (الحرس الوطني) ، والتمركز في في مناطق نائية ، لتجنب الاشتباك مع المقاومة ، وهو الخطر الاعظم على امريكا ، لن ينجح ابدا ، فالمقاومة المسلحة لم تكن نتاج رد فعل على الغزو ، بل كانت ثمرة تخطيط واعداد قديمين يعودان الى عام 1990 ، ووضعت خطتها النهائية قبل عامين من الغزو ، ومن المؤكد ان من بين البدائل القتالية ،التي حددت ووضعت، هي ضمانات نجاحها في مقاتلة الاحتلال الامريكي بعد انسحابه من المدن الى مناطق نائية .

        ان الخطة الاساسيةللمقاومة ، في هذا المجال، هي الاستمرار في تحطيم اي محاولة لبناء جيش عميل ، وهي خطة نجحت بشكل تام ، وتؤكد كل التصريحات الامريكية وواقع الحال في العراق ، انه لن يكون ممكنا على الاطلاق انشاء جيش عميل مؤثر ، ما دام الجيش العراقي الوطني والشرعي يشكل عماد المقاومة المسلحة وقوتها الضاربة . وهذا الواقع سيتكرس بشكل حاسم في الاسابيع القادمة ، من خلال تعزيز سيطرة المقاومة على المدن ، ومنع بروز اي تكتل او قوة ، تمد حبل انقاذ للاحتلال ، وبذلك يوضع الاحتلال امام خيارين احلاهما مر : بقاء قوات الاحتلال خارج المدن وتجنب دخولها ، وذلك خيار يعني عمليا اعلان المقاومة حكومتها الثورية واسقاط كل الاتفاقيات والمعاهدات ، فتوضع امريكا امام تحديات بالغة الخطورة ، او العودة الى المدن لمقاتلة المقاومة ، وهذا هو بالضبط ما تريده القيادة المركزية للمقاومة ، لاجل مواصلة استنزاف امريكا بشريا وماديا، ودفعها للسقوط والانهيار ، كما حصل للاتحاد السوفيتي ، بعد ان عجز عن  تحمل عوامل التفكك   فيه .

        واخيرا لابد ان نشير الى ان المقاومة تملك الامكانيات الكاملة لجعل المعسكرات والقواعد الامريكية خارج المدن في جحيم دائم ، من خلال العمليات الاستشهادية من جهة ، والقصف الصاروخي الكثيف والدائم والمهلك ، من جهة ثانية . لذلك لا يبقى اي خيار امام امريكا سوى اثنين : الهزيمة المذلة والمهينة ، او الهزيمة المنظمة .

        والان هل عرفتم لم اختار رامزفيلد صمت الخرفان وتوقف عن الثغاء، فحرمنا، وحرم العالم معنا، من رطانته ؟

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الخميس 1 محرم 1426 / 10 شباط 2005