ضد الوهم : حوارات العقل

1- خداع الذات

شبكة البصرة

الاستاذ (......) المحترم

تحية طيبة

قرات ما كتبت بانتباه شديد، ولم اجبك لانني مشغول هذه الايام بامور معينة. ولذلك ساثبت ملاحظات عامة، كما انني ساكون صريحا معك تماما كما كنت صريحا معي، وساعود لاحقا لما ورد في الرسالتين

اول ما اود قوله هو ان موقفك مبني على انطباعات حسية مباشرة، انبثقت عن وضع سياسي بالغ التازم، زججت فيه رغم ارادتك . وهذه الانطباعات لا تصلح ابدا لتحديد موقف من قضية الوطن الكبرى، وقد وقعت، كالكثير من اؤلئك الذين لهم قضية تستند على انطباعات حسية، في فخ مدمر ستحس باثره النفسي بعد زمن، وهو انك فرحت لغزو الوطن من قبل اشد اعداءه (هل نسيت ان امريكا قد قتلت مليون و800 الف عراقي قبل الغزو وتلك اكبر مقبرة جماعية في تاريخ العراق؟). وهنا يطرح سؤال مهم : هل يوجد التباس اشد تدميرا للنفس، من الفرح باحتلال الوطن من قبل اعداءه، لمجرد ان لديك مظلمة مبنية على انطباعات حسية خاطئة؟ لم تقل لي انك سجنت او عذبت، نتيجة موقف سياسي، بل قلت انك هربت من الجندية وابتدات مشكلتك مع القانون! اذن انت  لست من (ضحايا النظام)، كما يقول اعداء العراق، بل ضحية رفضك خدمة العلم

ما المقصود بالانطباعات الحسية؟ في السياسة، كما في العلم، الانطباع الحسي هو تأثر المرء بحدث، يترك اثرا عاطفيا مباشرا ، لا صلة له بالصواب والخطأ، فقد نحزن او ننفعل لموقف غير صحيح، وهذا الانفعال يجرنا لتبني موقف خاطئ ، نسوغه وندعمه بقوة العاطفة وليس العقل. وما ذكرته هو انموذج بالغ الوضوح للانطباع الحسي الخاطئ ، والمدمر للمنطق السليم. ان حديثك عن اضطهادك لمجرد كونك من كريلاء مثلا ، هو مثل على هذا الانفعال الذي يحجب عنك الحقيقة. فانت، حسبما قلت هربت من الجندية، لسبب لا استطيع الجزم به الان، وهذا العمل ، في كل العالم ، مدان قانونيا واخلاقيا ، بما في ذلك في المانيا (حيث تقيم) وايران، والعراق ليس استثناء من القاعدة، والفرق هو في العقوبة،  وهذا امر ثانوي. اذن لم وقعت في فخ الاحساس بالاضطهاد؟

تتحدث عن (انتفاضة)، وانا اسميها جريمة الانضمام للعدو الاساسي، وهو امريكا وقد اعترف قادة ما سمي زورا (الانتفاضة الشعبانية) بانهم تلقوا دعما من امريكا، وعند هذه النقطة يبلغ ضياع المنطق ذروته : اذ باي منطق يدعم عراقي عدو وطنه، وجيشه يتعرض لاقسى حرب في تاريخه ، فيهاجمه وهو منسحب ويقتل افراده؟ هذا يسمى لدى الشعوب كلها الخيانة الوطنية العظمى، واسأل كل الماني تلتقيه عن تسمية من يتعاون مع عدو الوطن اثناء الحرب.

     اما ان تصف جيش العراق بانه جيش صدام ، ولذلك تفرح لتدميره ، وتؤيد عدوه ، فهذا الامر خطير ويؤكد ان الانفعال ، وهو يسحق المنطق ، يحول الانسان الى الة حقد عمياء لابد ان تنتهي بتدمير عنصر الادراك السليم لدى صاحبها ! مشكلتك الاساسية

هي انك لم تكن سياسيا، وزج بك فيها ، فاختلطت عليك الامور ، وتداخلت لعنة  الطائفية مع الحقد ، وقلة المعرفة بعوامل الصراع ، فكانت النتيجة هي ان تفرح بغزو العراق ، ولم تشعر بالقلق الا عند وضع العلم الامريكي على وجه صحابي العصر ورمز شرف العراق صدام حسين! اين الوطن؟ اين (حوبة) الوطن ؟ هذا الذي علمك ورباك مجانا ؟ اين تربية حب العراق والعلم والجيش؟ تنسى كل ذلك لانك اعتديت على الوطن برفض الخدمة العسكرية اثناء حرب الدفاع عن العراق ضد الغزاة التقليديين من الشرق؟

     تتحدث عن الخوف الشديد، لكنك لم تقل لنا انه محصور في خيالات شخص خالف ابسط قوانين بلده، اما بقية العراقيين فهم لا يفهمون هذا المنطق، الذي يبيح اغتصاب الوطن انتقاما من حكومة ارادت ان تعاقبه ، ولم تعاقبه ، بسبب هروبه من الخدمة العسكرية! وانت ترى كيف ان العراق بغالبيته الساحقة اما مقاومة او مع المقاومة! انا مندهش لهذا المنطق، ومندهش اكثر لانك، وبعد مرور حوالي العامين على الغزو، لم تدرك انك كنت على خطأ عظيم! فهاهو العراق يحرق ويغتصب وينهب ويدمر، كما لم يحصل له خلال 8 الاف عام، ومع ذلك فانت تتذكر الاجراء الصحيح للعراق وحكومته بخصوص من يهرب من الجندية، وتبني عليه اكثر مما تدرك ما جرى للعراق! الا ترى اين اوصلنا هذا النمط من التفكير؟ 

    الفت نظرك الى نقطة ارجو ان تفكر فيها بتأمل : هل تذكر التهمة الاساسية التي كانت الاحزاب العميلة لايران، مثل المجلس الاعلى للردة على الاسلام وحزب الدعوة ، توجهها للبعث ونظامه الوطني ؟ انها تهمة العمالة لامريكا وخدمة مخططاتها ، وعلى هذا الاساس ثقف اعضاء هذه الاحزاب لعدة عقود ، وتم تحشيد الكثيرين منهم ضد الرئيس صدام حسين  والان ماذا حصل في الواقع ؟ من هم عملاء امريكا والمتعاونون معها ؟ انهم نفس عملاء ايران الذين خدعوا بعض البسطاء ، انهم الان جحوش الاحتلال الامريكي ، التي ركب الاحتلال على ظهورها وهو يغزو ويدمر العراق ويغتصبه جنسيا وينهب ثرواته ... الخ!هل تعلم ما يعنيه ذلك ؟ انه يعني ان اغلب من وقفوا ضد البعث وثورته ونظامه الوطني قد خدعوا ، وجروا جرا الى مواقف خيانية بشعة ، بل هي الابشع ، لان تاييد غزو الوطن وتسهيله ، هو الذنب الاعظم و الاسوأ . وهذه الحقيقة هي التي جعلت المخدوعين من المجلس والدعوة يفقدون الروح القتالية التي برزت لديهم حتى سنتين من وقوع الغزو ، ويصبحون جبناء لا يستطيعون الظهور في النهار في جنوب العراق كما في وسطه. لقد اكتشفوا انهم استخدموا كجحوش لغزو العراق وتدميره!

      هذه الحقيقة تكفي اؤلئك الذين لم يعطلوا عقلهم لاكتشاف انهم ارتكبوا اعظم الخطايا بحق الوطن، بعد ان اختزلوه بالنظام، وللتراجع والتكفير عن ذلك يجب اعلان التوبة والانخراط بالمقاومة ضد الاحتلال، والاعتذار من البعث والرئيس وشعب العراق على الجرائم البشعة التي ارتكبوها، او ساعدوا على ارتكابها، من خلال تحولهم الى افراد متعاونين مع مجلس الحكم والوزارة العميلة، وقوة مرتزقة في الحرس الوثني والشرطة العميلة .

      انا واثق ان اي عراقي لم يقع في فخ الانفعال والحقد، وخلط بين الامر الاساس، وهو الوطن، والقضية الشخصية، وهي المشاكل الفردية ، سيجد ان معاداة البعث قد افضت الى خيانة الوطن. هذا ما قاله لي مثقفون شيعة وغير شيعة في رسائل وجهت لي، وبعضهم اقسم ان ينتقم ممن اساء للشيعة بتاييد الغزو ، بذريعة التخلص من النظام .

لقد اطلت، والسبب هو شعوري بالاسف لانك لم تحاكم موقفك من منظور الموضوعية والعقلانية، بل من منطلق الانسياق وراء وهم صحة موقفك. لذا ارجو ان تفكر بهدوء بملاحظاتي الاخوية الصادقة وان تضع العراق، وليس الانفعال الشخصي بين عينيك، متمنيا لك الموفقية ومختتما رسالتي باخبارك بانني لم اقع في فخ الانفعال الشخصي الناتج عن ضرر شخصي، واتبنى موقفا ضد العراق، بل اخترت العراق، رغم ان في جسدي اثار تعذيب سوف لن يمحيها الا الموت

تقبل تحياتي

صلاح المختار 

 

 

الأستاذ العزيز ..

عذرا لتطفلي وفضولي اود سؤالكم: هل شخصكم هو نفسه كان رئيسا لتحرير صحيفة الجمهورية العراقية أبان التسعينات؟؟ اذا كانت اجابتكم بـ نعم اود ان احدثكم عن طرفة او هكذا اراها حصلت لي في تلك الفترة ..

حماكم الله ورعاكم ..

(........)

الرسالة الاولى

الأستاذ الفاضل صلاح المختار الموقر ..

سلام من الله عليكم ورحمته وبركاته .. وامنيات صادقة لكم بالتوفيق والعمر المديد ..

انتابني شعور غريب لايمكنني وصفه وانا اقرأ اجابتكم الكريمة على سؤالي ( الفضولي ) .. فقد اعادني جوابكم الى سنين عجاف مظلمة مضت ..!! ..

سيدي الكريم ..

من نِعَم (موقع .......) ، التي لم اكن اتوقعها يوما ان تحقق كل هذا الحضور - بإعتراف الكثيرين - وهي المشروع الشخصي البحت .. اقول : من نِعَم (موقع .....) لاسيما بعد سقوط النظام في التاسع من نيسان عام 2003 ، انها عرفتي وقربتني الى الكثير من الأقلام التي كان الكثير منها تعمل ضمن مؤسسات الدولة الثقافية ، فقد كنت انظر الى بعض هذه الأسماء بكثير من الخوف والهيبة ، لأسباب يعرفها شخصكم الكريم بكل تأكيد ..

الأستاذ العزيز ..

ما سأذكره ليس طرفه بمعناها الحرفي وانما هو موقف حصل لي وكدت ان اكون ضحيته لولا لطف الله سبحانه وتعالى ..

في ظهيرة صيف قائظ من شهر تموز او آب من عام 1994، لااذكر بالضبط كنت اعمل في القسم الفني في جريدة الجمهورية ، اتذكر كان القسم في الطابق السادس او الثالث، كان الوقت بعد الساعة الثالثة بعد الظهر بقليل ، كنت بالقرب من النوافذ الزجاجية ، المطلة على الخارج ، فجأة وبلمح البصر سمعنا دوي مرعب هشم كل زجاج بناية دار الجماهير للصحافة ، لم اصب بأذى ولله الحمد وكذلك من معي في القسم ، بقيت منتظرا بعض الوقت لحين استيعاب ما حدث ، خرجت خارج الغرفة ، شاهدت مشهدا مرعبا حقا ، ممرات البناية ملأى بالزجاج المهشم .. سرت بهدوء وحيدا وسط الممر .. سمعت جرس هاتف البدالة يرن ، وقفت امام غرفة البدالة ولم يأتي شخص مسؤول يرفع سماعة الهاتف ، لم يمضي على الحدث حتى الآن سوى دقائق معدودة  - كنا نظن جميعا مسا كهربائيا حصل - .. اضطررت الى رفع سماعة هاتف البدالة واذا بشخص يسأل بصوت بعيد : انفجرت السيارة ؟؟!! .. لم ارد عليه وغلقت سماعة الهاتف على الفور .. نزلت مسرعا الى الطابق الأرضي ، وقفت بعض الوقت عند الإستعلامات ومازلت في حالة اندهاش كامل .. بعدها خرجت مسرعا من البناية واذا سيارة مفخخة قريبة من مبنى الجريدة انفجرت .. وشاهدت بأم عيني طفل لأب مصري كان يلعب بالقرب من السيارة مضجرا بدمه !! .. في هذه الأثناء شاهدتك - هنا ثيمة الحدث بالنسبة لي - تخرج مسرعا من بناية الجريدة وبيدك سلاح يدوي اظنه ( غدارة ) ورحت تستطلع المكان .. في هذه اللحظة بالذات نسيت الحدث بالكامل ، تسمرت عيناي للحظات على شخصك الكريم ، كانت المرة الأولى التي اشاهد فيها رئيس التحرير .. هذه اللحظات كانت من اكثر اللحظات قساوة على قلبي ، احسست بإنقباض شديد عصرني عصرا ، قلت في نفسي : سيأمر رئيس التحرير بفتح تحقيق ومسائلة كل من كان يعمل في الجريدة في ذلك الوقت وهذا يعني سأكون في خطر شديد ، ربما حياتي ومستقبلي سيكونا ثمن وضريبة هذا الحدث الغير متوقع .. لماذا انتباني هذا الحساس وهذا الخوف الشديد وانا انظر اليك من بعيد وانت حامل سلاحك الخفيف وخشيتي الشديدة لئلا تأمر في فتح تحقيق في الحادث .. اجيبك بكل صراحة : في تلك الفترة لم يمضي على عملي في الجريدة سوى شهر تقريبا ، لم اكن موظفا رسميا ، كنت اعمل بعقد من خلال تزكية صديق لي يعمل في نفس القسم ، عملت في الجريدة دون ان يطلب مني احد اية معلومات وهذا اشعرني بالإطمئنان الشديد ، وقد استفدت من هوية الدخول الى مبنى الجريدة كثيرا ، لأنها كانت هي ومع هوية اخرى خلاصي من الكثير من السيطرات .. في وقت عملي في الجريدة ، كنت مطاردا من اجهزة النظام ومحكوم عليّ بالإعدام ، لأني رفضت الإلتحاق الى الخدمة العسكرية ، لأني كنت ارى هذا الجيش هو من اجل خدمة صدام وليس الوطن ، وها انت شاهدت كيف هرب الجيش وترك الوطن للأمريكان يسرحون ويمرحون فيه .. ثانيا انا من مدينة كربلاء واقمت في بغداد هربا من ملاحقة الأجهزة هناك وكنت ممن كانوا في مخيم رفحاء للاجئيين العراقيين ، بعد اضطرارنا للهرب عند دخول الحرس الجمهوري والخاص وعاث فسادا في مدينتي كربلاء والنجف ... كل هذه المعلومات ستكتشف اذا ما حصل اي تحقيق في ذلك الحادث مع من كان يعمل في ذات الوقت بتلك البناية ، لذا عندما شاهدتك تنزل مسرعا وبيديك سلاحك الخفيف تسمرت عيناي عليك وانهالت على ذاكرتي كل صور ومشاهد الرعب ، اي في تلك اللحظة وجدت حياتي ومصيري في قرار منك .. لم يزرني النوم في تلك الأيام على الأطلاق .. ولم يمكنني ترك العمل بهذه السرعة ، لئلا غيابي يثير الشكوك .. عشت اوقاتا مرعبة عصيبة .. ربما ستستغرب اكثر مما قلت لك هذه المعلومات التي ذكرتها آنفا حتى اسرتي لم تعرف بها .. اي اسرتي لم تك تعرف قط سأعدم اذا ما قبض عليّ حتى زوجتي وكنت متزوج حديثا في وقت الحادث ، ايضا لم تكن تعرف قط عن سيرتي الكثير ولم اعلمها بهذه التفاصيل حتى قدومها الى المانيا بعد خمسة سنوات من الفراق ..

ربما هذه التفاصيل لاتعنيك كثيرا ، لكنا كانت بالغة الأهمية في مسيرة حياتي المستقبلية .. كان شخصك الفاضل من حيث لاتدري سببا في عناية ورعاية الله لي .. لو امر شخصك في ذلك الوقت في فتح تحقيق مهما كانت طبيعته ، ستكون حياتي ثمنا له ، يكفي اذا عرفوا انني من كربلاء ، هذه وحدها كانت تهمة قاتلة ، لاسيما بعد انتفاضة آذار عام 1991 .. فكيف اذا عرفوا المعلومات الآخرى ..

لم انسى يوما تلك الحادثة .. ولم انسى يوما ايضا نظرات الرعب والخوف ، التي كنت انظر فيها اليك ، وكأن حياتي ومصيري اصبحا بين يدي رئيس التحرير ..

الذي حصل بعدها ولله الحمد ، ولك الشكر على ذلك ، تحقيقا لم يفتح داخل الجريدة .. وبعد شهر من الحادث تركت العمل في الجريدة .. واستطعت الخروج من العراق بجواز عراقي مزور صادر من بغداد ، بمساعدة أُناس أخيار ، لم انسى فضلهم ، وإن نسيت اسمائهم .... ومررت برحلة طويلة شاقة حتى حطيت الرحال في المانيا ، التي منحتني الأمن والأمان واغدقت عليّ بكرمها ... اي منحني هذا البلد كل ما سلبني منه وطني الحبيب ..

سيدي الكريم ..

عذرا للإطالة .. هذه مجرد مقدمة تعارف .. وكم اتمنى التواصل معك في رسائل اخرى ربما نصل معا الى ضفة مشتركة ..

وفقك الله .. وامدك بالصحة والعافية ..

المخلص / (.......)

 

الرسالة الثانية

الأستاذ الكريم صلاح المختار المحترم ..

تحية عطرة .. وسلام جميل ..

لااعرف ان كنت قد اخطأت ام اصبت عندما حدثتكم عن ذاك اليوم العصيب ، الذي جمعني بكم من بعيد وكنتم سببا خيرا ، من حيث لاتدرون بخلاصي من ذاك الموقف العصيب .. والزمن الأصعب الذي كان فيه المواطن العراقي رخيص بل اشد رخصا من اي زمن مضى .. حيث لم نكن نأمن على حياتنا اذا ما تفوهنا بكلمة سهوا هنا او هناك ، لاسيما وانت تواجه اصعب مشاكل الحياة اليومية ..

مهما حدثتكم عن تلك الأيام العصيبة التي مررت بها ومر بها آخرين غيري ربما لم استطع ايفاء حقها .. وكم كنت قريبا في هذه الأيام من الموت .. سأحدثك عن هذه الواقعة الغريبة ، التي كانت من اصعب واخطر المواقف التي مررت بها في حياتي ..

في احد الأيام من عام 1988 طلبت مني اخت صحفية واذاعية مرموقة مرافقتها الى فندق بابل لأجراء حوار مع احد الوفود المقيمين هناك ، قبلت دعوتها بسرور ، ولم تعلم عن حياتي الكثير وتعقيداتها الكثيرة .. طلبنا سيارة اجرة لتقلنا الى فندق بابل ، شاءت الصدف الغريبة ان سائق الأجرة لايعرف الطريق المؤدي الى فندق بابل - طلبنا سيارة الأجرة بالقرب من وزارة الإعلام في السنك - قلت له ما عليك انا اعرفك الطريق ، اطمئن السائق .. عند استدارة السيارة متوجه الى شارع حي التشريع ومن هناك الى الجسر المعلق ، بدلا من ان يأخذ هذا الشارع اخبرته ان يستدير يسارا ، دون ان التفت انا او هو ان هذه الطرق مغلق ، دخلنا في هذا الشارع دون ان ندري مدى خطورته ، رحنا نسير واذا به شارع هادىء جدا على جانبيه اسيجة عالية بيضاء اللون ، دب القلق والخوف الى قلبي ، لكني لم اصرح به للأخت الكريمة الجالسة بقربي .. بعد دقائق قليلة اوقفنا شخص يرتدي بدلة عمل زرقاء قائلا لنا بصوت مخيف : اجابكم هنا .. اجبته الأخت الصحفية اننا ذاهبون الى فندق بابل لإجراء حوار ، انا لزمت الصمت ، لأن اي سؤال لي ربما سيكتشف انني رفضت المشاركة في الحرب مع ايران .. واني مرقن قيدي من الجامعة بسبب ذلك واني من مدينة كربلاء ، وهذه شبهة خطيرة ...... واني واني واني .. طلب مني هويات كل منا انا والسائق والأخت الصحفية .. انا اول من اعطيته هويتي وستستغرب اذا عرفت نوع هذه الهوية ، كانت هوية صغيرة خضراء اللون على مااذكر صادرة من نادي السينما العراقي الذي كنت عضوا فيه ، اظنك سمعت به ، كان يعرض هذا النادي كل يوم خميس فلما مختارا في قاعة الرشيد ، هذه الهوية كانت غير صالحة لغير اغراض النادي ، رفعت هذه العبارة ، كي تكون اكثر اقناعا عند السيطرات .. بالفعل اخذ هذا الشخص هذه الهوية وقرأها على عجل واعادها لي .. واخذ هوية السائق ، قرأها بإستغراب قائلا له بالحرف : انت نقيب في الإستخبارات ولا تعرف هذا المكان !!! .. راحت الأخت الصحفية تبحث عن هويتها واثناء بحثها سقطت عيني على هوية نادي السينما التي كانت هي ايضا عضوة فيه ، قلت لها بصوت خافت اعطيه هذه الهوية ، رددت عليّ بصوت مرتفع : لا ، هذه الهوية متمشي !! .. تخيل موقف كهذا ماذا سيحل بصاحبه .. يبدو الشخص لم يسمع ما قالته الأخت الصحفية ، وراح يفتش السيارة بدقة .. واثناء تفتيشه السيارة سألته الأخت الصحفية بسذاجة : احنه وين بالضبط ؟! .. اجاب عليها بسهولة غريبة غير متوقعة اذهلتنا وضاعفت من صدمتنا جميعا : هاي بناية مكتب السيد الرئيس !!!!! ... تركنا نمضي بسلام وقبل ان يقول لنا مع سلامة طلب منا ان نسلم له على مسؤول كبير كان يعمل في الإذاعة والتلفزيون ..

هذا موقف آخر ، لااعرف الأسباب التي دفعتني ان ابوح به لك ، كما الموقف السابق الذي حصل بعده بستة اعوام .. حالات الخوف هذه مازلت اعاني تبعاتها حتى اليوم .. صدقني اخي الكريم - كل احلامي وكوابيسي عبارة عن سيطرات عسكرية او امنية .. سجون وتعذيب .. لااخفيك مدى الفرح الغامر الذي ملأ كل جوانحي وانا اشاهد عبر التلفاز الدبابة الأمريكية في ساحة الفردوس وهي تحاول اسقاط الصنم الى الأبد في التاسع من نيسان عام 2003 وتمكنت منه .. لكن الذي بدد فرحتي هذه هو رفع العلم الأمريكي على وجه الصنم قبل العلم العراقي ، حينها شعرت ان تاريخا آخر قد بدأ ..

امدك الله بالصحة والعافية ..

المخلص /(.......)

شبكة البصرة

 السبت 10 محرم 1426 / 19 شباط 2005