نواقض الوطنية : النزعة اللا أخلاقية

شبكة البصرة

صلاح المختار

    من يبحث عن جوهر الوطنية، بعقل هادئ وموضوعي، يجد أنه اخلاقيتها المتجذرة، بل المتناسجة خلاياها وعناصرها (الجينية) المكونة. فلا وطنية حقيقية بلا التزام أخلاقي ثابت وعميق، وحينما تنفصل الوطنية عن جوهرها الاخلاقي، تصبح محض انتهازية رخيصة تزيل الحدود، التي تفصل بين الانسان والحيوان، فما المقصود باخلاقية الوطنية؟

                           
إعادة تذكير

    من الضروري التذكير ببديهيات مفهوم الوطنية، لان ذلك سيساعدنا على ربط مختلف الحجج الخاصة بطابعها الاخلاقي. ان ابسط تعريف للوطنية هو أنها حب الوطن والإخلاص له ويترتب على هذا التعريف التزام حتمي: ان الوطني مستعد للدفاع عن وطنه الى حد التضحية بالذات، اذا اقتضى الامر ذلك، اذ ما قيمة (حب الوطن)، و(الاخلاص له) اذا لم يقترن ذلك بالاستعداد لحماية الوطن، من أي خطر خارجي، والتضحية بكل غالٍ ورخيص من اجل سيادته ووحدته الاقليمية ومصالحه المشروعة؟ إذن حب الوطن التزام طوعي بالدفاع عنه ضد أي عدو خارجي، وهذا الالتزام اضافة لطبيعته الوطنية، هو مو قف اخلاقي، اذ كيف
يمكن لمن تمتع بفوائد الوطنية وامتيازاتها المادية والمعنوية، مثل تنشئة الانسان وتعليمه واطعامه، ومنحه هوية قومية خاصة وتوفير الامن له، ومساعدته على ابراز طاقات الخلق والعبقرية لديه، سواء كانت علمية او فنية أو غير ذلك، كيف يمكن لهذا الانسان ان لا يتذكر كل ذلك، فيهجر وطنه عند تعرضه للخطر، او ان يساعد على غزوه وتدميره؟
      إن الفصل بين الوطنية وبين الالتزام بالدفاع عن الوطن، والتعامل مع الأخير بصفته فندقاً سياحياً نستخدمه لزمن ثم نستبدله بآخر، يقود حتماً الى فقر أخلاقي، لان العجز عن قبول الرابطة الوطنية، يحول الانسان الى محض حشرة بدائية لا قيم لها، ولاروابط محترمة تتقيد بها، وتقف ضمن حدودها.
      وبفضل هذه الحقيقة العالمية والتاريخية، تميزت الوطنية بجوهرها الأخلاقي، والذي يعني، تحديداً، الالتزام المطلق، وغير المشروط، بالدفاع عن الوطن عند تعرضه لتهديد خارجي، ووضع كل القضايا الاخرى في الخلف، وتأجيلها ومنع تأثيرها على الالتزام الوطني الاول: الدفاع عن الوطن. لذلك تبلورت قاعدة قانونية واخلاقية لدى كل الشعوب تعد من لا يدافع عن وطنه خائناً، أو جباناً يستحق الاحتقار.

 

الوطن وقيادته

      والالتزام الاخلاقي والوطني لا يتقصران على الدفاع عن الوطن، بل يمتد ليشمل من يقود الوطن، فمن الناحية العملية، يبدو الدفاع عن الوطن، المعرض للتهديد ،غير ممكن بدون التعاون مع من يحكمه، وبغض النظر عن رأينا فيه، واتفاقنا أو اختلافنا معه. ان ثمة سلطة قائمة، وهي تقبض على اقليم الوطن الجغرافي وتحكم شعبه، وتتمتع بوجود آلات الادارة والقمع (الشرطة) والدفاع (الجيش والمخابرات) بيدها، وتحت تصرفها موارد الدولة المادية، يضاف الى ذلك انها قوة يتحدد مستواها وطبيعتها بدرجة تمتعها بدعم شعبي، وهي لذلك قوة حاسمة في الدفاع عن الوطن، خصوصاً اذا كانت حكومة وطنية.
      ما ترجمة هذه الحقيقة عملياً؟ انها تعني، وتلزم بالتعاون مع الحكومة القائمة، والنظام السياسي الذي اقامها، ودعمها في اطار تحالف وطني عريض، هدفه الرئيس منع العدو الخارجي، من الحاق اي ضرر بالوطن ومصالحه ووحدته الاقليمية. ويشترط لتحقيق ذلك تجميد الخلافات الداخلية، مهما كانت حدتها ودرجتها، والعمل
كفريق واحد ضد عدو واحد. وما قلناه سابقاً جسدته الشعوب كافة عند تعرضها لخطر خارجي، أو دخولها
الحرب، حيث نشأت (جبهات وطنية عريضة) للدفاع عن الوطن، واحياناً قامت (حكومات ائتلافية للدفاع الوطني).
       ومن النتائج المترتبة على البديهيات المذكورة، صياغة مفهومي (الخيانة الوطنية العظمى) و(التخاذل امام العدو)، فالاول يستخدم لوصف من يتعاون مع عدو الوطن، والثاني يستخدم لوصف من لم يتعاون مع العدو، لكنه انهار معنوياً وعجز عن محاربته، وفي الحالتين فإن اطلاق اي منهما على اي مواطن يجرده من وطنيته أو يجعله موضع احتقار وادانة.

الثبات: موقف اخلاقي

     اذن هناك تراث انساني غني، وموثق عبر التاريخ، يضع حداً فاصلاً بين الصحيح والخاطئ، في قضايا التعامل مع الوطن، ويخلق آليات ردع ذاتية، فردية وعامة، تحدد مسار ومواقف المواطنين عند تعرض وطنهم لخطر خارجي، ووصلت قوة وتأثير هذه الحقيقة إلى درجة متطرفة جعلت البعض يطرح المقولة التالية:
(وطني علي حق دائماً) ! وذلك موقف يعني، عملياً، أن اصحاب هذه المقولة، يؤيدون حكومة وطنهم، عند اصطدامها مع قوى خارجية، بغض النظر عن الحق والباطل في موقف طرفي الصراع.
     وهذا التطرف، بالطبع، يسيء إلى مفهوم الوطنية الحقيقي، ويجعله موقفاً أنانياً يفتقر الى المنطق السليم ويتحرك بدوافع المصلحة غير المشروعة، واكبر مثال هو اعادة انتخاب الرئيس الامريكي باصوات لم يحصل عليها في دورته الاولى؟ كيف نفهم تأييد مواطنين من بلد ما لعدو بلدهم الذي يقوم بغزوه؟ وما هو
تقويمنا لمن ينقلب على موقفه المعلن ويتبنى نقيضه بحجة انه مع الوطن لكنه ضد حكومته؟ وهل يمكن لأي مواطن ان يكون مع وطنه لكنه يؤيد غزوه انطلاقاً من عدائه للحكومة؟

 

الحالة العراقية

     ان ما جرى ويجري في العراق يقدم حالة استثنائية خاصة في التاريخ، اذا ان بعض من يدعي الانتماء للعراق، وطناً وشعباً، قد تعاون مع الاحتلال الاستعماري الامريكي له، الى الحد الذي جعله-اي هذا البعض- يؤيد كل الدمار والخراب الذي حل بالعراق، وكل عمليات القتل والابادة الجماعية للعراقيين التي حصلت، وتحصل، في الفلوجة والنجف والموصل وبغداد وغيرها.
     ويتجسد الانحراف عن مفهوم الوطنية، والذي أقرته كل الشعوب، في ان هذا البعض لم يكتف بتأييد الغزاة الاجانب ومساعدتهم على انجاح الغزو، بل انه أيد ايضاً جرائمهم ضد الانسانية في العراق، أو صمت عنها! لكنه بالمقابل ما زال يتحدث عن ما يسمى بـ (جرائم النظام السابق)، والتي اعترف الغازي الامريكي، انه فبركها وصنع قصصها من اجل تسويغ وتسويق وتبرير الغزو! لقد سقطت قصص (المقابر الجماعية) و(اسلحة الدمار الشامل) و(التعاون مع القاعدة)، و(مجزرة حلبجة) وقدمت ادلة حاسمة اما على كذبها، أو على براءة العراق منها، او على المبالغات المتطرفة في عرض احداث، فرضت فرضاً على العراق.
     ورغم كل ما قيل عن حجم (هذا البعض) فإن الاحداث الواقعية، لما بعد حصول الغزو، قد اثبتت انه معزول عن غالبية الشعب العراقي، بعربه (سنته وشيعته) وكرده وتركمانه، بمسلميه ومسيحييه، بدليل انه، وبعد مرور حوالى العامين على الغزو، لم يستطع (هذا البعض) ان يسيطر على مدينة عراقية واحدة، وهرب أكثر اقطابه خارج العراق، رغم الدعم العسكري والحماية الامنية التي توفرها اميركا وحلفاؤها له، ورغم الدعم الاقليمي ايضاً. ان (هذا البعض) يهرب من امام المقاومة الوطنية كما تهرب الجرذان المذعورة، وقد اصبحت هذه الحقيقة احدى اهم مشاكل الاحتلال الخطيرة.
     ولئن كنا نفهم الاسباب التي جعلت (هذا البعض) يساهم في تدمير العراق، واهمها، انه بالاصل لا ينتمي للعراق في هويته القومية، فإن الغريب على مفهوم الوطنية، هو أن عراقيين، بالاصل، قد انجروا إلى مستنقع الاحتلال، فتعاونوا معه، ورددوا اهم وأول اطروحة له، وهي (جلب الديمقراطية للعراق)، وكأنهم لا يرون أن الاحتلال قد جلب الخراب والدمار والاستعمار للعراق، واباد ويبيد مئات الالاف من العراقيين، ومارس ابشع انواع الديكتاتورية بإسم الديمقراطية!!
      إن مفارقة مدهشة يراها العالم في العراق، فإذا استبعدنا الغزاة انفسهم، فإن عراقيين، من اصول عراقية واخرى اجنبية، لا يرون الا الماضي الافتراضي المفربك والمزور للعراق، والذي اختلق لتبرير الغزو، لكنهم بلا عيون ولا أذان ولا لسان، حينما يأتي الحديث عما فعله الغزو للعراق والعراقيين! أكثر من ذلك، وبدلاً من ان يدينوا الغزو ويحملوه مسؤولية كوارث العراق، يلجأ (هذا البعض) الى اتهام النظام السابق بالتسبب بكل الكوارث بما في ذلك الغزو، في تبرئة واضحة لمن خططوا لتدمير العراق، مهما كانت مواقف حكومته!

انحطاط قيمي

      ان هذا الموقف غير قابل للتبرير علي الاطلاق، فما يجري في العراق، منذ الغزو، ليس صراعاً بين عراقيين، بل هو صراع بين الشعب العراقي، ممثلاً بالمقاومة الوطنية المسلحة، الممثل الشرعي والوحيد للشعب العراقي، وبين قوات الاحتلال ممثلة للصهيونية الامريكية. وقصة الخلاف مع النظام الوطني، مهما كانت،
لاتسوغ اطلاقاً التعاون مع الاحتلال، لان من دمر ويدمر، وقتل ويقتل، هو العراق وشعبه، وليس النظام فقط.

      لقد تناسى هذا البعض الضرورة التاريخية المعروفة للتمييز بين الوطن والنظام، واقامة تحالف وطني عام ضد العدو المشترك، وانطلقوا من مسألة ثانوية، وهي الخلاف مع النظام، لتدمير الوطن ومواطنيه! وهكذا اجتازوا الخط الفاصل بين الاجتهاد والخيانة العظمى، وانزلقوا الي مستنقع خدمة الاجنبي ضد الوطن.
إن أهم مايستخلص من تجربة العراق المرة، هو ان الفصل المصطنع بين الوطنية وجوهرها الاخلاقي قد قاد إلى الخيانة وحرق العراق، فحينما ينسى (هذا البعض) ان الوطنية هي حب الوطن والدفاع عنه ضد الغزاة الاجانب، ويتذكر فقط قضاياه الصغيرة مع النظام، يسقط اخلاقياً اضافة لسقوطه الوطني.
     إن الالتزام الاخلاقي والوطني يتجسد أعظم، واوضح ما يتجسد، في الدفاع عن الوطن تحت قيادة النظام الذي نرفضه، فتلك هي عظمة الاخلاق والوطنية، لان الدفاع عن الوطن غير مشروط بوجود حاكم نؤيده أبداً، بل هو دفاع حتمي ومقدس يتجاوز الحاكم وطبيعته ويتعامل فقط مع حب الوطن. في يوم سئل جورج مارشيه، حينما كان أميناً عاماً للحزب الشيوعي الفرنسي: ماذا سيكون موقفك اذا غزت القوات السوفيتية فرنسا؟ فأجاب: سأكون أول من يحمل السلاح للدفاع عن الوطن ضد الغزاة الشيوعيين السوفييت. هذه هي الوطنية، وهذا هو الالتزام الاخلاقي الرفيع: الوطن أولاً وثانياً وألف بعد المئة، ولا شيء يعلو فوق عدالة قضية الوطن المهدد .

salahalmukhtar@hotmail.com   

شبكة البصرة

الخميس 15 محرم 1426 / 24 شباط 2005