ماذا يجري في العراق

 

 شبكة البصرة

عبد الجبار الكبيسي

﴿ 1 ﴾

في التاسع والعشرين من آب (اغسطس)، وصلت عمّان ليلا قادما من فرنسا. كنت ارغب في الذهاب الى بلدي قبل هذا الوقت بكثير، لكن ظروف واجراءات السفر تطلبت مني مزيدا من الصبر والإنتظار. ما إنْ وضعت حقائبي في الفندق، حتى سمعت الهاتف يرن. كان ليث شبيلات على الخط. فال انه سيأتي حالا لرؤيتي. بعض افراد عائلتي جاؤوا من العراق مسرعين الى الأردن واتجهوا فورا الى مطار عمان لإستقبالي. جلسنا في بهو الفندق جميعا نحتسي فناجين القهوة ونتبادل الأحاديث حتى الفجر. في الخامسة صباحا اخبروني اننا سننطلق وان السيارة اصبحت جاهزة. في تلك اللحظات اختلطت مشاعري، البهجة بالحزن، القلق بالأمل. ها أنا أخيرا اتجه صوب وطني الذي حطمه زلزال الإحتلال. سأرى بشرا معذبيّن وحواجز ودبابات وكأن الحرب لن تتوقف. في الحادية عشرة تقريبا كنت اقف عند الحدود. على الجانب العراقي رأيت عشرات السيارات ترفرف من حولها رايات واعلام عراقية وفلسطينيّة. من بعيد تعرّفت على بعض الوجوه. لقد جاء افراد من اسرتي وعشيرتي زاد عددهم عن المئات، من بينهم اخي الأكبر عبد الرزاق الكبيسي واخي الدكتور ابراهيم. سياسيون وشخصيات اجتماعية واصدقاء قدامى ومعارف وأبناء أقارب، تركتهم صغارا وها هم يبدون في عمر رجال كبروا في لجّة حزن لا تهدأ. جاؤوا جميعا من بغداد. لم يتسن لي التعرّف على الكثيرين منهم وخصوصا الجيل الجديد. اما كبار السنّ فقد تعرّفت اليهم بسهولة وقرأت في تجاعيد وجوههم تعب السنين (الكثيرون منهم سبق لي وان التقيته اثناء زيارة سابقة قبل الإحتلال). في هذه الأجواء لم يدر في خلدي ان فلسطين ستكون حاضرة. لقد كانت في قلب هذه التظاهرة الترحيبيّة، كما هي دائما في وجدان العراقيين اعلام فلسطين ترفرف من وراء الحدود، حملها ابناء عشيرتي وعائلتي وبعض الأصدقاء.

رايات ورصاص واسلاك شائكة

ما إنْ اجتزت المسافة الفاصلة نحوهم حتى رحت اتفقدّ الوجود، في لحظات شوق وحنين لا ضفاف لهما. انطلق موكب السيارات بسرعة، ولكن ليتوقف فجأة. جاء الجنود الأمريكيون مسرعين وتقدّموا نحونا. خاطبني احدهم بالإنكليزية: اهلا بك في العراق؟ الإحساس الوحيد الذي غمرني في تلك اللحظات، حين استمعت الى ترحيب الجندي، هو المزيج عينه من الألم والحزن الذي يتسببّ به انغراس الخنجر في اللحم الحيّ. تساءلت مع نفسي عن نوع المفارقة في المشهد الأول الذي يصادفه المرء على الحدود وفي الطريق الى الوطن: مَن يكون هذا الغريب حتى يرحب ُ بي في وطني؟ لم امد يدي لإعطائه جواز السفر، فتدارك الأمر احد افراد عائلتي وتناول الجواز مني وقدّمه للجندي الأمريكي، بينما فتحت الباب وغادرت السيارة متبرّما وشاعرا بالضيق. كانت رغبتي الوحيدة ان أملأ رئتي بالهواء. هواء البرّية الفسيحة الممتدّة أمامي. بعد بضع كيلومترات حيث انطلقت السيارة، تعالت الهوسات البدوية من الموكب؛ وترددّ معها صدى الهتاف الموحدّ (التحالف الوطني كل العراق يريده). انهم يرحبون بي وبالتحالف الوطني الذي ظل يطرح، دون ترددّ، خيار الإصلاح الديمقراطي والمصالحة الوطنية من اجل تفادي الكارثة. وهم يعرفون جيدا انه - وكما سيبرهم التاريخ- كان أكثر تعقلا وتبصرّا بالعواقب. من بعيد، لاح موكب آخر مؤلف من عشرات السيارات (نحو خمسين سيارة) كان ينتظر عند مسافة 3-4 كيلومترات عن الحدود الدولية. كانوا يلوحون بالرايات واللافتات والأعلام. انضمّ موكبنا الى الموكب الجديد. فجأة بدأ اطلاق الرصاص من اسلحة رشاشة واخرى ثقيلة، وتعالت من حولي الهوسات البدوية ثانية ترحيبا وابتهاجا. بعد قليل فقط رحت اتابع السماء وهي تضجّ بأصوات طائرات الأباتشي الأمريكية. قالوا: لا بد ان الامريكيين سمعوا اطلاق النار. ها قد جاءوا. انطلق الموكب بينما غادر المسلحون - وهم من ابناء المنطقة- فاتجهنا صوب تلة قريبة حيث توجد نقطة تفتيش امريكية؛ تحتشد من حولها مجموعة كبيرة من الآليات والدبابات. شق الموكب طريقه نحو الرطبة. ومن بعيد رأيت مقرا قديما لشركة ألمانية للإنشاءات. لقد استولى عليه الأمريكيون وحولوّه الى معسكر يشرف على الطريق العام. في هذه الأثناء لم تتوقف الدوريات عن التجوال. لاحظت ان اسلوب اقامة نقاط المراقبة في المعسكرات والحواجز، التي نشرها الأمريكيون في كل مكان، يتسم عادة بوضع مدرعتين في وضعيتين متعاكستين. من الواضح ان هذا الإسلوب يعكس القلق المتزايد للأمريكيين من الهجمات المباغتة للمقاومة.

على مبعدة نحو خمسين كيلومترا من الرطبة توجد قاعدة الوليد العسكرية (الجوية). من بعيد رأيت آثار الحطام والدمار تحيط المكان كله. كأن زلزالا ضرب القاعدة. هذا هو الإنطباع الوحيد الذي خلفه في ذهني منظر القاعدة من بعيد. وحين اقتربنا اكثر كانت اعمدة كهرباء الضغط العالي تجثم على الأرض مثل اشجار نخيل هوت بفعل عاصفة هوجاء. لم يتبق من حطام اعمدة الكهرباء ايّ شيء. لقد ُنهبت الأسلاك منها. هي ذي أولى مشاهد الخراب التي تصدمني قبل ان ادخل الى مدينة الرطبة الحدودية. عند مدخل الرطبة وفي شارعها الرئيس، فاجأتنا زخات من الرصاص حيث تعالت الهوسات مرة اخرى. نزلنا من السيارات فوطقتني حشود من ابناء القبيلة والمعارف وابناء المدينة. كان هناك بضعة شبان من ابناء المدينة يحملون اسلحة ثقيلة (بي. كي. سي) راحوا يطلقون النار ابتهاجا وترحيبا وهم يحملون اسلحتهم بيد واحدة. اتجهنا صوب الخيام التي نصبت عند ابواب المنازل. قال اخي: الغداء سيكون هنا. بعد ذلك سوف نكمل رحلتنا.

تجددّ اطلاق النار بكثافة. لا احد يعرف من اين خرج السلاح. قالوا لي ان الأمريكيين يتجنبون دخول المدينة. نحو الساعة الثالثة، وبعد ان فرغنا من طعام الغداء اتجه الموكب خارج الرطبة. عند مغادرتنا المدينة متجهين صوب الفلوجة وعلى الطريق الى بغداد كانت هناك عشرات المدرعات والدبابات وهي تغلق كل المداخل والمخارج. لقد سمعوا اطلاق النار. تقدمّ الأمريكيون صوبنا مذعورين وهم يسألون عن مصادر اطلاق النار؟ قالوا: سلموّنا الأسلحة. لقد سمعنا رصاص اسلحة ثقيلة؟

بعد التفتيش لم يعثروا على اسلحة. وبالفعل، فالذين كانوا يرحبون بنا ويطلقون الرصاص غادروا المكان. انطلق موكبنا بنحو عشرين سيارة نحو الفلوجة، بينما بقي الآخرون من افراد عائلتي والأصدقاء القدامى وبعض السياسيين في الرطبة، لأنهم من سكانها في الأصل وجاءوا لإستقبالي. اتجّه الموكب على طريق الرمادي. انها اول مدينة كبيرة نتجه اليها في طريقنا الي بغداد.

معركة في الخالدية

على امتداد الطريق الطويل، شخصت امام ابصارنا مشاهد مفزعة لعشرات السيارات المحترقة والآليات العسكرية المحطمّة جرّاء القصف. كانت آثار القصف الوحشيّ لاتزال بادية للعيان بعد وقت طويل نسبيا من توقف الحرب: حفر ضخمة. الآف القذائف المتفجرّة والمتناثرة بشظاياها وهي تملأ الأرض الفسيحة. عند مدخل الرمادي اوقفتنا نقطة تفتيش امريكية. الدويات العسكرية الأمريكية تجوب المنطقة المحيطة بالمكان، وتتجه نحو المدينة في حركة لا تكاد تتوقف. ما لفت انتباهي، ببساطة، أنمّا كان منظر الجنود المذعورين الذين يقومون بهذه الدوريات. ان مظاهر الهلع التي تطبع حركتهم وصراخهم المتعالي ونظراتهم المفزوعة، وتوترهم البادي للعيان، كلها تدّل على انهم كانوا يتأهبون لأطلاق النار عشوائيا وفي كل اتجاه. صرخ الجندي وهو يطلب منا ان نترك السيارات لأجل تفتيشها: اتركوا السيارات. ابتعدوا. كان متوترا ومذعورا. تركنا السيارات بينما كانت البنادق الرشاشة مصوّبة نحونا. بعد قليل فرغوا من التفتيش وطلبوا منا ان نغادر المكان. تحركنا بسياراتنا متجهين صوب الرمادي. منظر الأسلاك الشائكة حول نقاط التفتيش وجدران الكونكريت المنصوبة، يوحي للناظر انه الشاهد الحقيقي على مقدار ونوع الفزع، الذي ينتاب جنود الإحتلال. من بعيد لاحت الخالدية. ان اسم الخالدية الذي قفز بقوة الى واجهة الأحداث، والذي ارتبط بالهجمات النوعية والبطولية للمقاومة، قد يدل على مدينة كبيرة. في الواقع ليست الخالدية كذلك. وعلى العكس فهي من المدن الصغيرة والنائية. القصف الوحشيّ الذي تعرضت له اثناء الحرب، يؤكد انها تعرضت لدمار مخيف طاول المنازل، بما ُيعيد تذكير كل من يقترب من اطرافها، بأنها مدينة أخرى من مدن العراق التي مزقها القصف. بالكاد يمكن للناظر اليها من بعيد تبيّن معالمها. ومع ذلك؛ بدت المدينة قادرة على اظهار بعض المعالم الدّالة على انها تخرج من قلب الجحيم، بالفعل، ولكن من دون انين. ان صمود سكانها والبطولات التي اجترحوها في مقاومة الإحتلال، كافية لإظهار هذا المعنى. على امتداد الطريق ايضا لم يكن امامنا سوى المنظر ذاته: سلسلة لا تكاد تنقطع من الدوريات والأرتال العسكرية المحملة بجنود الإحتلال، تسير على الطريق الرئيس بحماية مدرعات ودبابات. كانت ارتال قوات الإحتلال مكوّنة من 20 -40 آلية تجوب المنطقة. يبدو انها تتجه صوب هيت. استوقفنا الجنود الأمريكيون مرة اخرى عند حاجز تفتيش. قالوا لنا ان الطريق مغلقة. هناك (مشاكل) في الخالدية. غادرنا المكان بعد قليل. ومن بعيد مرة اخرى لاحت لنا مداخل مدينة الخالدية. من الواضح ان ثمة آثار معركة كبيرة نشبت هنا. كان علينا ان نسلك الطريق الزراعي القديم، الذي يؤدي مباشرة الى المدينة من وسطها، وهو طريق يفضي بالسائر فيه الى الفلوجة. كنت ارغب في رؤية ما حدث. ومادمت قد اضطررت الى سلوك هذا الطريق، فإن بامكاني رؤية آثار المعركة. وبالفعل رأيت هناك، على جانبي الطريق الزراعي القديم، دبابة امريكية محترقة وسيارة نقل عسكرية (في ما بعد ابلغني اهالي الفلوجة ان معركة الخالدية هذه استمرت اكثر من اربع ساعات). اتجه الموكب صوب الفلوجة شاقا طريقه من قلب الخالدية. عند مدخل الفلوجة تجمّع كثير من ابناء القبيلة والأصدقاء والأقارب. لقد ظلوا بانتظارنا عند مدخل المدينة كل هذا الوقت، لأنهم كانوا يعتقدون اننا سوف نسلك الطريق السريع وليس الزراعي القديم. اخذنا طريقنا الى وسط المدينة متجهين الى مقر (التحالف الوطني). قالوا لي ان هناك الكثير من الزعامات القبائلية والسياسية والشخصيات الوطنية، ومن اهالي الفلوجة ايضا يتواجدون في المقر. كان عليّ ان اقول شيئا للمحتشدين؛ فلم اجد انسب من الإشادة بالمقاومة وروح التصدي الباسلة. ابلغتهم بتحيات حارة حملنيّ اياها احمد بن بلا، وبتحيات مناضلين عرب تسني لي اللقاء بهم قبل وصولي البلاد. وقلت: انا واثق من ان كل المدن في العراق ستكون هي الفلوجة.

في نهاية اللقاء الذي كان قصيرا، اخذ الموكب طريقه صوب مقبرة المدينة. ذهبت لزيارة قبر والدتي واخوتي. ومن المقبرة شق الموكب طريقه صوب بغداد.

مذبحة اشجار النخيل

على الطريق من الفلوجة الى بغداد ليلا. طريق بغداد المظلم غمرني بمشاعر حزن وألم. جالت خواطر شتي في ذهني وتتالت الصور الحزينة والبطولية على حدّ سواء. الليل الكئيب ينشر ظلاله السوداء في مكان. لقد تحولت الشوارع المضاءة الى شوارع معتمة والخراب في كل مكان. من بصيص الضوء الطالع من مصابيح السيارات كان يمكن لي، ولكل عابر مثلي علي الطريق، ان يشاهد بعض معالم المدينة وقد لفها ظلام مخيف. كانت منطقة (ابو غريب) تشخص امامنا على الطريق السريع وقد بدت فيها آثار قتال شرس. الأمريكيون كانوا يتواجدون هناك بكثافة عند المداخل. حركاتهم العصبية والهستيرية تدّلل علي مقدار خوفهم وذعرهم. وحين تطلعت اليهم وهم يتجولون في المكان، رأيتهم ينشغلون في تفتيش البساتين واحراش قصب البردي، حيث تمتد بعض المستنقعات التي تحيط مدخل الفلوجة. الأباتشي تغطي سماء المدينة، بينما الدوريات تتكثف وتتزايد نقاط التفتيش والحواجز. كانوا يستوقفون السيارات ويدققون في الأوراق. هناك رأيت مشاعر الغضب من الإهانات واساليب الإذلال، وهي تطفح في وجوه العراقيين، الذين يتعرضون لفظاظات الجنود اثناء عمليات التفتيش.

يستغرق تفتيش السيارات هنا نحو نصف ساعة. انهم ُيقلبّون ويفتشون كل شيء. تساءلت: عم يبحثون هنا، في البساتين واحراش القصب وفي السيارات؟ لقد وضعوا ايديهم على سائر معسكرات الجيش المدّمرة وكانت اضواؤهم الكاشفة تغمر المكان كله. كما انهم قاموا بأكبر عملية اعدام وابادة جنونية للإشجار؟ منظر الإشجار المقطوعة وعمليات تجريف النخيل والمزروعات والحقول اكبر من ان يُحتمل. انه يدمي القلب. لقد احلوّا محل الإشجار متاريس جديدة راحت تصعد في سماء المدينة وكأنها قلاع. لاشيء يمكن ان يصيب المرء بالحزن والشعور بالمرارة من مناظر الحرق والتدمير، الذي طاول كل مكان وكل شيء: المقرات والمؤسسات ومعسكرات الجيش والبيوت والبساتين. في الساعة العاشرة ليلا انتهت اجراءات التفتيش فاتجهنا من (ابوغريب) الى العامرية، وكان طريق مطار بغداد يتلوى وسط الظلام.

امضيت الأسبوع الأول من وصولي الى بغداد في منزل اخي الأكبر عبد الرزاق الكبيسي بين اهلي واقاربي. ولكن وخلال هذا الإسبوع، وبعده مباشرة، كان عليّ ان اباشر باتصالاتي السياسية مع مختلف القوى المناوئة للإحتلال. لقد تشكلت في العراق بعد الغزو مجموعات سياسية كثيرة. الأمر الأكثر اهمية بالنسبة لي، في هذا التغيرّ المثير في صورة الحياة السياسية، هو التعرّف على طروحاتها هذه القوى والجماعات والإطلاع على رؤاها وتصوراتها المستقبلية. جاء لزيارتي الكثيرون. الدكتور وميض عمر نظمي احد قادة التيار القومي، واحمد طه العزوز (الذي يقود الجبهة الوطنية الديمقراطية) وعمر الكبيسي (جرّاح القلب المشهور) وعصام عايد (الذي يقود حزب الإصلاح) وهيئة العلماء المسلمين ممثلة في شخص الدكتور حارث الضاري، وجمع من السياسيين وضباط الجيش الكبار واعضاء من التحالف الوطني، كانوا قد سبقوني في الوصول الى بغداد. والى جانب هؤلاء كان هناك ممثلون عن التيار الناصري الموحدّ بزعامة صبحي عبد الحميد وحزب الوحدة الإشتراكي وجماعة (العراق بيتنا) بقيادة عبد اللطيف المياح (رحمه الله. فقد تلقيت نبأ اغتياله وانا اكتب هذه المقالات) ود. محمد الشواف والتجمع الوطني المستقل ورابطة شيوخ عشائر العراق التي يترأسها مشعان الضاري، الى جانب شيوخ عشائر الجميل والعبيد الذين جاؤوا من كركوك، وشخصيّات يسارية عديدة. فضلا عن شيوخ عشائر ورجال دين من الشيعة والسنّة. الأحاديث التي دارت بيننا خلال هذه اللقاءات، تركزت بمجملها على توصيف الواقع الراهن، تمهيدا لإستخلاص الأفكار الأولية عن طبيعة المهام والأهداف، التي يمكن ان تجمع كل الوطنيين داخل اطار سياسيّ. وهذا امر هام للغاية لا بالنسبة لي، وانما كذلك للآخرين، الذين جاءوا لإستطلاع آفاق العمل المشترك. من بين اكثر الأمور جوهرية، والتي يمكن استخلاصها من هذه النقاشات الأولية، كانت مسألة ادراك الجميع لأهمية إدارة الظهر للماضي والتطلع الى المستقبل. شعرت ان العراقيين جميعا لايرغبون في البقاء محتجزين داخل ماضٍ ثقيل الإرث، وانهم يريدون بالفعل التحرر من ربقته. ان جسامة وخطورة الأوضاع كانت تتطلب، على العكس من الدعوات لنبش الماضي والتوقف عن تخومه، ان يبادر الجميع الى تأسيس توافقات جديدة من اجل المستقبل. ادراك العراقيين لأهمية ان لايظلوا اسرى الماضي، كان مثيرا للإعجاب والدهشة. هذا ليس محض انطباع شخصيّ بل هو حقيقة واقعة يمكن تلمسها.

احاديث عن الجبهة الوطنية

مع مطلع الإسبوع الثاني، باشرت بسلسلة زيارات للقاء مختلف القوى والجماعات التي التقيتها. وفي اطار هذه اللقاءات، تبلورت الأفكار الأولى عن الجبهة الوطنية العريضة، التي ستضمّ كل اطياف المجتمع المقاوم للإحتلال. وفي هذه النقاشات ترسخ لدّي الإنطباع بأن الجميع على استعداد للعمل المشترك. اتفقنا جميعا على النقطة التالية: ليس بأمكان ايّ جماعة او طائفة او قومية، بمفردها، ومهما امتلكت من اسباب القوة، ومن دون التوافق مع القوى الأخرى، انجاز ايّ شيء حقيقي على طريق تحرير البلاد من الإحتلال. بيد ان الإنطباع الآخر والهام؛ الذي خرجت به من لقاءات الإسبوع الأول، وبات الآن اكثر رسوخا ووضوحا، هو الإجماع المثير عند السياسيين وعامة الناس، على ان هذا الإحتلال هو من حيث الجوهر والمضمون هو احتلال اسرائيلي بأدوات امريكية. هذه القناعة الراسخة عند الجميع، يمكن تلمسها في سياق النقاش حول اوضاع البلاد.

هذه الصورة؛ بدت واضحة في ذهني تماما عندما باشرتُ اتصالاتي السياسية، من اجل وضع اللمسات الأولى للجبهة الوطنية العريضة. شرعت في اعداد مسوّدة مشروع الجبهة. في الأيام التالية تركزت الحوارات، التي قمت بها بإسم (التحالف الوطني) مع الكتلة القومية (لجنة التنسيق القومي) ومجموعة العزوز وحزب الإصلاح وجماعة (العراق بيتنا) والتجمع الوطني المستقل وهيئة العلماء المسلمين ورابطة عشائر العراق والقيادة المركزية للحزب الشيوعي العراقي. بعد ذلك قمت بجولات ميدانية في الرمادي والفلوجة وابوغريب وكركوك والمدائن وديالي والصويرة. وفي سائر هذه المدن والبلدات ترسخت القناعة عندي بزوال الإحتلال، فجميع من التقيتهم من الناس العاديين والشخصيات السياسية والجماعات ورجال القبائل، مقتنعون بان النضال من اجل الإستقلال هو ما يوحدّهم. ليس ثمة من يراهن على بقاء الإحتلال، سوى اؤلئك الذين تورطوا في تشجيع غزو البلاد واستباحتها. وعلى العكس من ذلك، هناك رهان حقيقي على تحرير العراق واستعادة استقلاله. ولقد تسني لي وانا اتجول في بغداد، ان اتلمس معنى النفور من القوى المتواطئة مع الإحتلال. انهم لا يفهمون الشعب، ولا يقدرّون حقيقة مشاعره وتطلعاته. وتبلغ درجة القطيعة بينهم وبين الشعب حدّ مذهلا، حين تتطلع الى نظرات الناس المستغربة والمتسائلة، مثلا، عن السبب الذي يجعل مقر احمد الجلبي مزينا بيافطة كبيرة كتب عليها اسم حزبه باللغة الإنكليزية (INC). قال لي احد الظرفاء ونحن نمرّ بالقرب من المقر: انظر. ها هنا شركة امريكية؟. قلت له: بل هو اسم حزب. انه اختصار بالإنكليزية لإسم حزب المؤتمر. فردّ ساخرا: بل هو شركة تتخفي تحت اسم حزب.

اما الأحزاب الأخرى المتواطئة مع الإحتلال، فأنها تبدو للعابر قربها مجرد مقرات خاوية وفارغة إلا من بضع مسلحين. وعندما تسني لي المرور قرب مقر الحزب الشيوعي العراقي، رأيت بعض الرجال المسلحين، الذين يوحي منظرهم الرّث انهم بالفعل من (البروليتاريا الرثة) التي لطالما تحدث عنها الشيوعيون. رأيتهم يغفون ويتمايلون من النعاس فوق كراسيهم المتكسّرة، بينما كان المقر يبدو خاويا. لقد كان منظرا جديرا بتذكير الشيوعيين بمعني البؤس السياسي. اثناء هذه اللقاءات قمت بجولات خارج بغداد. كان عليّ ان اتجه الى كركوك. في كركوك وحين تجولت في المدينة بعد سلسلة لقاءات مع العرب والتركمان من ابناء المدينة وشخصياتها، هالني ما رأيت. لقد اضحت كل الأسماء في واجهات المطاعم ودور السينما والمدارس والإدارات باللغة الكردية. اما مزارات الأولياء (من العرب) وهي اماكن اعرفها جيدا، فقد ُأمحيت من الوجود بواسطة البلدوزرات لئلا ُيقال ان هذه اماكن اولياء من اصول عربية عاشت وماتت في كركوك. حتى شواهد قبور العرب الموتى ازيلت. كان مشهد (تكريد- من الكرد) كركوك يبدو ماثلا للعيان في كل ركن وزاوية من المدينة.

ولكم ترددّت امامي، في جولاتي وزياراتي وحواراتي مع الآخرين عبارة ان هذه (حرب شارون وليست حرب بوش). مثل هذه القناعة وبعد اربعة اشهر من الإحتلال، تعنى ان العراقيين لم ينخدعوا بشعارات المحتلين البّراقة، وان الوقت كان كافيا للبرهنة على ان الإحتلال وممارساته واهدافة المفضوحة، قد خلقا حتى في اوساط البسطاء والشعبيين من السكان، انطباعا قويا بان اسرائيل هي في قلب مشروع الإحتلال وان يدها الخفيّة ليست بعيدة عنه. ولذا ترددّت امامي سلسلة لا تنقطع من التساؤلات: لماذا يزور بول وولفوفيتز نائب وزير الدفاع الأمريكي واحد مهندسي الحرب على العراق، مدينة بابل؟ لماذا اختار بابل لو لم تكن للإمر صلة بالمعتقدات الإسطورية التوراتية؟ ولماذا وضع الأمريكيون مستشارا يهوديا لكل وزارة من الوزرات في الحكومة المؤقتة التي يديرونها؟ منذ الإسبوع الثاني تراءى العراق امامي كالمرجل الذي يغلي ويفور بالغضب والألم، لما اصاب البلاد من دمار وتخريب متعمدين، وفوضي عارمة انشبت اظافرها في ركن وزاوية. ومن قلب هذا المرجل، رأيت الى الناس وهم يبرهنون على قدرة فريدة ومثيرة واسطورية؛ فهم قادرون على التواصل في ما بينهم برغم المصاعب والأهوال والمشاق، وانعدام او انقطاع سبل التواصل الطبيعي بين سكان المدينة الواحدة. انهم وعلى الرغم من غياب ايّ نوع من الخدمات والتوقف شبه الكامل لوسائل الإتصال التقليدية، وتعطل شبكات الهاتف والكهرباء، والمصاعب التي لا تُحتمل اثناء التنقل، فإن الناس هنا يبدون منظميّن بصورة تدعو للإعجاب والفخر. انهم لا يزالون قادرين بصورة مذهلة على تبادل المعلومات والأخبار، وبسرعة لا تُصدق كما لو انهم يملكون كل وسائل الإتصال. وبالطبع؛ فإن اخبار عمليات المقاومة وضرباتها البطولية هي الأكثر شيوعا وانتشارا. انهم يتناقلونها بسرعة البرق.

يتبقى ان اتوقف امام الأمر الهام التالي الذي استخلصته من مناقشاتي مع سائر الجماعات والافراد والشخصيّات: بوجه العموم يمكن ملاحظة ان الموقف الشعبيّ من الإحتلال يبدو أكثر جذرية وتقدما، من موقف النخب السياسية والفكرية والثقافية. ان السكان البسطاء، عادة، ومع كل احتلال كما برهنت الكثير من تجارب التاريخ الإنساني، يبدون على استعداد لرؤية الواقع كما هو، من دون رتوش ولا اوهام ايديولوجية؛ وبالتالي تحديد تصوراتهم عنه، بينما تميل النخب الى تقديم قراءة اقل جذرية واقل واقعية، ربما بسبب تشوش رؤها وتصوراتها السياسية او بسبب اوهامها.

إذا كان لمثل هذه الفكرة النظرية والعمومية ان تتجسد كحقيقة، فإنها تتجسد بأبلغ الدلالات في الواقع الجديد المتشكل اليوم داخل العراق المحتل. وبالفعل، فإن الموقف الشعبي يبدو اكثر عنفونا وجذرية وواقعية من مواقف النخب. وإذا ما امكن للمراقب او المحلل، ان ينزع القشرة الرقيقة التي تحيط بالمشهد السياسي اليوم، وان يقوم بتنحيتها جانبا من اجل رؤية المنظر الحقيقي كاملا، فإنه سوقف يلاحظ، وياللغرابة، ان الشعب موحدّ في نظرته للإحتلال. السياسيّون الإنتهازيون واللصوص الجدد؛ وحدهم مَنْ يرّوج للإحتلال ومحاسنه. وهم مَنْ يقفون وراء اشاعة اصطلاح (المثلث السنيّ) بما يعني ان المقاومة محصورة في نطاق ضيّق يخصّ طائفة بعينها. وهذا بكل تأكيد توصيف زائف للواقع. فحتى الذين لم يشتركوا في اعمال مقاومة الإحتلال بصورة مباشرة، هم في الواقع من اصلب المقاومين للإحتلال والرافضين له. وحدها (طبقة) السياسيين الفاسدين هي التي يدور في وسطها سجال حول الإحتلال حيث ينقسمون بين مؤيد ومعارض؛ بينما يقف الشعب كله موقفا رافضا ومقاوما.

﴿ 2 ﴾

منذ ان وصلت بغداد ورحت اتجول فيها، قاصدا زيارة ولقاء الأصدقاء والمعارف، وبالطبع مواصلة الحوار مع الشخصيات والقوى السياسية، وأنا أتابع الطريقة التي كان يجري فيها تحويل العاصمة التاريخية للإسلام الي مدينة غريبة حتي عن سكانها.

لقد تحولت بغداد الى مدينة جدران كونكريتيّة مرعبة، تعزل أو تفصل وبشكل عشوائي، احياء بأكملها عن بعضها، أو تقطَّع أو صال الشوارع الكبيرة والصغيرة، وتحويلها الى جزر منفصلة حتى ليستحيل على سائقي السيارات المرور الى أقرب نقطة، من دون الإنتظار طويلا عند الحواجز، او استخدام طرق جانبية بعيدة. وكان لافتا بصورة مثيرة، بالنسبة لي ربما بسبب خبرتي القديمة كمهندس أن أشاهد هذه الجدران وهي ُتنصبُ في شوارع بغداد وفي فلسطين المحتلة، من قبل الشركة الأمريكية نفسها. وبالفعل، فإن الشركة الأمريكية التي تصنّع الألواح الكونكريتيّة العازلة، التي يتألف منها جدار الفصل العنصري في فلسطين، هي ذاتها الشركة التي تعاقدت معها قوات الإحتلال، لتصنيع الكتل الكونكريتيّة في شوارع بغداد، التصميم ذاته والمواد ذاتها.

وها هو جدار بغداد العازل يطوّق بغداد من وسطها، ويتلوى كالثعبان في شوارعها. لم تبق مؤسسة عامة او موقع لنقطة تفتيش، وحتى مقرات أحزاب الإحتلال، وبكل تأكيد الفنادق والوزارات، لم تطوّقه جدران العزل هذه. وها أنا اتجول وأرى الأسلاك الشائكة، فضلا عن الكتل الكونكريتية وقد انتشرت في مكان. كانوا يحيطون الجدران العازلة بالأسلاك الشائكة والدوشمات المليئة بالتراب. وفي بعض المواقع كالجسور والساحات - مثلا- كانوا يُغرقون المنطقة القريبة من ايّ نقطة امريكية، بالمياه التي يجري ضخها، بحيث يتحول الوضع الي ما يشبه الخندق نحو مئة متر، وذلك من اجل منع اقتراب المقاومين. قطعوا الأشجار وجرّفوا المزروعات والحقول والبساتين. وكان أكثر ما أثار ألمي وحزني، منظر طريق مطار بغداد، الذي كان ذات يوم مثالا لجمال الشارع، فقد قطعوا كل اشجار النخيل المرصوفة على جانبيه، بل وقاموا بإضرام النيران فيها.

وحين تسني لي المرور بالقرب من منطقة كرادة مريم، حيث المجمّع الأمريكي للقيادة العسكرية والمدنية في القصر الجمهوري، هالني ما رأيت. فسكان المنطقة كانوا لا يستطيعون العودة