|
ما حصل لجريدة المستقلة العراقية نموذجا: حرية الصحافة العراقية في زمن بريمر
شبكة البصرة
د.
أكرم المشهداني
شبكة البصرة – القدس العربي 22/3/2004
تدعي سلطة إحتلال الأميركي للعراق أنها جاءت من أجل تحقيق وحماية (حقوق
الأنسان) في العراق، وبخاصة منها حرية التعبير والرأي والصحافة. وكانت هذه
الذريعة إحدي جملة المسوغات التي ساقتها الإدارة الأميركية لتبرير غزوها
للعراق، مدعية أن العراق قد حرم، في ظل النظام الشمولي البائد، من هذه النعمة.
وجاء قانون إدارة الدولة الأنتقالي (أو الدستور المؤقت) الذي صيغ بمباركة
أميركية ليؤكد علي ما اسماه حقوق الأنسان العراقي، وفي المقدمة منها حق الرأي
والتعبير وحرية الصحافة. وهو كلام جميل ومنمق، لكن العبرة بالتطبيق، فواقع
الحال العراقي في ظل الأحتلال وفي ظل مجلس الحكم الأنتقالي وسيطرة ميليشيات
أحزاب مجلس الحكم، يؤكد غياب حرية التعبير، وأن كل من يريد التعبير عن رأيه
المخالف لسياسة سلطة الأحتلال، أو الذي يثير غضب أطراف معينة في مجلس الحكم،
فإن مصيره التصفية و الإغتيال، أو الإضطهاد، ومازالت الأخبار تنقل لنا من
العراق عن حملات تصفية جسدية وإغتيال تطال كل من حاول التعبير عن رأي يغضب
السادة الأنتقاليين، أو يزعج القائد بريمر حفظه الله..! فسلطة الأحتلال
الأميركي ما زالت تمارس أبشع أنواع التعسف وأنتهاك حقوق الأنسان وفي المقدمة
منها (حق التعبير عن الرأي).. ولسنا في موضع إستعراض تلك الأنتهاكات العديدة من
الزج بعشرات الآلاف من العراقيين في السجون والمعتقلات الأميركية في ظل أوضاع
مزرية عاشها كاتب المقال، دون ذنب ودون تهمة ودون محاكمة، وتشهد بذلك معتقلات
أم قصر والمطار وأبو غريب وغيرها، مرورا بقرارات الحاكم الأميركي بول بريمر
المنتهكة لحقوق الأنسان، ومنها قراره بمنع المحاكم العراقية من سماع أي شكوي ضد
جنود الأحتلال، مهما كان الفعل المرتكب من قبلهم. لكنني أسوق هنا مثالا واحدا
عن إنتهاك حرية التعبير الصحفي في العراق المحتل، ففي أكثر من فرصة يدعي بريمر
ومريدوه من أحزاب ما يطلق عليها العراقيون اليوم معارضة (الخمسة نجوم!!) أن
العراق يتمتع الآن بحرية صحفية لم يشهدها من قبل بدليل صدور عشرات الصحف
العراقية بدون رقيب!!! لكن واقع الحال يؤكد عكس ذلك، وما حصل لجريدة (المستقلة)
العراقية، هو إنموذج صارخ لأنتهاك حقوق الأنسان ومصادرة حق التعبير عن الرأي في
العراق المحتل.
فبعد احتلال العراق اصدر عدد من الوطنيين العراقيين الشرفاء جريدة اسموها
(المستقلة) تذكر في عنوانها الرئيس أنها (منبر حر للاقلام الوطنية الصادقة)،
وهي جريدة مستقلة بمعني الكلمة أي أنها لا تمثل أي حزب أو تيار سياسي أو فئة أو
طائفة، وانما كما قال رئيس تحريرها في افتتاحيته (هي منبر حر لكل الشرفاء من
اصحاب الغيرة الوطنية والاقلام الشريفة والكلمة الصادقة التي تعبر عن وطنية
حقيقية مجردة تصب في إطار خدمة العراق وقضايا الشعب الأساسية، وهي باب مفتوح
لكل المخلصين).
صدرت من هذه الجريدة سبعة أعداد فقط، ثم صدر قرار موقع من بول بريمر شخصيا
بإغلاق الجريدة ومنع صدورها، تحت ذريعة أنها (تحرض علي الجريمة وعدم الأستقرار
في العراق!!!). ولكن كل من تابع هذه الجريدة وطالع أعدادها السبعة، وعرف نهجها
الوطني المستقل، إستغرب من هذه التهمة بل النكتة السمجة!! والمضحكة!! فأي
(جريمة) تشجع عليها هذه الجريدة التي كانت تتمتع بالجرأة في الطروحات الوطنية،
وفي كشف وفضح الممارسات غير المشروعة لقوات الأحتلال ومنها مثلا ما نشرته
الجريدة في عددها الخامس عن (إقتحام القوات الاميركية لعدد من المساجد في بغداد
والفلوجة وبعقوبة بذريعة البحث عن الاسلحة) ومنها التحقيق الصحفي المصور الذي
نشرته الجريدة عن اقتحام الجنود الاميركان لجامع السامرائي في منطقة بغداد
الجديدة، ولقاء الجريدة مع امام الجامع وعدد من مواطني المنطقة الذين اعلنوا عن
استنكارهم لهذه الجريمة وانتهاك حرمة بيوت الله دور العبادة.
كما نشرت الجريدة في عددها السابع خبرا عن قيام الادارة الجديدة لجامعة الحلة
بإلزام التدريسيين والموظفين لديها بالتوقيع علي تعهد بالتعاون مع (قوات سلطة
الأئتلاف) من أجل بناء العراق الديموقراطي، كشرط لإستلام الراتب الشهري!!!.
كما نشرت الجريدة في نفس العدد تحقيقا مصورا عن انتهاك عربات ومصفحات قوات
الاحتلال الاميركي لأنظمة المرور في بغداد وتخريبها للشوارع والحواجز الوسطية
والارصفة بسبب استدارة عجلات الاحتلال من اي مكان يشاءون مما خرب الارصفة
والشوارع في بغداد وسائر مدن العراق.
ونشرت الجريدة في عددها السادس خبرا عن قيام عشرات الدبابات والمصفحات
الاميركية ومئات من الجنود الاميركان باقتحام مزارع مدينة الضلوعية وتدمير
المزروعات في عملية اطلق عليها تسمية (عقرب الصحراء) للبحث عن المقاومين،
واتلاف اماكن محتمل اختباؤهم فيها، مما أثار السخط والأستنكار بين مواطني تلم
المدينة، فضلا عن إعتقال العشرات من المواطنين الأبرياء من أهالي الضلوعية بحجة
الأشتباه بإنتمائهم للمقاومة العراقية!
ولعل أجرأ ما نشرته الجريدة في عددها السادس إفتتاحية بقلم رئيس تحريرها السيد
ضاري الدليمي بعنوان (شكرا للذين حاربونا) في إشارة لرؤساء الأحزاب العميلة
المتآلفة مع قوات الأحتلال، والتي كان يغضبها نهج جريدة المستقلة وقاموا بتحريض
سلطة الأحتلال ضد هذه الجريدة، قال رئيس تحرير المستقلة في مقالته الأفتتاحية:
.... أمام عجز المأجورين الذين باعوا ضمائرهم، ثم باعوا العراق بأوراق متسخة،
والثمن هو الدم العراقي الطهور، ولعدم قدرتهم علي قول ما يجب أن يقال، وبدلا من
أن ينتموا الي الشعب، لإرهاصات الناس، عشاق العراق، راحوا يكيلون التهم
والتحريضات ضد المستقلة، صوت العراق النقي، دون خجل أو حياء، معتقدين أن الشمس
يمكن أن يخفيها غربال، ونخن اذ نواصل السير عبر طريق المستقلة، مقتنعين بعمق
صحة ما نحن فيه، وصريحين في قوله لأننا غير مقيدين بدفعات أو هبات نقدية من
أحد، أو من حزب، أو إتجاه، فطيور المستقلة تحلق في أثير العراق حرة غير مغلولة
الإرادة أو حبيسة أجواء حزبية أو نقابية أو دولارية!! ومضت أفتتاحية المستقلة:
إن الوجود الأجنبي في عراقنا هو غزو واحتلال يحبس الشرف العراقي، ومقدسات
العراق، وإن النظام البائد بكل حلقاته وتشكيلاته قد ساهم في جلب العار الي
بلادنا لأمور قلناها وسنظل نقولها لأنها الحقيقة!!!
جريدة المستقلة، لم تكن تمثل (حزبا) ولا (فئة) ولا (طائفة) وليست منحازة للنظام
السابق ولا لحزب البعث، بل نشرت عديدا من التقارير عن الممارسات البشعة
والأنتهاكات الخطيرة لحقوق الأنسان في ظل النظام السابق، كما نشرت الجريدة
تقريرا عن (أسرار مثيرة عن اللعبة الكبري لعبة سقوط بغداد!).
الجريدة كتنت تتمتع بروح الدعابة في النقد وكانت تصف فعاليات وتصرفات بول بريمر
بأنها دكتاتورية وتماثل تصرفات صدام، ومنها خبرا نشرته الجريدة تحت عنوان
(القائد حفظه الله ورعاه يلتقي شيوخ عشائر الحلة) وكان الخبر يشير الي اللقاء
الذي عقده حاكم العراق بول بريمر في الحلة مع بعض شيوخ العشائر لتحذيرهم من
مغبة وقوع أي عمل ضد قوات الأحتلال في مناطق عشائرهم، وتحميلهم مسؤولية ذلك!!
ولم تخل الجريدة من الكاريكاتير اللاذع، فنشرت رسما كاريكاتيريا عن خبر نسف
المقاومة العراقية في (حديثة) لمنزل احد العملاء هناك قام بعمل وليمة غداء لبعض
الضباط والجنود الاميركيين، ويظهر في الرسم الكاريكاتيري الجنود الاميركان
منبطحين علي الارض فوق موائد الطعام وصاحب العزومة يصرخ: يبوووه... راحت
العزومة يابو إخلاص!! . وفي رسم كاريكاتيري آخر لمواطنين من الفلوجة، يتفرجون
علي إحتراق عربة أميركية دمرتها المقاومة الفلوجية، واحتراق الجنود فيها،
والفلوجة مدينة عراقية مشهورة بأكلة الكباب الفلوجي، ويظهر الرسم أحد المواطنين
يقول لصاحبه: عاشت أيادي أهل الفلوجة خوش كباب شوي يسوون!!! ويقصد شواء لحم
جنود الأحتلال بنيران المقاومة الفلوجية الباسلة. ومن يراجع اعداد جريدة
المستقلة يلحظ فيها النهج الوطني العراقي المستقل المعارض للغزو والاحتلال
الاميركي للعراق.
وهكذا اقدم بريمر علي اغلاق جريدة (المستقلة) تحت ذريعة أنها تحرض علي الجريمة،
وهكذا هي الحرية والديمقراطية التي جلبها الاميركان الي العراق... والناس تسأل
أين هي الحرية وحقوق الأنسان في العراق المحتل؟
كاتب من العراق
|