نواقض المساواة : استثناء الذات

شبكة البصرة

صلاح المختار

   انتبه كل من استمع للرئيس الامريكي جورج بوش، ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس، إلى أنهما قد تحدثا عن سوريا ولبنان بطريقة تنسف كل ادعاءتهما حول العراق! فلقد قال بوش، وكررته رايس، بأن أي انتخابات في لبنان لن تكون حرة وسليمة ما دامت سوريا تحتفظ بقواتها هناك! وبدون أي تعب، او حاجة لذكاء، سألت ملايين الاصوات: وماذا عن لعبة الانتخابات التي أجريتموها في العراق وجيشكم يحتله؟ الا ينطبق الذي قلتموه عن سوريا، عليكم واكثر من اي طرف آخر؟ لم يتعب بوش ولا رايس، نفسيهما بالرد على هذه التساؤلات، وواصلا، هما مع الكثير من المسؤولين الامريكيين، اهمال الاعتراض وكأنه لم يثر!

   عند محاولة تفسير هذا التناقض نجد انفسنا بإزاء تفسيرين: تفسير يقول بأن بوش، بحكم بساطة تفكيره وقلة خبرته، فشل في ربط ما قاله عن سوريا بوضع العراق، ولكن ثمة تفسير آخر يقول بأن بوش كان يعرف سلفاً ان ما قاله ينطبق على العراق، لكنه منطلق من تفكير أمبراطوري متعال، يفترض ان امريكا لا تخضع للقواعد التي تخضع لها الامم الاخرى، فهي مستثناة من احكام القانون الدولي ، وميثاق الامم المتحدة، تماماً مثلما هي مستثناة من الحساب على القتل والدمار، لان (رسالتها الاخلاقية، المدفوعة من الرب)، كما قال بوش، تسمح لها بفعل كل شيء يوصل لتحقيق تلك الرسالة!
   لا مجال للشك في ان التفسير الثاني هو الصحيح، فبوش، كما كل مسؤول امريكي ومحلل وصحفي وناشط في (حقوق الانسان)، يدرك تماماً ان السياسة الخارجية الامريكية، بمجملها، تقوم على تحقيق اهداف استراتيجية تتناقض كلياً وجذرياً مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، اللذين قاما اصلاً على مبدأ تساوي الامم صغيرها وكبيرها في الواجبات والحقوق. ومن هذه الاهداف التدخل الفظ والصريح في شؤون الدول الاخرى
وتنظيم انقلابات واغتيالات فيها، واحتلالها عسكرياً، اذا فشلت الوسائل الاخرى، من اجل اعادة تشكيل نظم الدول تلك، ومجتمعاتها وقيمها وحتى نصوص دينها وهويتها القومية!
   بل ان التقليد الامريكي البارز والاول، عند التعامل مع الخارج، هو تغليب سيادة امريكا على سيادة القانون الدولي، ولذلك فوجئ العالم، في الاربعينيات، حينما دعت امريكا الى مؤتمر عقد فيها لتشكيل الامم المتحدة، عقب الحرب العالمية الثانية، برفض مندوبها التوقيع على انشائها، بسبب رفض خضوعها لما ورد في ميثاق المنظمة الدولية، من نصوص تلزم امريكا بالخضوع له! بعد ذلك تعود العالم على رؤية الكونغرس الامريكي يعترض على أي قانون، أو معاهدة دولية تحد من القوانين الداخلية الامريكية، ويكرر رفض ولاية الامم المتحدة.
   وتتفاقم وتتعزز ظاهرة رفض امريكا للقوانين الدولية ، كلما شعرت ان كفتها في توازن القوى الدولية قد رجحت أو تعززت، عندها تركل حتى القوانين التي وقعتها هي ، أو دعت إلى وضعها وقدمت مشروعها! ولعل أفضح موقف هو تقديمها لمقترح انشاء محكمة الجزاء الدولية، في التسعينيات لمحاكمة من ارتكب جرائم حرب،أو إبادة من قادة وعسكريين في العالم، وحينما اكتملت التحضيرات وشرع من حضر الجلسات بالتوقيع على قرار انشاء المحكمة، رفضت امريكا توقيعه، فأصيب العالم بدهشة، لانه اعتقد، عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، ان ادعاء امريكا   بان (عصراً جديداً من المساواة بين الافراد والشعوب قد ابتدأ)، حسب ما اعلن جورج بوش الاب حينما كان رئيساً، صحيحاً ويتسم بالعمومية في انطباقه، ولجأت إلى عقد اتفاقيات ثنائية بالضغط والرشوة، مع دول معينة ، تتعهد فيها تلك الدول بعدم ملاحقة ضباط وجنود امريكا قضائياً فيها على جرائم حرب ارتكبوها!
    ولاحظ العالم ، ان امريكا ترفض توقيع أية اتفاقية تلحق الضرر بمصالح لها، فمعاهدة (كيوتو) حول البيئة رفضت، وقواعد في اتفاقية منظمة التجارة العالمية رفضت! وشمل هذا الرفض الكثير من الاتفاقيات ولكن المثال الابرز في هذا المجال، هو الاصرار الامريكي على فرض معادلة دولية جديدة، تقوم على اضعاف سيادات كافة الدول الاخرى واخضاعها للقوانين الدولية، واستثناء امريكا من ذلك بتعزيز سيادة امريكا، ووضع قوانين امريكية داخلية تتعلق بدول اخرى، مثل (قانون تحرير العراق)، الذي تبناه الكونغرس في عام 1998م و(قانون محاسبة سوريا)... الخ. لقد اختطت امريكا لنفسها نهجاً جعلها تنظر للعالم بصفته مجرد اسواق تجارية مفتوحة،
وان وجد فيها باب مغلق يجب كسره بمدافع الدبابات الامريكية، وهكذا حل منطق القوة محل منطق الحقوق والقانون!

أمريكا اولاً

   منذ عقود رفعت نخبة امريكية شعاراً، لم يفصح عن مضامينه الحقيقية كاملة الا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وهو : امريكا اولاً. وفي البداية فسر على انه يعني ان مصالح امريكا تأتي أولاً، وقبل أية مصلحة اخرى، ودون ان يعني ذلك الاضرار بالمصالح المشروعة للآخرين. لكن النخبة اليمينية تلك طورت هذا المفهوم ليصبح (وصفة) تفرض بموجبها امريكا نفسها زعيمة وحيدة للعالم، كي تقوم باعادة تشكيله، ليصبح منسجماً مع ما يسمى بـ(القيم والمثل ونمط الحياة الامريكية)! ومما له دلالة كبيرة ،ان كل رؤساء امريكا كانوا يتحدثون عن طموح جعل (قيم امريكا ونمط حياتها) صالح للعالم كله ويطبق فيه!
    ما الذي ينطوي عليه هذا النهج وتلك الثقافة الداخلية؟ بوضوح تام ان اهم ما يترتب على ذلك هو وجود (ثقافة) سائدة في امريكا، في اوساط النخب ويتقبلها الجمهور بصفة عامة، تقوم على فكرة ان العالم الجديد الذي قام في امريكا الشمالية، ليس سوى بداية لمشروع كوني، يتسع وينطلق من تلك البقعة من العالم، وكما (طوع) الهنود الحمر، سكان القارة الامريكية الاصليون، من اجل بناء قاعدة المشروع، فإن المطلوب (تطويع) كافة الامم الاخرى، وبمختلف الوسائل، بما فيها استخدام القوات المسلحة، من اجل اقامة امبراطورية كونية تشمل الكرة الارضية كلها، وتقوم على النمط الامريكي، ولخدمة مصالح امريكا.
    ما قاله بوش ورايس حول سوريا ولبنان لم يكن، اذن، زلة لسان، ولا فشل في الادراك، بل هو الادراك التام بعينه لما تريده امريكا، وهو انهاء عصر القانون الدولي واحلال عصر القانون الامريكي، وطبقاً للأخير، فإنه يحق لامريكا ان تفعل ما تشاء في أية بقعة في العالم، سواء كان فعلها ينسجم مع القانون الدولي السائد ام لا، لان المطلوب هو فرض القانون الامريكي، والازاحة التدريجية لكافة القوانين الدولية، اذا لم يكن بالامكان استخدامها لخدمة القانون الامريكي.
   في العراق ،اختارت ادارة بوش اعداد انتخابات صورية طبعت اوراقها ونتائجها سلفاً، في ظل احتلال تعده (تحريراً)، لذلك فإنه وضع يختلف عن وضع تطلق عليه هي وصف (الاحتلال السوري للبنان)! والمفارقات ذات الدلالة في هذا الشأن لها بداية، لكنها بلا نهاية، وكلها تصب في نقطة اهانة ذكاء ومصالح دول العالم، فوجود سوريا في لبنان حظي بدعم امريكي كامل لاكثر من عقدين من الزمن، وأطر ذلك الوجود العسكري والامني، باتفاقيات دعمتها امريكا، ومنها (اتفاقية الطائف)، واضيف عامل تعزيز لذلك الوجود باضفاء طابع شرعي دولي عليه، وهو وجود اتفاقية بين حكومتي سوريا ولبنان حول ذلك الوجود، ومصادقة البرلمان المنتخب على ذلك! اذن هناك اطار قانوني دولي للوجود السوري في لبنان، بغض النظر عن الموقف السياسي من سوريا.
    مقابل هذا الوضع نجد الحالة في العراق، هي حالة احتلال، واعترفت الامم المتحدة والادارة الامريكية بأنها حالة احتلال رسمياً، وتحت ظل الاحتلال الحق دمار وخراب هائلان بالعراق، وقتل مئات الآلاف من العراقيين، ونشأت مقاومة، مسلحة واسعة النطاق للاحتلال، أدت الى خلق اكبر وأخطر مشاكل امريكا الحديثة، وفي هذا الوضع الذي يحكم العراق، هو سلطات الاحتلال، وتحت مظلته أعدت انتخابات غير قانونية ، ومع ذلك يقول بوش، وتقول رايس: لا يمكن للانتخابات في لبنان ان تكون ديمقراطية، في ظل الوجود السوري! ويأتي هذا القول تماماً بعد ايام من قولهما: ان الانتخابات العراقية كانت أنموذجاً رائعاً للديمقراطية في الشرق الاوسط!

أنا العالم والعالم أنا

   انها عقلية الامبراطورية الاستعمارية، التي تختزل العالم ومفاهيمه ومصالحه ومنطقه في كلمة واحدة : امريكا اولاً! وهذا الشعار، ا لذي يطبق الآن بالحديد والنار وابادة الآلاف، ان كان قد نجح في شمال امريكا،
فإنه يواجه الآن تحديات حطيرة جداً تضع المشروع الامبراطوري الكوني ذاته امام اختبار عسير ومدمر، فأمريكا تواجه في العراق مقاومة مسلحة ومدنية ضارية ،عجزت عن قهرها، رغم كل قسوتها المفرطة وغير المسبوقة في التاريخ البشري، ولذلك نرى الأن العملاق الامريكي (جولياث)، يقف امام الصبي العراقي (محمد) وهو حائر، لا يعرف كيف يقهره بعد ان استخدم كل ادوات القتل المتطورة، رغم ان (محمد) لا يملك الا أدوات دفاع بسيطة جداً!
   حيرة عملاق مسلح بأدوات الإبادة الشاملة، رغم انه غاطس حتى شعر رأسه في احلام توسع امبراطوري متطرفة، تجعله يهرب الى الامام للتغطية على عجزه امام (محمد) العراقي، عبر الايحاء (بان انتخابات العراق قد اعقبها هدوء وضعف المتمردين)، ومن ثم تغيير مركز النظر، وجعله سورية ولبنان! ان التصعيد ضد سوريا يستبطن رغبة محمومة، وغير عقلانية، في التعتيم على التصاعد الكبير في عمليات المقاومة العراقية ونجاحاتها الكبيرة على امتداد العراق، واقناع الرأي العام الامريكي، والكونغرس بأن امريكا تنتصر ولا تندحر، وهكذا يريد بوش ضمان عدم بروز حركة رفض لسياسات التوسع الامبراطوري من داخل امريكا!
   ولكن: اذا كان بوش يستطيع ان يمنع الكثير من اخبار تطورات الوضع في العراق، فهل يستطيع كتم صرخات جنرالاته وجنوده في العراق، وهم يتعرضون للموت كل دقيقة؟ واذا كان من يموت منهم يكتم صوته، فهل يمكن صم الآذان عن صرخات من بترت ساقه أو فقد نصف وجهه، او ارتج دماغه نتيجة لغم انفجر في مركبته؟ يقيناً كلا، فالمشروع الامبراطوري الامريكي الذي اراد ان يجعل من العراق منطلقاً له، وجد مقبرته فيه، لان محمد العراقي، وهو يرى ان جولياث الامريكي، يستثني نفسه من قاعدة المساواة بين البشر، ينقض عقد الاخوة الانسانية، ويبدأ بالعدوان المسلح، لذلك لا مفر من مقاتلته ودحره ، والاصرار على ان المساواة بين البشر تعني الاحترام المتبادل لآدمية كل انسان، والاعتراف المتبادل بسيادة الدول وتساويها.
   ان تجليات السلوك الامريكي، في مرحلة الانفراد بامتلاك القوة المتفوقة، تؤكد ان المساواة التي ثبتت في الدستور الامريكي بين البشر، وكانت تشكل رمزاًِ حضارياً لامريكا خلال الحرب الباردة، لم تعد سوى خرقة ملوثه بدماء ملايين البشر الذين ماتوا قتلاً او جوعاً، او مرضاً، لان امريكا تريد احتكار زعامة العالم، والاستيلاء على موارده! ولهذا يقدم لنا الانموذج الامبراطوري الامريكي درساً عظيماً، سيكون نبراساً يهدي البشرية الى عصر الحرية والاستقلال مجدداً، وهو درس انه لا توجد مساواة حقيقية بين البشر بوجود استثناء، فحالما تستثنى دولة ما، او فئة ما، تنقض المساواة وتزول، ويبدأ عصر عبودية جديدة.

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الخميس 29 محرم 1426 / 10 آذار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس