صلاح المختار : المقاومة العراقية انتصرت وامريكا تلعب بالوقت الضائع


*غزو العراق يخضع للقواعد التي تخضع لها أي صفقة تجارية أي الربح والخسارة.
*لقد أمسكت المقاومة بالخيط الرفيع وحرمت النفط العراقي على أميركا
*تحريك الساحة اللبنانية ضد سوريا ينطوي على هدف غير منظور وهو اغراء الضباط السوريين للقيام بانقلاب
*يخطئ من يظن أن التركيز على سوريا هو استكمال لمخطط أمريكا الاصلي  
*قصة الزرقاوي الأمريكية مصممة للوصول الى كوادر بعثية واختراقها
*رغم مشروعية عودة البعث الى الحكم بعد زوال الاحتلال الا انه قرر قيام حكومة وطنية ائتلافية تشرف على انتخابات حرة
*عمرو موسى مشغول بتوفير السيكار الكوبي، وليس مسموحا له الا تنفيذ أوامر صهاينة واشنطن
*هذه هي الأسباب التي جعلت العراق، تاريخيا، يختلف عن غيره من حيث طبيعة نظامه السياسي الميال بقوة الى المركزية والديكتاتورية والعنف.
*سيكون من الحماقة والغباء أن تعلن المقاومة أن لها ممثلين سياسيين أو ناطقيين اعلاميين باسمها
*المقاومة تحتفظ بعشرة نسخ من اقراص مدمجة تحتوي على وثائق الاحوال الشخصية وستفرز المتسللين الايرانيين
*الانتصار القريب سيشهد الخروج الفوري للدولة العراقية من تحت الأرض وممارسة مسؤوليتها

 

شبكة البصرة

اجرت صحيفة الوطن، لقاءا مهما مع احد رموز الفكر والثقافة العراقية، وهو الكاتب والمحلل الستراتيجي صلاح المختار، والذي يعد من اهم وادق من كتب عن المقاومة العراقية وخفايا نشؤوها وتطورها. وفي هذا اللقاء يلقي الاضواء على جوانب اخرى من واقع المقاومة العراقية، وفيما يلي نص الحوار الذي اجراه الاستاذ نظام المهداوي رئيس التحرير :

سؤال: مما لا شك فيه أن هناك معارضة شعبية في الولايات المتحدة للحرب على العراق، لكنها هزمت بفوز بوش، ثم أن حرب الولايات المتحدة اليوم ليست كحرب فيتنام في الماضي فافراد الجيش الأميركي متطوعون، ولم يجندوا اجباريا كما فيتنام، والبعض منهم مهاجرون جدد لم يتجنسوا بعد

جواب: كونهم متطوعون فهذه نقطة ضعف ولم تعد نقطة قوة ، لان المتطوعين اخذوا يبتعدون عن التطوع ،كما تعترف وزارة الدفاع الامريكية أما كونهم لا يحملون الجنسية الأمريكية فهذه كذلك نقطة ضعف مزدوجة : لان المهاجر اقنع في البداية انه ذاهب الى نزهة فاكتشف انه ذاهب الى الجحيم، فتدهورت ارقام من يريدون مقايضة الجنسية الامريكية بحياتهم ، اضافة لذلك فان من اتى مهاجرا وطلب الجنسية هرب من بلده طلبا للسلامة والرزق، لهذا فان معنوياته القتالية تحت الصفر كما اثبتت تجرية العراق

سؤال: الرأي العام الأميركي يتأثر كثيراً بالاعلام. والاعلام هنا لا ينقل صورة المقاومة كما تتحدثون عنها.

جواب: بعد ان اثبتت تجربة العدوان على العراق في عام 1991 وتجربة غزوه في عام 2003 ان الاعلام الامريكي المهيمن هو اعلام سلطة ، ويخدم اهداف امريكا ونخبها ، وانه لا يكتب او يبث الا ما يخدم الطغمة الحاكمة كما جسده اسلوب المراسل المدمج Embodied Correspondent، فقد الاعلام الكثير من صدقيته واتجه جزء كبير من الراي العام في امريكا واوربا الى مواقع الانترنيت ، وهذا الامر ينطبق على الفضائيات العربية ايضا ، لذلك هناك نافذة يستطيع الامريكيون الاطلال منها على احداث العالم دون الاعتماد الكلي على الاعلام التابع للمؤسسة غير الرسمية الحاكمة ، وحتى لو افترضنا ان الراي العام مغسول الدماغ تماما فان ذلك يعطل قليلا او كثيرا الانفجار الرافض للحرب ولا يمنعه كليا.

سؤال: ألا ترى أن عدد الجنود الأمريكيين الذين يسقطون في العراق، رغم تضارب الأنباء حول عددهم الحقيقي، لن يدفع على ما يبدو الأمريكيين المطالبة بالانسحاب، وخصوصاً أنهم صدقوا رئيسهم بأن العراق هو مركز الحرب على الارهاب، ولا بد لهم أن يخوضوا هذه الحرب كي لا يأتي الارهابيون ويضربونهم ثانية في عقر دارهم.

جواب: يوما بعد اخر يدرك الامريكيون ان ابناءهم يقتلون في العراق ، ويزداد عدد العوائل المكلومة بفقد ابن لها ، ولذلك تنشأ حركة شبه منظمة تتألف من عوائل ضحايا الحرب الامريكيين ، وكلما زاد عدد هؤلاء تكبر الحركة ويزداد تاثيرها ، وليس صحيحا ان بالامكان اخفاء الحقائق والسيطرة على ردود الافعال بصورة تامة ، واذا كان ادراك الامريكيين للحقائق يسير ببطئ نتيجة خطة استعباد الامريكيين وجعلهم مخلوقات تستهلك نمط مختار لهم بقصدية من المعلومات ، كما يختار لهم الطعام بواسطة الدعاية ، فان تلك حالة مؤقتة ، والدليل هو بدأ الكشف عن ان التهم التي وجهت للعراق لتبرير غزوه قد تم الاعتراف رسميا بانها كانت مجموعة تلفيقات

سؤال: قد تحاول الولايات المتحدة الانسحاب المنظم كما وصفته، ولكنها منذ البداية لم يكن من خططها البقاء في العراق، بل هدفها استعماره ومصادرة ارادته

جواب: هناك تناقض في السؤال : اذ كيف تريد امريكا استعمار العراق دون البقاء فيه ؟ ان الاستعمار لا يمكن ان يقوم الا باحتلال الارض والبقاء فيها لادارة المستعمرة ، هذه نقطة ، اما النقطة الاخرى فهي انه لم يكن من خطط امريكا البقاء في العراق ، وهذا امر غير صحيح تماما ، لان الغزو بالاصل هو خطوة ستراتيجية عظمى في مخطط كوني للسيطرة على العالم واقامة امبراطورية امريكية عالمية انطلاقا من العراق ، انت تذكر ان التصريحات الرسمية التي صدرت من جنرالات ومسؤولين رسميين في الكونغرس ، ومن رموز المحافظون الجدد كريتشارد بيرل وبول ولفووتز وغيرهم قد اكدت بحزم وحسم تامين ان مدة بقاء امريكا في العراق غير محددة وانها قد تتراوح بين 20 25 سنة ، واستنادا على ذلك تقرر بناء 14 قاعدة عسكرية رئيسية في العراق ، واعلن رسميا ان العراق سيكون انموذجا للشرق الاوسط الجديد

سؤال: واضح أنكم متفاءلون بقرب اندحار القوات الأمريكية من العراق، لكن تحليلكم لمجرى الأمور والأوضاع يبتعد عن تناول المشهد الأميركي الداخلي الذي له تأثير قوي على مصير الاحتلال الأميركي للعراق.

الجواب: المشهد الامريكي الظاهري ليس هو المعيار الصحيح اثناء تحليل الاحداث ، رغم انه مؤشر مهم جدا يؤكد كل تحليلاتنا ، بل ان المشهد الامريكي المموه وغير المرئي بوضوح هو المعيار الحاسم ، وهذا المشهد يتأثر بشدة بما يجري في العراق . ما الذي اقصده ؟ ان من يحكم امريكا ليس الرئيس ولا الكونغرس في الواقع، بل القوى الاقتصادية العظمى ، فالرئيس والكونغرس والاعلام واللوبيات، انما تمثل مصالح كتل عظمى اقتصادية ، وهؤلاء وصلوا الى مواقعهم بفضل عقد جنتلمن يقوم على تبادل الخدمات ، وهنا تكمن قوة امريكا وعناصر ضعفها بنفس الوقت ، فالادراة هي مسوق لمصالح القوى الاقتصادية العظمى ، وهي مصالح اقتصادية وليست اعمالا خيرية ، لذلك فان ما يقرر الموقف الامريكي في نهاية المطاف هو ميزان الخسارة والربح وليس اي اعتبار اخلاقي او سياسي . ان امريكا ليست امة وانما هي شركة كبرى لها مصالح ، بل ان الادارة الحالية هي الادارة الاكثر خضوعا للمصالح الاقتصادية ، وما قصة شركة هالبرتون وشركات النفط الا مثال واضح على ذلك . وغطاء التدين (الاصولية المسيحية) ما هو الا حيلة ايديولوجية مفضوحة لا تختلف عن حيلة امراء الاقطاع الاوربي اثناء الحروب الصليبيبة . ومن مفارقات ازمنتنا الغريبة هزيمة الايديولوجية البرجوازية امام الايديولوجية الشيوعية ، رغم ان الاخيرة كانت هي الاخرى تحتضر ، الا انها كانت تملك جاذبية كانت كافية لدحر الايديولوجيا البورجوازية . وساهمت، بقوة وحسم ، حركات التحرر في العالم الثالث في السبعينات من القرن الماضي في عزل ودحر الراسمالية وايديولوجيتها ، و كان ذلك هو المحرك الاساسي لاستخدام سلاح الاصولية الدينية . علينا ان لاننسى ان الاصولية الدينية قد انطلقت مباشرة بعد هزيمة امريكا في فيتنام ، والسقوط الصريح لمنطق وحيل البورجوازية الفكرية ، وكانت اول اصولية تطلق وتشجع هي الاصولية المسيحية ، ممثلة في بابا الفاتيكان الحالي الذي استخدم لزرع بذور انهيار الشيوعية الاوربية الحاكمة ، انطلاقا من بولونيا ونقابة التضامن فيها . بعد ذلك اطلقت الاصولية اليهودية واوصلت الى السلطة في اسرائيل بفوز الليكود ، وعلى الصعيد الاسلامي تبنت امريكا الاصولية الاسلامية في افغانستان ضد الاتحاد السوفيتي . هذا التوقيت والتزامن ليسا صدفة بل هما ثمرة تخطيط تعويضي قامت به المخابرات الامريكية لفبركة قوى نشطة تستطيع دحر الشيوعية واعادة الامل للراسمالية المهزومة . اذن نحن لسنا بصدد موجة تدين مسيحية يمثلها المحافظون الجدد او جورج بوش، بل نحن بازاء موجة توسع راسمالي جديدة في (مستعمرات جديدة) ، والاصولية المسيحية الحالية ليست سوى غطاء ايديولوجي لهذه الموجة ، وهو امر يدركه قادتها ، تماما كما ادرك اقطاعيوا القرون الوسطى انهم لم يكونوا يذهبون للشرق لحماية المقدسات المسيحية بل للنهب والسيطرة . انني اذ اذكر بكل ذلك فلانني اريد ان الفت النظر الى الطبيعة الاستعمارية لغزو العراق ، وهي بالتالي غزوة تخضع للقواعد التي تخضع لها اي صفقة تجارية اي الربح والخسارة . ففي اللحظة التي يتم التاكد فيها من ان كفة الخسارة قد تغلبت وان لا امل في تغيير ذلك ، سيتخذ نفس من قرر غزو العراق قرار الانسحاب منه ، لان الراسمالية بشكل عام والراسمالية الامريكية بشكل خاص غير مستعدة على الاطلاق للتعرض لخسائر كبرى من المستحيل تعويضها .
ان من اعظم مميزات المقاومة العراقية هو انها ركزت اساسا على التاثير على المصالح الكبرى الامريكية وليس على الراي العام فقط كما حصل في فيتنام . واذا كان المشهد الداخلي الامريكي الظاهري يبدو وكانه لم يتاثر بهزائم امريكا في العراق، للاسباب التي ذكرتها ، فان المشهد الداخلي الامريكي الاخر ، اي مشهد من اتخذوا قرار غزو العراق ودفعوا الادارة لتنفيذه، وهي الشركات الكبرى التي رأت في العراق جائزة ثمينة جدا ، يدركون بعمق طبيعة مأزق امريكا في العراق ، وهو مأزق مدمر وقاتل لمستقبل امريكا ومصالحها الستراتيجية البعيدة المدى ، لان الجائزة الثمينة هذه تحولت الى خرم ابرة استنزاف سريع وخطر جدا .دعني اذكرك باساسيات خطة غزو العراق كي تعرف لم انا متفائل باقتراب نصر المقاومة العراقية المسلحة . كانت الفرضية الاساسية هي ان وضع اليد على العراق سيؤمن لامريكا مستقبلا نفطيا مشرقا يزيل الخوف من ازمة طاقة قادمة ، توقعها تقرير المخابرات الامريكية للخمسة عشر سنة القادمة ، من جهة كما يؤمن لها سلاحا جبارا للابتزاز تستطيع استخدامه لتركيع العالم، دون الاضطرار لخوض حروب عسكرية لا تستطيع امريكا تحمل تكاليفها البشرية والمادية ، من جهة ثانية . فاذا سيطرت امريكا على منابع النفط العراقية وضمتها الى بقية المنابع التي تسيطر عليها حاليا تمسك بمسقبل الطاقة ، ومن ثم تتحكم بمستقبل القوى المنافسة والصاعدة كاليابان واوربا والهند والصين ، لان من يمسك بحنفية النفط العالمي يستطيع فرض شروطه على الاخرين المحتاجين له . ومن جهة ثالثة كانت الحسابات الاصلية للادارة الامريكية، تقوم على فرضية ان غزو العراق سيتم تمويله ذاتيا ، اي بموارد عراقية وهي النفط ، فافتراض ان العراق سيسقط ، وان الشعب العراقي سيستقبل الجيش الامريكي بالورود، كان يجب ان يقود الى توفير موارد عراقية لتمويل الغزو، دون ان تتحمل الخزينة الامريكية دولارا واحدا . واستنادا لهذه الفرضية تم التخلص من احراج مناقشة التمويل . اضافة لذلك افترضت ادارة بوش ان الغزو الناجح للعراق سيسمح بتحويله الى انموذج لشرق اوسط جديد ، تتم فيه عملية سهلة وهي اعادة تركيب ، وليس اعادة ترتيب ، كل دول المنطقة ، بطريقة توفر فرص الاستقرار السياسي على قاعدة التطبيع مع اسرائيل من جهة ، والخضوع التام للولايات المتحدة الامريكية من جهة ثانية . واذا تمت هذه العملية بنجاح فان النظام العالمي الجديد الذي تريد امريكا اقامته سيبدأ من العراق .
 

تحريم النفط على أميركا

لكن ماذا حصل ؟ لقد امسكت المقاومة بهذا الخيط الرفيع ، ولكن المتين جدا ، وقلبت المعادلة راسا على عقب ، فالنفط العراقي وهو الهدف الرئيسي للغزو ، منعت المقاومة استخدامه والسيطرة عليه ، بتبني خطة تحريم النفط على امريكا ، والان وبعد مرور حوالي العامين على الغزو ، ورغم كل الاجراءات الامريكية للسيطرة على النفط العراقي، فانه اصبح كالرمال التي تتسرب من بين الاصابع .ان ضرب خطوط لنفط ومنع تصديره قد ضمن ان الاحتلال لن يمسك بالدجاجة التي تبيض ذهبا ، وان عليه ان يصرف من الميزانية الامريكية كل تكاليف الاحتلال . وهكذا بدأ كابوس امريكا في العراق في مجال النفط ، حيث صرفت من اموال دافعي الضرائب الامريكيين مبالغ وصلت الى اكثر من 300 مليار دولار ، حسب مصادر امريكية، وهذا المبلغ يتزايد بسرعة ، لان الاحتلال مضطر لصرف اربعة مليارات ونصف الملياردولار شهريا على غزو العراق ! ولمعرفة اثار ذلك المدمرة على الاقتصاد الامريكي ، يكفي ان نشير الى ان العجز في الميزانية الفدرالية الامريكية قد ارتفع من حوالي 300 مليار دولار قبل الغزو الى 600 مليار في عام 2004 ، وسيصبح في العام الحالي ، حسب توقع الخبراء الامريكيين ، اكثر من 700 مليار دولار ! وهذا الارتفاع لا يمكن ابدا فصله عن تاثيرات غزو العراق ، لان هذا الغزو قد هدم الحسابات الاقتصادية الامريكية .

سؤال: وهل تكاليف الحرب وحدها سيجعلها تتراجع عن خططها وأهدافها في العراق؟

جواب: بالطبع كلا فازمة امريكا في العراق تشبة مشكلة التفاعل المتسلسل في علم الذرة ، فالانفجار الاول يولد سلسلة انفجارات متعاقبة ، ومنع المقاومة العراقية امريكا من السيطرة على النفط العراقي ادى ايضا الى تحرير الامم الاخرى من مخاطر ابتزازها نفطيا ، وشجعها على الدفاع عن استقلاليتها السياسية ، واقنعها بان امريكا في ورطة استنزافية في العراق ، لذلك تعرض االمشروع الامبراطوري الامريكي العالمي الى تهديد الفشل والانهيار. فالعراق الذي اريد له ان يكون عامل نجاح ودعم للتطلع الامبراطوري اصبح عامل تهديد مباشرله . وزاد الكابوس الامريكي من مظاهر القلق العميق على مستقبل امريكا ، حينما نجحت المقاومة العراقية ليس فقط في ايقاظ عقدة فيتنام فقط بل ايضا في اضافة عوامل اخرى، جعلت من عقدة العراق اشد خطرا من عقدة فيتنام . ان عقدة فيتنام نشات في بيئة كانت فيها امريكا لا تسود العالم بمفردها، لان الاتحاد السوفيتي والصين واوربا والعالم الثالث كانت تتقاسم النفوذ مع امريكا ، ومع ذلك تعرضت امريكا الى هزيمة كبرى عمقت مشكلة العجز عن تحمل الخسائر البشرية عند تجاوزها رقما معينا ، ومن ثم الانسحاب من الحرب دون التعرض لهزيمة عسكرية حاسمة ورئيسية في جبهات القتال . الان ، وامريكا سيدة العالم بلا منازع ، بعد ان غاب الاتحاد السوفيتي ، وحيدت الصين واوربا والهند ، تواجه امريكا عجزا عسكريا خطيرا في العراق يهدد بسقوط كافة اعمدة هيمنتها العالمية.

ان معارك الفلوجة بشكل خاص ، ومعارك بقية العراق بشكل عام ، قد اكدت ان امريكا لا تستطيع قهر شعب قرر القتال والتضحية حتى النصر . ففي الفلوجة تم تحييد اغلب عناصر التفوق الامريكي العسكري والتكنولوجي المطلقين ، رغم ان اخر معارك الفلوجة الكبرى قد استمرت ثلاثة اشهر دمرت خلالها الفلوجة لكن المقاومة لم تهزم ، بل انسحبت الى مناطق محيط المدينة ثم اخذت تعود تدريجيا اليها ! فاذا كانت الفلوجة المدينة الصغيرة قد كلفت امريكا هيبتها ، واظهرت بقوة محدودية تاثير تفوقها ، فكيف ستستطيع الاستمرار في معارك مثلها وربما اشد واوسع منها؟ بعد النفط جاء قلب المقاومة العراقية لعناصر التفوق الامريكي بجعل امريكا تدفع بارواح امريكيين وغيرالامريكيين ثمنا لغزوها للعراق . صحيح ان الادارة الامريكية لا تواجه الان رفضا شاملا لغزوها للعراق ، الا ان الخسائر المادية الباهضة والبشرية الكبيرة ستتحول تدريجيا الى عناصر ضغط على الادارة الامريكية لتجبرها على الانسحاب . لا تنسى ان الانسحاب الامريكي من فيتنام لم يحصل الا بعد حملات اعلامية كانت اغلبها فاشلة ، ولكن بعد عشر سنوات نجح الاعلام في فضح حقيقة ما يجري ، وستاتي اللحظة التي سيدرك فيها الراي العام الامريكي حقيقة الوضع في العراق ، وما التسريب المتعمد لمعلومات حول فضيحة ابو غريب وغيرها الا محاولة استباقية ، كالضربة الاستباقية ، لمنع الفضائح الاكبر والاخطر ، والتي ستتفجر حتما ، لان المقاومة العراقية لم تتراجع ابدا ، بل هي تتقدم وتتسع . فبعد معركة الفلوجة الاولى تصاعدت المقاومة المسلحة في جنوب العراق ، وبعد معركة الفلوجة الثانية نجحت المقاومة ليس فقط في نشر الثورة المسلحة في الجنوب وجعله قاعدة اساسية لها بل ايضا وصلت الثورة الى الشمال الكردي ، حيث تحدث عمليات مسلحة كثيرة ضد الطالباني والبارزاني ، رغم التعتيم الاعلامي الشديد .
 

مائة عراقي ينضمون الى المقاومة مقابل كل شهيد

بتضافر الاستنزاف المادي والبشري الامريكي ، واستمرار توسع الثورة المسلحة والفشل في القضاء عليها ، وانضمام مائة عراقي اليها مقابل كل شهيد يسقط ، ضمنت المقاومة الاستمرارية ، والاستمرارية في حرب العصابات تعني تقريب المحتل تدريجيا من الاقتناع بان مهمته فاشلة وانه يخسر، وان لا امل في تحقيق كسب مادي . ان امريكا قد وصلت الان الى هذه المرحلة ، وهذا يعني ان قرار الانسحاب قد اتخذ ولكن ترك تنفيذه وتحديد موعده للمخابرات والقادة العسكريين. فكما ان غزو العراق سبقته عمليات شيطنة للقيادة العراقية وللعراق استمرت اكثر من عقدين من الزمن ، فان الانسحاب هو الاخر يحتاج لعميات اعادة غسل ادمغة الامريكيين والعالم ، لتجنب الظهور بمظهر المهزوم . وهذه الحقيقة تفسر لم يقوم مسؤولون امريكيون باطلاق تصريحات عن قوة المقاومة وصعوبة القضاء عليها ، والاعترافات المتتالية بان الاسباب التي استخدمت لشن الحرب والقيام بالغزو كانت خاطئة ... الخ

سؤال: لكن هذا التحليل نظري؟

الجواب: ردي على ذلك هو عشرات التصريحات والبيانات الامريكية التي تعترف بالفشل في العراق او تتحدث عن المصاعب والخسائر ، لذلك اسمح لي بعرض بعضها فقط . ان من اهم ما قيل مؤخرا هو تقرير امريكي حول عدد من تعرضوا للتعويق ، جسديا ونفسيا في امريكا ، اصدره مركز قدامى المحاربين الامريكيين في مدينة مورجنتاو: ذكر ان عدد الجرحي والمعاقين من الجنود والمجندات باصابات خطيرة خرجوا علي اثرها من الخدمة نتيجة الحرب في العراق بلغ 48733 جندياً.. وأكد ان من بين 244045 جنديا سرحوا من الخدمة العسكرية بعد الخدمة في العراق وافغانستان اصيب 12422 جندياً باعاقات نفسية خطيرة وفي حالة اضطراب عقلي يمكن ان تؤثر علي حياة اسرهم بصورة خطيرة. صرح جيري هاريس مدير المركز بأن بعض المعاقين نفسياً يعانون من عقدة الزيف والاكتئاب والهلوسة والكوابيس والارق والانفعالات السلبية الخطيرة

سؤال: وما الذي ينطوي على هذا التقرير؟

     
ان وجود اكثر من 48 الف معوق امريكي بسبب الحرب ضد العراق يعني ان ما بين 150 200 الف امريكي يعانون من هذا العوق ، فعوائل المعوقين لا يقل عدد افرادها عن هذا الرقم المتواضع ، وهذا الواقع اشد خطورة وضرررا على امريكا من اثار حرب فيتنام ، لان 58 الف امريكي ماتوا في فيتنام وطويت صفحتهم ، والمعوقون في الحرب الفيتنامية اصاباتهم محدودة الاثر بالنظر لكونها اصابات بسيطة ، مقارنة بتعقيد الاصابات في العراق ، فمثلا ان اغلب الاصابات في فيتنام كانت بالرصاص ، وهي بالتالي جروح وندبات سهلة الاندمال ، اما في العراق فهي غالبا اصابات معقدة لانها بغالبيتها ناجمة عن متفجرات ادت لقطع اذرع او ارجل ، او اجزاء اخرى تشل الانسان عن الحركة الطبيعية . لذلك فان اثار وجود اكثر من 48 معوق ستبقى زمنا يقترب من استمرار عيش هؤلاء ، اي عقودا طويلة قد تصل الى خمسين سنة ,وهي فترة ستشهد تفاعلات عائلية واجتماعية سلبية في امريكا، من الاكيد ان اثارها ستكون اكثر عمقا واتساعا واذى من اثار حرب فيتنام .لقد دفنت المشاكل الاساسية لحرب فيتنام من الناحية الانسانية مع مقتل الجنود، اما في حالة المصابين في العراق فان مشكلتهم ستبقى حية مع حياة المعوقين نفسيا وجسديا ،اننا بازاء اموات نفسيا لكنهم احياء جسديا يتعذبون يوميا من هول ما شاهدوه في العراق من فظائع وجرائم وقسوة لا حدود لها، وذلك اقسى بكثير من الموت . اذن في حين ان اثار حرب فيتنام تندمل وتتلاشى ، بعد ان كانت مصدر الم وازعاج، فان اثار حرب العراق اكثر عمقا واذى واشد تاثيرا في حياة الناس .

27ألف قتيل أميركي

واذا اضفنا عدد القلى الامريكيين فان الوضع النفسي والاجتماعي الامريكي يزداد تعقيدا ، والرقم المقصود هو ليس الذي تعلنه امريكا ، اي 1500 قتيل ، فهذا الرقم متوضع جدا ، ولا يعكس الحقيقة ابدا ، لان الاعتراف الامريكي بعد طول تردد وكذب ، بان عدد عمليات المقاومة يتراوح بين 80 -120 عملية في اليوم ، يقدم قاعدة متينة لتحديد الرقم التقريبي لعدد قتلى امريكا في العراق ، وتعرض المقاومة العراقية رقما اقرب الى الواقع ، وهو ان امريكا قد خسرت على الاقل 27 الف قتيل منذ غزو العراق ، وستثبت السنين القادمة صحة هذا الرقم ، او رقم قريب منه . وعند ضرب هذا الرقم بمتوسط عدد الاسرة الامريكية ، يصبح عدد من اصيبوا بضربة نفسية، من جراء مقتل ابن لهم ، هو حوالي 80 الف امريكي ! وبجمع الرقمين يصبح العدد الاجمالي لضحايا حرب امريكا ضد العراق بين 200 220 الف امريكي ! ان هذا الرقم مهم جدا ومؤثر جدا على المجتمع الامريكي ، وهو اقوى من التعتيم الاعلامي والكذب وسياسة الاخفاء المتعمد للعدد الحقيقي للقتلى والمعوقين ، وهو سيفعل فعله تدريجيا في تقرير انهاء الحرب .     وتشير المصادر الامريكية الى ان عدد الامريكيين الذين شاركوا في الحرب على العراق قد تجاوز رقم ال 900 الف امريكي ، ومن ثم فان مليوني امريكي ،على الاقل، يعرفون حقيقة الحرب هذه واثارها ونتائجها ومفاعيلها القريبة والبعيدة . نعم هناك عملية اخفاء منظم لهذه الحقائق ، لكنه اخفاء خطر لمشاكل وعقد نفسية تكونت وهي تنمو باستمرار ، وهذه العملية تشبه تماما زرع الغام دون وجود خريطة تحدد اماكنها وطريقة توزيعها ، لذلك فان من سيعاني اكثر واخطر في المستقبل هم الامريكيون . وكما ادت حرب فيتنام الى نشوء جيل كامل من المعوقين نفسيا في امريكا ، لعب دورا خطير في تدمير استقرار المجتمع وزيادة نسبة الجريمة والاضطراب الاجتماعي، فان الحرب ضد العراق قد ادت وستؤدي الى بروز مشاكل اكبر واخطر .     ولعل من افضل تشخيصات طبيعة الحرب على العراق هو ذلك الذي قدمه الرئيس الامريكي السابق بيل كلنتون ، حينما أكد يوم السبت (26-2-2005 )، أنه يتوقع أن تلعب الدبلوماسية دورًا أكثر فاعلية خلال فترة الحكم الثانية الخاصة بالرئيس الأمريكي جورج بوش، وذلك بسبب حالة الإجهاد التي يعاني منها الجيش الأمريكي حاليًا.وأثناء كلمته التي وجهها أمام المنتدى الدولي في اليابان قال كلنتون: (مجرد إقدام الرئيس بوش على تعيين كوندليزا رايس في منصب وزيرة الخارجية خلال ولايته الثانية يعتبر مؤشرًا شديد الوضوح على رغبته في بداية عهد جديد يتسم بالتركيز على التحركات الدبلوماسية). وأضاف الرئيس الأمريكي السابق: 'أعتقد أنه مع تعيين كوندوليزا في وزارة الخارجية يرسل الرئيس بوش رسالة إلى العالم مفادها، أن الدبلوماسية ستحتل منزلة رفيعة خلال فترة حكمه الثانية. لأن حالة الانهيار والإجهاد الشديد التي يعاني منها الجيش تجعل الإدارة الأمريكية أكثر جنوحًا إلى طريق الدبلوماسية'.وفيما يخص بالاضطرابات الحاصلة بين الولايات المتحدة وكل من إيران وكوريا الشمالية، أكد بيل كلنتون أن واشنطن في حاجة ماسة للاستعانة بكل مهارتها الدبلوماسية للتعامل مع هذين الملفين.وأضاف: 'مع تقدير حالة الإجهاد الشديدة والتخبط اللتين يمر بهما جيشنا في هذه المرحلة، فإن أغلب رموز إدارة بوش سيميلون بشدة للحل الدبلوماسي مع إيران'.وبالنسبة لكوريا الشمالية قال الرئيس الأمريكي: 'المحادثات السداسية هامة جدًا، ولن تخسر الإدارة الأمريكية شيئًا لو تعهدت لبيونج يانج بتقديم مساعدات من أجل تمكينها من تحسين مستواها الاقتصادي'. اذن الرئيس السابق يعترف باوضاع خطيرة : أغلب رموز إدارة بوش سيميلون بشدة للحل الدبلوماسي ! كما يعترف : حالة الانهيار والإجهاد الشديد التي يعاني منها الجيش تجعل الإدارة الأمريكية أكثر جنوحًا إلى طريق الدبلوماسية'. ما معنى هذا ؟ هذا رئيس سابق يعرف الوضع جيدا ، وحينما يقول ذلك فانه يعرف ما يقول . ويمكن تلخيص المشكلة بكلمات محددة : الجيش الامريكي عاجز عن قمع الثورة المسلحة في العراق ، رغم انه اقوى جيش في العالم ، ورغم انه استخدم ارقى واعظم ما عنده من معدات وتكنولوجيا وبشر .اما الجنرال ريتشارد مايرز، رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، فقد كشف عن وجه اخر مظلم للوضع الامريكي في العراق، حينما ادلى باعتراف هو الاخطر الصادر عن جهات عسكرية امريكية ،أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ حول عمليات ا لمقاومة العراقية، حيث قال( في 18 -2-2005 ) :أن المسلحين العراقيين يستطيعون شن ما يصل إلى 60 هجومًا في اليوم الواحد، وربما زاد هذا الرقم بين الحين والآخر. وأشار الجنرال مايرز إلى أن بوسع المسلحين تنفيذ ما يتراوح بين 50 و60 هجومًا يوميًا .وكانت تقارير صحافية إحصائية قد أشارت، في أوقات سابقة، إلى أن نسبة هجمات المقاومة تفوق هذا الرقم الذي ذكره مايرز بمراحل، غير أن لهذا الرقم دلالاته، كونه صدر عن رئيس هيئة الأركان الأمريكية. كما يعكس هذا التصريح زيف التصريحات التي تحدثت عن انخفاض العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال بعد إجراء الانتخابات العراقية المزورة الأخيرة . وفي الواقع فان عدد العمليات العسكرية اليومية في العراق والتي تقوم بها المقاومة العراقية ، طبقا لمصادرها ، يتراوح بين 250 -300 عملية. وهناك مشكلة اخرى معقدة تواجه الجيش الامريكي وهي نقص الاحتياط ، حيث تسود حالة من القلق في أروقة الأوساط العسكرية الأمريكية، جراء النقص الحاد الذي يواجهه الجيش الأمريكي في قوات الاحتياط في الوقت الذي تتصاعد فيه هجمات المقاومة العراقية.ويقول بعض المحللين الأمريكيين: إن سرعة وحجم انتشار القوات الأمريكية في العراق؛ جعل من أعداد قوات الاحتياط المستعدة للقتال مشكلة بالنسبة للجيش الأمريكي.ونقلت وكالة الإسوشيتد برس عن روبرت جولديش الخبير في شؤون الدفاع التابع للكونجرس قوله: بسبب الانتشار المتوقع للقوات في الصيف القادم فإن قوات الاحتياط ستتأثر كثيرًا بذلك.ويؤكد الخبراء أن أحد أسباب هذه المشكلة الإجهاد الذي تتعرض له القوات الأمريكية بسبب المقاومة العراقية، والتي لم تكن في حسبان الجيش الأمريكي قبل العدوان على العراق. وعن أعداد قوات الاحتياط المتوفرة حاليًا، يقول الحرس الوطني: إن لديه 86 ألف جندي في الاحتياط، وهو رقم أقل مما أرسل إلى العراق خلال العامين الماضيين، ولمواجهة هذا النقص قرر الحرس الوطني مضاعفة مكافأة الانضمام له ثلاث مرات.أما بالنسبة لاحتياطي الجيش؛ فيقول المسؤولون: إن 18 % فقط من قواته مهيأة للانتشار مرة ثانية، بينما تم تعبئة أغلبية قوات احتياطي سلاح البحرية لمرة واحدة على الأقل. هذه المشاكل ليست هي كل ما تواجهه امريكا ، فهناك المشكلة الاقتصادية المتفاقمة والمزمنة ، والتي لا يمكن حلها لانها تعبير عن ازمة بنيوية، اشد خطرا وعمقا، ومن المستحيل معالجها بصورة ناجحة ، وساقدم بعض مؤشرات هذه الازمة . في عام 1971 كان العجز في الميزانية الفدرالية لا يزيد على 6 مليار دولار ، وفي عام 1993 اصبح 340 مليار . وفي نهاية ادارة كلنتون خفض بشكل كبير نتيجة العدوان على العراق في عام1991 ، وما اعقبه من عمليات شراء اسلحة امريكية بكميات ضخمة من قبل حكومات الخليج العربي، اصبح العجز حوالي 60 مليار دولار، ووعد كلنتون بازالته في نهاية ادارته . لكن انخفاض هذا العجز كان نتيجة عوامل اصطناعية مؤقتة ، وهي شن الحرب على العراق ، وما فرضه ذلك من الحاجة الى شراء السلاح ، فنشطت الصناعة الحربية الامريكية وتوفرت ارباح ممتازة . وتاكد ذلك في زمن بوش الابن ، حيث عاد العجز الى مستواه السابق قبل غزو العراق ، وهو حوالي 300 دولار ، وكان مفروضا ان يؤدي غزو العراق الى توفير فرص ربح وعمل للصناعات العسكرية الامريكية ، اضافة لكون غزو العراق اساسا افترض ان السيطرة على نفط العراق سوف يوفر موارد ضخمة تمول الغزو ، من جهة ، وتسمح بتحويل العراق الى بقرة حلوب تستغلها امريكا ، من جهة ثانية . لكن هذا التخطيط قابله تخطيط عراقي مضاد عطل وافشل التخطيط الامريكي ، اذ ان المقاومة منعت تحقيق استثمار حقيقي للنفط العراقي ، فاصبحت ادارة بوش تمول الغزو من الخزينة الامريكية ، ووصلت المبالغ المصروفة حتى الان اكثر من 300 مليار دولار امريكي ، وقد ساعد ذلك ، بالتظافر مع عاملي الفشل في العراق ، والقلق الناجم عنه ، على رفع العجز في الميزانية الى 600 مليار في عام 2004 ، ويتوقع ان يرتفع في هذا العام الى اكثر من 700 مليار ! وهناك مظهر اخر للازمة البنيوية في النظام الراسمالي الامريكي ، وهي ازمة الدين العام الخطيرة ، ففي عام 1981 كان الدين العام لا يتجاوز التريليون دولار( التريليون يساوي الف مليار ) ، وقفز الدين العام في عام 1992 الى حوالي 5 تريليون دولار، وهذا الرقم يعادل حوالي 80 % من حجم الناتج القومي الامريكي . و قفز الدين الخارجي فقط الى حوالي 6 تريليون ونصف التيريليون دولار في نهاية عام 2003، طبقا لما اعلنته وزارة الخزانة الامريكية . وتاكد ان هذا الدين يزداد بصورة متصاعدة وان لا امل في خفضه او السيطرة عليه ، حينما ذكر مكتب الادارة والميزانية التابع للبيت الابيض ان الحكومة ستضيف اكثر من تريليوني دولار للدين القومي في السنوات الخمس المقبلة ، كما قالت قناة الجزيرة يوم 1-1-2004 ! واذا اضفنا لهذا الرقم الدين الداخلي ، يبدو لنا مستقبل امريكا مخيفا، لعدة اسباب، اهمها انها دولة تستهلك اكثر مما تنتج ، اي انها مدينة وتاكل بالدين ، وهذا الوضع هو مقدمة افول وتداعي اي دولة ، فكيف الحال اذا كانت هذه الدولة تواجه تحديات حربية خطيرة كتلك التي اشرنا لها ؟      اذا جمعنا ما قاله كلنتون ومايرز عن تدهور القدرة القتالية للجيش الامريكي وعدم وجود امكانية للانتصار على المقاومة ، واضفناه الى الوضع الاقتصادي المتدهور والازمة البنيوية غير القابلة للحل، يتضح لنا ان امريكا في جوهرها وواقعها دولة هشة وسهلة الاختراق وقابلة للانهيار في اي لحظة ، اذا عرف خصمها كعب اخيل فيها ، وضربها عليه ، والمقاومة العراقية تعرف على وجه الدقة اين يقع كعب اخيل امريكا ، وهي تضرب عليه بقوة . وهذا الضعف يعرفه من يقرر الخط العام للساسة الخارجية الامريكية لذلك ، فهو يدرك ان الظاهر المتماسك والقوي لامريكا ليس سوى غشاء رقيق يمكن ان يتمزق في لحظة مفاجئة . الم يحصل ذلك في فيتنام ؟ نعم انا متفائل ولكن تفاؤلي مبني على دراسة دقيقة وعلمية لطبيعة المجتمع الامريكي ، بكافة عناصر القوة والضعف فيه.

سؤال: ألا ترى أن الأمر أعقد من مواجهة عسكرية بين المقاومة وقوات الاحتلال فحسب، وأن كل شيء قابل للانفجار في سورية وايران وكوريا الشمالية.؟

الجواب : نعم ان الامر اعقد واكبر من مجرد مواجهة عسكرية ، فما يجري في العراق وحوله هو صراع ارادات ستراتيجية متضادة ، بين مشروعين تاريخيين : المشروع القومي العربي النهضوي ، الذي يمثله عراق البعث، والمشروع التوسعي الصهيو-امريكي المشترك، ان تحرر العرب ووحدتهم يؤديان الى تحرير مواردهم من الهيمنة الامريكية ، وبروز قوة عربية موحدة وذات دور فعال ، وذلك يعني حرمان المشروع الصهيوني من المجال الحيوي الوحيد المتاح له (من الفرات الى النيل(، وانهاء الطموحات الامبراطورية العالمية الامريكية، لان المجال الحيوي لامريكا، الاكثر اهمية ستراتيجيا ، هو منابع النفط العربية ، لذلك فان الصراع بين العراق والتحالف الامريكي الصهيوني يستبطن تصادم ستراتيجيات وايديولوجيات كونية واقليمية، لا مجال للتعايش بينها ما دام المجال الحيوي لكل منها هو الوطن العربي . وهذا الامر يفسر حدة الموقفين الامريكي والاسرائيلي تجاه العراق ورفض اي مساومة او حل سياسي معه ، في حين ان الخلافات بين امريكا وايران وكوريا الشمالية ، الطرفين الاخرين في سياسة بوش الابن ( محور الشر ) ، يمكن حلهما بالضغط والحوار ، وهذه هي القاعدة التي قامت عليها سياسة ( الاحتواء المزدوج ) في زمن كلنتون ايضا ، والتي وضعها انتوني ليك مستشار الامن القومي وقتها ، ومارتن انديك .ان الفشل الامريكي الساحق والفضائحي في العراق ، يطلق تفاعلا متسلسلا خطيرا لا يفشل الاهداف المباشرة لغزو العراق فقط ، بل انه ايضا ينهي ، والى الابد ،الطموحات الامبراطورية الامريكية العالمية ، لذلك فان امريكا التي وصلت الى قناعة تامة منذ نيسان ابريل من العام 2004 بان الانتصارعلى المقاومة في العراق مستحيل ، وضعت خطة للانسحاب من العراق، ولكن بطريقة تحفظ ماء الوجه، وتسمح لامريكا باقناع اوساط مهمة بالنسبة لها بانها انهت واجبها الاساسي في العراق. ان تدمير الفلوجة وقبلها ضرب النجف الاشرف ، والمبالغة في الحديث عن انتصارات امريكية عل ( المتمردين ) ما هو الا تمهيد للانسحاب . ورتبت مسرحية الانتخابات المزورة لتكون خطوة اخرى على طريق اخراج مسرحية الانسحاب ، وتوفر حجة قوية تقول : جئنا من اجل الديمقراطية ، وهانحن اجرينا الانتخابات ، وحان الوقت للشعب العراقي ان يقوم بدوره . لكن هذه الخطة تحتاج لدخان كثيف ، يتشكل من حملة اعلامية ضخمة ، تدعي ان مرحلة ما بعد الانتخابات اخذت تشهد تراجعا في عمليات المقاومة ، وهذا الهدف يتطلب تعتيما اشد على اخبار عمليات المقاومة ، كما تتطلب الخطة نقل محور التركيز على جبهات اخرى يجب ان تسخن ، وتصعيد الازمة معها ومحاولة تحقيق انتصار ولو سياسي فيها ، لتاكيد ان امريكا تنتصر وتتقدم في مشروع (نشر الديمقراطية) . هذا هو الاطار العام لما يجري بين امريكا وسوريا وايران . انه نقل المعركة اعلاميا وسياسيا الى جبهة سوريا، لخلخلة الوضع السوري والعمل على اسقاط النظام هناك، بالضغط والدعاية وتحريك العملاء ، وربما بتحريك انقلاب عسكري، لتجنب تعرض امريكا الى وضع تكون فيه مضطرة ، ورغما عنها الى مهاجمة سوريا، مع انها لاتستطيع ذلك عسكريا واقتصاديا وامنيا ! ان تحريك الساحة اللبنانية ضد سوريا ينطوي على هدف غير منظور ، وهو اغراء ضباط سوريين للتحرك والقيام بانقلاب، بعد سلسلة من الاضطرابات داخل سوريا ، وهكذا تستطيع امريكا ان تستثمره ، الى اقصى حد ، دعائيا لرفع المعنويات وتحشيد الراي العام الامريكي ، ثم العودة للتركيز على الساحة العراقية . ويخطئ من يظن ان التركيز على سوريا هو استكمال لخطوات المخطط الاصلي الذي وضع قبل غزو العراق ، لان ما يجري الان هو رد فعل مباشر على الفشل في العراق، ومحاولة لتغيير مسار التطور المجافي لامريكا ، عبر تحقيق انتصار خارج العراق واستثماره لتعزيز موقفها داخل العراق .وهذا يؤكد الحقيقة الستراتيجية الاساسية في العالم ، وهي ان المعركة الاساسية لكل من العراق وامريكا واسرائيل تدور الان في العراق وليس في غيره .

سؤال: المقاومة العراقية، تضم فصائل عديدة، أبرزها حزب البعث، وكثيرون يتساءلون حول حقيقة علاقة المقاومة بما يسمى جماعات الزرقاوي، ولا يبدو أن البعث يكترث في التعليق على بعض العمليات التي تنفذها هذه الجماعات. ألا تشعر أن هناك أساءة قد تلحق المقاومة بشكل عام حين ترتبط بتلك العمليات التي ربما لا يتفق معها البعثيون وغيرهم.. لماذا لا يحاول حزب البعث توضيح موقفه من هذه الجماعات، أم ان عملياتها تخدم أهداف المقاومة؟

الجواب : الزرقاوي اكذوبة كبرى من صنع المخابرات الامريكية ، صحيح انه توجد عناصر صغيرة جدا تمثل بن لادن ، لكن هذه الجماعة محدودة التاثير ، وما ينسب للزرقاوي ينقسم الى نوعين من العمليات : عمليات ضد المدنيين العراقيين ، وهي عمليات من اعداد المخابرات الامريكية والاسرائيلية ، هدفها تشويه صورة المقاومة ، وعمليات من نوع اخر توجه ضد الاحتلال وعملاءه ، وتقوم بها المقاومة العراقية ، لكنها تنسب للزرقاوي فورا ، لتجريد المقاومة الوطنية من دورها القيادي، والايحاء بان ما يجري في العراق ما هو الاعمل خارجي ولا صلة للشعب العراقي به ! وهنا اود التاكيد على انه ليس صحيحا ان البعث لا يعلق على ذلك، ففي بياناته يوضح هذه الامور ، لكنه بسبب وضعه الخاص جدا ، بصفته المستهدف الاول من قبل الاحتلال، والمعرض اكثر من غيره للاجتثاث الجسدي والسياسي ، تبنى، كما هو معروف ، خطة امنية بالغة الحذر والدقة لضمان حماية كوادره من الاختراق ، ومن تتبعه عبر المبالغة في التعاطي مع هذا الطرف او ذاك ، ان النجاح التام في حماية كادر الحزب والمقاومة يعود اساسا لوجود هذه الخطة ، وقصة الزرقاوي الامريكية مصممة للوصول الى كوادر بعثية واختراقها ، لذلك لا يعد البعث موضوع الزرقاوي قضية اساسية .

سؤال: ما هو موقف المقاومة من منظمات كالوقف السنية، وهيئة علماء المسلمين وخصوصاً ان هناك موقفاً واضحاً عبر عنه بعض قادة السنة برغبتهم المشاركة بكتابة الدستور وهم المعارضون للاحتلال الأميركي، وحزب البعث لا يعترف بالانتخابات أو كتابة الدستور؟

الجواب : البعث يقف بقوة ضد كل تكتل طائفي، سنيا كان او شيعيا لانه حزب قومي عربي ، ولعبة الطائفية هي من اهم تكتيكات المخابرات الامريكية والاسرائيلية والايرانية ، لذلك يقف البعث بصلابة ضد اي طرح طائفي . ورغم ان الطائفية في الوسط السني هي نتاج ورد فعل على الطائفية الصفوية الشيعية ( اي الايرانية ) ، الاانها تبقى طائفية مرفوضة . والجماعات التي اشرت اليها ، اذا استثنينا افراد منها ، تبقى عبارة عن مجموعات لاتملك قاعدة شعبية ، وتفتقر الى النضج الوطني، الذي يجعلها تضع مصلحة الوطن فوق طموحات افرادها ، اضافة الى انها تضم عناصر مشبوهة وعميلة ( مثلا اعضاء الحزب الاسلامي ). وهذا التوصيف ليس موقفا فيه تجاوزعلى هؤلاء ، فمواقفهم تؤكد ما قلته ، فهاهم يعلنون ان الحكومة التي ستعقب الانتخابات المزورة ، ستكون ناقصة الشرعية ! وهذا القول ليس سوى اقتراب تدريجي من الاحتلال وطروحاته ، اذ كيف يمكن لحكومة تشكل في ظل الاحتلال ومن عملاء الاحتلال ان تكون نصف او ربع او ثلاثة ارباع شرعية ؟ ومن اين استمدت هذه الشرعية الناقصة ؟ ان البعث يرفض بشدة هذا الموقف ويرى ان الاحتلال لديه احتياطيات متعددة ، يستخدم الواحد تلو الاخر ، بعد ان يستنفد اغراضه من كل منها . ولكن في النهاية فان الممثل الشرعي والوحيد للشعب العراقي هو المقاومة المسلحة ، وكل ما عدا ذلك فقاعات، سترون كيف انها ستنفجر وتزول، ولن يبقى الا من يستند على جماهير ضخمة وتنظيم حديدي يغطي العراق كله، وليس حي او او منطقة في مدينة .

سؤال: برأيك اذا قررت القوات الأمريكية الانسحاب بسبب خسائرها هل ستكون آخر طلقاتها تقسيم العراق.. اذا حدث ذلك كيف ستتصرف المقاومة؟

الجواب : انت تسأل عن الماضي وامتداداته ، فقرار التقسيم جاءت به امريكا في اليوم الاول للغزو ، وبذلت جهودا استثنائية لتنفيذه ، وكانت اول واخطر الخطوات التي نفذتها في هذا الاتجاه ، حل الجيش وقوى الامن الداخلي وتفكيك الدولة ، وتدمير البنى التحتية ، واحراق ونهب الوزارات ، بما في ذلك وثائق الاحوال الشخصية ، والتي تحدد من هو العراقي ، وتضمن للناس حقوق الملكية ، ثم وسعت نطاق محاولات وعمليات تقسيم العراق ، باعتماد نظام المحاصصة الطائفية العرقية ، واثارة قضية الاقلية والاغلبية بين مسلمي العراق لاشعال فتنة بينهم ، واصدار قانون ادارة الدولة من اجل تكريس عوامل التقسيم ... الخ . هذه خطة نفذت منذ اللحطات الاولى للاحتلال ، ولم تضيع قوات الاحتلال لحظة واحدة من اجل تمزيق العراق واثارة فتنة طائفية وعرقية ، وعمدت من اجل ذلك الى تشكيل فرق اغتيال لقتل عناصر وشخصيات شيعية وسنية والقاء التهمة على الطرف الاخر . لكن تماسك الشعب العراقي ورفضه للطائفية والنزعات الانفصالية ، هو الذي احبط مخطط تقسيم العراق .وكان اقوى عامل في اسقاط مخطط التقسيم هو ان القوة المركزية والاساسية في العراق وفي المقاومة وهي البعث ، تمثل كل اطياف الشعب العراقي ، فالبعث هو الحزب الوحيد ذو الطبيعة الوطنية في تنظيمه ، وهو كذلك اكبر حزب شيعي كما نه اكبر حزب سني ، ولذلك فان جنوب العراق ذو الاغلبية الشيعية ، لعب ويلعب دورا فعالا في الثورة المسلحة ضد الاحتلال ، من خلال الوجود الكثيف والنشط للبعثيين . اذن كيف يمكن تقسيم العراق على اساس طائفي اذا كان الحزب الرئيسي وقائد المقاومة يمثل الجميع؟  

     ان المقاومة التي نجحت بصورة فاقت كل التوقعات المتفائلة في دحر الاحتلال ، رغم انه يمثل القوة الدولية الاعظم في التاريخ ، تستطيع بسهولة اكبر بكثير تحطيم اي محاولة لاثارة فتن بين العراقيين ، سواء كانت طائفية او عرقية . ولذلك يجب ان نلفت النظر الى ان الحديث عن وجود خطر تقسيم العراق ما هو الا عملية ابتزاز امريكي لمن لا يعرف الحقائق على ارض الصراع في العراق ، واؤكد لك بان التقسيم خطة تنتمي للماضي القريب ، واستنفدت كل مفاعيلها ، ولم تعد تقلقنا .

سؤال: من الواضح أن المقاومة تسعى لدحر الاحتلال عن العراق، واذا افترضنا أن ذلك حدث في القريب العاجل، هل سيكون موقف المقاومة هو اعادة عقارب الساعة الى الوراء، أم اجراء انتخابات حرة.. كيف تطور حزب البعث عبر التجربة والأخطاء برأيك؟

الجواب : ان انتصار المقاومة امر حتمي وقريب ، وهو امر تعرفه الادارة الامريكية جيدا ، ومنذ الان تستطيع ان ترى ان الدولة العراقية التي دمرت يعاد بنائها تحت الارض ، فالجيش هو العمود الفقري لكل فصائل المقاومة ، وهو الذي وفر الفرص العملية للانتصارات الحاسمة والصمود الاسطوري للمقاومة ، بفضل خبراته العسكرية ، كما ان المخابرات العراقية تتوسع الان ، بعد ان نجحت في الحاق خسائر منكرة بالمخابرات الامريكية ، بتنفيذ عمليات نوعية اذهلت المخابرات الامريكية ، مثل قصف غرفة بول ولفووتز في فندق الرشيد بدقة لا يمكن ان تتوفر الا بناء على معلومات استخبارية ، ومحاولة اسر جون ابي زيد في الفلوجة ، وهي الاخرى خطط لها بناء على معلومات استخبارية دقيقة ، واكشف لك عن عملية بقيت طي الكتمان ، فلم تعلن عنها امريكا ولا البعث ، وهي عملية اختراق القصر الجمهوري المحتل ، والذي صار مقرا للحاكم الاستعماري الامريكي ، فلقد تسللت نخبة من ضباط المخابرات العراقية الى القصر ، بعد ان عبرت نهر دجلة بقوارب مطاطية ، ودخلت القصر بعد ان قتلت بالسكاكين الضباط والجنود الامريكيين ، المحيطين بمكتب بول بريمير ، وكان هدف العملية اسره ، لكن العملية كشفت ، وهرب بريمر بطائرة هليوكوبتر ، في حين غادر ضباط المخابرات العراقية القصر بسيارات قوات الاحتلال ، بعد ان قاموا بحرق ملفات تخص الرئيس صدام حسين ، في مقر المخابرات الامريكية ، اضافة للاستيلاء على ملفات تضم اسماء عملاء المخابرات الامريكية في العراق . اما التصنيع العسكري فانه يعمل بفعالية وابداع رائعين ، ومن اعظم انجازاته تطوير الصواريخ والاسلحة وتصنيع اسلحة للمقاومة العراقية . هذه الحقائق تعني امرا واحدا واكيدا ، وهو ان الانتصار القريب سيشهد الخروج الفوري للدولة العراقية من تحت الارض ، وممارسة مسؤولياتها، واعادة بناء ما دمر وخرب . يبقى السؤال حول العودة الى الماضي ، اي اعادة سلطة البعث ، اذ بالرغم من ان ذلك امر مشروع لان البعث كان حتى الغزو ، الحاكم الشرعي للعراق ، باعتراف الامم المتحدة والجامعة العربية ، وغيرهما ، فان البعث، طبقا للبرنامج السياسي والاستراتيجي المنشور منذ ايلول سبتمبر عام 2003 ، قرر ان يعقب التحرير قيام حكومة ائتلافية وطنية تمثل كل فصائل المقاومة العراقية ، تحكم العراق بصفة مؤقتة لمدة عامين ، تجري بعدها انتخابات حرة ، بحضور دولي وعربي ، للتاكد من نزاهتها . كما تقرر ان يشكل مجلس شورى المجهادين من ممثلي كافي فصائل المقاومة ، ليلعب دور البرلمان في الفترة الانتقالية . وسيقبل البعث بمن ينتخبه الشعب رئيسا له . اذن هناك مرحلة جديدة ستبدأ في العراق بعد التحرير ميزتها الابرز ، هي قيام حكومة ائتلافية تمثل الجبهة الوطنية للمقاومة والتحرير .

سؤال: عمرو موسى تعرض لهجوم شديد من الكويت قبل احتلال العراق بسبب مواقفه، وكثيرا ما أثبتت جامعة الدول العربية فشلها.. فما الذي تنتظرونه من تلك الجامعة وأمينها؟

الجواب : لدينا مثل عراقي يقول : ( قالوا انه ثور، فرد احلبوه ) ! الجامعة العربية مؤسسة تابعة للحكومات العربية ، وهي انعكاس لوضع تلك الحكومات . من هنا فان من وفر غطاء تدمير واحتلال العراق ، وهما الجامعة العربية والامم المتحدة ، لا يمكن لهما ان يقدما شيئا ايجابيا للعراق ، وكل من يتوكأ عليهما في حل مشكلة الاحتلال مساوم مذموم او عميل مختوم . وانا لي تجربة مرة مع الجامعة العربية حينما كنت امينا عاما مساعدا فيها المسؤول عن المكاتب والاعلام ، اثناء شن العدوان الثلاثيني في عام 1991 ، وقدمت استقالتي منها احتجاجا على جريمة اشتراكها في شن الحرب على العراق ، وعبرت في مؤتمر صحفي عقدته في تونس عن احتقاري التام لمؤسسة الجامعة ودورها . نحن في العراق لا نعتمد الا على الله وبندقية الشعب العراقي المقاومة ، فبهما هزمنا امريكا وكل من وقف يساندها ضدالعراق وشعبه ، لذلك لا يخطر على بالنا ان نطلب الدعم من فاقده . وعمرو موسى مشغول دائما بتوفير السيكار الكوبي وبتأليف كلمات الاغاني للمغني شعبان ، وليس حل مشاكل يعرف جيدا انه غير مسموح له الا بتنقيذ اوامر صهاينة واشنطن الخاصة بكيفية حلها .

سؤال: أنت بعثي عريق، وتقلدت عدة مناصب اعلامية، ولا بد أنك تقرأ البيانات الحزبية.. ألا تلاحظ تمسكها بمفردات عصية أحيانا على الفهم للقارئ العادي، ولا تتناسب مع لغة الاعلام الدارجة سواء التلفزيونية أو المطبوعة أو الالكترونية، لماذا لا يتم تبسيط اللغة لتكون المواقف أكثر وضوحاً وأكثر مواكبة لاعلام وقارئ اليوم، وخصوصا أن الحزب بحاجة الى التواصل مع الشارع العربي في وقت يفرض عليه تعتيم كبير؟؟

الجواب : نعم سمعت الكثيرين من المخلصين يبدون ملاحظة كهذه ، ومن حق الناس على البعث ان ينتقدوه ، ولذلك احيل هذه الملاحظة الصحيحة للرفيق المناضل الذي يكتب بيانات الحزب ، والذي لا اعرف من هو ، لان اسلوبه غير مألوف لنا نحن كتاب البعث القدماء .

سؤال: كثيراً ما يتم التسريب عن مباحثات بين قادة المقاومة والأمريكيين، ودائما ما ينفي حزب البعث هذه المباحثات أو الاتصالات.. اذن ما الهدف من تسريب هذه المعلومات برأيك؟

الجواب : هناك العديد من الاهداف من تسريب الامريكيين لهذه القصص الكاذبة ، في مقدمتها ، السعي لاغراء فصيل او جزء من فصيل بالانشقاق والاتصال بالامريكيين ، لمنع الطرف الافتراضي من الانفراد بعقد صفقة مع الامريكيين ، كما ان ترويج هذه القصص يراد منه ارباك بعض المناضلين ، يضاف الى ذلك انه نداء للمقاومة الحقيقية لعقد مساومة مع امريكا دون اكمال تحرير العراق. ولا شك ان هذه القصص تستخدم لاطفاء نار رفض الاستمرار في الحرب داخل امريكا ، واخيرا وليس اخرا ، تريد امريكا الاساءة للمقاومة وتشويه سمعتها ، ومنح اعدائها فرصة الامساك بحجة للطعن بجديتها ونقاوتها الوطنية

.سؤال: القارئ الذي نشرت رسالتين له ورددت عليهما، من الواضح أنه كان يعيش في خوف مستمر، وهناك الكثيرون مثله، هل كان العراق بحاجة الى كل هذا الضبط والخوف وتكميم الأفواه.. كيف كانت المبررات وقتذاك؟

الجواب : نشرت الرسالة عمدا لاقدم انموذجا من الحالات التي ظهرت في العراق ، فهذا الشخص وان كان يمثل مجموعة ليست بالكبيرة في العراق ، الا انها بموقفها تسلط الضوء على حقيقة المشاكل التي عانى منها العراق . فهذا الشخص مثلا ، لم تكن له قضية قبل هروبه من الجندية ، اثناء الحرب مع ايران ، لكنه هرب وهو يعرف ان عقوبة الهروب من الخدمة العسكرية اثناء الحرب هي الاعدام ، ثم شارك في التمرد المسلح في الجنوب ، والذي ادى لمقتل الاف العراقيين الوطنيين ، وحرق وتدمير مؤسسات الدولة كمخازن الغذاء والمستشفيات ودوائر العقارات ووثائق الاحوال الشخصية ، اي الجنسية ووثائق المواطنة العراقية ، وهرب الى السعودية ووضع في معسكر رفحة ثم عاد سرا الى العراق ! هذه قصة هارب من العدالة ، ولذلك فان قلقه طبيعي ، وتشابه هذه الحالة ، مع اختلاف الوضع ، حالة الجنود الامريكيين الذين يهربون الان من الخدمة الى كندا وغيرها ، واذا وقعوا بيد السلطات الامريكية سيعاقبون . تسألني عن الحاجة لتكميم الافواه في العراق ، وقبل ان اجيبك اسألك لماذا تكمم امريكا الافواه الان وهي القوة الاعظم في التاريخ ؟ الم تغير الحكومة القوانين الامريكية من اجل تقييد حرية المواطن ، بالتلصص عليه او اعتقاله كيفيا بحجة مكافحة الارهاب ؟ امريكا دولة مؤسسات وحريات مدنية عريقة ، ومع ذلك عند تعرضها لهجوم ايلول سبتمبر ومقتل اقل من 3000 الاف امريكي غطلت الكثير من الحريات المدنية وصارت تقترب من الدولة البوليسية ! لماذا اتجهت الدولة الاعظم والاقوى الى هذا النهج البوليسي الذي اثار قلق وخوف ملايين الامريكيين من اصول عربية واسلامية ؟ الجواب هو الامن وضروراته .  و هنا اريد ان اذكرك بحقيقة بارزة يتم تجاهلها كثيرا ، وهي ان العراق بلد تخوم وليس منطقة قلب متجانسة عرقيا وطا ئفيا ودينيا ، رغم وجود اغلبية عربية كبيرة جدا ( 80 % )، وغالبا ما تكون دول التخوم بؤرة للقنابل الخطرة الموقوتة .  ان العراق محاط بدول غير عربية لها خصومات وصراعات مع العرب عمرها يمتد الى الاف السنين ، مثل ايران ، وبفضل هذه الجيرة ، اصبح العراق تاريخيا ايضا ملاذا لفقراء بلاد فارس منذ الاف السنين ايضا ، فمن المعروف ان بلاد فارس كانت فقيرة وقاسية البرد ، لذلك كانت جموع الفقراء اثناء القحط تتجه للغرب ، اي الى العراق ، وليس الى الشرق او الشمال لان هذين الاطارين الجغرافيين يمتازان بالبرودة الشديدة وفقر الارض في حين ان العراق معتدل المناخ ووفير المياه وارضه خصبة . هذه الحقيقة الجيوبوليتيكية كانت السبب وراء ظاهرة غزوات القبائل البربرية التي عاشت في بلاد فارس للعراق كلما ضربها القحط . وبطبيعة الحال ترتب على هذه الحقيقة الجغرافية امران مهمان : الاول هو ان الالاف من الفرس الذين هاجروا بحثا عن الرزق قد استقروا في العراق لمئات السنين ، وربما لالاف السنين ، وبعضهم اندمج بالمجتمع العراقي ، فيما رفض البعض الاخر الاندماج وبقي محافظا على هويته الفارسية ، ثم الايرانية بعد اطلاق اسم ايران على بلاد فارس في عشرينيات القرن العشرين . اما الامر الثاني فهو ان من رفضوا الاندماج استبطنوا الولاء لفارس ، كما فعل البرامكة ، رغم انهم احتلوا اعلى المناصب في زمن العباسيين . ومع ان رابطة الاسلام وحدت الفرس والعرب بقيت الشوفينية الفارسية تحرض ضد العرب وتعمل على هدم دولتهم . ثم طور الموقف باستخدام الغطاء الطائفي، بعد ان حول اسماعيل الصفوي ايران السنية الى المذهب الصفوي بحد السيف، وهو عبارة عن غطاء شيعي بمضمون صفوي صرف لا صلة له بالتشيع العلوي . وهكذا اصبح العراق يضم جالية ايرانية ضخمة ، استخدمت الغطاء الطائفي لزرع النفوذ في العراق ، خصوصا بعد سيطرتهم على الحوزة في النجف . اذن في العراق مشكلة كبيرة اسمها وجود جالية ايرانية كبيرة تدين بالولاء لايران ، وتستغل السلاح الطائفي في تاسيس النفوذ ، ولذلك فان وجود صراع عراقي ايراني على مستوى الحكومات اقترن دائما بوقوف الجالية الايرانية في العراق الى جانب ايران ضد العراق ، وهذه الحقيقة برزت في عهد الشاه وفي عهد خميني ، وتعد احدى اهم مصادر الانشغال الامني لاي حكومة عراقية . وهذا الامر ينطبق على تركيا بشكل اخر ، فتركيا تعمل على خلق او توسيع نفوذها داخل الاقلية التركمانية في العراق ، ولذلك توجد فئة تركمانية تمنح ولائها لتركيا وليس للعراق ، اضافة الى وجود مطامع تركية في محافظتي الموصل وكركوك . وهناك مشكلة اخرى وهي ان وجود اقليات عرقية ودينية وطائفية يشكل معينا لا ينضب للسياسات التامرية ضد الاغلبية العربية ، خصوصا وان العنصر الاسرائيلي والتدخل الاستخباري الغربي موجودين لاستغلال هذه الاقليات . هذه بعض النتائج المترتبة على كون العراق بلد تخوم يجاور اقوام غير عربية ، فينشأ عن ذلك تداخل سكاني ، وبروز ولاء لغير العراق داخل جماعات تعيش في العراق وبعضها يحمل الجنسية العراقية ، وبعضها الاخر لا يحمل الجنسية العراقية رغم انه يعيش في العراق منذ زمن طويل . هذه الصورة تفسر الاسباب التي جعلت العراق يختلف عن غيره من الاقطار العربية من حيث علاقاته مع ايران وتركيا ، ومن حيث طبيعة نظامه السياسي ، الميال بقوة تختلف من مرحلة الى اخرى ، الى المركزية والديكتاتورية والعنف ، ووجود الشكوك بافراد وجماعات عراقية او تعيش في العراق . وثمة ظاهرة اخرى عمقت وزادت من خصوصية الميل للمركزية والعنف في العراق ، وهي ان العراق ليس بلد تخوم فحسب بل هو قبل هذا بلد حضارات وصراع حضاري ، وما يترتب على ذلك من استنفار الاقوام المنافسة للعرب او الرافضة لتطلعاتهم الوحدوية ، ففارس ، ثم ايران ، كانت دائما ضد اي مشروع نهضوي عربي ، ينطلق من هدف اقامة دولة عربية واحدة ومتقدمة وقوية ، وكذلك تركيا ، وهذا الرفض للنهضة والوحدة العربية يستخدم الرافع (lever) الداخلي لكل من ايران وتركيا داخل العراق وغيرهما لمحاربته ، فيواجه مشكلة جماعات عراقية او غير عراقية تعيش فيه لكنها تمنح ولائها للاجنبي ! الميل للدولة القوية والمركزية في العراق يعود الى هذه الخصوصية . ولذلك من المستحيل فهم الوضع العراقي من دون ادراك هذه الحقائق الجيوبوليتيكية والاثنية والدينية والطائفية

سؤال: لسنوات طويلة ظل النظام العراقي متهما بارتكاب مجزرة حلبجة، واليوم نفى هذه التهمة عنه العدو قبل القريب، لماذا لم يتعامل النظام بشفافية مع التهم التي كانت تلقى عليه جزافاً والتي تحولت الى مبررات لخوض الحرب عليه؟

الجواب : هذا السؤال مهم لانه يزيح النقاب عن طبيعة مجهولة في النظام الوطني الذي اسقطه الغزو الاستعماري للعراق ، وهي تعامله مع الاتهامات التي وجهت اليه ،في اطار ثقته العالية بالنفس وبالدعم الجماهيري له . ولذلك برز ميل للاكتفاء بالرد السريع وبعض الجهد الاعلامي والسياسي والدبلوماسي . وهناك عدة سباب وراء ذلك اهمها ثلاثة ، الاول سبب هو الاعتقاد بان العراق مهما وضح وشرح واعلن الحقائق فانه غير قادر على ايصال صوته للعالم ، نتيجة الهيمنة الاعلامية الامريكية المطلقة مقابل التدمير المنهجي للقدرات الاعلامية العراقية ، سواء بالقصف الجوي والصاروخي ،او بمنع العراق من شراء معدات بث تلفازي او اذاعي ، او مكائن طباعة وورق صحف منذ غام 1990 ، لذلك برز نوع من الاقتناع بان المهم هو ان نقنع شعبنا العراقي بالحقائق وان نوضح له ما نريد ، اما الخارج فهو خارج بالنسبة لنا بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى . اما السبب الاخر فهو الاقتناع بان النظام الوطني يملك دعما شعبيا ، وتنظيما حزبيا ، وقوة عسكرية تكفي للدفاع عن العراق، ومن ثم فان خطة الشيطنة ، التي وضعت لاجل عزل العراق عربيا واقليميا وعالميا ، ستحبط بفضل الصمود العراقي وهو امر سيساعد على كشف الحقائق لاحقا . والسبب الثالث هو طبيعة تكتيك الاعلام الغربي والصهيوني القائمة على تعاقب اثارة الاتهامات ضد العراق ، بحيث لا يستطيع الاعلام العراقي ، مهما فعل ، ان يلحق بالاتهامات وان يرد عليها كلها بنفس الوقت ، فاليوم يثر موضوع ما ، وحينما نرد عليه ، وقبل ان نكمل الرد ، يثار موضوع ثان وثالث ورابع ، فتختلط المواضيع ، وتصبح اكثر من الطاقة الاعلامية العراقية ، المصابة اصلا باضرار بليغة من جراء الحصار الشامل والتدمير المنهجي ، وهي اوضاع انتجت خبرات اعلامية ضعيفة. لقد تعاملنا بشفافية وبذلنا جهودا كبيرة ، واكدنا ان مجزرة حلبجة واكذوبة مجزرة الانفال ، والمقابر الجماعية واغتصاب النساء وخرق حقوق الانسان ، واسلحة الدمار الشامل وغيرها، انما هي اكاذيب مصنوعة من لا شيئ او مبالغات متطرفة او تحويل المسؤولية من الفاعل الاصلي ، وهو ايران كما في قضية حلبجة ، الى العراق ، ولكن من كان يستطيع الاستماع لصوتنا ونحن مطوقون وهناك الف كاتم صوت يخنق العراق ؟ نحن لم نقصر في فضح كل هذه الاكاذيب ، ومن يقرا صحفنا انذاك يستطيع معرفة هذه الحقيقة .

سؤال: تتحدث عن دعم شعبي للمقاومة العراقية، ولولا هذا الدعم ما استمرت بتلك القوة التي أذهلت العالم، ولكن بالمقابل هناك ألوف مؤلفة لا تتوانى عن الالتحاق بالاجهزة الأمنية التابعة للحكومة والاحتلال الأميركي.. كيف تفسر هذه الأعداد؟

الجواب : نعم يوجد من يدعم الاحتلال ، ولقد شرحت هذه الظاهرة المرتبطة بكون العراق بلد تخوم ، ولكن هناك حقيقة تطغى على ما عداها وهي ان هؤلاء المتعاونين مع الاحتلال لا يشكلون قوة فعالة وقادرة على تقرير مصير العراق ، لانهم مكشوفون كعملاء للاحتلال ، وساهموا في تدمير العراق ، اضافة لوجود قناعة في اوساطهم بانهم مرتزقة وعملاء ، والعميل والمرتزق لا يقاتل كما يقاتل الوطني ابدا . ولذلك تجد هؤلاء ، ورغم الدعم الامريكي وغير الامريكي عاجزون عن احتلال مدينة عراقية واحدة ، ويهربون كالخراف امام المقاومة العراقية. ان الاعداد لاقامة جيش عميل وشرطة عميلة فاشل بفضل قوة المقاومة ، رغم وجود مصدر لهذه التشكيلات ، وهو الاقليات مثل البيشمركة ، او ذوي الاصول الايرانية ، وهذه الحقيقة تعيدنا الى طبيعة العراق كبلد تخوم : ان الذين يعملون تحت امرة الاحتلال هم من هؤلاء المرتبطين بالخارج بغالبيتهم الساحقة ، ولا تجد من بينهم عراقي اصيل الا ما ندر . وهذ امر طبيعي في العراق ، حيث يتداخل الولاء للطائفة بالولاء للوطن لدى البعض او يمنح للاصل الاجنبي .

سؤال: من الواضح أن المقاومة العراقية تتبع منهجاً سريا في استراتيجيتها وخططها واسماء قادتها، لكن في الوقت ذاته ورغم التعتيم الاعلامي ما زالت المقاومة غير ممثلة التمثيل السياسي الذي يطرح نفسه بديلاً عن الحكومة المعينة والاحتلال.. من المعروف أن القادة الشرعيين في السجون والمعتقلات الأمريكية، لكن ألا ترى أن المقاومة العسكرية بحاجة الى قيادة سياسية كمثال التجربة الفلسطينية؟

جواب : كلا لا اعتقد بذلك لان المقاومة العراقية بخلاف كل حركات التحرر الاخرى ، لا يوجد غطاء دولي او اقليمي يقدم لها الدعم او الحماية ، بل بالعكس فان الاطراف الدولية واقليمية اما معادية للمقاومة العراقية او انها تخشى رد الفعل الامريكي ، لذلك سيكون من الحماقة والغباء المطلقين ان تعلن المقاومة ان لها ممثلين سياسيين ، او ناطقين اعلاميين باسمها . اذكر انني كتبت في السبعينيات محذرا المقاومة الفلسطينية من مغبة الصعود فوق سطح الارض واعلان تشكيلاتها السياسية كافة وتحديد مقرات علنية ورسمية لها، وعدم ابقاء الكوادر الاساسية تحت الانفاق ، رغم الدعم الهائل الذي كان يقدم لها انذاك ، عربيا وعالميا . وها نحن نرى الان كيف ان ذلك الخروج من انفاق النضال السرية الى العلن وكشف كافة قادة المقاومة الفلسطينية ، كان احد اسباب كشفها واختراق بعض صفوفها وضربها.منذ البداية كان القرار المعروف ان تكون المقاومة العراقية سرية بشكل مطلق ، بل ان الرئيس صدام حسين لم يطلع على خطط المقاومة المسلحة حتى اقرب المقربين اليه ، واعتمد اسلوب الاتصال المباشر بالشخصيات الحزبية والعسكرية والامنية ،التي قرر استخدامها في حرب عصابات المدن . وفي اطار هذا التكتم الشديد صدر امر لكافة كوادر الحزب والدولة ان يخضعوا لتدريبات على حرب العصابات ، وانشأ جيش القدس ليضم اكثر من ستة ملايين عراقي متطوع ، بعضهم بعثيون والاخرون مستقلون ، ودرب كل هؤلاء على حرب العصابات لعدة اعوام ، ليكون هذا الجيش مصدرا للمقاتلين المدربين اذا وقع الغزو .  لقد ربط الرئيس كل هؤلاء به شخصيا وحدد لهم الواجبات القتالية ، وطلب منهم عدم اخبار مراجعهم العليا بصلتهم المباشرة به ، وكلفهم باعداد كافة اجهزة الدولة ( الجيش والحرس الجمهوري وفدائيوا صدام وجيش القدس والاجهزة الامنية) والحزب ( مقاتلوا البعث المدربين بعناية ) ، ووضعت خطة سرية لاستخدام بعض شيوخ العشائر وعلماء الدين في العمل المسلح اذا وقع الغزو . وفي هذا الاطار تم تكديس اسلحة متعددة الاختصاص ( ثقيلة ومتوسطة وخفيفة ) مع عتاد يكفي للقتال لمدة عشر سنوات دون الحاجة للسلاح . كل هذا تم اكماله قبل سنتين من الغزو . وقد وضعت خطة حرب العصابات كي تبدأ فور التأكد من فقدان القوات المسلحة القدرة على الصمود امام الهجمات الجوية والصاروخية الامريكية ، وشكلت قيادات ميدانية بديلة للقيادات الحزبية والعسكرية والامنية المعروفة لتتولى القيادة فورا عجز او استشهاد القادة المعروفين او اسرهم . كانت القناعة الاساسية تقول : نحن محاطين بالمتأمرين ، وليس لدينا من داعم سوى الشعب العراقي ، في الداخل ، والجماهير العربية في الخارج ، وهي محاصرة ، لذلك علينا ان لا نتوقع الدعم المادي او السياسي من احد ، على الاقل في المرحلة الاولى من حرب تحرير العراق ، وان نحرص كل الحرص على ان نعزز صلاتنا بالشعب العراقي وان نعتمد كليا عليه . وهذا الفهم للوضع ، وهو فهم صحيح ، اقترن بتبني خطة تمويه شاملة ومتعددة الاغراض لحماية المقاومة وتضليل الاحتلال ومنعه من الوصول الى قياداتها الحقيقية ، ومن بين ما عرف من عناصر الخطة حتى الان ، استخدام اسماء متعددة لمنظمات متعددة في الايحاء والمضامين ، وبناء تنظيمات متعددة للحزب منفصلة عن بعضها تماما ، وربط المناضلين بطريقة خيطية تمنع اعتقال اكثر من شخص او شخصين عند الوقوع في الاسر ... الخ . ومن بين اهم القرارات التي اتخذت قبل الغزو ، الرفض المطلق لاعلان قيادة سياسية للمقاومة او تسمية ناطقين اعلاميين ، لن ذلك سيؤدي الى كشف خيوط مهمة ، والاعتماد التام على الوضع الميداني داخل العراق ، اي ترك الاعلام يقول ما يشاء والاهتمام فقط بالامساك بالارض في العراق ، وعدم السماح للاحتلال او عملاءه بالسيطرة على اي بقعة لزمن طويل ، لان ذلك هو الذي سيحسم الامور في نهاية المطاف وليس الاعلام ، ويؤمن تحرير العراق واستيلاء المقاومة على السلطة بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب العراقي . والطريقة الوحيدة لايصال صوت قيادة المقاومة هو البيانات السرية باسم الحزب او المقاومة ، المعتمدة على الفاعلية الشديدة للعمل المسلح .

سؤال: كيف ستتعامل المقاومة مع الوجود الايراني المتزايد في العراق؟

الجواب : يوجد في العراق المحتل ، ونتيجة لخطة الاحتلال ، حوالي 4 ملايين ايراني وكردي( غير عراقي ) قدموا من ايران وتركيا ، وهذ احدى الالغام التي زرعها الاحتلال في العراق ، من اجل تذويب هويته العربية ، وتحويله الى كانتونات ، تضم اقواما متقاربة العدد ، وليس فيه قومية رئيسية كما هو واقع العراق، الذي يتشكل من اكثر من 80 % من القومية العربية . بادخال اربعة ملايين غير عربي الى العراق يزداد عدد الاكراد وذوي الاصول الايرانية ، وتنخفض نسبة العرب ، وهكذا يفتح الطريق امام القول بان العراق بلد اعراق متعددة ومتقاربة العدد ، ومن ثم فهو ليس قطرا عربيا ، بل هو بلد فيه عرب . ماهي خطة المقاومة لمعالجة هذه الالغام ؟ الجواب المباشر هو تاكيد ان من دخل العراق بعد الغزو سيعد بعد التحرير جاسوسا او مرتزقا ساهم في تدمير العراق ، وربما تسأل : كيف ستميزون هؤلاء ؟ والجواب واضح : لقد توقعت القيادة العراقية تنفيذ هذه الخطة لذلك اتخذت كافة الاحتياطات لمنع الاستفادة من عمليات حرق وثائق الاحوال الشخصية كالجنسية واوراق الملكية والشهادات الدراسية ، بتصوير هذه الوثائق على سيديات، وبعشر نسخ وزعت داخل وخارج العراق ، للعودة اليها بعد التحرير لفرز المتسللين الى العراق عن العراقيين ، اضافة لحقيقة ان العراقيين يعرفون بعضهم البعض الاخر ، وهناك وثائق مرجعية معروفة وموجودة خارج العراق ن مثل الاحصاءات السكانية . واخير ا يجب ان اشير الى ان المقاومة قد ركزت بعض عملياتها على هؤلاء المتسللين وهرب منهم الان اكثر من نصفهم ، ومن المؤكد ان تتواصل عمليات استهداف هؤلاء حتى ينظف العراق منهم ، وربما سيكتمل ذلك حتى قبل تحرير العراق ، خصوصا وان اماكن تجمعهم معروفة للمخابرات العراقية التابعة للمقاومة .وهذا التنظيف يشمل عناصر المخابرات الايرانية الموجودين بكثافة في العراق

12 3 - 2005
 

صلاح المختار في سطور:
الاسم : صلاح المختار
الولادة : 1/4/1944
المهنة : متفرغ للكتابة ، وباحث مختص في السياسة الامريكية في الشرق الاوسط .
ابتدا الكتابة في عام 1961
التاهيل المهني :
1-
بكالوريوس علوم سياسية / جامعة بغداد
2-
ماجستير منظمات دولية من جامعة لونج ايلند في نيويورك
3-
دبلوم عالي في الاعلام من المانيا.
اهم المنصب :
801984
مستشار صحفي للبعثة العراقية الدائمة في الامم المتحدة .
85 1986
مدير في وزارة الخارجية
86 1990
مدير عام الاعلام في العراق ( داخلي وخارجي )
86 1990
رئيس اللجنة الدائمة للاعلام العربي في الجامعة العربية ( تضم وكلاء وزارات الاعلام العرب )
90 1991
الامين العام المساعد للجامعة العربية لشؤون الاعلام ( المسؤول عن بعثات الجامعة العربية في الخارج )
91 1993
مدرس علوم سياسية في جامعة بغداد .
93 1998
رئيس تحرير جريدة الجمهورية .
94 1998
رئيس منظمة الصداقة والسلم والتضامن في العراق .
94 1998
نائب رئيس مجلس السلم العالمي .
94 1998
رئيس تحرير مجلة( شؤون سياسية ) الاكاديمية الفصلية المختصة بالقضايا الستراتيجية
98 1999
سفير في ديوان وزارة الخارجية
99 2003
سفير فوق العادة في الهند
2003
سفير فوق العادة في فيتنام
مواقع اخرى :
نائب نقيب الصحفيين العراقيين
مدير عام دار الجاهير للطباعة والنشر
عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق
عضو اتحاد كتاب فلسطين ( من بين قلة نادرة من العراقيين )
اهم المؤلفات :
1-
الاعتراف باسرائيل ومستقبل الثورة العربية -- اصدار دار الطليعة بيروت 1973
2-
بعض القضايا الايديولوجية للبورجوازية الصغيرة -- دار الطليعة بيروت 1975
3-
عمليات غسل الدماغ الجماعي --( اول كتاب بالعربية عن علم النفس السياسي ) اصدار دار الشؤون الثقافية بغداد 1988
4-
مفهوم الحضارة
5-
سياسة الاحتواء المزدوج .
اضافة لمئات المقالات وعشرات البحوث والدراسات حول السياسة الامريكية وفلسطين

شبكة البصرة

السبت 1 صفر 1426 / 12 آذار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس