الفلوجة التي تقدست

شبكة البصرة

صلاح المختار

أستهلال

أقسم امام محلفي التاريخ، أن أقول الحقيقة كل الحقيقة، ولاشيء غير الحقيقة، وابدأ قولي فأعترف، بأني لاانتمي لأي حزب غير حزب الفلوجة، وبأني لا أأؤمن بأي أأيديولوجية غير أيديولوجيا الفلوجة، وبأن لامرجعية طائفية لي غير مرجعية الفلوجة، وبان لاوطن لي غير الفلوجة، وبان لاهوية لي غير هوية الفلوجة، وبان ا أولاد لي سوى الباذلين دمهم في الفلوجة، وبان قبلتي، بعد الكعبة، هي الفلوجة، وبان عشيرتي وتاج قبيلتي هي الفلوجة، وبان عائلتي هي الفلوجة، وبان اعز أصدقائي هي الفلوجة، وبان أ عظم رواية قرأتها في حياتي هي الفلوجة، وبان اغلى امانيي أن اقبل تراب الفلوجة.

أقسم امام محلفي التاريخ، بان ما كتبته من نثر، أو (قصيدة مدورة)، سموها ما شئتم ما هو إلا ضميري وهو ينطق ملتاعا، في زمن خرست فيه المراجع، وتفاقمت عند حلوله المواجع، وتدافعت في ازقته الضيقة الفواجع، فلعل ما نكتب مخرز ينغرز في ضمير صامتين على وطن ينهب، ليلتحقوا بالمواكب، السائرة على طريق الفلوجة وكر بلاء، ويقفز الضمير، فيعتلي كل المراكب، وهي تبحر في أنهر يعصف بها جنون ريح هوجاء  تأتينا من مدن لاتعرف حرفة سوى البغاء، قوا دها وحارسها شيطان ملعون، اسمه (اليانكي)، لا يرضيه، ولا يشفيه، من طاعون الإيدز، الذي يعبث فيه، إلا التهام الضعفاء وإفقار الفقراء، واحتساء الخمر بأحذية النساء .

أهدي هذه الكلمات، ومافيها من دفق حزن مكظوم وأنات، الى أعظم شاعر في الكائنات، الصابئ العربي المجيد عبد الرزاق عبد الواحد، الذي أطلقت يوما عليه لقب شاعر العرب الاكبر، لكنه اليوم أصبح أكبر، ولم تعد مساحة الوطن العربي تسع هامته وعلو مقامه ورفعة شرفه،والى اشجع مافي هذا الزمان من علويات، ماجدات شاعرة أم المعارك ساجدة الموسوي، والى اشجع وانقى القاصات العراقيات الاديبة المبدعة بثينة الناصري،اليهم، أينما كانوا، وحيثما انتشروا، في بقع ارض شردنا فيها، حينما سرق العراق، رغم كلماتك يا بثينة ورغم شعركما ياساجدة وعبدالرزاق، لقد سرق العراق، لقد سرق دجلة ومعه الفرات، رغم ان فيهما يرقد السياب، وشعره ينسا ب : كيف يخون العراقي العراق ؟ تهويمة مقاوم اسيرمدننا المقدسة تناسلت، وتكاثرت، فولدت، باسم الله منائر تسامق السماء،وانبتت، باسم العراق، منابر بعدد الشهداء، وزرعت، باسم الشهادة بشائر بقدر مجرات الفضاء، وبنت، باسم الخنساء، عمائر بعلو هامات النساء أدور في طرقات مقصوفة، يوجع العين فيها صمت أفواه مرصوفة، وجفاف ينابيع مياه موصوفة، فاحن للمطر، وتساقط القطر، اجمع بكفي قطرات دمعي إذا انهمر، ممسكا بأنفاس قلبي القابع في قعر نهر،والحالم بومضة نجم بعيد يطفأ لوعة السهر، يضعني الحنين في حرم مسجد القدر،اصلي خلف إمام عبر النهر، وقاتل ببؤبؤ العين مخرز هولاكو فانتصر، ثم انضم لموكب (المهدي المنتظر)، يأم الشهداء المصلين في مكان مقدس في الفلوجة اسمه مسجد عمر .مدننا المقدسة كبرت، ونهضت، فتحت بواباتها لمن ساروا على درب كر بلاء، تستقبل المحررين والشهداء، يأتون من غرب بغداد، حيث يقيم التاريخ محكمته ويبعث الرب فرسان إرادته، ليمسكوا بخاصرة الفلوجة وهي تلد الشهيد تلو الشهيد، والعميد مسبوقا بعميد، والرشيد متبوعا بالمجيد، ارفع يدي لاقفز من فوق سياج الفلوجة، لادخل تاريخ زمن القديسين، في مدينة باركها الله حينما اختارها لتكون ممرا لكل مدن الشهداء وهي تسري نحو القدسية، ومقرا لإمام المجاهدين فحينما يتحدث الدم، تتكسر السيوف، ويهرب لقطاء (لاس فيجاس)، المدججين ببغاء الضمير، والمتلفعين بأيديولوجيا الموت المجاني، وينتصر لحم الشهداء على فولاذ أل(همر)، وعندها تولد القدسية، ويعمد الرب الفلوجة قدسا للاقداس، ويضع على رأسها تاج  جنة الأعراس، حيث يسكن الشهداء، هناك، في الفلوجة، تنتشر قباب مذهبة، يزورها حجاج من الهند والصين يأتون، تحتها يركعون، وباسم الله يكبرون، وحينما يأتي زائر كبير، رئيس أو أمير، يذهب إلى الفلوجة ليصلي في محراب قباب الشهداء، وضع إكليل الزهور، وينشد مع الطيور، أغاني البعث والنشور .

مدننا المقدسة أزهرت، فأثمرت، ولغة الشهادة أتقنت، ومن حي الجولان، في الفلوجة انتثر نجيع صبية وصبايا، وأطفال وشيب وسبايا، اقسموا آن لا يدنس مأبون،ا أو مأفون، تربتها،التي شربت حتى الارتواء، من احمر الشهداء،

مدننا المقدسة أمتدت، وقويت، وتعاركت، فأوجعها نهش (الزوار)، واعطشها صمت جفاف الانهار، صرنا اسرى وجع الزور والزوار، وعطش مميت، من فرط صمت (الاحبار)، فحلمنا برشفة ماء، ونسمة هواء، وبفك (اسرنا) من طلاسم الفقهاء وفتاوى (العلماء)! لكن زمن (التعقل) طال، وصرنا نتقن فن التخدير، في موضع التثوير والتحرير، فتقدم الصفوف الصبيان والصبايا، وحملوا الدفوف، كسروا صمت الزوار، وافتضوا بكارة الاسرار، قبل الكبار، وانشدوا:جئناك يافلوجة يامدينة المدائن نحمل في خبايا الروح وجع ملايين الرهائن، أفتحي لنا بواباتك الابنوسية، ودعي انهرك تتهاطل لتنبت في مدائن العراق الف الف بندقية، فانت، يافلوجة، وحدك من تتقنين فك الطلاسم والاسرار. صمتت الفلوجة، ابتسمت الفلوجة، ثم، وبصمت الشهداء والقديسين، تقدمت الفلوجة وحفرت نهرا ثالثا سقى دجلة والفرات، واطفأ عطشهما، وتدفق ماءه أحمر قان ليسقي كل العطاش، ويكنس الاستعمار، وبغاله وجحوشه وعلوجه.

بكرم مفتوح النهايات، شق احمر الفلوجة كل الطرقات المسدودات، والمحرمات؛ وروى العروق، وأطفأ الضمأ، فتحولت الفلوجة الى مزرعة كبرى، محصولها الاكبر منح الشهادة وثيقة ولادة، لملاحمنا الجديدة الخالدات . تدفق نهرنا الثالث من تحت مسجد شهداء الفلوجة، صوب كربلاء المقدسة، وهناك غسل وجوها عطشى، وصافح اعين ولهى، فاعلن المقاوم الجليل تؤامة الفلوجة وكربلاء،ومنهما انتشر الضوء الى زوايا كانت مظلمة فابتدأت (انشودة مطر) السياب تنشد من البصرة حتى زاخو، وعندها ارتعبت ضباع (لاس فيجاس) المختبئة في القصر الجمهوري، وتبول، فرقا، قوادي مواخير (روما) و(لندن)، وهم يحتسون جحافل خوف مجنون،وتراكض خدمهم يبحثون عن مهرب، وخلفهم، ملوثة بغائظ حلوقهم، شعارات رفعوها، يوما، كتب عليها :(ياعمال العالم اتحدوا) وأخرى كتب عليها : (الموت لامريكا واسرائيل)

كبرت الفلوجة، تقدست الفلوجة، وأصدر شهداءها (البيان الاول)، وقد كتب بنار قدسية، تطهر أزقة في العراق، تدنست بنجس الجراد ودبق القراد، تقول ديباجته غدا سيتحرر العراق، وسنقيم مسجد الشهداء، على قمة اعلى جبال العالم في الفلوجة، وسنجعله مزارا تحج اليه ملايين القلوب، الاتية من كل الدروب، غدا سيلزم الرؤساء، والامراء، والملوك، حين يزورون العرق،ان يزوروا الفلوجة، ويضعوا على باحة مسجد الشهداء، باقات ورد، ويقرأوا سورة الفاتحة على ارواحهم، غدا سنعلم اطفالنا ان يزوروا مسجد الفلوجة، في يوم التحرير، كل عام، غدا سيقف رئيس الجمهورية ليحي شهداء العراق في مسجد الفلوجة، كل عام، في يوم التحرير، غدا ستمتد بغداد الى الفلوجة، ويزحف القصر الجمهوري وينام هادئا، فوق جبل الفلوجة، وعندها ستبدأ المسيرة العظمى نحو القدس من الفلوجة المقدسة .

وانا في غربتي، المطحون بالام وحدتي، والممسوس باشواق العراق،اقسمت، ياعبد الرزاق، ان اصلي في الفلوجة، عند تحرير العراق، وهناك سأنام، واطلق، بلا خجل او وجل، كل مافي ضميري من اشواق،واعتلاق، واتمرغ في ترابها، واستضل ببهائها  فالفلوجة صنعت قدسيتها وفرادتها ومجدها حينما هزمت الغزاة واكرمت العالم بتحريره من خوفه من اقسى الطغاة المدججين بعشق القتل .

كل المأسورين بحب ال(البيت)، كل المسبحين بحمد الله، وجلاله وجماله، وحكمة افراحه واتراحه، سوف يأتون جموعا مبهورة، من اقاصي موريتانيا ونهايات اليمن المعمورة،يقرأون الفاتحة ويضعون باقات ورد على شاهد قبر الجندي المعلوم، فأنت، يافلوجة، اول مدينة في التاريخ تقيم نصبا للشهيد المعلوم، الذي أطل، بوجهه الجميل من كل شاشات العالم، ببهاء وجهه، ونقاء قلبه، يرتل الشهادة، وهو يرحل لملاقات ربه، ثم يفجر نفسه، وسط حشود الجراد والقراد، التي غزت العراق لتأكل الزرع وتيبس الضرع، ثم تنشر الايدز في حدقات الاطفال.

الدم هو نبع القدسية، ومانح الهوية، هو سراج الشهداء يقودهم نحو الابدية الدم هو طريق المقاومة الى ممالك الحلم وبحار الحرية، الدم في الفلوجة يتدفق بكرم طائي  لاتحده صحراء، ولاتوقفه حراب اجنبية، الدم في الفلوجة هدير مدافع توقظ النائمين على ضفاف انهر الدم، ويفضح بريق غضبها من اختبأوا في صوامع حكمة الحوار، فيرى الاتباع ان حكمة الدم هي قابلة حكمة الحوار.

الفلوجة ناقوس كبير، اكبر ناقوس في الكون، ومنارة عالية، اعلى من كل منائر العالم، يدق الناقوس، تدق الفلوجة، فيهتز (البيت الابيض)، ويرتفع صوت بلال مؤذنا  فيسمعه فلاح في أعالي جبال الاوراس : حي على الجهاد، حي على الجهاد، ومن عوالي صنعاء يتردد الصدى :قوموا ايها العباد والتحقوا بفلوجة الجهاد .

الفلوجة دفعت مهر حرية العراق وصاغت أم الحكمة، الصالحة لكل زمان ومكان الدم هو الذي يمنح القدسية،ويصنع القديسين، ويفتح طريق الحرية والمحررين والفلوجة تقدست بدم الشهداء، وصنعت غد العراق، حينما حط رحاله فيها الشهيد الحي، وقبل ترابها وشق النهر الثالث فيها، قبل ان يغيب .

كما الطير يحن لعشه، وهو غريب

وكما الرضيع ينادي أمه، وهو قريب

احن اليك بغداد، وانزف دما على الفلوجة

أحار بينك وبينها، وتستبد بي لعبة استبدال الاسماء

لكني، وقبل ان يأسرني التعب،

اقرر ان تكوني انت الفلوجة .