نواقض ثقافة اللص : الواقع وصمود الضحايا

شبكة البصرة

صلاح المختار
هناك مثلان عراقيان يتعلقان بالكذب، يسلطان الضوء على ما تريد امريكا  اخفاءه في العراق، الاول يقول: الكذب المصفط احسن من الصدق المخربط، اي ان الكذب المنظم والمدروس احسن من الصدق المنتاقض، اما الثاني فيقول :يا كذوب كن ذكور، اي يا كاذب كن قادراً على تذكر ما سبق وان قلته، ما الذي تحاول امريكا اخفاءه في العراق عبر سلسلة اكاذيب مفضوحة، بالنسبة لمن يستعمل عقله جيداً؟ من اهم الاكاذيب التي تروج وقبلت كأنها حقائق ثابتة، الادعاء بأن امريكا لم تكن لها خطة لما بعد غزو العراق ، ولذلك سادت الفوضى والخراب فيه! هذه الاكذوبة انطلت حتى على اغلبية اعضاء الكونغرس والاعلام الامريكي، المسيطر عليه، من قبل حكام امريكا الحقيقيين، وهم رجال الاعمال، واصبحت كأنها حقيقة لا تناقش! والسؤال الجوهري هنا هو: هل حقاً ان امريكا لم تكن لها خطة لمرحلة ما بعد احتلال العراق؟ واذا كان الجواب: كلا لديها خطة ، لابد من طرح السؤالين التاليين: ماهي هذه الخطة السرية التي تنكرها الادارة الامريكية والشخصيات البارزة والاعلام؟ ولماذا ينكر وجودها؟
اليوم سنناقش وجود او عدم وجود خطة امريكية لما بعد احتلال العراق، وسنكتفي بالتذكير بما يسمى اساسيات عمل الدول الكبرى، وابرزها التخطيط الاستراتيجي البعيد المدى، فكل القوى العظمى والكبرى تتميز بوضع خطط لا يقل عمرها عن عشر سنوات ، ويصل عمر بعضها الى نصف قرن! ولذلك هناك قوانين تحرم كشف ما يتعلق بهذه الخطط قبل مرور زمن معين، مثل بريطانيا التي لا تكشف عن الوثائق والحقائق الا بعد مرور نصف قرن!
اذن نحن بإزاء تقاليد وقوانين تفرض التمويه والكذب والمراوغة حول الخطط الاستراتيجية، او الامنية، والرفض المطلق لكشف الحقيقة الا بعد مرور زمن محدد، وهذا هو المدخل الاول للتعامل مع مسألة الاهداف الحقيقية لغزو العراق، والتي تحدد جواب السؤال الخاص بوجود او عدم وجود خطة لما بعد غزو العراق، ومن بين اهم الاهداف الكامنة خلف هذا التكتم، اضافة للهدف الاول وهو فرض سرية مطلقة على الخطط ، الحرص الشديد على حرمان ضحايا تلك الخطط من حق المتابعة القانونية والاخلاقية والسياسية ، ففي نصف او ربع قرن تتغير الوجوه، غالباً بالوفاة ، ومن ثم يصبح المجرم في خبر كان، ويسقط الحق القانوني ، قدر تعلق الامر بالاشخاص في المطالبة بالعقاب ، كما تتضاءل فرص الحصول على تعويضات نتيجة تعقد المسائل بعد زمن طويل من التطورات.
ثقافة الغرب ، هي ثقافة اللص المثقف والخبير والعقلاني التخطيط ، لذلك فإنه لا يتصرف الا وفق تخطيط تفصيلي ودقيق وعلمي يضمن له النجاح في تحقيق اهدافه، وطبقاً لثقافة اللص فإن تكتيك الاخفاء، والتخفي ايضاً، هما من اهم الشروط المسبقة للنجاح في تضليل الضحية وجعله احياناً يساهم برحابة صدر، في تنفيذ الخطة الموضوعة ضده! وظاهرة الاستعمار والغزوات الاستعمارية هي من اهم تجسيدات ثقافة اللص الغربي، سواء أكان اوروبياً او امتداده السرطاني : امريكا، لأنه يقوم على النهب الجماعي المنظم لأمم وشعوب ، واقتران ذلك حتماً بإبادة الملايين، واحياناً بتذويب هويتهم الوطنية وثقافاتهم القومية.
ويتجسد تكتيكاً الاخفاء والتخفي الاستعماريين، في الاعداد للغزو بفبركة اسباب ظاهرية تملك خاصية تجاوب قسم كبير من الرأي العام الغربي معها، فمثلاً تميز الاحتلال الاستعماري الاوروبي البريطاني ، الفرنسي ، البرتغالي، الاسباني.. الخ لآسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية، بإدعاء انه يقوم على نقل الحضارة الغربية للشعوب المتخلفة ، ورغم ان واقع الاستعمار كان يفضح اهدافه الحقيقية ، وهي النهب المنظم والفوضوي احياناً، الا انه كان يصر على ادعاء أن مهمته تمدينية واخلاقية ! ويتذكر من قرأ تاريخ الاستعمار ، او عايش أحداثه، انه لم يحصل ابداً ان اعترف اي استعمار بأنه جاء من اجل اللصوصية!

 

لماذا غزو العراق؟

بعد هذا التذكير الضروري بأساسيات السلوك الاستعماري الغربي نأتي الى موضوع العراق: لماذا غزت امريكا العراق؟  كما قلنا مراراً في السابق، امريكا ليست منظمة خيرية توزع افضال الديمقراطية وحقوق
الانسان على العالم، وتدفع ثمناً لذلك من ارواح جنودها، بل هي شركة كبرى   لا هم لها الا الحصول على الربح والمنفعة، ولذلك من المستحيل الكشف عن دوافع غزو العراق الحقيقية بدون التذكر المستمر للحقيقة السالفة الذكر، وقد سبق لنا ان اكدنا وبتفاصيل دقيقة ومكررة، خصوصاً منذ تفجر ازمة الكويت، بأن هناك مخططاً صهيونياً تقوم امريكا بتنفيذه في الوطن العربي، هدفه الاساس، هو شرذمة الاقطار العربية كلها، على اسس فتن عرقية وطائفية، او باستخدام التوزيع غير العادل للثروات العربية لتحقيق هدف اشعال حروب داحس والغبراء بين الانظمة العربية الفقيرة والغنية ، وخلق فئات منتفعة في كل قطر عربي غني تدافع عن القطرية بصفتها ضمانة بقاء انفرادها بالثروة العربية ، في حين يعيش غالبية العرب في فقر مدقع .
ويستبطن مخطط الشرذمة والتفتيت هذا تحقيق هدفين جوهريين معروفين: الاستيلاء على نفط العرب وكل ما يملكونه من مزايا اخرى استراتيجية واقتصادية من جهة ، وحماية امن اسرائيل من جهة ثانية ، ان من يقرأ كافة السياسات الامريكية منذ نشوء اسرائيل الى الآن، يلاحظ ان كل الإدارات الامريكية قد اعلنت ان الهدفين الجوهريين لها في الشرق الاوسط هما حماية تدفق النفط الى الغرب وحماية امن اسرائيل.
في اطار هذا التحديد الاستراتيجي الصحيح للاهداف الكبرى لأمريكا، نستطيع فهم دوافع غزو العراق وما حصل فيه بعد الغزو من تخريب منظم ، وقتل جماعي ونهب منظم وفوضوي للثروة الوطنية، وتعمد اضعاف الهوية التاريخية والوطنية والقومية والاسلامية للعراق.

 

متطلبات النفط

للنفط دور مزدوج في الستراتيجية الامريكية ، احدهما منظور ومعترف به، وهو انه دم الحضارة الحديثة، كما قال هارولد براون وزير الدفاع الامريكي الاسبق في كتاب له، وثانيهما مخفي بتعمد وغير معترف به رسمياً، وهو ان النفط أداة ابتزاز عظمى ، كما اثبتت تجربة المقاطعة النفطية العربية في عام 1973م. والنفط بصفته دم الحضارة الغربية ، يتطلب من وجهة نظر غربية، ضمان امرين: استمرار تدفقه بلا عرقلة، والثاني ابقاء اسعاره عند حد معين، وهو حد يجعله ارخص من الماء، ولذلك فإن وجود نظام وطني حكيم في بلد نفطي يشكل تهديداً لحرية تدفق النفط ، ومن ثم يصبح ذلك النظام عدواً للغرب وخطراً عليه، وقد دخل العراق في اطار هذا التصنيف منذ عام 1972م حينما امم النفط وجعله سلعة وصناعة وطنية واستخدم لبناء عراق قوي ومتقدم يخلو من الفقر والامية والامراض المزمنة، وخصص جزءاً مهماً منه لفقراء العرب.
يضاف الى ذلك ان ثمة حقيقة خطره وهي ان مصادر النفط في السعودية بدأت تشح وتتعب ، كما برزت في الافق ازمة طاقة خلال الــ15سنة القادمة، كما اكد تقرير المخابرات الامريكية ، ولمعالجة هذه الازمة القادمة ومنع وقوعها، كان يجب العثور على آبار شابة ونشطة وقليلة التكاليف ، تستطيع التعويض عن تدهور قدرة السعودية ، فبرز العراق بصفته المرشح الاول والاهم، لسببين الأول أنه يملك الاحتياطي النفطي الاكبر المتوقع، والثاني ان تكلفة استخراج برميل النفط فيه لا تتجاوز النصف دولار، في حين ان هذه التكلفة في السعودية تصل الى دولارين، وفي اوروبا الى حوالي عشرين دولار. وفي ضوء هذه الحقائق اصبحت امريكا تواجه مأزق طاقة خطير في المستقبل القريب ، وارتبط حل هذا المأزق بالسيطرة على نفط العراق بصفته ضرورة ستراتيجية اساسية .

 

اذن هناك ضرورة مزدوجة: حالية ومستقبلية للسيطرة على نفط العراق، لأجل معالجة نقص الحاضر وازمة المستقبل. يبقى الدور المخفي للنفط بصفته أداة ابتزاز، وهو دور يفوق في اهميته دوره الاول كمصدر للطاقة ، ففي عالمنا اليوم يبدو العملاق الامريكي ضخماً ومدمراً لمن يعترض طريقه، لكنه في الواقع يحتاج للنزف ، البشري والمادي ، كي يصل الى تدميرخصومه ومنافسيه، وهو غير مستعد لنزف الدم، وهو ما اعادت اثباته تجربة المقاومة العراقية المسلحة، من هنا فإن امريكا تحتاج لاخضاع العالم كله، وبالاخص القوى الكبرى الصاعدة، دون حروب عسكرية ، وهذا الهدف لا يتحقق الا بالسيطرة على حنفية النفط العالمية والتحكم فيها وتقرير من يستلم النفط وكميته وسعره.
هنا نجد ان كل دروب النفط ، كطاقة وكسلعة تجارية وكأداة ابتزاز،  تمر ببغداد وتلتقي في ازقتها، فالعراق هو آخر من سيجف نفطه، ومالك الاحتياطي الاكبر توقعاً ( الاحتياطي شبه المؤكد يتراوح بين 250 -300 مليار برميل ) والمتميز برخص تكاليف نفطه.. الخ، لكن المشكلة في العراق كانت تأميم النفط، واصرار قيادته على ابقائه ثروة عراقية وعربية تخدم العالم، لذلك برز هدف مركزي وذو طبيعة كونية : ازاحة قيادة العراق من اجل السيطرة على منابع نفطه ، خصوصاً وان استخدام النفط كأداة ابتزاز يتطلب السيطرة على كل، وليس اغلب ، منابع النفط الرئيسية .

أمن اسرائيل

أمن اسرائيل ، يعني امريكياً، ان تضمن اسرائيل تفوقها التام والشامل المطلق على كل العرب، عسكرياً وتكنولوجياً واقتصادياً، ولذلك تصر امريكا على انه لا مجال ابداً لبروز قطر عربي يمتلك عوامل القوة، سواء العسكرية او التكنولوجية او الاجتماعية او الثقافية والعلمية ، وعلى العرب ان يبقوا كسالى ومستهلكين محرومين من حيازة وتطوير العلوم الحديثة والتكنولوجيا المتطورة ، وجعل ثرواتهم مجرد أدوات استهلاكية لشراء كل شيء من الطائرة الى الدشداشة الجلابية والعقال والغترة ، التي تصنع في بريطانيا والصين لأن من يرتديها لديه عمل اهم من هذه الصغائر! العراق تجاوز هذا الخط الاحمر، المتعلق بأمن اسرائيل مثلما تجاوز الخط  الاحمر المتعلق بالنفط ، حينما انشأ جيشاً من العلماء والمهندسين تجاوز عدده (40) الف خبيرومهندس وفني، وبفضله العراق صنع الاسلحة والمعدات المدنية، كما انه حرر شعب العراق من الامية ، باجتثاثها تماماً، وازال الفقر كلياً، وقضى على الامراض المزمنة، وهكذا صار العراق انموذجاً ايجابياً في تقدمه وانجازاته، هدد جدياً بقلب معادلة ان تكون اسرائيل اقوى من كل العرب مجتمعين، وزادت حدة هذه المشكلة بالنسبة لأمريكا واسرائيل حينما رفضت القيادة العراقية اي تراجع عن موقفها الاصلي من القضية الفلسطينية.

 

حتمية التدمير

بتلازم السياسة النفطية التحررية للعراق مع الموقف القومي من فلسطين ، تقرر صهيونياً وامريكياً تدمير العراق وليس اسقاط نظامه فقط ، فالذي وجد في العراق كان ذخيرة للمستقبل العربي، لأن علماء ومهندسي وخبراء العراق كانوا مشروعاً عملياً لنهضة الامة العربية كلها، وليس للعراق فقط ، وقد توزع الآلاف منهم في عدة اقطار عربية ، لمساعدتها على النهضة والتقدم في تطبيق عملي وخلاق للشعارات السياسية ، ومنها ( نفط العرب للعرب ) و( النفط اداة تنمية وتقدم وليس اداة استهلاك وافساد ).
ان من يقول بعدم وجود خطة امريكية لما بعد غزو العراق كذاب ومزور واعمى، لا يريد ان يقرأ وثائق امريكا واسرائيل، ولا يريد ان يرى العمدية في كل خطوة امريكية منذ الغزو وحتى الآن، فالنهب وحرق دوائر الدولة ووثائقها وتدمير الجامعات وسرقة وتحطيم المتحف الوطني ، واثارة الفتن الطائفية والعرقية، وتشجيع اللصوصية والمخدرات والعهر، وتفكيك وتهريب المصانع وتدمير الجيش وقوى الامن، واغتيال العلماء والخبراء ، هذه الاعمال وغيرها تدخل في اطار محدد سلفاً، وهو القضاء على الدولة والمجتمع في العراق، و اعادة العراق الى عصر ما قبل الصناعة وهو ما هدد به جيمس بيكر وزير خارجية امريكا في عام 1991 السيد طارق عزيز المناضل الكبير ( فك الله اسره ) وزير خارجية العراق آنذاك.
هذا التدمير المنظم يخدم هدفين مركزيين ، احدهما امريكي ، وهو اعادة بناء اجزاء العراق المفكك والاستفادة القصوى تجارياً من ذلك بمنح العقود للشركات الامريكية ، وثانيهما اسرائيل، وهو التخلص من رمز بارز لنهضة العرب، علمياً وتكنولوجياً واجتماعياً، والقضاء على امكانية قيام عراق قوي يهدد اسرائيل مجدداً، اضافة الى تأثير الخلفية التاريخية ( دور بابل في تحرير فلسطين قبل الميلاد ) على 
 ما يحدث في العراق من تخريب منظم ، هو تنفيذ لخطة ما بعد الاحتلال السرية وليس نتيجة غياب الخطة ، فهناك خطة وخطة تفصيلية قديمة . اذا كان هناك من يشك في ذلك عليه ان يقرأ قرار مجلس الامن المرقم (687) الصادر في عام 1991م سيجد فيه كيف ان الامم المتحدة (بقرار امريكي )  قد وضعت خطة تدمير قدرات العراق التكنولوجية والعلمية واعادته الى عصر ما قبل الصناعة، من خلال فرض حصار يجفف ينابيع الحياة في العراق.
 والآن هل رأيتم كيف ان امريكا تكذب بطريقة مخربطة اي غير منظمة حسب المثل العراقي، ثم تكمل استدارة حلقة الكذب بضعف ذاكرتها التي تنسى وثائقها وسياساتها ؟ اننا لا ننسى ابداً ماجرى وما يجري لأننا الضحايا، وشواهدنا تعد بالملايين وليس بالآلاف، لذلك لن يكتب في التاريخ الا ما قاله ويقوله وسيقوله
ضحايا ثقافة اللص . واذا ظن اللص وادواته ( ومنها فضائيات عربية ) ان الشيطنة ومنع الوطنيين العراقيين من ايصال اصواتهم للعالم ستجدي فان ذلك محض تمنيات ، لان بندقية المقاتل العراقي ستحسم الصراع وفي وقت اقرب بكثير مما يظن الكثيرون ، وعندها سيعرف، من لم يعرف حتى الان، ان تدمير العراق كان من اجل النفط واسرائيل ، وان شيطنة العراق وقيادته
، بالكذب المطلق والشامل ، كان شرطا مسبقا لنجاح الغزو والتدمير .

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

السبت 14 ربيع الاول 1426 / 23 نيسان 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس