نواقض الأنسنة : فقدان الهوية

شبكة البصرة

صلاح المختار
والأنسنة هنا- كما وضحنا في مقال سابق- هي الحالة التي وصل اليها الحيوان المسمى انساناً، بعد آلاف السنين من التطور، والتي تتميز بوجود منظومة قيم يتمسك بها، بخلاف بقية الحيوانات، وعلى رأس هذه المنظومة يبرز مفهوم الهوية. فالانسان وصل ذروة تطوره لانه بلور هوية خاصة به وبمجتمعه، وصار يعرف ويميز بهذه الهوية. وربما كان اول تمييز في الهوية هو ادراك هابيل وقابيل انهما يختلفان عن اختهما، فهما رجلان وهي إمرأة. واتسع التمييز على أساس الهوية، لتصبح لدينا هويات مختلفة: هوية الأمة، هوية الدين، هوية الجماعة، هوية العمل، هوية الايديولوجيا، هوية الاختصاص. اذن الهوية هي المميز الأول للوضع الانساني،
وحينما يفقد الانسان هويته يتعرض لحالة ضياع مدمرة، قد تكون اسوأ من قتله بدنياً.

 

تمييز الهويات

وقبل الولوج في موضوعنا الجوهري، لابد من ايضاح بعض الفوارق في الهويات. فلئن كانت انسنتنا هي الهوية الارتكازية التي تقف عليها بقية الهويات، أي اننا بشر مميزون عن بقية خلق الله ، فان الهويات تنقسم الى هويات اساسية وهويات فرعية. ويقصد بالهوية الاساسية الهوية الوطنية، والتي تتشكل بالولادة والنمو، مستندة على ما في العائلة والمجتمع من لغة وتقاليد وميول وثقافة وارث حضاري... الخ. ينمو الطفل وهو يتعلمها ويتشرب بها، الى ان يصبح اسيراً لها، بوعيه او بلا وعيه. فحينما نقول ان فلاناً عربياً فإننا نشير الى هويته الوطنية، او القومية، الاساسية، والتي تنمو وتنشأ في اطارها ومناخها بقية الهويات، التي نسميها فرعية، كهوية الشخص، أي مميزاته الشخصية، وهوية القبيلة، أي انتسابها التاريخي، وهوية الحزب، أي انتماؤه الحزبي، وهويته الدينية ... الخ.
ان الهوية الوطنية، او القومية، هي الاطار الاعم لكافة الهويات في الوطن، مهما اختلفت وتناقضت، وهي سابقة تاريخياً على كافة الهويات الاخرى، وربما تكون الاكثر ثباتاً، بعد استبعاد الهوية الانسانية. فمثلاً الاثنية العربية وجدت قبل الاسلام، وتشكلت من مجتمع قبائل ومدن تجارية او زراعية، وبظهور الاسلام ارتقت بعد ان تفاعلت القبائل وتحولت الى كتلة اجتماعية مميزة بلغتها وثقافتها وتطلعاتها وخياراتها. أي صارت أمة متكاملة الشروط، لذلك بزغت دولها العظمى في العراق وسوريا ومصر والاندلس وغيرها، بفضل قوة الاسلام الذي نزل قرآنه الكريم بلغة العرب، فاكرمهم ووحدهم.

 

الهوية الفرعية

من بين الهويات الفرعية، تبرز هوية الفرد الخاصة بصفتها اصل الهويات الفرعية الاخرى، لذلك فإن وصف (الفرعية) لايقصد به انها ثانوية، او قليلة الأهمية، بل هي مسألة تصنيف لاغير. فلكل فرد مميزات وأمزجة شكلية ونفسية وثقافية واجتماعية، وبها نميزه ونتعرف عليه، وهي لذلك كنز فردي ثمين لايمكن للفرد ان يفرط به اذا اراد الحفاظ على قيمته في المجتمع، ان تفكك او ضعف او غموض هوية الفرد تصبح مداخل لضياعه النفسي والاجتماعي، ومن ثم خسارته لفرص التعامل الطبيعي معه، وبذلك يجد نفسه موغلاً في احاسيس الاغتراب (Alienation). يبدأ اغتراب الانسان بجهل او غموض دوافعه، وعدم يقينه من قناعاته، فيقع
أسير التردد وتبديل الاراء والسلوكيات والمواقف، وتصبح المزاجية الفردية، وليس الحقائق والضرورات الموضوعية، مصدر خياراته ومواقفه، وهكذا تبدأ هويته المميزة بالتفكك والذوبان، وتأخذ هوية اخرى بالتشكل مختلفة تماماً عن هويته الاصلية، ميزتها الرئيسية انها اللاهوية، أي انها محض تبدلات لاتتوقف عند حد معين.

واسباب ظاهرة الضياع، او الاغتراب، هذه متعددة لكن اهمها طبيعة ظروف المجتمع السائدة، فكلما حصل تناسب عكسي بين ثقافة المجتمع وتقدمه العلمي -التكنولوجي، من جهة، وبين تعمق ظواهر الفقر والظلم الاجتماعي من جهة ثانية، تظهر البيئة الطبيعية للاغتراب، فالفرد، ورغم انه متعلم، وربما متخصص، لايجد فرصة للعيش الكريم، في مجتمع تسيطر عليه (الحيتان) الكبيرة وتسخر تقدمه العلمي -التكنولوجي لاشباع مصالحها الانانية، مع اهمال كامل للحقوق المشروعة للاغلبية الساحقة من الناس. والضياع او الاغتراب مترابطان، فالاول نتيجة للثاني، فحالما يتيقن الفرد انه غريب في وطنه او مجتمعه حتى يأسره الشعور القاتل بالضياع، وتبدأ رحلة العذاب والانحراف.
ولعل افضل واوضح صورة للضياع في الغرب (امريكا واوروبا) ، هو ان اجيالاً متعددة (شباب وكهول) انخرطت في دوامة الضياع المخيف، فثمة اعداد ضخمة من الافراد اخذت تمارس سلوكيات مناقضة لهويتها الفردية، بل ولاول هوية واقدمها: التمييز بين الانثى والذكر. ان ارتداء الاقراط في الاذن او وضعها في الانف
او في الشفة واللسان والصرة، بعد احداث الثقب المطلوب، او اطالة اللحى ووضع حبات (خرز)، فيها لتبدو نهايتها كالمسبحة او القلادة، وان صبغ الوجوه بالالوان المختلفة لتبدو مخيفة، او مختلفة عن اصلها، ولبس النساء ملابس الرجال والرجال ملابس النساء، وكره النظافة، ومشاركة الكلاب والقطط اماكن النوم والاكل .... الخ ان هذه الممارسات هي في الواقع، تعبيرات دقيقة عن احاسيس داخلية بالضياع وبعدم وجود ثوابت قيمية، او صلة بالمجتمع وبالدولة، وهي لذلك رفض نهلستي (عدمي) للمجتمع والدولة.
وينجم عن هذا الوضع الشاذ امر خطير: بدء تحلل مصادر قوة وتماسك المجتمع، ومن ثم اصابة الدولة بداء فقدان مصدر قوتها، وهو وجود هوية فرعية، أي الفرد المميز، والذي يرتبط ، طوعاً وثقافة، بهويته الوطنية.  ان انحطاط وتدهور الغرب قد ابتدأ منذ عقود، بسبب تفتح الزهرة المرة للاغتراب، لكنه لم ينهار
آنذاك نتيجة وجود الخطر الشيوعي، الذي ابقى الغرب، وبالاخص امريكا متماسكة اما اليوم، وبعد زوال الخطر الشيوعي، فان احتمال تفكك امريكا اصبح قوياً، بل محتوماً، مالم يختلق (عدو خارجي خطير)، فاختارت امريكا الاسلام عدواً ليحل محل الشيوعية، في توفير الغراء الذي يؤمن لصق اثنيات وأديان امريكا، وهذا الكلام ليس من عندنا، بل قاله البروفيسور الامريكي (صاموئيل هنتنغتون)، مخترع نظرية (صراع الحضارات)، في دراسة مهمة له اسماها (تآكل مفهوم المصلحة القومية الامريكية).

 

نحن والضياع

اما نحن العرب، فإن الضياع وتوأمه الاغتراب، يتبديان بشكل مختلف، فالظلم الاجتماعي، الذي يتجسد في الفقر والامية والتمييز الطبقي، وهيمنة الديكتاتوريات التابعة للغرب، والتفريط بمصالح الوطن لاجل المصالح الانانية، قد انتج اجيالاً ساخطة ورافضة للوضع الحالي في الوطن العربي. وازدادت المشكلة خطورة بتدمير، او اضعاف، او شيطنة القوى الوطنية الاساسية، فخلق ذلك اشكالية خطيرة ومعقدة: رغم وجود الظلم واللاعدالة والفقر ورفضها بشدة، فإن ادوات التغيير الطبيعية، وهي القوى الوطنية، إما مغيبة، بفضل السجن والاعدام والحظر، او اضعفت لدرجة عدم قدرتها على احداث التغيير المطلوب، او شوهت صورتها نتيجة للحملات الاعلامية المدروسة فشيطنت، وفقدت بعض جاذبيتها.
وهكذا لم يعد لدى بعض الشباب العربي من خيار الا التمرد الاهوج، كتعبير مشوه عن الاحساس بإضطهاد لايمكن التحرر منه. والتمرد الاهوج يتخذ اشكالاً خطرة -احياناً- كتدمير ممتلكات الدولة وإيذاء المجتمع، او التعاون مع الاجنبي ضد الوطن، او الارتداد الى مفاهيم قبلية او دينية، او طائفية عفا عليها   الزمن، او الانتقال الجذري من موقف الى نقيضه، فنرى الملحد يصبح مؤمناً دون قناعة حقيقية، واليساري المتطرف يصبح يمينياً يخدم امريكا بعد ان كان يعد مجرد مصافحتها خيانة! ان ضعف التربية العائلية، أو اجنبية الجذور العائلية، او انتماءها لاقليات غير مندمجة تماماً في المجتمع، واستشراء الفقر والامية والفساد ... الخ ، كل ذلك،
وغيره، عوامل تتشكل منها البيئة الطبيعية للاغتراب داخل الوطن، والانزلاق -افراداً وكتلاً- الى مستنقع الخيانة او الجريمة او الانحرافات السلوكية، وبذلك يفقد هؤلاء هويتهم الانسانية، ويرتدون الى عصور الحيوانية المبكرة.

 

هل ثمة علاج؟

نعم ثمة علاج، وهو العودة للاصول والتمسك بها، والاصل في موضوع الهوية هو العودة للهوية الوطنية والقومية، بصفتها المظلة الكبيرة التي تحمي كل الهويات الفرعية ، وتضمن ازدهارها وانتشارها وقوتها، ففي وطن محتل مباشرة او بصورة غير مباشرة، من قبل الاستعمار او الاجانب، وعندما يستشري الفقر والامية والفساد، بقدر ما تتعزز اتجاهات الرفض والعمل على تحرير الوطن، تظهر نزعات الاغتراب (متجسدة في الطائفية والارتزاق وغيرها)، لذلك يجب التمسك بالخيار الوطني، ورفض كل الدعوات الطائفية والعرقية، والتركيز على اصل الداء، وهو الاستعمار ومن يتعاون معه، وليس التبديات الظاهرية له، فحينما يتحرر الوطن من الاحتلال والظلم الاجتماعي تتساقط هويات الاغتراب المختلفة.

salahalmukhtar@hotmail.com   

شبكة البصرة

 السبت 21 ربيع الاول 1426 / 30 نيسان 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس