تقديم كتاب

الإنتصار لأهل الفلوجة والجهاد

خاص بشبكة البصرة

تقديم عبد الله شمس الحق

لأبي عبد الله صلاح الدين بن محمد بن عبد الرحمن آل الشيخ

الى كل من أراد أن يعرف موقعه من المجاهدين الشرفاء .. الى الباحثين عن الصفاء والنقاء.. ويحبوا بالكتاب والسنة والأولياء والصالحين الأقتداء .. الى منْ أرادَ الله ُ  له البصيرة فيما يشاء .. الى كل من أحب أن يكون نفرا ً في الجنة بعد دار الفناء .. ويكون مع غلبة البرض - أي القلة- .. ويستيقن أنه ليس من أهل حَرَض - أي الفساد- ويكون منْ بين الذين على دينه قبض .. الى كل من يعبد الله الذي يراه وهو لايراه !! الى كل منْ  يتمكر ويتنكر (أن الجنة تحت ظلال السيوف) .. وظنّ أموال الدنيا  ُتنجيه من علقم الحتوف .. الى من يبتغي رحمة الرب الرؤوف ..! الى من أراد أن يسمو بالطاعة في الجهاد لأوامر القهار .. وينجي نفسه من الشبهات و الشوائب والأكدار ..! يوم لاعذر له في إتباع  تفسيرات وفتاوي مبنية على شُبهات وبدع الجهلاء .. والسفهاء .. ولمن تغلغلوا في صفوف المسلمين وهم يضمرون له العداء .. وعماد الدين (المحمدي) هذا ، في المقام البادئ - أقرأ .. أقرأ .. أقرأ حتى يَتعظمُ الأيمان بدين محمد في نفوس القراء .. ويكتشف الحق بالأدلة الناصعة .. والبراهين القاطعة ..! ويجازيه الله خير جزاء ..! نتقدم لكل هؤلاء .. بنوع من التقديم المتواضع لكتاب (أبي عبد الله صلاح الدين بن محمد بن عبد الرحمن آل الشيخ) - المعنون (الإنتصار لأهل الفلوجة والجهاد) .. من على شبكة البصرة الغراء .. التي يعود اليها الفضل والأجر .. في أن يكون مثل هذا الكتاب بين يدي قرائها الأعزاء .. أما بعد ، وليس عيباً أن نُقّر الخشية  في (عرض الكتاب) .. كما هو مألوف .. ومعروف .. فأرتأينا تقديمهُ للقارئ كما هو بحبره وكلماته وسطوره ولكن بأجزاء ..! إذ هذا ماجرى لنا من قبل مع (المارد القادم) - للأستاذ أمين الحوامدة - واليوم عادت خشيتنا تتكرر مع كتاب - أبي عبد الله صلاح الدين آل الشيخ).. الذي أتقن تسبيله الينا برصانة لغة القرآن .. والسنة النبوية الشريفة لقطع أحابيل أحزاب الشيطان !! حتى مايلبث القارئ المتوغل بين سطوره ..! يجدهُ كالجسر المستقيم لمن أراد عبوره ..! والله ليشهد كل قارئ  لهذا الكتاب .. كما نحن شهدنا بعد غوصنا في كل قلمس من عيالمه (أي كل بحر من بحوره والمقصود هنا موضوعات الكتاب) كم نحن مقصرين في إيتاء حق هذا الدين العظيم ..! إذ  سيجد القارئ في (قلمس - التولي والمحبة للمسلمين) درة الله  حقاً معلقا ً على رقاب المسلمين في قوله تعالى - : {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَـئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَـئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. ووجدنا حديث الرسول - ص - في قوله - : (أفْضَلُ الأعْمَالِ الْحُبُّ فِي الله وَالْبُغْضُ فِي الله) كالسلطان الآمر للمؤمنين والمؤمنات بالجهاد .. يوم يشتد إنخداع (المسلمين) بمخادع الكفار..!  ويستبدلون حب الله .. بحب ( ُملهيات الجوف - أي المعدة - ومسيلات اللعاب ومزركشات الثياب .. وكل ما يثير حب الدنيا .. وملذات الشيطان في سبيل النفس الأمارة بالسوء .. ومالذ لها وماطاب..!! وفي (قلمس- الظلم والخذلان للمسلمين) - وجدنا وعَدَ الله  في قوله تعالى - {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} .. يالها من آية تثلج صدور المؤمنين .. في أن الله لايهمل تعذيب أولئك ( المتزندقين المتخندقين بين المسلمين بأسم الدين والخونة والعملاء ) في الدنيا قبل الآخرة ..! ولانعتقد أن المتغابي والمتجاهل عن المفاسد والفواحش التي دخلت (عراق البلاد) مع المحتل وُمسانديه .. سيكونوا معفيين عن السؤال والعذاب !! وهذا ما قدمه المؤلف (أبي عبد الله آل الشيخ) بين صفحات كتابه (الإنتصار لأهل الفلوجة والجهاد) .. ليكون كمركب النجاة لمن أراد النجاة..! أما من بين الأحاديث التي وردت  في قلمس من هذا الكتاب (الجهادي) وجعلنا أن نقف بعين باكية .. هو ذاك الحديث المبجل لقدرالرسول - ص - العارف بوحي من الله .. في أن يأتي زمان اليوم على أمته.. كما هو في فلسطين وأفغانستان والعراق وسواها من بلاد المسلمين .. ويظهر  من ُيعين الأعداء والكفارعلى قتل المسلمين وإستباحة الديار ..!  فأنذرّ- ص- في الحديث المقصود : ((من أعان على قتل المسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله))..! بل وربي أن الساعة تجري بهم بعُجالة !! لكنهم لايشعرون ..! أو فيما قاله الرسول كذلك -: (لاَ يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلاَحِ. فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ. فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ)، وفي رواية عند مسلم عَنِ ابْنِ سِيرِينَ  سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: (مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَة ٍ، فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ)...! أما في (قلمس البراءة والبغض للكفار) من الكتاب .. والله أرجوا المعذرة من القارئ .. في أن أكون مقدما ً لشئ من درر الله التي إستشهد بها (المؤلف) ليريح كل نفس مضطربة .. علقت بين العوالق .. وأبتعدت عن الحقائق .. لتحتسر بين الضوائق!! فإنني تارك تلك الدرر كما بينها الكاتب - المؤلف - ليراها القارئ بجمال (عنقود  الكرم) الذي يتدلى كالثريا في مكانه .. لم يمسه أحد ليفرط بشئ من حباته.. وهو بحق الحق كذلك هو في رصانة صياغاته بين المبتدأ والخبر كالعنقود المتلازم بين كلماته وعباراته وصفحاته وموضوعاته !! فكيف لي أن أحشر نفسي بين النفائس الألهية وقواعد محكمة في العبر!! وبعد .. لقد جهد الكاتب بأيتاء المعنى في الكلمة.. ورسم صفاء العبارات .. ليطلق الأيمان والتقوى  ليخترق الفؤاد.. كأنه  منشدا ً داعيا ً القارئ المؤمن وشأنه يقول - هاهنا النور إن إبتغيته قربا ً للجهاد في نيل حب الله .. وهاهناك الظلمات إن إبتغيتها مأوىً لقضاء الدنيا بالملذات والشهوات..!! ومن أجل أن  يقينا (أبي عبد الله) - صاحب العقل الوفور.. وبرعم من براعم الحق في شجرة علم الرسول الأنطماس والأنغماس .. في وحل الشبهات (شبهة الوفاء بالعهود والمواثيق ، شبهة قصة حاطب رضي الله عنه ، شبهة الإكراه ، شبهة الديمقراطية ، شبهة المصلحة والضرورة ، شبهة اشتراط الراية) ..! تلك الشبهات المبتدعة التي يجرجر بها الأدعياء لمداهنة الأعداء ..! والدين منها براء !! بينّ (أبوعبد الله آل الشيخ) بترتيب العقلاء .. العلماء .. ومافي ديننا من صفاء ونقاء .. أنها شبهات .. لصقت بالدين الحنيف لأسباب الدنيا ومطامع النفس وسبل الهوى وخدمة الأعداء ..! فلا مفر للعاقل من أن يدرك الصواب قبل فوات الآوان .. ومنْ يأبى أن يتفهم حقيقة الدين .. حقيقة موجبات القرآن .. حقيقة سنة نبينا خاتم الأديان .. حقيقة التفسير ورجاحة التأويل .. مات مصرا ً على الكبائر ..! فيسقط  بفعلته من رحمة الرحمن .. لقوله تعالى : ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)) .. ومابالك أيها المسلم ..! أن للجهاد ثلاثة ضروب -(*) مجاهدة العدو الظاهر .. ومجاهدة الشيطان .. ومجاهدة النفس ..! وثلاثتها تدخل في قوله تعالى ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) .. فأما الجهاد الأكبر عينه الرسول - ص- في مجاهدة النفس .. نعم ياعزيزي القارئ .. الجهاد الأكبر في مجاهدة النفس .. لأختفاء العدو وطول وسوسته !! وما مجاهدة العدو (الظاهر) كما وصفه وبينه الرسول - ص - إلا الجهاد الأصغر ..!! إذن الويل كل الويل من عذاب الجبار ذو البطش الشديد .. فأين المسلم من الجهاد الأكبر وهو يتثاقل و يتجاهل ويتناسى  (الأصغر) مع عدو ظاهر أمامه يغزو بلاده ويستبيح ماله ونساءه ويشييع الفاحشة لطمس إسلامه..!!

(*) للمزيد عن هذا الموضوع راجع - الترمذي (فضائل الجهاد) ، البيهقي (شعب الأيمان)، أبن أبي الدنيا (محاسبة النفس)، العلجوني ( كشف الخفاء) ، وآخرون ! 

أما بعد، اليكم جميعا ً .. حان قراءة الكتاب .. ونسأل الله أن يجعله في نفوسنا فتحا ً جديداً لضروب الجهاد !!   


كتاب الإنتصار لأهل الفلوجة والجهاد*

الجزء الثامن والاخير

شبهة وجوب الراية للجهاد

شرعَ اللهُ تعالى الجهادَ، وفرضَهُ على المسلمين، وهو كما أخبر تعالى عنه كُرْهٌ لَّكُمْ. لكنَّ خيرَه الكثير للناس مقدمٌ بتقديم الله له على الكُره الذي يلحق بسببه. فمتى قام به مَنْ يكفي سقطَ الإثمُ عن الباقين، وإذا ضُيِّعَ وتُرِكَ، أو قام به من لا يكفي، وقعَ الإثمُ على جميع المتخلفين القادرين.

قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}.

وقال تعالى: {انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. قال ابن كثير: ’ وقال علي بن زيد عن أنس عن أبي طلحة : كهولاً وشباباً ما أسمعُ اللهَ عذر أحدا، ثم خرج إلى الشام فقاتل حتى قتل. وفي رواية قرأ  أبو طلحة سورة براءة فأتى على هذه الآية انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَـاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، فقال أرى ربنا يستنفزنا شيوخاً وشباناً جهزوني يا بني ، فقال بنوه يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى مات ومع أبي بكر حتى مات ومع عمر حتى مات فنحن نغزو عنك، فأبى فركب البحر فمات . فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد تسعة أيام فلم يتغير فدفنوه فيها!! وهكذا رُويَّ عن ابن عباس وعكرمة وأبي صالح والحسن البصري وشمر بن عطية ومقاتل بن حيان والشعبي وزيد بن أسلم أنهم قالوا في تفسير هذه الآية: انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً، قالوا كهولاً وشباناً وكذا قال عكرمة والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرُ واحد. وقال مجاهد شباناً وشيوخاً وأغنياء ومساكين وكذا قال أبو صالح وغيره وقال الحكم بن عتيبة: مشاغيل وغير مشاغيل، وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً، يقول انفروا نشاطاً وغير نشاط.‘

وروى الإمامُ أحمد ومسلم عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله: (مَنْ ماتَ ولمْ يَغْزُ ولمْ يُحدِّثْ به نفسَه، ماتَ على شُعبةٍ منْ نفاقٍ ).

والكفاية التي تُسقط الإثم عن المسلمين هي كما قال ابن قدامة:  أن ينهض للجهاد قوم يكفون في قتالهم، إما أن يكونوا جندا لهم دواوين من أجل ذلك، أو قد يكونوا أعدوا أنفسهم له تبرعا، بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم .

فتحقيقُ الكفايةِ واجبٌ على إمام المسلمين خصوصا، وعلى المسلمين عموما. فرضٌ عليهم أن يُحصِّلَوا القوةَ العسكرية من جُندٍ وسلاح ، مستفرغين جهدهم ووسعهم، مقدمين له على ما سواه من الحاجيات والتحسينات.

ذلك أن الله تعالى أمرنا بذلك وحرضنا عليه ، لما فيه من المصالح الدينية والدنيوية ، التي لا تخفى على العاقل البصير، للمسلمين خصوصا وللناس أجمعين. ولأن الكفارَ أعداءٌ للمسلمين ، لا يزالون يقاتلونهم حتى يردوهم عن دينهم ، بُغضا وعداوة للحق وأهله، وطمعا في ثروات المسلمين وأموالهم وديارهم ، وخوفا من اجتماع كلمتهم وتوحدهم وقوتهم .

وبالتفريط والتضييع في تحقيق الكفاية الإثم والذنب العظيم ، قال تعالى : {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. قال ابن جرير: ’ يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسوله ، متوعدهم على ترك النفر إلى عدوّهم من الروم : إن لم تنفروا أيها المؤمنون إلى من استنفركم رسول الله ، يعذّبكم الله عاجلاً في الدنيا بترككم النفر إليهم عذابا موجعا. وَيَسْتَبْدِلْ قَوْما غيرَكُمْ يقول : يستبدل الله بكم نبيه قوما غيركم ، ينفرون إذا استنفروا ، ويجيبونه إذا دعوا، ويطيعون الله ورسوله. ولا تَضُرُّوه شَيْئا يقول : ولا تضرّوا الله بترككم النفير ومعصيتكم إياه شيئا، لأنه لا حاجة به إليكم ، بل أنتم أهل الحاجة إليه ، وهو الغنيّ عنكم وأنتم الفقراء واللَّهُ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يقول جلّ ثناؤه: والله على إهلاككم واستبدال قوم غيركم بكم وعلى كل ما يشاء من الأشياء قدير .

وقال تعالى : {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ لآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} . قال ابن جرير:  يقول تعالى ذكره لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: إنما يستأذنك يا محمد في التخلف خلافك ، وترك الجهاد معك من غير عذر بين الذين لا يصدّقون بالله، ولا يقرّون بتوحيده وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ يقول: وشكت قلوبهم في حقيقة وحدانية الله ، وفي ثواب أهل طاعته، وعقابه أهل معاصيه. فَهُمْ فِي رَيْبهْمِ يَتردَّدوَن يقول : في شكهم متحيرون ، وفي ظلمة الحيرة مترددون ، لا يعرفون حقًّا من باطل ، فيعملون على بصيرة. وهذه صفة المنافقين .

وفي سننِ أبي داوود عن ابنِ عُمَرَ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إذَا تَبَايَعْتُمْ بالْعِينَةِ وَأخَذْتُمْ أذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ الله عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إلَى دِينِكُم ).

وفي ترك الجهاد علوٌ للكفار، وذلٌ للمسلمين ، وهذه هي الفتنة والكفر والشرك. قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. قال ابن جرير:  فقاتلوهم حتى لا يكون شرك ولا يُعبد إلاَّ الله وحده لا شريك له، فيرتفع البلاء عن عباد الله من الأرض وهو الفتنة، ويكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لله يقول: حتى تكون الطاعة والعبادة كلها لله خالصة دون غيره .

فَهُم متى ظهروا على المسلمين غيروا الدين بالقوة والإكراه حينا، وبالدعاية للباطل وتزيينه والإغراء به بالأموال والتولية والتمكين حينا .

فلو لم يكن الشرعُ قد دلَّ على تقديم تحقيق الكفاية العسكرية على تحقيق الحاجيات والتحسينات المعيشية لكان العقلُ الصحيح والنظرُ السليم دالاً وآمراً به. إذ الدين والنفس والعرض والمال والعقل ، معرضٌ لبطش وسطوة الكفرة الحاقدين ، الذي لن يرعى صغيرا ولا كبيرا ، ولا امرأة ولا ضعيفا . وكلُ ما عُمِّر وشِّيدَ معرضٌ للتدمير  والتحريق والتخريب ، الذي لن يُبقيَّ قريةً ولا دارا ولا زرعا .

فمن العجب أن يوافقَهم ويرددَ قولَهم بعضُ المسلمين ، في تحريمهم أسباب القوة على المسلمين ، وجعلِهم أسلحة الدمار والفتك حكرا عليهم، يتسلطون بها ظلما على البلاد والعباد، وينشرون الفتنة والفساد.

هذا الركن العظيم والقطب المتين، له أحكامٌ وقواعد وضوابط ، فمَن نجاهد ونقاتل ؟ ومتى نقاتل ونسالم ؟ وكيف نقاتل ونعاهد ونواثق ؟ وما الذي نغنم وكيف يُقسم ؟ وكيف نتعامل مع المحاربين والمعاهدين والأسرى والمستأمنين ؟

كل ذلك قد ذكره وبينه الله تعالى في كتابه العزيز، وبينه وجلاه رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سنته وسيرته ، وفصَّلَ ودقَّقَ وحقَّقَ فيه أهلُ العلمِ الراسخون فقهاً واستباطا وقياسا من النصوص . فمن ذلك أنهم حكموا وأوجبوا الجهاد عيناً على كل مسلم في حالات ثلاث :

الأولى : إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان ، يحرُمُ على من حضر من أهل الجهاد - وهم الذكور الأحرار المكلفون المستطيعون لسلامة أبدانهم - الانصرافُ والفرار، قال تعالى: {يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ}.

الثانية : إذا نزلَ الكفارُ ببلد ٍ، تعيَّنَ على أهله قتالُه ودفعُه ، قال المرداوي في الإنصاف: ’ تنبيه: مفهوم قوله: أو حضر العدوُ بلدَه، أنه لا يلزم البعيد، وهو صحيح، إلا أن تدعوَ حاجةٌ لحضوره ، كعدم كفاية الحاضرين للعدو، فيتعين أيضا على البعيد .

الثالث : إذا استنفر الإمامُ قوماً للقتال ، لزِمَهُم النفير، لعظيم حق الإمام ، قال تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثَّاقَلْتُمْ إِلَى لأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ}. وفي صحيح البخاري عن ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما قال- قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:َ لا هِجرةَ بعدَ الفتح ِ، ولكنْ جِهادٌ ونيَّة ، وإذا استُنِفرتم فانفِروا) .

 

والحالُ اليومَ أن الكفارَ قد غزوا وأخذوا واحتلوا بلادَ المسلمين ، وانتزعوها من أهلها، في العراق وفلسطين وافغانستان وغيرها ، سواءٌ كانت تلك البلادُ محكومةً قبلَ احتلالها من منافقٍ كافر، أو مبتدعٍ ظالم ، أو مسلمٍ صالح . فهذه البلاد والمدن والقرى مسلمةٌ بأهلِها، قد نزل بساحتها العدوُ الكافر، والذي يسعى لتمكين المنافقين المرتدين فيها ليحققوا له كلَّ أطماعِه ومصالحه، وليحكموا المسلمين بالطاغوت وليشيعوا بينهم الكفر والفتنة والضلال والفساد. فكان عيناً على أهلها الجهادُ والصبر عليه، حتى يأتيَّ النصرُ والفتح من الله تعالى ، أو يعذروا بالقتل أو الأسر.

أو يبلغوا حداً من الضعف والقلة لا يستطيعون معه حرباً ولا غارة ولا نكاية. فلهم حينئذٍ – وهم أعلم بحالهم ممن يأخذ أخبارهم من عدوهم - أن ينحازوا إلى فئةٍ مسلمةٍ إن وجدوا لهم نصيرا ومعينا من المسلمين . فإن لم يجدوا نصيرا، كان الإثمُ على مَنْ أسلمهم ، ووجبت الهجرةُ عليهم فرارا بدينهم من فتنة الكفار، فإن لم يجدوا بلدا مسلما يقبلُهم، عُذِرُوا، وكان الإثمُ على مَنْ منعهم الهجرة وصدهم عن بلاد المسلمين. قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً}.

فهل يُشترطُ للجهادِ - والحالة هذه - إمامٌ يجتمعُ الناسُ عليه، ورايةٌ يعقدُها، يُجَاهدُ تحت إمرتها وتوجيهها ؟! هذا ما اشترطه اليوم مَنْ اعتمدَ في فتواه على أخبارٍ وأنباءٍ يأتيه بها فسقةٌ وظلمة ومنافقون. فتصورَ الأمرَ بخلاف حقيقته، واللهُ تعالى نهانا أن نقبلَ النبأَ من الفاسق ِ، فكيف بالمنافق والكافر.

وانظرْ إلى الكفارِ في حربهم وهم لا يألون جهداً ولا حيلةً لإخفاء حقيقة ما يخسرونه من الأرواح الخبيثة والأبدان النجسة والعُدةِ والسلاح . وكيف يتسابق الفسقة والمنافقون ، لإظهار قتلى وخسائر المسلمين ، والتستر