معركة العراق : انتفاضة ؟ ام ثورة  ؟

الجزء الثاني

شبكة البصرة

صلاح  المختار

هل فقدت امريكا المبادرة ؟

        ان اول مايلفت الانتباه في معركة الفلوجة، والمعارك التي تزامنت معها، هو فقدان امريكا الواضح للمبادرة في صراعها الستراتيجي مع العراق ، ويمكن التاكد من ذلك عبر تذكر ان اصل معركة الفلوجة لم يتحقق ، وهو الرد الانتقامي الشديد القسوة ضد اهل المدينة بالاضافة لتنفيذخطة تصفية المقاومة قبل ان تنتقل للمرحلة الثالثة ، وبذلك تجبرها على العودة للمرحلة الاولى : اضرب واهرب ، وتجعلها تتصرف برد فعل قاصر اهم ميزاته السلبية  انغماسها في التفاصيل ، ومنها حماية كوادر المقاومة ، بدل الاستمرار في الفعل الاصلي : التخطيط لعمليات يزداد اتساعها وحدتها وتاثيرها . ولقد اختيرت الفلوجة قبل التمثيل بجثث الجنديين لانها اهانت العسكرية الامريكية ومرغت انفها في التراب ، خصوصا الخطة المذهلة( للاحتلال طبعا ) ، والتي وضعت لاجل اسر جون ابو زيد قائد القوات الاميركية عند زيارته للعراق ، بهدف توجيه ضربة مدمرة لمعنويات الادارة الامريكية اضافة لعسكرها في العراق ، وطلب مبادلته بالرئيس صدام حسين ، وفتح مفاوضات كان مفروضا ان يتعمد العراق اطالتها ، حول المبادلة لكي تستثمر المقاومة الحادثة لتسليط الضوء على حقيقة مايجري في العراق والتعريف بالمقاومة وانجازاتها ، وهو ماعتمت عليه امريكا بالقوة والابتزاز .

        واذا تذكرنا التقويم الذي صدرعن القيادات العسكرية  الاميركية عقب حدثين جوهريين ، هما حادث الهجوم على غرفة بول ولفووتز ، نائب وزير الدفاع الامريكي ، والمحرض الرئيسي لشن الحرب على العراق  ، في فندق الرشيد في بغداد ، والذي جعله يهرب من الفندق ببجامته ، ومحاولة اسر جون ابو زيد ، امكننا فهم ما ا رادت قيادة الاحتلال الوصول اليه اثناء معركة الفلوجة وماكان سيعقبها ، لونجحت في تحقيق هدفها فيها ، لاسامح الله ، فلقد اعترفت هذه  القيادات بان العمليتين تتسمان بعدة مميزات عسكرية مهنية خطيرة الدلالات ،فهما ، اولا ، اعتمدتا على معلومات استخبارية دقيقة جدا عن التحركات الاشد سرية لاثنين من اكبر قادة امريكا، وقد اعترفت سلطات الاحتلال بان المخابرات العراقية قد اخترقتها من اعلى المستويات واشدها تكتما ، لان هكذا اختراق لايمكن ان تقوم به عناصر فدائية عادية ، وهما تتسمان ، ثانيا ، بتخطيط عسكري محترف لايملكه الجنود او الفدائيون بل العسكريون المحترفون ، وبالتحديد ضباط الاركان ، الذين خاضوا معارك صعبة ومعقدة جدا ، وتراكمت لديهم خبرات لايملكها حتى الكثير من ضباط الاركان ، لذلك وجهت التهمة لضباط الحرس الجمهوري ، وهما تتسمان ، ثالثا ، بالتنسيق العالي والقدرة على استيعاب المفاجئات والمتغيرات اثناء معركة خطرة مع قوة تملك اقصى اشكال التفوق ، والتغلب عليها، والنجاح الباهر في تجنب الخسائر الكبيرة، ويشمل ذلك التنسيق الميداني ،اثناء المعركة ، مع وحدات قتالية احتياط تنتظر في مكان اخر لدخول المعركة ، اذا اقتضت الضرورة ذلك، ولهذا اعترفت قيادة الاحتلال بان ذلك التنسيق يؤكد وجود قيادة مركزية للمقاومة.

        اذن ، كانت معركة الفلوجة ، بالنسبة للاحتلال ، معركة حاسمة في مجرى ماسمي ب( اجتثاث ) المقاومة واجبارها على التقهقر وحصرها في اطار رد الفعل ، خصوصا حماية الكادر والتنظيم ، بدل تطوير الثورة الوطنية المسلحة ، والانتقال بها الى مرحلة اعلى . هل حصل ذلك ؟ بالطبع لا ، اذ ان المقاومة هي الاخرى كانت تخطط لاستدراج قوات الاحتلال الى (  منطقة قتل ) ، حسب المصطلحات العسكرية ، وذلك لاجبارها ، وبحسم وسرعة ، على التخلي عن المبادرة بصورة نهائية وحاسمة ، ورميها في فخاخ ثانيها اشد قتلا من اولها، مما يؤدي ، وبالضرورة ، الى حصر خطواتها في ردود فعل قاصرة تلهث خلف الفعل الاصلي لقيادة المقاومة المركزية، وردود الفعل هذه ، ومنها( الاستخدام المفرط ) للقوة مع المدنيين ،  تجبر الاحتلال على كشف المزيد من ادعاءاته حول ( تحرير ) العراق ....الخ ، وتضع من يتعاونون معه تحت شعار( المقاومة السلمية ) امام حرج شديد ، ناهيك عن الاجهاز النهائي على من جاء بهم من الخارج ، ومن ثم ادراك الاحتلال انه مكشوف تماما وليس ثمة غطاء ، حتى التافه ، ليستخدمه ، وهكذا يصبح الخيار الوحيد المتاح له هو استخدام لغة الدم مع شعب لايثير روح القتال لديه مثل سفح الدم ، لقد وقع الاحتلال في بحر دماء العراقيين وهو يغرق اكثر فاكثر ، وصارت خياراته كلها مدمرة له ، انظروا فقط تخبط وعصبية الاحتلال ، بعد معركة الفلوجة وسترون اي جحيم يعيش فيه ! لقد ادت معركة الفلوجة الى امساك المقاومة بقوة بزمام المبادرة في حين فقد الاحتلال ذلك ، كل هذا سمح بانخراط ملايين العراقيين في النضال الوطني ضدالاحتلال واقتنعت الاغلبية الساحقة من العراقيين بان المقاومة المسلحة هي الطريق الصحيح لتحرير العراق ، اما المقاومة السلمية فهي ضرورية جدا بشرط ان تكون جزء من حركة المقاومة المسلحة وليس العكس .

        ومن بين اهم القصص التي لم تروى عن معركة الفلوجة قصتين تنطويان على معان مهمة ، اولها قصة اسر ضباط وجنود امريكيين ، وثانيها قصة القناصة الامريكيين ، فلقد تقدمت مجموعات من المارينز بسهولة داخل الفلوجة وظنت انها حققت اختراقا رئيسيا ، لكنها فوجئت بانها وقعت في فخ الفلوجيين ، وعندها تحولوا فجاة من ابطال الى مخلوقات لا تتقن سوى البكاء والتوسل ، واسر هؤلاء كان من بين اهم عوامل الترجع الامريكي المهين ، لان قيادة الاحتلال عرفت ان المقاومة ستعلن اسر عدد كبير من العسكريين الامريكيين في مؤتمر صحفي ، فاصيبت ادارة بوش بالذعر لان ذلك سيؤثر بشدة على حملة بوش الانتخابية  اما القصة الثانية فكانت ماحصل لعددكبير من القناصين الذين تمركزوا فوق احد المساجد ودور ومحلات وشرعوا بقنص كل شيى يتحرك ، وقتلوا عشرات النساء والاطفال ورجال الاسعاف ، فقامت وحدات خاصة بمشاغلتهم فيما  تقدمت وحدات اخرى وطوقت الاماكن التي تمركزوا فيها ، ثم صعد افراد منها اليهم وقطعوا رؤسهم واحدا بعد الاخر ثم رموا الرؤس على خنادق الجنود الامريكيين ، الذين شوهدوا وهم يخرجون مذعورين وصراخهم يصك الاذان !

        هاتان القصتان لعبتا دورا مهما في التعجيل بتراجع امريكا عن غزو الفلوجة واضطرارها لقبول ماطالب به اهل الفلوجة وهو تسليم المدينة لضباط الجيش العراقي الباسل  وهؤلاء ، بدورهم اصروا على تاكيد انهم لايتعاونون مع الاحتلال وانما يريدون حماية المدينة ولذلك ، وللتعبير عن رفضهم للاحتلال اصروا على لبس بدلات الجيش العراقي الاصلي والشرعي ، وحمل علم العراق الاصلي والشرعي المتوج باسم الجلالة ورفض العلم الذي وضعه من جاء بهم الاحتلال، فوافق الاحتلال . ان هذه النهاية لمعركة الفلوجة الحالية اكدت تماما ان زمام المبادرة قد سقط من يد الاحتلال والتقطته المقاومة بيد فولاذية .

انتفاضة الجنوب

        اما في جنوب العراق فقد حصل امران: الاول هواصطدام ( جيش المهدي ) مع قوات الاحتلال ، والثاني هو تصعيد المقاومة لعملياتها في جنوب العراق ، بالنسبة للامر الاول قامت قوات الاحتلال بغلق صحيفة ( الحوزة الناطقة ) واعقبت ذلك باعتقال احد معاوني السيد مقتدى الصدر ، واصدار مذكرة توقيف بحق الاخير واتهامه بقتل عبدالمجيد الخوئي واخذ ( الخمس ) ، اموال من الناس باسم الدين ، الامر الذي ادى الى حصول مصادمات مع قوات الاحتلال فساعد ذلك على انتشار المقاومة الى الجنوب وتحول قسم مهم من الزعامات الدينية هناك من المقاومة السلمية الى المقاومة المسلحة ن وبطبيعة الحال يعد ذلك تطورا ايجابيا في مجرى نضال الشعب العراقي من اجل الاستقلال والتحرر من الاستعمار الامريكي .

        اما المقاومة فانها واجهت اقسى الظروف في الجنوب وذلك لقيام عصابات مسلحة بتنفيذ عمليات تصفية جسدية للمقاومين وكل وطني اراد حمل السلاح ضد الاحتلال ، وكانت هذه العمليات اشد خطرا من قمع الاحتلال ، لذلك اتخذت المقاومة قرارا بنشر المقاومة في الجنوب بمستوى انتشارها في الوسط والشمال ، وهو قرار تزامن مع اندلاع اشتباكات الاحتلال مع جماعة السيد الصدر ، وفي كل الاحوال ، وبغض النظر عن كل الامور ، فان مايحصل في الجنوب يبشر بالخير خصوصا اذا استجاب السيد الصدر لنداء المقاومة له لاقامة تعاون وثيق وجدي يضمن حشد طاقات كل العراق من اجل التحرير، وتجاوز كل ما من شانه تعطيل اي طاقة عراقية . ان الجبهة التي انشات في ايلول /سبتمبر الماضي وضمت فصائل المقاومة ، تنتظر انضمام السيد الصدر اليها .

        ان انتفاضة الجنوب قد اطلقت عقال جماهير العراقيين هناك ودفعتهم الى قلب المقاومة ولذلك يمكننا القول ، وبثقة تامة ان مناضلي الجنوب قد خرجوا من ( قمقمهم ) ومن المستحيل اعادتهم اليه ، لقد فتحت الانتفاضة في الجنوب طريق الثورة المسلحة .

        في اطار هذه الملاحظات الاساسية يطرح السؤال التالي بقوة : هل ان الذي يجري منذ مطلع نيسان هو تحول ستراتيجي اساسي في مجرى الثورة العراقية ؟من المؤكد ان مانراه في العراق هو تحول ستراتيجي لصالح المقاومة اجبر الادارة الامريكية على تغيير سياستها تجاه العراق ، خصوصا التراجع عن رفض تدخل الامم المتحدة واوربا والجامعة العربية ،ودعوة هؤلاء جميعا للعمل سوية لايجاد مخرج يحفظ ماء وجه امريكا ، فلقد ادركت انها وقعت في اخطر فخ نصب لها في تاريخها ، وهي لن تستطيع البقاء فيه لزمن طويل ،خصوصا بعد ان شرع الاعلام الامريكي بتصعيد انتقاداته لتزايد عدد القتلى الامريكيين ، وتفجر فضائح التعذيب والاغتصاب في سجون الاحتلال ، وهذا التحول هو الذي اجبر السناتورين كنيدي وبيرد ، وغيرهما ، على تشبيه ما يجري في العراق بما جرى في فيتنام . بل ان احد الجنرالات الامريكيين اعترف وهو منهار بان القتال الذي شهده في الفلوجة شرس الى درجة لم يشهد الجيش الامريكي له مثيلا لا في فيتنام ولا غيرها . بوش عرف ذلك كله ، وبلير ايضا عرفه ، وادركا ان المعركة  التي تدور في العراق هي من طراز المعارك الستراتيجية الحاسمة وان نتيجتها الحتمية  هي الانسحاب عاجلا ام اجلا ، لان البقاء في العراق سيؤدي الى اغراق جيوش اميركا وبريطانيا في كوارث لاحدود لها ، وهذا هو جزء مما عناه بوش حينما قال ان عواقب الفشل في العراق لايمكن تخيلها، وهو ذاته الذي اجبر بلير على وصف المعركة ب( التاريخية ) .

يتبع .......

salahalmukhtar@hotmail.com

الاربعاء 16 ربيع الاول 1425 / 5 آيار 2004