معارك العراق : انتفاضة ؟ ام ثورة ؟

كيف اسقطت الثورة العراقية الخيارات الجيوستراتيجة الكونية الامريكية ؟

الجزء الرابع

شبكة البصرة

صلاح المختار

ستراتيجية حرب  عصابات المدن

        ما ان ابتدات الحرب في 20/3/2003  حتى تبين عمليا ان العراق قد حسم خياره الحربي  بتبني ستراتيجية تدمج اساليب حرب العصابات باساليب الحرب النظامية ، مع منح ارجحية واضحة للاولى ، وهو ما سنوضحه لاحقا . لقد كان واضحا تماما للقيادة العراقية ان اي حرب مع امريكا لايمكن كسبها اذا كانت نظامية ، بسبب التفوق الامريكي الساحق ، تكنولوجيا وعسكريا وماديا ، لذلك اعلن رسميا قبل الحرب بشهور ان العراق قد قرر اعتماد ستراتيجية حرب عصابات المدن (URBAN WARFARE) ، مع تحقيق الاستخدام الامثل الممكن للقوات المسلحة العراقية ضمن هذه الستراتيجية . كيف ترجم ذلك عمليا ؟ كانت اول التلميحات لذلك قد صدرت عن الرئيس صدام حسين حينما اكد ا ن ( مغول العصر سينتحرون عند اسوار بغداد ) ، بل اكثر من ذلك انه قال في حديث متلفز ان ابناء العراق سيقاومون بالسكاكين والمسدسات قوات الغزو وسينتصرون عليها، واقرن ذلك بتنفيذ خطة شاملة لتحويل قسم كبير من الجيش الى مجموعات صغيرة تتخصص بخوض حرب مدن ، اضافة للاعداد السابق ل(فدائيي صدام ) ثم تشكيل ( جيش القدس ) وتدريبه وتزويده بالسلاح والعتاد وبكميات ضخمة ، كل تلك الخطوات عكست الادراك الدقيق لطبيعة المعركة القادمة، وكان مطلوبا تحقيق اكبر حشد وطني ممكن لاجل ايقاظ عقدة فيتنام لدى الامريكيين اثناء الحرب، لان ذلك هو الخيار الاوحد الذي يضمن للعراق نصرا حقيقيا على امريكا ، ليس( بالضربة  القاضية) ، حسب مصطلحات الملاكمة ، بل بتجيميع النقاط وانهاك الثور الامريكي الهائج وحرمانه من فرص التقاط الانفاس ومنعه من تنفيذ خططه الستراتيجية والعسكرية والسياسية ، من خلال اجباره على البقاء محصورا في اطار ردود الافعال الناجمة عن شراسة وحدة وانتشار المقاومة، وتواتر عملياتها .

        لقد احدث تغيير جوهري في بنية القوات المسلحة العراقية ودورها القتالي ، فلكي تصمد بنجاح وتستنزف قوات الغزو كان يجب تحويل قسما منها الى مجموعات صغيرة تنتشر في مدن العراق وتنسق، مع بقية التنظيمات المسلحة شبه العسكرية، العمليات القتالية داخل المدن ، اما خارجها ، في المقتربات والمداخل ، فان القوات النظامية تتولى صد الغزاة واستنزافهم قبل دخولهم المدن ، وبذلك يتحقق اول هدف : امتصاص بعض الزخم المعادي وجعل العدو يدرك انه لايقوم بنزهة او عملية عسكرية سهلة ،وهنا تبدا عملية تسجيل نقاط لصالح العراق . وحينما تدخل قوات غازية اي قرية او مدينة تبدا عملية استنزاف من نوع اخر اخطر واهم ، وهي اجبار الغزاة على خوض قتال جبهي ، اي جندي امريكي يقاتل عراقي ، وعند هذه النقطة تبدا المعادلة بالتغير لصالح العراق ، وذلك لتراجع دور التفوق العسكري – التكنولوجي وصعود دور المعنويات بصفتها العامل الاكثر حسما في معارك مدن معقدة وصعبة جدا ، وذلك هو الهدف الاهم اثناء حرب المدن .

        واستنادا لهذه الستراتيجية كان التقدير التقريبي لفترة الصمود العراقي هو ثلاثة شهور كحد ادنى وستة شهور كحد اعلى ، لان من المستحيل بقاء القوات العراقية بعد 6 شهور من التدمير المنهجي والفعال ، وكان مفروضا ا ن يتم استنزاف الغزاة وايقاظ عقدة فيتنام قبل وصول الحرب شهرها السادس ، وهو تطور كان سيرغم الغزاة على انهاء الحرب . اما اذا لم تستيقظ العقدة عندها يجب الانتقال الى الستراتيجية البديلة، وهي حرب عصابات المدن، لاجل اطالة زمن الحرب وزيادة الاستنزاف ، من جهة ، ولتنفيذ اهداف عراقية اخرى تضمن تركيع العدو والحاق الهزيمة فيه، من جهة ثانية ، واهم تلك الاهداف ، منعه من تحقيق احد اهم اهدافه الحاسمة وهو الاستيلاء على نفط العراق واستخدامه لتمويل الحرب ، وهو امر بالغ الاهمية لان الكونغرس لم يوافق على الحرب الا بعد ا ن اكد بوش ان  امريكا لن تتحمل تكاليف الحرب الاساسية بل ستمول من موارد نفط العراق بالاضافة الى وعده بان يؤمن الغزو نفطا كثيرا يحل الازمة المتصاعدة في موارد الطاقة والتي اشار اليها تقرير ال( C.I.A ) الذي غطى العشرين سنة القادمة، فاذا اجبرت المقاومة العراقية ادارة بوش على تحمل نفقاتها فان ذلك سيغير الموقف داخل الكونغرس والشارع الامريكيين ،لان حسابات الربح والخسارة هي الامر الحاسم في سياسة اميركا الخارجية ، يضاف الى ذلك ان الاستثمار الامريكي في العراق لايمكن تحقيقه في ظل وجود ثورة مسلحة ضد الغزاة ، لان من اهم الشروط المسبقة للاستثمار وجوب توفير الامن والاستقرار ، والاهم من كل ماسبق ذكره هو حقيقة ان الهدف الجيوبولتيكي الاساسي الكامن خلف غزو العراق هو السيطرة المباشرة على نفط العراق واستخدامه كسلاح سياسي لتركيع خصوم وحلفاء امريكا عبر الامساك بحنفية النفط وتقرير الكميات المصدرة واسعارها بطريقة تدمر اقتصادات الجميع ان رفضوا الرضوخ لامريكا ، من هنا فان الفشل في السيطرة على نفط العراق سيسقط النفط كسلاح ابتزاز للعالم من يد امريكا ، وهو ما سنشرحه فيما بعد.

        اما الهدف الستراتيجي العراقي الاخر فهو جعل حرب العصابات الطويلة مكلفة جدا بشريا بالنسبة لامريكا وتطويرها بطريقة تؤدي الى ايقاظ عقدة فيتنام داخل المجتمع الامريكي ، وتامين تحقيق هذين الهدفين يفتح باب النصر واسعا وتصبح هزيمة امريكا مسالة وقت لاغير.وللتغلب على المشاكل المتعلقة بتمويل حرب التحرير هذه ، والناجمة عن عدم وجود قواعد اسناد خارجية كما حصل لحركات التحرر الاخرى ، قررت القيادة العراقية ان يكون الاسناد المادي عراقيا ، فتم اعداد مخازن سلاح وعتاد على امتداد القطر تكفي للقتال عشرة سنوات ، وبلغ عدد قطع السلاح التي وزعت حوالي 50 مليون قطعة مع عتادها .

        وفي اطار الاعداد لحرب التحرير الشعبية هذه تم اعداد مهندسين وخبراء من التصنيع العسكري لتامين تصنيع واصلاح السلاح والعتاد وتطوير قدراته القتالية ونزول هؤلاء تحت الارض ، مع النخب الخاصة التي اختارها الرئيس صدام حسين شخصيا والتي تضم عناصر من القيادات السياسية والعسكرية والامنية في لحظة تبديل الستراتيجية القتالية ، وكانت ساعة الصفر التي تقرر الانتقال الى الستراتيجية البديلة هي نجاح العدو في تدمير القوة الاساسية للقوات المسلحة .

        في الايام الاولى للحرب برزت حرب الشعب بصفتها الاداة الانجح في دحر الغزاة ، ففي ام قصر والفاو ظهرت اول نتائج هذه الحرب وهي عجز قوات الغزو عن احتلال اماكن صغيرة بقيت تقاتل بشجاعة اذهلت واربكت قوات الاحتلال ،كما ان القوات المسلحة بكافة صنوفها قاتلت ببسالة وحرفية عالية رغم التفوق المطلق للعدو، ولذلك تلقى ضربة موجعة وهي تبخر افكاره الرغائبية WISHFUL THINKING  حول استقبال قواته بالزهور والهلاهل ، وتعرضه لاشرس مقاومة واجهها في تاريخ حروبه ! لقد وقعت معارك شرسة في كل قرية و مدينة اراد دخولها ، فعرف انها لن تكون نزهة ولا حربا سهلة ، لذلك اخذ يتجنب احتلال المدن وتقدم في الصحراء في طريقه الى بغداد .

        وخلال فترة القصف الجوي والصاروخي على العراق ، والتي استمرت ثلاثة اسابيع ، تحملت بغداد ومقترباتها ومداخلها القسم الاعظم منها ، وفي فترة توقف قوات الغزو عن تقدمها ليومين اعترف رامزفيلد ، وزير الدفاع الامريكي بان المقاومة العراقية الشرسة (وغير المتوقعة ) اجبرت القوات الامريكية على التوقف لدراسة الموقف والبحث عن خطة عسكرية اخرى تستطيع كسر مقاومة العراقيين واجبارهم على الاستسلام ! واثناء ذلك التوقف اعلنت مصادر امريكية ان الادارة الامريكية مصممة على دخول بغداد باي ثمن وباي سلاح حتى لو اقتضى الامر استخدام اسلحة دمار شامل ! لقد شهدت بغداد قصفا لم يقع على اي مدينة في التاريخ ، وتمثل بضربها باكثر من الف صاروخ ستراتيجي في اليوم اضافة للقنابل الاخرى ، وبسبب هذا التركيز الهائل على بغداد وحمايتها حصل تفكك كبير ومدمر في القوات المسلحة العراقية المحيطة ببغداد وصل حد بقاء اقل من خمس افراد ودروع ومدفعية الجيش في ساحة الحرب قبل حصول اشتباكات جبهية كبيرة ، كانت الدبابات تذوب وتتفكك قبل ان ترى العدو ! ومع هذا فان القوات العراقية المتبقية قاتلت ببطولة اذهلت الامريكيين ، ومعركة مطار صدام الدولي، التي قادها الرئيس صدام حسين شخصيا ، شاهدعلى هذه البطولة الاسطورية ، اذ رغم التدمير شبه الكامل للقطعات العراقية فانها استطاعت ، وبفضل المعنويات العالية ان تبيد القوات الامريكية التي احتلت المطار للمرة الاولى ولم ينج احد منها ، وقدر عددها بالفي جندي وضابط امريكي ، وشهد ابناء محلات اليرموك والمامون والعامرية القريبة من المطار مناظر مفزعة لفدائيي صدام والحرس الجمهوري وهم يحملون رؤسا لمئات الجنود الامريكيين تراوح عددها ،حسب روايات اهالي تلك المحلات ،بين 500—800 راس !

        ولحسم معركة المطار استخدمت اميركا سلاح دمار شامل هو ما اطلق عليه اسم ( ام القنابل ) والي تحمل حوالي عشرة اطنان متفجرات ويمتد قطر تاثيرها القاتل الى ميلين ، فتمت ابادة القوة العراقية التي حررت المطار وقتل معها عشرات الجنود الامريكيين الذين كان انسحابهم من المطار مستحيلا نتيجة محاصرتهم من قبل القوات العراقية !كما استخدمت اسلحة غير معروفة من قبل منها تلك التي تستطيع تذويب الدبابات او تلك التي تهشمها كما لو كانت من ورق !وعندها اتخذت القيادة العراقية قرار الانتقال الى الستراتيجية البديلة : خوض حرب عصابات مدن والاحتفاظ بما تبقى من القوات العراقية لمهام المرحلة الجديدة من الحرب الوطنية العظمى . ان هذه الحقائق ثابتة ويوجد شهودها احياء سواء اولئك الذين يقودون الثورة المسلحة الان من مناضلي ا لبعث ومقاتلي الحرس الجمهوري وفدائيي صدام ونخبة من قوات الامن الوطني ، او الاثار الابدية لمعارك المجد ، وهي تدحض القصص القذرة حول( خيانات عراقية ) اختلقتها المخابرات الامريكية لتجريد العرب من اي ميزة ايجابية وتصويرهم كاناس ناقصي الاهلية والشرف والقيم وجبناء ، ان غزو بغداد قد تم لسبب واحد لاغير : التفوق الامريكي الحاسم .

        ان ظهور المقاومة المسلحة في بغداد فور غزوها يؤكد ما ذهبنا اليه ، اذ كيف يمكن بروز عشرات الوحدات المقاتلة في يوم الغزو بالذات (9/4) والتي قاتلت الغزاة في الاعظمية والدورة والشعلة والصالحية ، قرب الاذاعة ،ونفق الشرطة والكاظمية وجامع بنية وغيرها باسلوب حرب العصابات اذا لم تكن هناك خطة وطنية شاملة لخوض حرب كهذه ؟وهذه الحقيقة تسقط التعبير الخاطئ الذي راج منطلقا من اجهزة الدعاية الامريكية ، وتلقفته ، مع الاسف الشديد ، حتى بعض العناصر الوطنية التي لاتدقق في الالفاظ ، وهو تعبير (سقوط بغداد ) ، فبغداد لم تسقط بل غزيت ، وكان ممكنا قول ذلك لو انها استسلمت ولم تقاوم ، لكنها لم تتوقف عن القتال ابدا ، وهاهي تزهو بصفتها عاصمة اعظم واعقد واشرس واصعب واشرف مقاومة   في التاريخ والحاضر ، بل يجب ان يسمع الجميع الحقيقة التي اخذت تفرض نفسها الان وهي ان العالم كله يتوقف مصيره على قرار الثورة العراقية الظافرة وارادة المجاهدين فيها .

ان الذي حصل ببساطة ووضوح هو الانتقال من الحرب النظامية الى حرب العصابات لاجل ضمان تحييد تفوق العدو وجره الى قتال لايريده لانه يهلكه ويلحق الهزيمة به.  فقط انظروا لما يحصل للغزاة الان تدركون ان قرار الانتقال من سترتيجية الى اخرى كان ضروريا وعقلانيا ، فالعدو فقد العامل الحاسم في تفوقه ، واصبح يستجدي المقاومة ان تفاوضه ، ولعل اوضح مثال هو اضطرار القوات االامريكية لرفع راية الله اكبر( علم العراق الشرعي) ، وبحمايتها ، حينما دخلت الفلوجة رغم انها امرت مايسمى ( مجلس الحكم ) بتبني علم اسرائيلي الايحاء والمضمون !!!

        لم يسمح التفوق المطلق بحصول المعارك الجبهية على النحو المطلوب لان الغزاة خططوا لتجنب ذلك حرصا منهم على منع استيقاظ عقدة فيتنام ، واستخدموا القوة القصوى لسحق الجيش العراقي ، لذلك كان الخيار الوحيد المتبقي هو النزول تحت الارض . لكن خوض حرب العصابات غير الوضع تماما ،فهاهي المقاومة تنتقل الى المرحلة الثالثة لحرب التحرير،وهاهي ملايين العراقيين تشترك فيها وتدعمها بلا تحفظ وحصل انقلاب ستراتيجي كامل ، اصبحت بسببه المقاومة هي الطرف الاقوى الماسك بقوة بزمام المبادرة .

        لقد انتصرت امريكا في صفحة الحرب النظامية لكنها حشرت في الزاوية ما ان بدات حرب العصابات، فلئن كانت التكنولوجية والسلاح والقدرة المادية قد نجحت في تدمير الجسم الاساسي للقوات المسلحة، فان المعنويات والدفاع المقدس عن الوطن  ، وهي قاعدة حرب العصابات ، ضمنت تجريد الغزاة من اغلب مصادر تفوقهم بجعل الخيار الوحيد المتاح للعدو هو الاشتباك مع اشباح لايراها الاعندما تكون قد ضمنت قتله ، وهكذا قلبت المقاومة معادلة الصراع تدريجيا ، ولكن بتقدم مضطرد الى الامام ،وبفترة بلغت بضعة شهور ، وحينما اكتمل عام استطاعت المقاومة ان تنتقل الى المرحلة الثالثة ، والتي راينا تعبيراتها في معركة الفلوجة والمعارك التي رافقتها على امتداد العراق ، وكان النجاح الاعظم فيها هو الايقاظ الكامل لعقدة فيتنام ، والذي تجلى في وقوع الجنود والضباط والقادة الامريكيين فريسة شعور طاغ بانهم في ورطة هي الاسوأ في تاريخ حروب الغرب الاستعماري ، وانهم ميتون لامحالة ، وان الحرب في العراق لايمكن كسبها من قبل امريكا ، وكان من بين افضل الامثلة على ذلك هو العجز المطلق عن قهر الفلوجة وما سبقها من عمليات هروب الجنود الامريكيين من الخدمة في العراق ودفع مبالغ كبيرة للمهربين لاخراجهم من العراق عن طريق ايران وتركيا وغيرهما.

        لقد وقعت امريكا في فخ العراق لسبب بسيط : ان الحرب هي فن استخدام الموت لتحقيق النصر،وبما ان الاستعداد للموت في صفوف الامريكيين قريب الى الصفر فان النصر الامريكي مستحيل ، وبالمقابل فان المقاومين العراقيين قد قرروا شراء استقلال العراق بالنجيع الاحمر لذلك فان النصر حليفهم حتما مهما طالت الحرب . هل يقتصر الفشل الامريكي على الساحة العراقية ؟ ام انه يتسع ليشمل الاهداف الاقليمية ؟

اسقاط المخطط الاقليمي الامريكي

        ان الاستيقاظ الكامل لعقدة فيتنام واستمرارالقاومة بزيادة اعطاء جرعات منبهة لها ، من خلال تكثيف الضربات وتوسيع نطاقها ، لا ينطوي فقط على اقتراب امريكا من لحظة الهزيمة الكاملة في العراق ن بل هو ايضا يقود الى الافشال الكامل للمخطط الاصلي للمحافظين الجدد حتما ، ذلك المخطط الذي شرحه ريتشارد بيرل ، الذي يوصف بانه ( امير الظلام ) ، بقوله بعد العراق سياتي دور سوريا وايران ولبنان والسعودية  ، لان المطلوب هو اعادة تشكيل خارطة الشرق الاوسط وثقافته وديانته وتوجهاته السياسية والاقتصادية ،ونقطة الانطلاق هي العراق الذي يجب ان يكون انموذجا مغريا لكل الشرق الاوسط ! لان النجاح في العراق عسكريا واقتصاديا وديموقراطيا ، سيقنع الاخرين بان عليهم ان يستسلموا بلا حرب ، خوفا من التعرض لما حصل للعراق .

        وبما ان امريكا قد سقطت في فخ العراق وادركت انها ان بقيت فيه ستهلك فان من غير المنطقي ان تورط نفسها في حرب اخرى او صراع اخر ، بل انها تدرك تماما ان فتح جبهة اخرى لن يكون سوى انتحار حتمي ، لذلك اصبح الخيار الاول لها هو ترتيب انسحاب يحفظ ماء الوجه ، وكلما ازدادت عمليات المقاومة تفاقمت ازمة امريكا في العراق . ان انتحار تتار العصر على اسوار بغداد ، والذي يتحقق على نحو انموذجي الان ،بتحول اسوار بغداد ، وهي مقترباتها المتمثلة بابو غريب ، غربا، واللطيفية واليوسفية والمحمودية جنوبا ، وبعقوبة ، شرقا، وبلد شمالا ،هو ، اي الانتحار، اكبر ورطة تتعرض لها امريكا منذ هزيمة فيتنام ، وهو لن يسمح لها بترف التفكير بمغامرة انتحارية اخرى في اي دولة اخرى . ان الهم الاول لامريكا هو ترتيب خروج يحفظ ماء الوجه من العراق . الا يعني ذلك ان الثورة العراقية قد انقذت الدول الاخرى المستهدفة ؟ كذلك : الا يعني ذلك سقوط المخطط الاقليمي الامريكي ؟ واذا تركنا كل مظاهر الهزيمة الامريكية المعروفة الا يوحي سقوط راس الجنرال كيميت على المايكروفون من فرط ارتباكه ان هزيمة امريكا قد حصلت بالفعل وانها تلعب بالوقت الضائع ؟

        ان المقاومة العراقية قد ردت على المخطط الامريكي باعتماد ستراتيجية واضحة جدا وبسيطة جدا ، اخذت تعطي اكلها ، فمقابل الهدف الامريكي بالاستيلاء على نفط العراق واستخدامه اولا لتمويل الحرب عليه تبنت المقاومة خطة منع تصدير النفط عبر تفجير انابيبه دوريا ، الامر الذي يجبر الاحتلال على تحمل اعباء الغزو المالية ، والتي بلغت حوالي 200 مليار دولار في وضع اقتصادي امريكي صعب جدا ،ومن المؤكد ان الكونغرس سوف لن يستمر في الموافقة على المخصصات المالية خصوصا ان العجز في الميزانية الفدرالية قد قفز الى 500 مليار دولار . ومقابل الاعتماد الرئيسي على التفوق التكنولوجي والعسكري المطلقين تبنت المقاومة ستراتيجية حرب عصابات المدن ، والتي تقود امريكا الى مقتلها : اجبار الجنود الامريكيين على القتال الجبهي مع المقاومة، وبذلك تفتح ابواب الهزيمة على مصراعيها، لان عقدة فيتنام قد استيقظت ، لتدخل منها امريكا مجبرة . لقد اكتملت الصورة واصبح بامكان حتى الاعمى ان يرى اين تتجه الاحداث في العراق وفي الوطن العربي ، فلقد اوصلت المقاومة الاحتلال الى طريق مسدود عراقيا وعربيا ، لكن هذا ليس سوى جزء حيوي من بانوراما الصراع الجبار بين حركة التحرر الوطني العربية بقيادة البعث ، والتحالف الصهيوني –الامريكي ، وثمة جزء مهم اخر يتعلق بحقيقة ان المقاومة العراقية هي التى ستقرر شكل التوازن الستراتيجي العالمي الجديد . مرة اخرى : هل نبالغ ؟ مرة اخرى ايضا كلا فنحن نرى الواقع بكل تعقيداته وملابساته لكننا قبل ذلك كله نراه بعين موضوعية .كيف ستقرر الثورة العراقية الظافرة مستقبل العالم ؟

يتبع .......

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

االخميس 24 ربيع الاول 1425 / 13 آيار 2004