معارك العراق : انتفاضة ؟ ام ثورة ؟

كيف اسقطت الثورة العراقية الخيارات الجيوستراتيجية الكونية الامريكية ؟

الجزء السابع والاخير

شبكة البصرة

صلاح المختار

استنتاجات ختامية

        لقد تعمدنا الغوص ، تحليليا ونقديا ، في تطورات الصراع العربي الامريكي ،والذي تدور معركته الرئيسية على ارض العراق ، والمستبطن لجوهر الاهداف الصهيونية ( بعد غزو فلسطين ) ، وهو تهيئة المسرح العربي لتحول اسرائيل الى القوة الاعظم اقليميا ، اضافة للهدف الاساسي للراسمالية الامريكية ، وهو تجديد حيويتها ، بعد ان دخلت منذ السبعينيات ازمة بنيوية (STRUCTURAL  CRISIS ) ، عبر حلول خارجية ، اهمها السيطرة على منابع النقط الرئيسية كلها ، وليس اغلبها ، على طريق اقامة ديكتاتورية عالمية امريكية . والان ماهي اهم الافكار والاستنتاجات التي يمكن التوصل اليها ؟

البشر وليس الالة

        ان معركة الفلوجة بشكل خاص ، وباقي معارك العراق بشكل عام ، قد اثبتت ، مرة اخرى ، ان العنصر الحاسم في الحروب هو البشر وليس الالة ، لسبب بسيط هو ان الذي يستخدم الالة هو البشر وليس العكس ، لذلك فان طبيعة تركيب البشر الايديولوجي والقيمي تقرر مسار ونتائج الحرب ، فالمقاتل الذي يملك سلاحا جبارا ومتطورا يستطيع ان يلحق اذى فادحا بعدو اقل تسلحا او لايملك سلاحا متطورا ، ولكن الحرب ليست بلا غاية غير التدمير والقتل ، فثمة هدف اواهداف تحرك صانعيها وتصمم الحرب لتحقيقها ، ولكي تتحقق لابد من الامساك بارض العدو ، اي احتلالها ، وهنا يفقد التفوق التكنولوجي والعسكري والمادي اغلب عناصر فاعليته ، بعد ان يصبح محتما اشتباك البشر المتعادين ، اذا كان العدو المستهدف يدافع عن قضية عادلة ، يتخذ قرارا حاسما بالمقاومة لطرد الغزاة بقوة السلاح عبر حرب العصابات من اجل تحويل حياتهم الى جحيم وجعل خسائرهم اكثر من مكاسبهم  ،  وعندما يتحقق ذلك ينتفي مبرر الغزو فينسحب الاقوى ، او يهزم اما بجمع النقاط او بالضربة القاضية .

        ان حروب التحرير قد شهدت التفوق العسكري والتكنولوجي والمادي للمحتل ، لكنها شهدت ايضا حقيقة ان جنود الاحتلال يفتقرون للمعنويات القوية او الثابتة ، والتي سرعان ما تنهار او تضعف عند اشتداد القتال ، مقابل معنويات عالية وثابتة لدى الثوار ، لذلك يصبح امر امساك الارض بثبات من قبل المحتل امرا مستحيلا بعد تعرضه لاستنزاف بشري ومادي كبيرين لايستطيع تحملهما . وفي الحالة العراقية واجه الشعب العراقي المحتل الاقوى والاشد وحشية في التاريخ ، وهو المحتل الامريكي ، وذلك لتفوقه  المطلق، عسكريا وتكنولوجيا وماديا  ، وتركيبه السايكولوجي الذي يجعله لايحترم انسانية الاخرين ويتلذذ بقتلهم واذلالهم بصورة مرضية ، كما اكدت واثبتت جرائمه المرضية في فيتنام والعراق بشكل خاص ، هذه الخصائص منحته قدرة كبيرة على الحاق خراب ودمار لم يسبق لهما مثيل في التاريخ  قبل الاشتباك مع جيش الضحية ، وتلك كانت من اخطر ماواجهه الشعب العراقي وهو يقاوم  ، من جهة ،  كما ان عدم وجود قواعد دعم واسناد خارجية للمقاومة العراقية و (مظلة دولية ) ، وذلك احد اهم شروط الانتصار ، قد وضع المقاومة العراقية بازاء تحديات لم تواجهها اي حركة مقاومة ، من جهة ثانية .

        ورغم هذا التفوق تم تحييد اغلب عناصره ومكوناته  بنجاح المقاومة بايقاظ عقدة فيتنام بشكل كامل، خصوصا بعد الانتقال الى حرب عصابات المدن ، ولعل معركة الفلوجة هي المثال الاوضح لعجز الة حربية هي الاكثر تطورا وتدميرا في التاريخ ، عن قهر ارادة محبي الحرية والمدافعين عن وطن مقدس . لقد اسقطت الفلوجة بالضربة القاضية هيبة امريكا العسكرية ، ومعها كل الثرثرة الدعائية السمجة حول استحالة قهرها ، والتي تلوكها السن حكام واعلاميين واكاديميين وساسة عرب ، واثبت صبي الفلوجة الصغير انه اقوى بملايين المرات من اي جنرال امريكي مدجج بكل قدرات اميركا التخريبية ، ولانقول ( اشجع ) لان الشجاعة معدومة اصلا لدى الامريكي حينما يتعلق الامر بعدوان خارجي او غزو .

اسقاط المخطط الاقليمي

        بجر امريكا من قبل المقاومة الى مستنقع الفشل في العراق وجه المقاومون ضربة مؤلمة للحلم الامريكي القديم بالسيطرة التامة والمنظمة على الوطن العربي وجواره غير العربي المسمى ( الشرق الاوسط ) ، وقبر( مشروع الشرق الاوسط الكبير) حتى قبل ان يرى النور ، والذي كان يفترض ان يصبح قاعدة الارتكاز في عناصر قهر العالم بالابتزاز النفطي والعسكري ، او بالحروب الانتقائية والاستباقية .لقد كان مفروضا ان عنصر التعاقب في المخطط الامريكي مضمونة طبقا لحسابات امريكا ، بتعبير اخر ان غزو العراق وقهره بنجاح ستعقبه خطوة اخرى هي ارهاب وزعزعة معنويات الدول الاخرى التي وضعتها امريكا في لائحة الانتظار للسيطرة عليها بلا حرب ، بل تستسلم خوفا من التعرض للخراب الذي تعرض له العراق ! وهكذا تتعاقب عملية سقوط احجار الدومينو بتاثير زخم القطعة الاولى الساقطة ، ثم تستغل امريكا طاقات العراق البشرية والمادية وتجعل منها راس الحربة في اختراق الدول الاخرى .

        الا ان العجز والفشل الامريكيين في العراق ، بسبب تصاعد عمليات المقاومة بنسب هندسية وليس عددية ،جعل اقدام امريكا على فتح جبهة اخرى ضد سوريا او السعودية او لبنان او مصر ...الخ عملية انتحارية تنطوي على غباء لانظير له ، فحوصر مخطط الشرق الاوسط الكبير في العراق ، وجرت عملية تقطيع اوصاله وحرمانه من القدرة على التكاثر.

اسقاط المخطط الكوني

        ونظرا لاستناد ستراتيجية المقاومة العراقية على حرمان الاحتلال من نهب النفط واستخدامه هو وموارده لابتزاز الدول الاخرى ، بالتلويح بسلاح النفط ، فان نجاح المقاومة في تنفيذ مخطط منع استغلال  النفط من قبل الغزاة ، عن طريق حرمان الاحتلال من تحقيق الاستقرار السياسي ومنع اعادة تشكيل الدولة بطريقة تؤمن جعل النفط في يد الاحتلال قد ادى الى ( تحييد ) النظرية الجيوبولتيكية الجديدة التي تبنتها امريكا وتقول : (ان من يمسك بالنفط يحكم العالم ) ، ومن ثم ترك امريكا امام خيارات كلها مرة ومضرة اذا اصرت على اقامة امبراطورية كونية ، مثل الغزو المسلح ، والذي يستحيل اعتماده كاداة رئيسية لغزو العالم ، لانه اساسا سلاح ابتزاز ويمكن استخدامه مرة او مرتين ، وذلك لان تكرار استخدامه يوقظ عقدة فيتنام ، كما ان استخدام القوة العسكرية ضد قوى كبرى يجر الى مواجهة نووية ، وهو خيار انتحاري لاتريده امريكا . اما الحرب الاقتصادية والتكنولوجية فانها هي الاخرى لاتساعد  امريكا على فرض هيمنتها اذا كان التنافس حرا ، لان ثمة قوى دولية اخذت تنافس اميركا وتهدد بالتفوق عليها تكنولوجيا مثل اليابان واوربا والصين ، بل حتى دول صغيرة اخذ ميزانها التجاري مع امريكا يميل لصالحها مثل تايوان وكوريا الجنوبية !

        وهكذا وضعت امريكا امام خيارين احلاهما مر : اما مواصلة تنفيذ مخطط استعمار العالم بدون الابتزاز النفطي ، الامر الذي يعني الاضطرار لاستخدام القوات المسلحة وموت الالاف من جنودها ، وهو خيار مستحيل ( فقط انظروا لمازق امريكا في العراق ) ،او التخلي عن النزعة الاستعمارية ، وهو خيار كارثي لان الراسمالية الامريكية قد دخلت طور الشيخوخة ، اي انها تواجه ازمة بنيوية  . وقبل الاستمرار في التحليل من الضروري توضيح ما المقصود ب ( الازمة البنيوية ) ، لاهمية هذه القضية في تقرير مستقبل امريكا ، فهي تعني ان النظام الراسمالي قد وصل مرحلة الشيخوخة ، وكما في المخلوق الحي لايمكن قلب عملية التخريب والتي تحدثها الشيخوخة في الجسد الراسمالي ، وان كان ممكنا اطالة العمر بضع سنوات بوسائل مؤقتة لان الشيخوخة لابد ان تكمل دورتها . وهنا يبدو واضحا ان النهب من الخارج ضروري لتوفير عوامل احياء وانعاش ، ليس فقط لابقاء الاخرين خلفها بل ولجعل واحدا من اهم قوانين الاقتصاد الراسمالي تستمر في العمل وهو(  قانون اعادة الانتاج الموسعة ) ، والذي يحتم جعل دورة الانتاج اللاحقة اكبر واحسن من السابقة ، وبهذا المعنى فان الاكتفاء بانتاج نفس الكمية والنوعية يعني ان المنافسين سيتغلبون ،وتلك هي بداية النهاية للقوة المتفوقة راسماليا وصعود قوى جديدة ، واذا اردنا ان نرى تاثير هذا القانون في الواقع لننظر الى صعود اليابان واوربا والصين ،من هنا فان تحييد عوامل الابتزاز الامريكي ، واهمها النفط والقوة العسكرية ، سيفتح المجال لتفوق الراسماليات الاخرى على الراسمالية الامريكية ،الامر الذي يعني ، ويقود الى تدهور مكانة امريكا العالمية ويجبرها على الانكماش داخل القارة الامريكية الشمالية لتواجه قدرها المحتوم : الضعف المتزايد اقتصاديا ، واستيقاظ الية التفكك الاجتماعي السريع التي اشار اليها صموئيل هنتنغتون في دراسة عنوانها ( تاكل المصلحة القومية الامريكية ) كتبها في عام 1998 ملاحظا ان غياب العدو الخارجي يثير الية الانحطاط والتفكك في المجتمع الامريكي .

        لقد فجرت الثورة العراقية المسلحة ضد الاحتلال ( البالون الامريكي ) بدبوس منعه من حيازة النفط ، فاخذ ينكمش بسرعة ويعود الى حجمه الطبيعي .

اسقاط مخطط الاستثمار في العراق

        كانت الولايات المتحدة الامريكية قد وضعت خططا عديدة لجعل استعمارها للعراق وسيلة فعالة لتنشيط الصناعتين النفطية والعسكرية ، واللتين لم تعودا تعملان كما كانتا ، فالنفط الامريكي وصل استثماره الى نهاية (المنفعة الحدية ) وصار مكلفا وغير اقتصادي ، لذلك اصبح محتما ايجاد بدائل اقتصادية ، واختير العراق ليكون هو البديل ، بسبب رخص تكاليف انتاج نفطه من جهة ، وكونه يملك الاحتياطي الاكبر الفعلي من جهة ثانية . وبفضل هاتين الميزتين يمكن للصناعة النفطية الامريكية ان تزدهر وتجدد شبابها اذا استعمرت العراق . اما الصناعة العسكرية فان غياب المعسكر الشيوعي المعادي قد اسقط الدافع الاكبر لانتاج السلاح ، وبما ان موارد الصناعة العسكرية تشكل احد اهم اعمدة الاقتصاد الامريكي ، فان الاضطرار الى تقليص موارد البيع من السلاح سيزيد من اضرار الازمة البنيوية ويعجل بتراجع امريكا عن موقع الدولة الاعظم ، ويجعلها واحدة من بين الدول الاعظم ثم اقل من ذلك فيما بعد . لذلك كان البديل هو تشجيع الحروب واشعال الازمات الساخنة الاقليمية من جهة ، وتطوير اجيال جديدة من الاسلحة فائقة التقدم لحث الاخرين على دخول حلبة سباق تسلح تسمح بتنشيط الصناعة العسكرية من جهة ثانية .

        كيف اصاب العراق هاتين الصناعتين بمقتل ؟ ببساطة لقد قررت القيادة العراقية ايصال غزو العراق الى عدم الاستقرار ، او الى نقطة ميتة ، اي منعه من استثمار العراق نفطيا وتعريضه الى استنزاف مميت ، فيتبخر حلم استغلال نفطه وتنشيط صناعته النفطية وجعلها سيدة صناعة النفط في العالم . كذلك بنجاح العراق في اسقاط سلاح ابتزاز القوة عبر استخدام نظرية الضربة الاستباقية ، من خلال لجوء العراق لحرب العصابات فيصبح التفكير بالضربة الاستباقية عبث صبيان لان العدو هو اشباح لايمكن رؤيتها فكيف يمكن ضربها ؟ لقد ادرك العالم من خلال انجازات المقاومة العراقية ان بالامكان تحييد الضربة الاستباقية ، التي ان نجحت في الصفحة الاولى من الحرب وهي الحرب النظامية ، فانها فشلت بعد التحول العراقي الى حرب العصابات ، وهكذا انتبه الناس الى حقيقة ان تكديس السلاح ليس مكلفا فقط بل هو غير مجد ، وان ما تحتاجه الدول هو ابداء الاستعداد لممارسة حرب العصابات اذا تعرضت لعدوان . ان تعجيز المارد الامريكي عند اسوار بغداد وفر للبشرية فرصة رؤية الخيارات البسيطة والرخيصة  المتاحة للدفاع عن النفس .

سقوط نظرية ( الصدمة والترويع) الامريكية

        ثمة حقيقة لها بعدين سايكولوجي وعسكري ، وهي ان امريكا قد استخدمت القوة في حدها الاقصى

MAXIMUM FORCE عند بداية غزو العراق ، واطلقت على خطتها تلك اسم ينطوي على معنى محدد : الصدمة والترويع ! ومنطوق تلك الخطة يقول اذا عرضت شعب وجيش العدو لموت محقق وبشع فانه سيستسلم بسرعة ، وبذلك نتجنب الخسائر البشرية  وذلك هو جوهر عقدة فيتنام ! كيف ترجم ذلك ؟ في العدوان الثلاثيني في عام 1991ولمدة 43 يوما اطلقت امريكا على العراق كله حوالي 260 صاروخ كروز ، وكان الهدف هو ترويع وصدم العراق شعبا وجيشا ، ولكن ذلك لم يحدث ، رغم الاثار المدمرة لذلك القصف ، ولهذا السبب تم ( تطوير ) هذا المفهوم في عام 2003 فضربت بغداد فقط بالف صاروخ كروزيوميا! اضافة لذلك استخدمت قنابل جديدة وصفت بانها مرعبة لاثارها النفسية او التدميرية ، وهذا المستوى من القصف شمل العراق كله ، وكان الهدف تركيع الشعب العراقي باسرع وقت ممكن لكي لايسمح لعقدة فيتنام بالاستيقاظ اذا اضطرت لخوض قتال جبهي ! وتواصل استخدام تلك الاسلحة بتلك الكثافة التدميرية حتى يوم 9/4 / 2003 حينما استبدل العراق ستراتيجيته العسكرية  وشرع بخوض حرب عصابات ، فتغيرت طبيعة الحرب , لكن نظرية الصدمة والترويع استمرت بصورة اخرى ، تمثلت بقتل المدنيين عشوائيا او بالتخطيط ، وبلا رحمة او تردد ، وعدم استثناء الاطفال والنساء بل بالعكس كان قتل النساء والاطفال اكثر اهمية من قتل الكبار مادام الهدف هو احداث اقوى ارهاب وتخويف ممكنين في اوساط العراقيين . بل اتخذت الصدمة والترويع شكلا مزلزلا للنفس العربية باللجوء لاغتصاب ليس النساء فقط امام اطفالهن والاسرى الاخرين بل تعمد اغتصاب الرجال ايضا !لماذا هذا الاستخدام المفرط للعنف في اكثر اشكاله قسوة واهانة للبشر ؟

        ان العقيدة العسكرية الامريكية ، واكثر من غيرها ، ترى ان العدو يجب ان يصدم ويفقد القدرة على اعادة تجميع صفوفه واستخدام عقله في العثور على مخارج من مازقه الكارثي وجعله منغمسا كليا في البحث عن نجاة سريعة وباي ثمن ، فيقع في فخ ترك العقل والتمسك بعاطفة الغريزة الاولى : البقاء ! وهنا يبدا طريق الهزيمة المؤكدة ، في الايام الاولى للحرب ، لان الضحية ينسى خططه الاصلية ويبدأ بالبحث مخارج عفوية تدفع اليها الغريزة وليس العقل ، فيهزم ويضطر للاستسلام قبل وقوع معارك برية رئيسية . ويتضمن ذلك هدف دفع الشعب للانهيارمعنويا بجعله هدفا مباشرا للقصف ، انطلاقا من نظرية سايكولوجية تقول ان معرفة الجنود والضباط في جبهات القتال ان عوائلهم تقصف في المدن يحطم معنوياتهم . اما اثناء حرب عصابات المدن فان الصدمة والترويع تتخذ شكل التعامل مع المدنيين ، خصوصا اهل المقاومين ، بطريقة تزلزل كوامنهم وتفجر نفوسهم وتدمر كل ثوابتهم ، مثل الاغتصاب في بلد محافظ جدا يعده اكبر الكبائر التي تفرض غسل العار ،ويزداد الاثر الصاعق للاغتصاب بجعله يتم امام عراقيين اخرين، فذلك عار لايحتمل ابدا ، او باجبار المراة على ممارسة سلوك جنسي مقزز ومدان دينيا واجتماعيا ، فكيف سيكون اثره اذا مورس امام بقية السجناء ؟! ان المطلب هو افقاد المغتصبة كل ادراك ودفعها للجنون والانهيار ، اما من يشاهد هذا الاغتصاب من السجناء فانه سينهار قبل ان يصل الدور اليه لان من يشاهد يصدم بصورة لاتقل عن صدمة المغتصبة . ويزداد الترويع اثرا حينما يغتصب الرجل ، او يجبر على القيام بافعال جنسية شاذة ومنكرة امام الاخرين ، لان اغتصاب المراة مهما كان مدانا فهو فعل حصل ويحصل للمراة اما الرجل فهو ليس موضوعا للاغتصاب كما انه ليس مالوفا اجباره على ممارسة اللواط او ادخال موزة او جسم في مؤخرته ، لذلك فان رد الفعل لدى الرجل اشد واقسى ،  والصدمة مدمرة تفقده عقله وتوازنه وتحوله الى مخلق اخر .

        والجزء الاخير من الصدمة والترويع الخاص بالاعتداء الجنسي هو نتاج خطة اسرائيلية معروفة وضحها بدقة رافائيل باتاي الباحث الاسرائيلي في كتاب شهير الفه في السبعينيات حول طباع العرب وتقاليدهم اسمه ( العقل العربي ) اكد فيه ان العربي يمكن قتله معنويا باغتصاب زوجته او اخته او قريبته ، او بالاعتداء الجنسي عليه بالذات ، وبذلك يمكن اجباره على الاعتراف او التعاون مع عدوه .

        اذن استخدام الصدمة والترويع والعنف في اقصى مدياته ، خصوصا العنف الجنسي يمثل عرضا نهائيا لافضل واخطر مالدى الامريكيين من سلاح فتاك جسديا ومعنويا ، ولكن هذه النظرية ، بقدر ماهي مؤذية ومدمرة للضحية ، فانها لعبة خطرة جدا ليس على الضحية فقط بل على لاعبها ايضا لانها تخرج الانسان عن طوره وتجعله وحشا كاسرا لايأبه لموت او رادع ويندفع للثأر بصفته هدف حياته الوحيد ، وهكذا يتحول الصراع من حرب عادية الى صراع تاريخي يستمرقرونا وربما اكثر لانه يدخل في الذاكرة الشعبية ويتوارثه جيل بعد جيل . من المؤكد ان من تعرضوا للاغتصاب هم او اقرباءهم وجدوا عاملا اضافيا للقتال ضد الاحتلال وليس العكس ، وتلك صورة كارثية للسلوك الذي لايعرف تقاليد العدو او يعرفها لكنه لايحترمها فيجد نفسه وقد تورط في مأزق اخطر من ذلك الذي اراد التغلب عليه ! ان تصاعد المقاومة وليس تراجعها كان احد اهم نتائج سياسة الترويع والصدمة ، بل ان قسما من اشجع وافضل عمليات المقاومة حركته دوافع الثار للشرف اضافة لتحرير العراق . هنا نجد ان الولايات المتحدة قد وقعت في فخ اخر , وهو فخ جهل احد اهم قانين الغريزة الانسانية وهو تحرر الانسان من روادعه اذا وصل الموت عندها يتصرف خارج السياقات المالوفة ، والعنف المطلق البدني والجنسي يوصل الانسان العربي الى حالة يفقد فيها الموت عنصر الردع والتخويف فيه ، فاذا كان قدر العراقي هو الاغتصاب والقتل باذلال فان من الافضل ان يموت بكرامة ولكن يجب ان يجر معه اكبر عدد ممكن من جنود العدو وقياداته ، وهذا بالضبط احد اهم عناصر توسيع الثورة الوطنية المسلحة ودفعها لتجاوز عقبة التردد .

        لقد تجاوز العراقيون كل حواجز الخوف والتردد وصار الاستشهاد خيار محببا للنفس الابية المدافعة عن الشرف بشقيه الشخصي والوطني بعد ان شاهدوا الاسوأ والاحقر والاكثر اجراما في سلوك الغزاة ، فانقلبت الاية وصارت الصدمة والترويع محفزا اضافيا للجهاد والمقاومة . ان الشعب العراقي عموما ومقاومته خصوصا لم يعد يخشى اي سلاح يملكه الاحتلال بعد استخدامه للقوة في اقسى اشكالها واشدها وحشية واجراما ، خصوصا بعد تكون قناعة مطلقة لدى العراقيين بان الامريكيين الغزاة يفتقرون للشجاعة والمعنويات وان سلاحهم مهما عظم محدود الحسم مادام الانسان هو السيد وليس الالة مهما كانت متطورة ، وهذا يعني ان الثورة العراقية الظافرة قد حققت واحدا من اعظم انجازاتها وهواسقاط القيمة النفسية والعسكرية للنظرية التي تقول ان استخدام القوة في حدها الاعلى يحرم العدو من الخيارات الناجحة .

المقاومة تمسك بالمبادرة

        ان احد اهم نتائج معركة الفلوجة هي فقدان الغزاة كليا للمبادرة ، بعد ان فشلوا تماما في احتلال اي من مدن العراق الثائرة ، وانسحبوا مذعورين وعقدة فيتنام تسحق نفوسهم وهم يرون المقاومة تقاتلهم بصورة لم يسمعوا بها من قبل . لقد استخدم الاحتلال الدبابات والطائرات والمدفعية وباعداد هائلة ، ومارس اسوأ اشكال العنف ، لكنه اجبر على التراجع المذل والمهين ، وهذا الامر تكرر في النجف وكربلاء ايضا . باختصار لقد اكد الاحتلال انه عاجز عن احتلال اي مدينة والبقاء فيها صامدا امام نيران المقاومة ، وهذا الواقع حسم امر مستقبل الصراع ، فالجيوش الامريكية غير مستعدة للموت وهي تتحرك على وقع انغام عقدة فيتنام ورصاص المقاومة ، ورغم تفوقها المطلق فان الثوار العراقيين يلحقون بها الهزائم الواحجة تلو الاخرى  ! لقد التقطت المقاومة زمام المبادرة وامسكته بيد فولاذية ، وحينما يفقد الاحتلال المبادرة فهذا معناه ان ايامه اصبحت معدودة .

تثبيت المرحلة الرابعة من الثورة العراقية

        حينما اكدنا ان معركة الفلوجة كانت الاعلان الرسمي والعملي لدخول الثورة العراقية مرحلتها الثالثة ، لم نكن نبالغ او يحركنا الحماس الوطني ، بل كنا نرى التطورات كما هي في الواقع وكما رسمتها قيادة المقاومة ، اذ بعد تكريس انتصار الفلوجة تفجرت الثورة في الجنوب بقيادة السيد مقتدى الصدر ، واصبح واضحا للجميع ان مازق الاحتلال اصبح عجزه عن احتلال المدن والبقاء فيها ، ونجاح المقاومة في جعل مدن رئيسية قواعد امنة او شبه امنة . وهنا يجب ان نزيل التباسا قد يقع يتعلق بمراحل تطورالثورة ، فبالرغم من انها دخلت مرحلتها الثالثة مازالت تعمل وفق قواعد المرحلتين الاولى ( اضرب واهرب ) ، والثانية ( اضرب واصمد لساعات او ايام ) ، لان طبيعة حرب العصابات الاولى هي الاستخدام الكلي لاي فرصة واي اسلوب متاح لها دون تردد ، طبقا لتوازنات القوى . فحينما وصلت الفلوجة وكربلاء والنجف الى مرحلة خوض قتال نظامي ، او شبه نظامي مع الاحتلال فان ذلك لايعني ان العدو قد هزم نهائيا ، فهو مازال متفوقا عسكريا وماديا وتكنولوجيا ويستطيع الحاق خسائر هائلة بصفوف المقاومة ، الامر الذي يلزمها بالتقيد بقاعدة استخدام كافة الاساليب الخاصة بكافة مراحل الثورة .

        ان دخول المرحلة الثالثة ، في ظل ظروف العراق ، يتطلب عدم منح العدو اي فرصة لسحق اجزاء حيوية من المقاومة ، لذلك يمكن عقد هدنة او تغيير منطقة التركيز او الانسحاب المخطط ، كل ذلك من اجل ارباك العدو وزيادة عجزه عن معرفة مايدور ، والاهم حرمانه من القدرة على وضع خطط متكاملة للمعارك ، وفرض واقع يجعل العدو يتصرف برد فعل   وفي هذه المرحلة يتم استثمار الدعم

الشعبي المتزايد واستيعاب المستعدين للعمل المسلح وتاطير المجموعات الداعمة سياسيا ، وبذلك يتم توسيع قاعدة الثورة ونشر عملياتها في مجال جغرافي اوسع ، ويصبح بالامكان العمل الامن في مناطق محررة . ان العنوان الرئيسي لهذه المرحلة هو فرض المعارك على العدو ، واختيار زمنها ومكانها ومتى تبدا ومتى تنتهي .

        الملاحظة الاخيرة تتعلق بالسؤال الذي عنونا به الدراسة : هل هي انتفاضة ام ثورة ؟ في ضوء كل ما تقدم لامجال امامنا الا الاعتراف بان ما يشهده العراق هو ثورة مسلحة من اجل تحريره من الغزو الاستعماري الامريكي ، لان الانتفاضة عمل محدود الهدف اما الثورة فهي تغيير جذري لواقع مرفوض ، فهل يوجد واقع مرفوض اكثر من الاحتلال ؟ ان هذه الثورة المسلحة هي التي جعلت بوش يصرخ قائلا : ان عواقب الفشل في العراق لايمكن تخيلها !!! فهي لاتعني الهزيمة في العراق فقط بل في العالم اجمع وانهيار حلم اقامة اسوأ امبراطورية شر في التاريخ كله .

صلاح المختار : معارك العراق : انتفاضة ؟ ام ثورة ؟  الجزء السادس

صلاح المختار : معارك العراق : انتفاضة ؟ ام ثورة ؟ الجزء الخامس

صلاح المختار : معارك العراق : انتفاضة ؟ ام ثورة ؟  الجزء الرابع

صلاح المختار : معارك العراق : انتفاضة ؟ ام ثورة ؟ الجزء الثالث

صلاح المختار : معارك العراق : انتفاضة ؟ ام ثورة ؟ الجزء الثاني

صلاح المختار : معارك العراق : انتفاضة ؟ ام ثورة ؟  الجزء الاول

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الاربعاء 7 ربيع الثاني 1425 / 26 آيار 2004