|
المقاومة العراقية والارهاب الامريكي المضاد
الحلقة الاولى
شبكة البصرة
د. موسي الحسيني
الطائفية اليوم من اخطر اسلحة العدو... الطائفي في مثل هذه المحنة يقف في صف
العدو مهما ادعي
الطريقة التي ادارت فيها امريكا الحرب تشير إلي حقد دفين علي الدولة العراقية
ومواطنيها
في عراق ما بعد الاحتلال يلعب علي الساحة الان ثلاثة اطراف، سلطة الاحتلال
وقواتها وعملاؤها، المقاومة، وهناك لاعب اخر هلامي، غير واضح الهوية والملامح،
يمارس عملياته بقوة لتحصد الابرياء بالمئات ينسبها كلا الطرفين للاخر، وهو صورة
حقيقية للارهاب بأوضح اشكاله.
اين هي الحقيقة ؟ ومن يقف فعلا وراء هذه العمليات
؟
بغض النظر عن التسميات، فالسلوك السياسي لايتحدد باسم معين، بل علي اساس
الاهداف المعلنة والممارسات الفعلية لهذا الطرف او ذاك.
الاحتلال جاء الي العراق باهداف واضحة ومحددة.وبغض النظر عما قيل ويقال عن
الرغبات الامريكية في تحرير العراق من الدكتاتورية، فان امريكا ليست معنية
بطبيعة النظام العراقي وجرائمه، التي لم تكن خافية علي احد، فكثيرا ما تصور
اجهزة الامن العراقية جرائمها علي اشرطة فيديو تتعمد تسريبها للناس، كجزء من
عمليات الامن الوقائي، وارهاب العراقيين، ليمتنعوا عن معارضتهم للنظام.
مدخل
لاول مرة يضع صدام نفسه في موقف المتمرد علي التوجهات الامريكية في المنطقة،
ويتجاوز المحضورات التي تعتبرها الادارة الامريكية خطوط حمراء، عندما اطلق
العراق اول صاروخ بالستي، بمناسبة عيد الجيش في 6 /1/1990، وماتلاها من تصريحات
صدام عن قدرته علي احراق نصف اسرائيل بالكيمياوي المزدوج. تصاعدت بعدها مباشرة
الصيحات المحذرة من امكانات العراق التي لو صادف وقوعها بايدي وطنية حريصة علي
المصلحة الوطنية للعراق، ستتهيا لها فرصاً للعب ادوار سياسية مميزة في الوطن
العربي لخدمة المصالح القومية العربية.
تمكنت امريكا ان تستخدم عنجهية صدام حسين، لجره لحرب الكويت، وما تلاها من
تداعيات نزع اسلحة العراق الاستراتيجة، ثم الحملة المفتعلة حول عدم التزام
حكومة صدام بقرار نزع الاسحة، وادعاء ادارة بوش بامتلاك معلومات سرية عن اخفاء
العراق لهذه الاسلحة، وعند عدم توفر اية دلالة لتعزز بها صحة هذه المعلومات
السرية المزعومة، لجأت الادارة الامريكية للعبة العلاقة بين صدام والتنظيمات
السرية المتطرفة، في الشهرين الاخيرين فقط رفعت شعار المطالبة بتخليص العراقيين
من النظام الدكتاتوري. الا ان الطريقة التي مورست بها الحرب تشير الي حقد دفين
علي الدولة العراقية ومواطنيها، وليس النظام او رموزه. فكان تفتيت مؤسسات
الدولة، حل الجيش والقوات المسلحة بما فيها قوات الشرطة والامن، وخلق حالة من
الفوضي اجهزت علي ما بقي من هذه المؤسسات بما فيها تلك المختصة بالخدمات
العامة، كالمواصلات، الماء، الكهرباء، الصحة، وغيرها. ما حقق فعلاً وعد كولن
باول عام 1990 عن نية امريكا لاعادة العراق الي العصر الحجري.
تكشفت حقيقة اهداف العدوان بعد ان تهيأ النصر للقوات الغازية، وتحول التحرير
الي احتلال، وبدأت تتصاعد الدعوة لحروب اهلية، وتقسيم العراق لدويلات صغيرة،
وبدأت ماكنة الاعلام الامريكية تروج لفكرة ان هذه الامنيات تعكس رغبات قوي
دينية متطرفة، موسومةً بالارهاب، وكان تلك الرغبات تتناقض مع التطلعات
الامريكية والاسرائيلية، والعلاقة بين الاثنين معروفة، ولاتحتاج لبرهان.
ان اثارة النعرات الطائفية، بل وتقسيم البلدان العربية الي دويلات صغيرة علي
اسس طائفية، هو مشروع صهيوني قديم سبق ان طرحه بوضوح الجنرال شارون في عام
1982، والذي عُرف باسمه، من قبل ان يرتقي لرئاسة الدولة الصهيونية، ووسمه
بعنوان استراتيجة اسرائيل تجاه المنطقة العربية في الثمانينات .
كان شارون واحداً من ضباط الدولة الصهيونية، وقدم مشروعه كاقتراح لاصحاب
القرار، وهو الان صاحب القرار الاول اي بموقع من يستطيع اتخاذ الاجرآت العملية
لتنفيذ مخططه، وتحويل الاقتراح الي امر مطلوب تنفيذه من قبل الاجهزة المعنية في
الدولة الصهيونية.
ان وحدة المصلحة الامريكية ـ الاسرائيلية، في واحد من اهم مفاصلها، تاتي من
الرغبة المشتركة بمنع ظهور اية قوة عربية يمكن ان تشكل محور استقطاب عربي، كما
حصل في تجربة مصر الناصرية 1952 ـ 1970. يصبح المزيد من تفتيت القدرات العربية،
والعراق من اهمها، هماً امريكيا ـ اسرائيلياً مشتركا.
يقف الانسان امام لاعبين اساسيين متناقضين ومتصارعين بحكم اهداف كل منهما
المانعة لاحدهما الاخري، اي اما ان يحقق الاحتلال اهدافه، وهذا يلغي كلياً وجود
المقاومة، او العكس يمثل انتصار المقاومة هزيمة وفشل كلي للاحتلال، ليس هناك
اية مفاصل يمكن ان تتقاطع او تلتقي عندها اهداف هذين الطرفين.
وقد تحدثنا عن اهداف الطرف الاول: الاحتلال. اما الطرف الاخر وهو المقاومة
الوطنية العراقية، التي برزت ونشأت كرد فعل طبيعي ضد الاحتلال، كتوجه وطني يعبر
عن قوة الرغبة في الدفاع عن المصلحة الوطنية العراقية، بما تتضمنه من عناصر
اهمها، استعادة سيادة الدولة العراقية علي كامل ارضها، واستقلال ووحدة هذه
الارض، دون تمييز بين اي جزء من اجزائها.
المقاوم، بما تعنيه المقاومة لقوة طغيان عاتية، لايستطيع ان يرقي الي شرف
الاسهام بالمقاومة، لمجرد رغبة انتهازية، او مجرد اندفاعة نابعة من الحقد علي
المحتل لسبب او اخر، بل هو يحتاج لمستوي غير عادي من الوعي بالمسؤولية الوطنية،
واستعداد عال للتضحية لاتشوبه اية حسابات للربح والخسارة الشخصية. فهو معني او
ملزم بالدفاع عن حياة وممتلكات كل مواطنيه بغض النظر عن ديانة او مذهب هذا
المواطن، فكل هذه الحيوات والممتلكات هي جزء من ملكية وطنية عامة، يمكن ان تكون
بالمقابل اهداف للتخريب او التدمير من قبل قوات الاحتلال.
ليس هناك من شك (رغم مقت الخوض في الامور الطائفية التي تريد قوي الاحتلال
استخدامها لاضعاف القدرات الوطنية)، ان المقاوم اي مقاوم يدرك ان العراق بدون
سكان الوسط والجنوب من الشيعة العرب، لايبقي عراقاً، هذا بالاضافة للتداخل
القبلي بين عشائر الجنوب والوسط والشمال.فهو ـ اي المقاوم ـ معني بحكم
المسؤوليات الوطنية التي يتصدي لها، بالدفاع عن حياة اي فرد في الجنوب او
الشمال، عربيا كان او كرديا، مسلماً او من ديانات اخري، بل هو بحكم قوانين
الكفاح المسلح يطمح لدفع اكبرعدد من المواطنين للمساهمة في المقاومة، وتحويلها
من مقاومة محدودة ببعض النخب الوطنية الي حرب تحرير شعبية تنتشر وتتسع لتشمل كل
انحاء العراق، لذلك فهو ملزم ومطالب بايضاح موقفه واهدافه بشكل او اخر لجميع
مواطنيه لتشجيعهم علي الاسهام والمشاركة بالمقاومة، واي سلوك يمكن ان يخدش
اللحمة الوطنية سيقدم بذلك خدمة جليلة للعدو، ويضعف موقف المقاومة، ويبعدها عن
احراز النصر المطلوب. اما ان يتحرك ـ المقاوم ـ متاثراً بنزعات طائفية لايذاء
ابناء شعبه، فهو يساهم في تبديد طاقاته التي من المطلوب تعبئتها في هذه المعركة
الكبري، اي انه يحارب بذلك نفسه، ويدفع مواطنيه لعزله وتركه وحيدا في الميدان.
هو كمن يسلم سلاحاً لعدوه، ويمكنه عليه. والطائفية اليوم من اخطر اسلحة العدو.
الطائفي في مثل هذه المحنة، مهما ادعي او زعم يقف شاء ام ابي في صف العدو.
ان مُثل المقاوم، وعدالة قضيته، واستعداده المطلق للتضحية باغلي ما يملكه
الانسان من اجل الدفاع عن ارضه وعرضه وماله، يضعه في صف القديسين والاولياء
الصالحين. وستمنعه هذه المثل العليا من ان يقتل اي انسان بريء، حتي لو كان من
مواطني دولة العدو، فكيف اذا كان من مواطنيه الذين يضحي بحياته من اجلهم.
لو وضعنا الارهاب كسلوك بين طرفي المعادلة هذين المقاومة، والاحتلال، تري لاي
منهما سيميل. في البدء من الضروري ان نعرف الارهاب لمعرفة، ما المقصود به.
الارهاب هو استخدام الوسائل العسكرية ضد المدنيين بهدف تحقيق بعض الاهداف
السياسية.
والسؤال ما هي لاهداف السياسية، المطلوب تحقيقها من وراء العمليات الارهابية
التي نفذت في العراق مثل عمليات النجف وكربلاء والكاظمية واربيل. تردد سلطة
الاحتلال ان الغاية منها خلق حالة من الحقد الطائفي المتبادل بين الشيعة
والسنة، بامل اثارة حرب اهلية طائفية. نتفق كلياً مع هذا التفسير. لكن السؤال
المحير من هو فعلا المستفيد من هذه الحرب الاهلية الطائفية، المقاومة ام
الاحتلال!؟
اذا افترضنا صحة ما تردده سلطة الاحتلال عن هذه الشخصية الموهومة والمزعومة ـ
ابو مصعب الزرقاوي ـ واذا افترضنا صحة ما يقال عن رسالته المزعومة التي يكشف
فيها نياته عمّا يتطلع اليه من اثارة لهذه الفتنة، فما هي الاهداف السياسية
التي يريد ان يحققها الزرقاوي؟ وهو كما تقول وتردد وسائل الاعلام الامريكية شخص
معاد لامريكا.
يعرف العالم ان سياسة فرق تسد تشكل واحداً من القوانين العامة التي تميز السلوك
الاستعماري، لذلك فان عدو امريكا هذا ـ الزرقاوي ـ يقدم بسلوكه هذا خدمات تصب
في محصلتها النهائية لصالح العدو. وهو من خلال حديث وسائل الاعلام، والعمليات
الكبري التي يخطط لها، وكلها دلالات تشير الي انه رجل يمتلك ذكاءً غير عادي،
فكيف يفوته الامر فيعمل في خدمة اهداف اعدائه!؟
ثم كيف استطاع بريمر ان يعرف ان المسؤول عن هذه العمليات هو الزرقاوي بالذات،
مع انه لم يعلن لحد الان اي خبر عن القاء القبض علي واحد من انصاره او معاونيه.
اذا كان بريمر واجهزته تمكن فعلا من ان يزرع بين جماعة الزرقاوي المزعومة،
عميلا، يمكن ان يكون هو مصدر معلومات بريمر واصراره علي يقين ان الزرقاوي،
والزرقاوي وحده هو المسؤول، تري لماذا لاتحاول سلطة الاحتلال الاستفادة من هذا
الخيط للوصول الي الزرقاوي لاعتقاله!؟
اما اذا كانت المخابرات الامريكية لازالت عاجزة عن ان تزرع هكذا عميل، فمن اين
جاء هذا الاعتقاد او اليقين بانه هو وحده لاغيره الذي نظم كل هذه المذابح!؟
تلك هي بعض الاسئلة التي يحاول هذا البحث الاجابة عنها.
المقاومة العراقية.. الخصائص والمميزات
الشرعية والعدالة.. بين الاحتلال والمقاومة
المقاومة تعني استخدام كافة اشكال العمل المعبر عن رفض الاحتلال او وجود نظام
فاسد مستبد، بما في ذلك استخدام العمليات المسلحة لانهاك العدو، والاضرار
بقواته ومعداته. اما الاشكال الاخري للمقاومة فتظهر من خلال المظاهرات ورفع
الشعارات، والمقاطعة بكافة اشكالها، اي رفض التعاون مع قوة الاحتلال او
الاستجابة لاوامرها كما حصل في حركة الزعيم الهندي غاندي ضد الاحتلال
البريطاني. علي ان الاستخدام الشائع عربياً، لمفهوم المقاومة، هو اللجوء
لاساليب الكفاح المسلح ضد قوة محتلة. وسنعتمد هذا المفهوم في هذه المقالة.
ان القوانين العامة للمقاومة وحرب التحرير الشعبية تظل واحدة، لكن الممارسات
علي الارض، وطبيعة الدولة المُحتَّلة، تحدد احياناً بعض الخصوصيات التي تميز
تجربة ما عن اخري. لسنا هنا بصدد مناقشة هذه القوانين، فهي متوفرة في التراث
الثوري الكبير الذي خلفه القادة والمثقفون الثوريون، امثال ماوتسي تونغ، تشي
جيفارا، روجيه دوبريه، اضافة للدراسات العديدة التي تناولت التجارب الثورية
الاخري كالفيتنامية، والجزائرية، واليمنية الجنوبية وغيرها من التجارب الثورية
الاخري. ستركز هذه المقالة علي خصوصية المقاومة العراقية. وهي مقاومة وطنية
لشعب واقع تحت الاحتلال نتيجة لحرب عدوانية، باطلة، لا مبرر لها غير تطلع
الدولة المعتدية لنهب ثروات البلد، وتفتيت طاقاته من اجل حماية كيان عدواني
مصطنع ـ اسرائيل ـ ومنع ظهور دولة عربية قوية يمكن ان تشكل نواة لـ الاقليم ـ
القاعدة التي يمكن تتمحور وتتجسد حولها التطلعات العربية لتحقيق الاستقلال
الفعلي، والقوة، والرفاهية والتقدم، فالحرب التي قيل عنها انها حرب تحرير
العراق، ماهي في حقيقتها الا حرب تحرير اسرائيل من الهم العراقي الذي يشكل
تهديد دائم لها علي اختلاف انظمة الحكم المختلفة التي تناوبت علي السلطة في
العراق.
استعادت امريكا في حربها ضد العراق والعرب عامة، بعض النظريات القديمة عن الحرب
الوقائية التي كانت قد ظهرت لاول مرة بين 1945 ـ 1949، يوم كانت الدولة النووية
الوحيدة في العالم، قبل ان يمتلك السوفيت سلاحهم النووي، وتري الادارة الحالية
ان الظروف السائدة، تشابه ما كانت عليه الحالة في اواخر اربعينيات القرن، مما
شجعها علي ان تمارس عدوانها دونما خوف من ردة فعل قوية تهدد كيانها، او عقوبة
يمكن ان تؤثر علي مصالحها. لم يكن هذا العدوان او هذا النمط من الحروب إلا شكل
من اشكال استهتار القوة التي يمكن ان تضمن النصر دون اي خوف من رد فعل مؤذ،
عندما امتلك الاتحاد السوفيتي السلاح النووي الرادع ، اصبح مفهوم الحرب
الاستباقية لاغيا او مفهوم قديم وبدأت النظريات الاستراتيجية الجديدة تركز علي
مفهوم الضربة الثانية، اي القدرة علي استيعاب الضربة الاولي وتحقيق ضربة
انتقامية مدمرة، او ما عرف بالدمار الشامل المتبادل، مع غياب الاتحاد السوفيتي
وانعدام الخوف من ان يقود خطا ما في السياسة الدولية الي حالة الدمار المتبادل
الشامل عادت امريكا لمفهوم الحرب الاستباقية لتغطية عدوانها علي الدول الضعيفة
لتبرر حروب تقاد بعقلية رعاة البقر وليس استراتيجية الحرب الاستباقية، فالحرب
الاستباقية تعني وجود تهديد حقيقي يمكن ان يتحول في اي لحظة الي فعل مدمر، ولم
يكن العراق يشكل، فعلا، مصدر تهديد للولايات المتحدة، اثبت مرور عام علي
العدوان زيف كل الادعاءات الامريكية عن الاسباب التي قادتها للحرب، الا ان
الادارة الامريكية تري ان الظروف السائدة تشابه ما كانت علية في اواخر
الاربعينات من القرن الماضي مما شجعها علي ان تمارس عدوانها دونما خوف من ردة
فعل قوية يمكن ان تهدد امنها او مصالحها. رغم كل مزاعمها الدعائية عن الشرعية
الدولية، فان الحرب علي العراق حرب عدوانية لامبررة، ولا تستند لاي اساس شرعي
قانوني غير شرعية عقلية رعاة البقر المتخلف حضاريا ولايفهم الا القوة كقيمة
تحدد سلوكه في حالة الهجوم او التراجع والاستكانة دون اي اعتبارات انسانية او
حضارية، فالمادة التاسعة من لائحة حقوق الدول وواجباتها التي اقرتها الامم
المتحدة عام 1949، والتي تشكل احد ركائز القانون الدولي لتنظيم علاقات الدول مع
بعضها، وسبر شرعية او لاشرعية سلوكها حيال دول او مجموعة دول اخري، تؤكد علي كل
دولة واجب الامتناع عن اللجوء الي الحرب كاداة لسياستها القومية، وعليها ان
تمتنع عن كل تهديد باستعمال القوة، او استعمالها فعلاً، سواءً ضد سلامة الاراضي
او الاستقلال السياسي لدولة ما، اوعلي اي وجه اخر يتعارض مع القانون والنظام
الدولي العام ، وهي نفس المادة التي اعتمدتها امريكا للعدوان علي العراق عند
دخوله الكويت.
فالعدوان علي العراق يجسده المثل العراقي المعروف نشيط ومهبول اي رجل قوي وجاهل
او غبي يمكن ان يعتدي او يؤذي بسبب او بدون سبب بالاعتماد علي قوته العضلية.
فهيئات التفتيش التي نسبتها الامم المتحدة باتفاق مع، وباشراف مباشر من
الولايات المتحدة، كانت قد اكدت زيف الادعاءات الامريكية حول امتلاك العراق
لاسلحة الدمار الشامل، مع ان العراق يمتلك الحق الكامل مثله مثل الولايات
المتحدة لامتلاك مثل هذه الاسلحة.
المقاومة العراقية، بمواجهة هذا العدوان المستمر، وسياسة راعي البقر النشط
والمهبول ، الذي لا يرتدع الا بالخوف، وبالضربة مقابل الضربة، هي شكل من اشكال
الحرب العادلة.
مصطلح الحرب العادلة هذا مستعار من الادبيات الشيوعية، حيث يسجل تاريخ العلاقات
الدولية، ان اول من استخدم هذا المصطلح لوصف حروب التحرير (وليس الحرب العادية)
هو نيكيتا خروتشوف، وبقي قيد الاستعمال في الادبيات الشيوعية حتي بعد ازاحته عن
السلطة يعتذر الكاتب ( عما تكشفه استعارته هذه من توجهات رجعية) للحزب الشيوعي
العراقي الذي تجاوز في مسيرته التقدمية مرحلة الشيوعية ليرتقي نحو التشيع
للعولمة، ويتحول بظل فلسفته الجديدة هذه الي اداة لتسويغ وتبرير الاحتلال
العادل لاعلي مراحل الراسمالية، مقابل وظيفتين او ثلاث في ادارة سلطة الاحتلال،
وكانه قد حقق بذلك فعلا دكتاتورية البروليتاريا، بعد انجاز مرحلة الانتصار علي
الراسمالية.
ان عدالة ظهور وسلوك المقاومة العراقية، لا تاتي فقط من كرم ما يمكن ان يضيفه
عليها خرتشوف والشيوعيون من صفات العدل، بل هما حق يضمنه القانون الدولي، حيث
نص قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 3281 الصادر بتاريخ 12/11/1974 علي
ان من حق جميع الدول منفردة ومجتمعة ازالة الاستعمار والعدوان الاجنبي
والاحتلال و السيطرة الاجنبية .
كما يأتي الحق في مقاومة الاحتلال من خلال كونها تمثل الموقف الشرعي والطبيعي ـ
باقرار وموافقة كافة فقهاء واساتذة العلاقات الدولية، وهم اميركون في الغالب ـ
للدفاع عن المصلحة الوطنية العراقية، والامن الوطني العراقي، وما يتضمنه هذان
المفهومان من معاني السيادة، والاستقلال، وما يمثلانه كمعيارين ثابتين لوطنية
وشرعية كل سلوك يمارسه الشعب، او بعض من قطاعاته، او مؤسساته، وبالاسلوب
والاتجاه الذي يراه مناسباً بما فيه قيادة حرب تحرير شعبية ضد محتل اجنبي
وعملائه المحليين، يتساوي في ذلك الشعب العراقي او اي شعب اخر في العالم. ان
الالتزام بهذين المعيارين ـ المصلحة الوطنية والامن الوطني ـ يرتقي بالمقاومة
ليضعها موضع السلطة الشرعية الوحيدة الممثلة لمصلحة الشعب العراقي، في مرحلة
غياب السلطة وعدم توفر الفرصة اللازمة كي يمارس الشعب حقه في اختيار ممثليه
ونوابه. وهي الطرف الوحيد الذي يمتلك الاحقية في تقرير ما هو في صالح وما هو ضد
مصالح الشعب العراقي، والدولة العراقية. تلك المصالح التي يدافع عنها المقاومون
بحياتهم، وهي اغلي ما يمكن ان يقدمه الانسان من تضحيات في سبيلها، مقابل بعض
العراقيين الذي باعوا هذه المصالح الوطنية مقابل بعض الامتيازات المادية
والوظيفية.
رغم ان هناك من يؤاخذ المقاومة علي انها لاتمتلك الغطاء السياسي، او الواجهة
السياسية التي تمثلها وتعكس اهدافها. ان هذه النقيصة في راي البعض تمثل ميزة
ايجابية لصالح المقاومة وليس نقيصة، كما سنتحدث عن ذلك في الفصل القادم عند
الحديث عن ميزات المقاومة.
السلطة الشرعية الوحيدة
ان كون المقاومة تمثل السلطة الشرعية الوحيدة في العراق اليوم، حقيقة لانطلقها
جزافاً ولا نقولها خضوعاً لنزعات عاطفية تدفعنا لاشعورياً للوقوف مع او ضد هذا
الطرف او ذاك. بل هي حقيقة موضوعية اقرها جميع دارسي المفاهيم والقيم
الاخلاقية، ومعني الثورة والثوريين، حتي الامريكين منهم. ويلخص الدكتور توماس
هـ. جرين، استاذ العلوم السياسية في جامعة جنوب كالفورنيا في الولايات المتحدة،
هذه القيم بما يلي (مع المعذرة من هذه الاستعارة الطويلة):
تبدأ الثورة في العقل. فهي تعبير من مُثل عليا وامال كبيرة وثقة تامة مطلقة في
قدرات الطبيعية الانسانية والامكانات الخلاقة لجزء او كل الجنس البشري. انها
الاجلال والتقدير لتفاؤل الروح الانسانية المطلقة... تبدا الثورة في العقل
لانها استلهام لفكرة العدالة. فالثوري يسعي، نتيحة ايمانه وعمله، الي بناء نهج
جديد للحياة، واية محاولة لاصلاح المجتمع القائم مهما كانت مجدية فانها تعتبر
مستحيلة بالنسبة للثوري الذي لا يقبل التسويات وانصاف الحلول، فاما عدالة او لا
عدالة. بهذا المعني فان الثوري يعتبر متطرفاً. فالسعي المطلق نحو العدالة ليس
من خصائص اللاواثقين وليس من خصائص اولئك الذين يضعون الاجماع والاتفاق في
الراي. ولو كان بسيطاً في منزلة اعلي من الحقيقة المطلقة. الحقيقة المطلقة
والعدالة التامة الكاملة هما الهدفان والغايتان اللتان تبرران تطرف الثوري في
الفكر والعمل. لذلك، فانه ليس في الحياة السياسية ما يحبس الانفاس وما هو اجرأ
من عمل ثوري مُلهم برؤيا عن العدالة التامة الكاملة .
تلك هي السمات العامة لاخلاقية الثوري، والمقاوم العراقي نموذج اخر لهذا
الانسان الثوري. وهذه نتيجة توصل لها مفكر امريكي، لم يعرف عنه انه كان ثورياً،
ولا حتي يسارياً يوما ما.
وما دمنا في عصر الشيوعية بنسختها المعولمة، وما دامت امريكا قد احتلت مقام سيف
الدولة الحمداني وغدت هي موضوع الخصام، وهي الخصم والحكم، فهل هناك من يمتلك
الشجاعة ليقول ببطلان هذا الوصف الموضوعي للمقاوم خاصة وانه كتب لاغراض علمية
غير محكومة بنزعات المصلحة والنفعية، توصل لها الباحث بعد دراسة 218 مصدر
ودراســة عن سلوك الثائر واخلاقياته،كتبت من وجهات نظر مختلفة، مؤيدة ومعادية
للثورة.
هذا المقاوم النبيل، الخلاق الذي يضحي بأغلي ما عنده من اجل قيم الحق والعدل،
صانع الحدث التاريخي، الذي يكتبه بدمه، من الظلم ان يوصف بالارهاب من قبل بعض
الجهلة، اما اذا جاء هذا الاتهام من النفعيين والمصلحين والانتهازيين والجبناء
والخونة، فتلك سمة شرف للعمل المقاوم ان يشتم من امثال هؤلاء، مع ما يحز بالنفس
للشرف الممنوح للاعمال الارهابية، التي يقاتل ضدها المقاوم العراقي. ان العراقي
الاصيل ـ لا ذلك المكطم الذي يغطي حاله بألقاب العشائر العربية الاصيلة ـ يدرك
جيدا من هو الارهابي الحقيقي، ومن هو المقاوم الذي يرسم بدمه تاريخ المثل
الانسانية والاخلاقية التي قتل من اجلها عمر بن الخطاب وعلي بن ابي طالب، ويدرك
جيدا كم ان شتم المقاومة بهذا الشكل ما هو الا نوع من تغطية للحسد والغيرة من
هذا المقاوم الذي يمتلك من القيم الاخلاقية والانسانية ما لم يتوفر لهؤلاء
النفعيين من اشباه الرجال وحلوم ربات الحجال.
مقاومة الاحتلال هي المنطق الحق، الذي يمنح صفة اليقين لنشاط الثائر، الذي لا
يعرف اللون الرمادي، والبين بين، والمنزلة بين المنزلتين التي احتلت عقول،
وملأت قلوب النفعيين والمصلحيين، والانتهازيين بالشك والريبة في كل القيم
الاخلاقية والوطنية، رغم انهم يكثرون من ذكرها، بما يثير الاعتقاد بان ذلك
التشدق ليس الا انعكاسا، لما يعرف بالميكانزمات الدفاعية اللاشعورية، للرغبة في
التعويض عن النقص النابع من الاحساس بالدونية والعجز في الارتقاء لمستوي الروح
الانسانية ، وما تمثله من التزام بالقيم الوطنية والاخلاقية. ولو بمستوي الحد
الادني مما يبديه الاسياد الامريكيون من حرص علي مصالحهم الوطنية. انه عجز
العبيد الذي يفتقدون للقدرة علي ادراك القيم البشرية والانسانية التي يحملون
ملامحها الشكلية إلا بالقدر الذي يقرره ويسمح لهم به اسيادهم فهم لايتعايشون
الا مع التركيبة النفسية للعبيد لا السادة . ان الانسان ليكتشف من خلال ازمة
العراق الحالية ان هناك تركيبة سيكولوجية خاصة للعبودية تؤكد صحة نظريات كارل
يونغ عن العقل الجمعي اللاشعوري، فهم يتخلون طوعا عن اصولهم ويستبدلونها باسماء
العشائر العربية الكبيرة وسرعان ما يتخلون عنها مطاطئين رؤوسهم لجزمات جنود
تحالف اليمين المسيحي المتطرف والحركة الصهيونية.
ولا يفهمون ان من شروط الوجود البشري وكي يحقق الانسان انسانيته، توفر الارض
الخاصة التي تتفاعل بموقعها ومناخاتها مع البشر لتشكل خصوصيته وخصوصيتها
الثقافية، ويصبح الكيان السياسي المستقل، والقدرة علي الاختيار وتقرير المصير
بناء علي اساس حاجات مجتمعاتهم التي تشكلت كنتيجة لهذا التفاعل عبر الزمن بين
الارض الخاصة ومجموعة من البشر، هي احد اهم شروط الوجود للانسان، وليس مصالح
السيد الذي يلوح لهم بالسوط بيد، وصورة الدولار باليد الاخري.
د. موسي الحسيني :
المقاومة العراقية
والارهاب الامريكي المضاد
الحلقة الثانية
د. موسي الحسيني : المقاومة العراقية
والارهاب الامريكي المضاد
الحلقة الثالثة
د. موسي الحسيني :
المقاومة العراقية
والارهاب الامريكي المضاد
الحلقة الرابعة
د. موسي الحسيني :
المقاومة العراقية
والارهاب الامريكي المضاد
الحلقة الخامسة والاخيرة
د. موسي الحسيني
باحث في السياسة الدولية من العراق
mzalhuaini@btinternet.com
الثلاثاء
15
ربيع الاول
1425 /
4
آيار
2004
|