المقاومة العراقية والارهاب الامريكي المضاد

الحلقة الثانية

شبكة البصرة

د. موسي الحسيني

المقاومة اربكت حكومة بوش وعجلت استبدال الجنرال المتقاعد بخبير الارهاب واخيرا بالسفير
في العراق اليوم كل السلطة للمقاومة وهي الممثل الشرعي وكل من تعامل مع الاحتلال خائن وجاسوس

السمات الخاصة للمقاومة العراقية
تلك هي المقدمات الموضوعية التي يمكن ان يرتكز عليها اي وصف للسمات الخاصة للمقاومة العراقية. صحيح جداً ان قوانين وقواعد حرب التحرير الشعبية تظل واحدة في معالمها العامة، الا ان هذا لا يلغي الميزات الوطنية التي تكسي هذا الشكل او ذاك من المقاومات بسمات خصوصية محددة.
تقدم المقاومة العراقية نموذجاً فريداً في تاريخ حروب التحرير الشعبية والمقاومات الوطنية، ما يجلعها خالدة علي مر العصور بفرادتها وميزاتها التالية:
اولا: ـ تميزت المقاومة العراقية عن غيرها من المقاومات كافة بسرعة وقوة انطلاقها، بشكل ادهش الجميع، وأربك مخططات قوات الاحتلال. فعادة ما يأخذ الاعداد للمقاومة، وتنظيم صفوفها، وقتاً طويلاً تنتظر فيه بؤر الثورة، والنخب الواعية، تبلور الحس الوطني، والحماس الثوري لدي قطاعات واسعة من الجماهير الشعبية.
تراهن عادة هذه النخب علي تمادي قوي الاحتلال بممارساتها القمعية، والامعان في عملية سلب ونهب الثروات الوطنية، والاستهانة والاستهتار بالشخصية والثقافة والعادات الوطنية، وغير ذلك من سلوكيات المحتل التي تستثير مشاعر الاحساس بالذل والاستهانة، وتستفز المشاعر الوطنية، وتستنفر الهمم للمقاومة، وتاكيد الذات الوطنية، والسير في دروب الحرية والاستقلال.
بدأت اولي عمليات المقاومة بعد ثلاثة اسابيع فقط من سقوط بغداد، فترة قياسية مقارنة بانطلاقة اية تجربة مقاومة اخري في تاريخ الثورات الشعبية. حتي المقاومة الفرنسية أو مقاومات دول اوربا الشرقية ضد الاحتلال الالماني أبان الحرب العالمية الثانية، احتاجت لشهور عدة قبل ان تنطلق شراراتها الاولي، مع ما كان وراءها من دعم خارجي بكل المستويات، من قبل دول عظمي تمتلك ماكنة اعلامية ضخمة قادرة علي شرعنة الباطل، وتشويه الحق، وايصال تأثيرها لابعد منزل في هذه الدول. وهو ما لم يتوفر للمقاومة العراقية التي تنكر لها وتبرأ منها حتي الاشقاء العرب والمسلمين.
عكست المقاومة العراقية، بشدة وسرعة انطلاقها، سمات مميزة وفريدة للشخصية العراقية، وما تتحلي به من وعي وطني وقومي وانساني، متبلور ومتكامل بشكل حرم المحتل من التمتع بانتصاراته او منحه الفرصة الكافية لممارسة النهب والسلب والتخريب الاخلاقي والاقتصادي والسياسي.
لم يكن هذا الوعي غريباً علي الانسان العربي العراقي، الذي اسهم عبر التاريخ في تشكيل وتكوين وبلورة العقل العربي الاسلامي، والشخصية العربية الاسلامية، علي ما هما عليه الأن. صحيح ان الاسلام انبعث من مكة، واكتمل في المدينة، الا انه لم يتخذ اشكاله ومدارسه الفكرية، ويتبلور بتياراته ومذاهبه الحالية الا في العراق وبأسهامات الانسان العربي ـ الاسلامي العراقي.
انطلق التشيع من الكوفة، والتسنن في اغلب مذاهبه من بغداد، والمعتزلة والمرجئِة من الكوفة والبصرة، والخوارج من الكوفة، حتي الشيوعي كان له ان يفخر ان اول حركة اشتراكية (القرامطة) ظهرت في الكوفة والبصرة لا في موسكو او بكين، وحتي التصوف والدروشة، وحركات العيارين والشطار كانت من نتاجات العقل العراقي العربي ـ الاسلامي.
كما لم يكن مجرد مصادفة تاريخية ان يكون هناك في العراق ثلاث عواصم لامبراطوريات عربية ـ اسلامية، الكوفة وبغداد وسامراء. واربع عواصم لدول كبري تحسب بحسابات تاريخ ما قبل الميلاد، اور (الناصرية)، الوركاء (الخضر)، بابل (الحلة)، ونينوي (الموصل)، في وقت لم يكن هناك مَنْ يعرف ان هناك ارضاً تسمي امريكا، ولم يكن قد شيد ولا حتي كوخ خشبي واحد في واشنطن أو لندن أو باريس.
لا عجباً، اذاً، ان يقدم العراقيون للعالم درساً جديداً في موضوعات الثورة والمقاومة. وهذا يبطل العجب، ايضاً. لماذا اختار تحالف اليمين المسيحي المتطرف والحركة الصهيونية البدء بتدمير العراق، كخطوة اولي لتنفيذ مخططهم الرامي لتفكيك الهوية العربية ـ الاسلامية.
اربكت المقاومة العراقية، بسرعة انطلاقها، حكومة بوش التي بدأت تغير من تكتيكاتها، فأُسْتبدلت الجنرال المتقاعد كارنر، بالخبير بشؤون مكافحة الثورة (يسمونها مكافحة الارهاب)، بول بريمر، كما انها عجلت في تنفيذ بعض من لعباتها، فشكلت دائرة جديدة تابعة لسلطة الاحتلال واسمتها مجلس الحكم، لتكون غطاء محلياً للاحتلال، وأصبعاً خبيثاً للتلاعب بمقدرات البلد، والامعان في تخريبه، وفرض القوانين والدساتير التي تخدم اغراض الاحتلال واهدافه، بحجة انها خيارت موظفي مجلس الحكم. ونعتقد ان موظفي مجلس الحكم لايملكون الا ان يشكروا المقاومة التي اجبرت سلطة الاحتلال علي توظيفهم وحصولهم علي كل هذه الامتيازات لهم ولاهل بيتهم. واذا كان هناك اية ميزة ايجابية لتشكيل الدائرة المعروفة بمجلس الحكم، فانها يجب ان تحسب لصالح المقاومة، رغم ما يعنيه هذا التشكيل من نوايا خبيثة للالتفاف علي اهداف المقاومة لتحقيق التحرير الكامل، واعادة بناء الدولة العراقية المستقلة.
ان هذا يتنافي، ايضا، مع القوانين الدولية، ولائحة الحرب البرية وملحقاتها، التي تحرم علي قوة الاحتلال تعين حاكم او حكومة مدنية مرتبطة برئيس دولة الاحتلال، كما تمنعها من تشريع اية قوانين او دساتير مدنية، وتؤكد علي اناطة الادارة، بالقائد العسكري للقوات التي نفذت الاحتلال، والذي تقتصر واجباته بالحفاظ علي أمن مواطني، واملاك الدولة الخاضعة للاحتلال، وان تترك للشعب الفرصة في تشكيل حكومته الوطنية التي تتولي التفاوض مع الدولة المحُتلة.
كشفت مثل هذه التكتيكات الاهداف الحقيقة للاحتلال، واصراره علي المضي في مخططاته الارهابية والتخريبية لتفتيت وانهاك الدولة العراقية، والامعان في قتل المزيد من العراقيين رغبة في تحقيق اساطير وتخريصات تحالف اليمين المسيحي المتطرف والحركة الصهيونية، حول امكانية ظهور المسيح بعد مذبحة كبري يقتل فيها الملايين من العرب (بوصفونهم سكان المنطقة).
ان ممارسات سلطة الاحتلال هذه، وانكشاف نواياها الحقيقة، استفزت المشاعر الانسانية والاخلاقية والدينية والوطنية لغالبية العراقيين. وشكلت بذلك دفعة معنوية لقوات المقاومة، التي زادتها مثل هذه الممارسات ايماناً بعدالة قضيتها، وشرعية ممارساتها، فصعدت من عملياتها، رغم تمادي خبير الثورة المضادة في ترتيب وتنفيذ المجازر الارهابية التي تحصد اراواح مئات العراقيين يومياً وفي مختلف المدن العراقية، ونسبتها لشخصية وهمية، لا تقل في درجة وهمها عن الاوهام والتخريصات حول ظهور المسيح، الذي سيعيش ثانية لمدة 800 او 1000 اخري، مما سيعطي بوش واعضاء ادارته الفرصة للتمتع بهذا العمر الطويل، كاعتراف من المسيح بفضلهم باعتبارهم كانوا الادوات التي وفرت له شروط ظهوره. تعكس هذه التخرصات اغراقاً مفرطاً في الانانية، البعيدة عن المثل والقيم الانسانية، التي تتعمد قتل ملايين البشر علي أمل ان تحقق الفرصة الوهمية للعيش سنوات اطول.
ثانياً: ـ تؤكد جميع الدراسات الغربية التي تناولت بالبحث حروب التحرير الشعبية علي ضرورة وجود دولة او مجموعة دول اجنبية لدعم حركة المقاومة، ومدها بالسلاح، والعون المادي، وضمان قواعد خلفية، واماكن ملاذ آمن، كشرط اساسي من شروط ظهور واستمرار المقاومة.
تعزز جميع التجارب الثورية في العالم صحة هذا الرأي، وللابتعاد عن الاغراق في السرد، نذكر بالتجارب العربية في حروب التحرير الشعبية، كانت مصر عبد الناصر اولاً، هي قوة الدعم المادية والمعنوية للثورة الجزائرية، الي الحد الذي أغاظ مولييه رئيس الوزراء الفرنسي ليقود حملة حرب 1956 (حرب السويس) ضد عبد الناصر بأمل التخلص منه، لوقف هذا الدعم، وساهمت الكثير من الدول العربية في هذا الدعم بشكل أو آخر.
كذلك الثورة اليمنية في عدن، والثورة الفلسطينية، ونفس الشيء يمكن ان يقال ايضاً عن التجربة الفيتنامية، والتجربة الفرنسية وتجارب دول اوربا الشرقية ضد الاحتلال الالماني أبان الحرب العالمية الثانية. لعل التجربة الكوبية تشكل استثناء، لكنها كانت موجهة ضد نظام فاسد، ونفوذ امريكي وليس حالة احتلال.
يقدم العراقيون اليوم بمقاومتهم، مدرسة ونظرية جديدة لحركات التحرير، والمسار التاريخي لحروب التحرير الشعبية. كما سبق وان علموا العالم والناس (ومنهم بوش وبريمر) اصول الكتابة والقراءة، وقدموا للعرب والمسلمين التشيع والتسنن، والتصوف، والخروج (من الخوارج) والاعتزال، والارجاء، وعلموا ماركس وانجلز معني القرمطة ومشاعية المال والسلاح. يعلمون الناس والعالم اليوم كيف يمكن لجماعات صغيرة، معتمدة علي قدراتها الذاتية، ان تغلب بأسلحة بدائية، اقوي وأحدث ألة حربية في التاريخ العسكري في العالم، تاكيدا لارادة الخالق كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله .
ان ظهور مقاومة بهذه القوة، وبقدرات ذاتية، في عالم غاب فيه الاتحاد السوفيتي، وعبد الناصر، وماتسي تونغ، هز بشدة، وجرح خيلاء قادة اليمين المسيحي والصهيونية العالمية، وافقدهم توازنهم، وانعكس ذلك في سلوكيات مرتبكة، هي اقرب لهلوسات مصاب بصدمة نفسية حادة وشديدة، يعيش حالة من الاسقاطات المرضية وخداع الذات لتحقيق التوازن النفسي المطلوب للتعايش مع اوضاع جديدة غير متوقعة. فراحوا يروجون لفكرة الاجانب الذين يتسللون ليسددوا الصفعة تلو الاخري لقوي الاحتلال. ان الحديث عن الاجانب هذا يثير هزء وسخرية الناس في العراق عندما ينبري بوش ورجال ادارته في الحديث عن الاجانب الكارهين لأن ينعم العراق برفاهية جزمات اليمين المسيحي المتطرف وهي تدوس علي رقاب العراقيين بامل ان تحقق لهم الحرية والديمقراطية التي سيحسدهم عليها كل جيرانهم واخوتهم من العرب والمسلمين.
سنناقش موضوع الاجانب والغاية السياسية من استخدام هذا المصطلح لتوصيف المقاومة، بدقة وتفصيل اكثر عند الحديث عن الاساليب الارهابية التي تمارسها قوي الاحتلال لمواجهة المقاومة الوطنية العراقية. رغم ان وجود العرب او المسلمين ـ ان وجدوا فعلا ـ لايدنس الهوية الوطنية للمقاومة العراقية. فالخطر واحد والمصير واحد، واذا جاء عربي ليقاتل في صفوف المقاومة فانه ياتي للدفاع عن نفسه وعن الامتدادات التاريخية لما يحمله من قيم روحية واعتقادات فكرية نشأ وتربي عليها فهو يدافع عن ذاته وهويته.
ثالثا: ـ هناك من يعتبر ان غياب الغطاء او التمثيل السياسي للمقاومة نقيصة كبري، في حين انها تمثل بالحقيقة ميزة ايجابية لصالح المقاومة، علي الاقل في هذه المرحلة.قد يكون منطلق هذا النقد هو الرغبة في رؤية المقاومة العراقية في افضل صورها، الا انه قد يكون صادرا من نوايا خبيثة تهدف الي كشف المقاومة او النفاذ اليها لتدميرها وتخريبها. كما يمكن ان يكون مصدر هذا النقد ضيق صدر تجار المقاومات الذين يستعجلون الاستفادة الشخصية منها، بالتظاهر بالعلاقة مع المقاومة او القدرة علي التاثير بها لمن يريد ان يؤثر او يستاثر او يستفاد من المقاومة بشكل او اخر، كما حصل في تجارب السماسرة الذين حاولوا او استفادوا فعليا من تجربة المعارضة العراقية للنظام السابق، وكذلك الحال مع تجربة المقاومة الفلسطينية، علي ان للمقاومة الفلسطينية وتجربتها في التمثيل السياسي درسا اخر استوعبته وادركته المقاومة الوطنية في العراق ، حيث اصبحت مكاتب تمثيل المقاومة الفلسطينية مقرات ومنافذ للفساد والتخريب تسللت من خلالها كل اجهزة المخابرات في العالم لتنهش الثورة الفلسطينية ولتخلق لها من المعارك الجانبية ما انهكها قبل ان تتمكن من تحقيق شيء ، وتقسمت فتح الي فتوح او فتوحات، والجبهة الشعبية لجبهات، وهكذا مرت الثورة الفلسطينية محملة بالاف الشهداء والجروح وانتهت الي المسخ الذي عرف بدولة غزة واريحا.
المقاومة العراقية غير مضطرة او محتاجة لان تعيش نفس التجربة والا ما كان لها ان تبدأ. اهدافها واضحة، والعالم اجمع يدرك عدل وحق قضيتها، وبطلان وزيف كل المبررات التي اتخذتها امريكا لتغطية عدوانها. فاذا كانت الحركة الصهيونية نجحت بشكل او اخر لتضليل العالم حول الاحقية العربية في فلسطين، فالقضية العراقية تمثل حالة نقية وواضحة من حالات استهتار القوة بشكل لايقبل اي تفسير اخر.
أن وضوح الاهداف هذه لم يترك عذرا لاي فرد او جماعة سياسيةعراقية او عربية للبقاء علي الحياد او الوقوف بعيدا عن تدعيم نشاطات المقاومة، وتبني اهدافها، دون ان تكون المقاومة مضطرة لتبني هذا الموقف الايديولوجي او ذاك لهذه القوة السياسية او تلك، فلا هدف يمكن ان يرتقي فوق هدف التحرير وتحقيق الاستقلال الكامل، واي خلافات اخري ستصبح ثانوية جدا امام التحرير وهي متروكة للغد الحر الكفيل بحلها ضمن اطر سياسية وطنية مستقلة، اما الخوض فيها الان فسيشكل جزءا من المؤامرة لجر المقاومة لمعارك جانبية بعيدا عن اهدافها الحقيقية.
لاحاجة اذا لان يقف الانسان ليقول او يخطب ان هدف المقاومة هو اجبار العدو وعملائه للانسحاب من العراق، وترك مصير العراقيين للعراقيين، فهم شعب حضاري، بل معجون بالحضارة في كل ذرة من ترابه وكل خلية من بدن ابنائه، ويعرف جيدا كيف يحقق وجوده ويقرر مصيره دون وصاية من احد، فالقانون والشرائع التي يتشدق بها الامريكيون ابتدعها العراقيون قبل ان تعرف امريكا كقارة موجودة فعلا علي الارض، وشريعة حمورابي خير دليل، كما ان لنا من سيرة عمر بن الخطاب وعلي بن ابي طالب ما يغنينا عن ان نتعلم العدل من اللاعادل السيد بريمر. حتي الديمقراطية التي يتشدق بها الامريكيون الان كانت صناعة عربية، والعراق ارضا وشعبا يمثل امتداد للعروبة، وهذه الملكة بلقيس تصرخ يا ايها الملا افتوني وهي ملكة لكنها لاتأخذ قرارها الا بقناعة شعبها.وهناك اثنان من الخلفاء الراشدين وصلوا الحكم بالانتخاب ووفق رغبة الاكثرية هما الخليفة الاول ابو بكر الصديق، والرابع الامام علي بن ابي طالب.
هناك ظرف سياسي عربي ودولي اخر لايسمح للمقاومة العراقية في ان تبرز ممثليها السياسيين، ففي حالة الجزائر كانت هناك قاهرة القائد العظيم عبد الناصر، وهناك حد من الاستقلالية والشجاعة والاعتداد بالذات عند بقية الحكام العرب مما هيأ الفرصةلحركات التحرر العربية لتفتح لها ممثليات في بعض العواصم العربية،الامر الذي لايتوفر في حالة الحكومات الحالية المرعوبة والمرتعدة الفرائص امام اية كلمة نقد ولو بالتلميح من قبل اي موظف من موظفي الادارة الامريكية مهما صغرت درجته الوظيفية.
ان غياب التمثيل السياسي يعكس ايضا عمق الوعي والايمان بالمصلحة الوطنية والنكران الحقيقي للذات، يبدو فيها المقاوم شمعة محترقة من اجل الاخرين غير محكومة بدوافع تاكيد الذات المريضة والمحكومة بـ أنا مضخمة تسيَد مصالحها علي كل عمل خير لصالح المجتمع، وتتطلع للاستعراض والتمتع بامتيازات التمثيل وعلي حساب دماء الشهداء من الفدائيين.
المصلحة الوطنية ومعايير الوطنية والخيانة
يتفق فقهاء العلاقات الدولية (ونشدد ان غالبيتهم الكبري من الامريكيين) علي ان المصلحة الوطنية هي المعيار الثابت لقياس ومعرفة وتمييز الموقف الوطني السليم من ذلك المتهم بالخيانة، وهو نفس المعيار الذي تستخدمه الحكومات الديمقراطية واولها امريكا لتحديد مواقف وولاءات مواطنيها. والمصلحة الوطنية ليس مجرد مفهوم فضفاض متروك للتفسيرات المختلفة وفقا لما يتمناه الانسان بل هو مصطلح محدد وواضح، ويلخص قاموس العلاقات الدولية جميع التعريفات الامريكية بما يلي:
هو مفهوم شامل يتضمن العناصر التي تشكل وتمثل الحاجات الحيوية للدولة وهي :حماية كيان الدولة، وسيادتها، واستقلالها، ووحدة اراضيها، الحفاظ علي امنها، وتحقيق الرفاهية الاجتماعية لمواطنيها، وليس هناك عنصر واحد يمكن ان يحتل او يسيطر علي وظيفة اتخاذ القرار في دولة علي حساب العناصر الاخري .
ويؤكد صاحب نظرية القوة في العلاقات الدولية هانس موركانثوا علي ان جوهر المصلحة الوطنية للدولة هو البقاء الذي يعني الحفاظ علي وحدة وسلامة اراضي الدولة ومؤسساتها السياسية والثقافية.
كما يؤكد علي ان فكرة المصلحة الوطنية هي في الواقع جوهر السياسة والتي لاتتأثر بظروف الزمان والمكان
فاستقلال الدولة والسيادة الوطنية اولا وقبل كل شيء هما الاساس الذي تتمحور حوله كل العناصر الاخري المكونة للمصلحة الوطنية، والالتزام بالاستقلال وسيادة الدولة كاساس لكل الالتزامات الوطنية للافراد او الجماعات لاتقبل اي التواءات علي المفهوم يمكن ان يمارسها هذا الطرف او ذاك لتبرير مواقفه الخيانية او النفعية او تلك المثيرة للريبة. والامن الوطني يعني كل الاساليب والوسائل الممكنة للدفاع عن المصلحة الوطنية (الاستقلال والسيادة اولا)، تدخل في ذلك حتي الاساليب السلمية التي تعتمدها الدولة للبقاء في حالة الاستعداد للدفاع عن المصلحة الوطنية عندما تتعرض للتهديد، كالتحالفات والعلاقات المميزة مع الدول الاخري، وتمتين البني الاقتصادية التحتية، التعبئة الشعبية وغيرها من مظاهر الاستعداد لمواجهة التهديدات المحتملة وتلك غير المحتملة . وربما كان هذا الاعتبار بالذات، وهو حرص الدولة علي تدعيم امنها القومي تحت اي ظرف وبكل ما يتطلبه هذا الدعم من امكانات وتضحيات، يفسر لنا جانبا هاما من الاسباب التي تدعو الدول الي الدخول في حروب ضد بعضها، فهي قد تخوض الحروب وهي كارهة اذا شعرت ان بقاءها وكيانها القومي قد اصبحا موضع تهديد
الحفاظ علي المصلحة الوطنية والامن الوطني هي نفسها الاسس التي حاولت ادارة بوش ان تصنع منها التبريرات المناسبة لتسويغ العدوان علي العراق، محليا وعالميا، فروجت لفكرة ان العراق يخطط لتصنيع اسلحة الدمار الشامل، وانه يمكن ان يقدم هذه الاسلحة يوما ما للجماعات المتهمة بالارهاب، والتي يمكن ان تستخدمها بالطريقة التي جرت بها عمليات 11 ايلول (سبتمبر). مجموعة فرضيات كاذبة سوقتها لتغطية الاسباب الحقيقية لعدوانها الهادف لتدمير الدولة العراقية من اجل حماية الدولة الصهيونية ومنع ظهور اية قوة عربية يمكن ان تكون محور استقطاب عربي.
ان الحق نفسه يمتلكه العراق والعراقيون للدفاع عن سلامة دولتهم وسيادتها واستقلالها (مصلحتها الوطنية). ولما كان توازن القوي يعمل لصالح امريكا التي استطاعت ان تنتهك سيادة العراق واستقلاله، من الطبيعي اذا، وبالاستناد لنفس المعايير، ان يقاتل العراقيون قوات الاحتلال بالاساليب المناسبة،والمقاومة احد اهمها.
وكما سبق ان ذكرنا ان المقاوم يقدم اغلي ما عند الانسان وهو حياته في الدفاع عن المصلحة الوطنية، اي انه يمثل الالتزام الواعي والنموذجي لهذه المصالح. فهو يمتلك الحق الكامل في تمثيلها وتحديد اولياتها، كل ما عدا ذلك يمكن ان يوصف اما بالخيانة او الاستسلام او الخضوع لروح الهزيمة نتيجة لانهيار القيم والمعنويات، وكل هذه المواقف تعكس حالة امتناع او تخلي عن الالتزام بالمصالح الوطنية مما يحرم هؤلاء الناس من صفة المواطن الصالح، كما تحرمه من حق التحدث عن المصلحة الوطنية.
وفي اي دولة من دول العالم، فان المتمسكين بالمصلحة الوطنية والمدافعين عنها هم المؤهلون عرفا وشرعا لمسك القوة او الحكم في البلد، لا اولئك الذين يغلبون مصالحهم او مصالح دولة اخري عليها. هذا المعيار لاينطبق حصرا علي المقاومة الوطنية في العراق فقط، بل هو الاساس او القاعدة لتولي السلطة حتي في الدول التي تعيش حالة من الاستقرار الامني، بما فيها الدول الديمقراطية وامريكا من ضمنها. ففي الحملات الانتخابية يعرض المرشحون للرئاسة قدرتهم علي الحفاظ علي المصالح الوطنية لاقناع مواطنيهم بانتخابهم لتولي السلطة. يتم التركيز دائما في هذه الحملات علي متطلبات الامن الوطني اكثر من غيرها من الامور الاخري في اوقات الازمات، وتطرح المهمات الامنية جنبا الي جنب مع الشؤون الداخلية الاخري في حالات الاستقرار.
المواطن الصالح، مهما كان موقعه الاجتماعي او السياسي ملزم قانونا بعدم الاخلال بأساسيات المصلحة الوطنية والامن الوطني، وبعكسه يتعرض للمحاسبة القانونية. ويندرج تحت مفهوم الاخلال هذا، مايلي:
ـ تقديم معلومات لدولة او منظمة في حالة حرب او تخطط لحرب او عدوان علي البلد.
ـ تقديم اي شكل من اشكال المساعدة لقوات دولة في حالة حرب مع البلد.
ـ التعاون مع قوات محتلة (والاحتلال يمثل حالة تهديد مباشر وفعلي علي استقلال وسيادة البلد) لتسهيل استمرارها في الاحتلال، والتدخل بالشؤون الداخلية للبلد.
ـ تدمير او نهب او الاضرار بأي من ممتلكات البلد لصالح دولة معادية بما يسبب خللا في قدرات البلد الدفاعية.
تلك معايير امريكية للخيانة وليست مجرد اجتهاد شخصي من الكاتب، وبما اننا نعيش في عصر العولمة الامريكية،
يتهالك فيه الخونة في الاعجاب بالحضارة والرقي الامريكييًن، عليهم اذا ان يقبلوا كل المعايير الامريكية، لا ان ينتقوا منها مايبرر خيانتهم ويحقق مصالحهم ويروي توجهاتهم النفعية المريضة ويتركون ما هو عادل، او دليل ادانة.
سنورد هنا بعض الامثلة من السلوك القانوني الامريكي حيال بعض الحالات لمواطنين امريكيين لم يلتزموا بهذه المعايير مما جعلهم عرضة للاتهام بالخيانة:
1 : ـ سوزان لينديرا، اعتقلت في 11/3/2004 بتهمة العمل كجاسوسة لصالح جهاز المخابرات العراقية. والدلالات هي :
ـ زارت مقر بعثة العراق الدائمة في الامم المتحدة عدة مرات بين 1999 ـ2002.
ـ تلقي اموال من الاستخبارات العراقية تصل لحد عشرة الاف دولار.
ـ قامت بزيارة لبغداد عام 2002، دفعت المخابرات العراقية تكاليف السفرة.
ـ الاجتماع بعميل سري لمكتب التحقيقات الفيدرالية الامريكية انتحل شخصية ضابط مخابرات ليبي وتناقش معها عن امكانية دعم المقاومة العراقية.
في حالة ثبوت هذه التهم فانها تواجه حكما بالسجن مدة اقصاها 30 عاما.
2 : ـ خالد عبد اللطيف الدميس،القي عليه القبض في كانون ثاني 2004، بتهمة التجسس علي منشقين عراقيين والاتصال بضباط مخابرات عراقية.
3 : ـ احمد حلبي، جندي في سلاح الجو الامريكي، يعمل كمترجم في سجن غوانتانامو. القي القبض عليه في 12/1/2004 بتهمة التجسس علي اساس الشك في انه يزمع ايصال معلومات وصور عن معسكر غوانتانامو للحكومة السورية. اما التهمة الثانية فهي التعاطف مع السجناء الي حد انه احضر طعاما غير مسموح به لهم (بقلاوة).
اي انه حتي مع ثبوت التهمة فهو لم يقدم معلومات فعلا بل ينوي ذلك، مع ثبوت تهمة تقديم بقلاوة لسجناء معادين. مهدد بالسجن لمدة 30 عاما، باعتماد النيات وليس الافعال كأدلة أدانة.
4 : ـ فتحي محالبه،مترجم في معسكر غوانتانامو، متهم بالتجسس لاحتفاظه ببعض المعلومات السرية دون اخبار السلطات الرسمية بذلك.
5 : ـ جاك فار، عقيد احتياط، عمل في معسكر غوانتانامو، متهم بالتجسس لاحتفاظه ببعض المعلومات السرية بدون اخبار السلطات الرسمية بذلك .
6 : ـ رايان اندرسون، جندي اميركي في الوحدة 101، اتهم بالتجسس لحساب القاعدة، واستعداده لتسريب معلومات استخبارية عسكرية لتنظيم القاعدة، مع انه لم يقدم فعلا اية معلومات، وكل ما في الامر انه عرض من خلال غرف الدردشة علي الانترنت استعداده لتقديم معلومات عسكرية لاشخاص كانوا يحاورونه متظاهرين بانهم من اعضاء القاعدة في حين انهم في الحقيقة ضباط مخابرات امريكيين متنكرين، تعمدوا الايقاع به.

معرض للحكم بعقوبة الاعدام. والحكم هنا يقوم علي اساس النيات وليس الافعال.
اي ان تهمة التجسس، وفقا للمعايير الامريكية، يمكن ان تقوم علي الشبهة والنية، فمجرد الاحتفاظ بمعلومات سرية يعكس او يشكل برهانا او دليلا علي امكانية ان تتحويل النية الي فعل. كذلك يندرج تحت مفهوم التجسس الاتصال بأي مسؤول من دولة معادية، كما هي حالة لينديرا، لانه لو كانت جاسوسة فعلا لكانت اكثر حذرا في تحركاتها ولما سافرت للعراق بشكل مكشوف، وهناك وسائل عدة للاتصال بمن تتجسس لهم.
كما ان اجهزة المخابرات العراقية تمتلك مئات الوسائل لتغطية تكاليف سفرها دون ان تثير الانتباه لذلك. ان تهمتها الحقيقة هي انها وكما كشفت وكالة فرانس برس كانت من الامريكيين المعارضين للحرب حيث تضمنت لائحة الاتهام " ارسال لينديرا خطابا الي منزل مسؤول امريكي في كانون الثاني، تعرض فيها وجهت نظر بعض المسؤولين العراقيين الذين قابلتهم، (وهو ما اعتبر محاولة فاشلة منها للتأثير في السياسة الخارجية للولايات المتحدة ) اي ان مجرد الاعتراض علي السياسة الخارجية يمكن ان يكون اساسا للاتهام بالتجسس. وتضمنت لوائح الاتهام بالتجسس حتي حالة تقديم انواع محددة من الطعام (البقلاوة) لاسري العدو.
سنترك للقارئ الحكم علي من قدم من العراقيين معلومات ومساعدات للاستخبارات الامريكية مقابل اموال، ومن شارك فعليا بالهجوم علي العراق كدليل لتعريف القوات المعتدية بالطرق والمناطق العراقية المختلفة لتسهيل عمليات الالتفاف علي القوات العراقية ومحاصرتها او تحاشي المواجهة المباشرة معها. يدخل ايضا في باب الخيانة بث الدعايات التي اثرت في معنويات الجنود العراقيين. وكذلك من يعمل بأمرتهم الان ليشكل لهم غطاءً محليا للاحتلال، اضافة لمن يمكن ان يقدم معلومات عن المقاومة او عمن يرفض الاحتلال ولو بالنيات والكلام. ماهو الحكم لو قلبنا الصورة وكان هؤلاء مواطنين امريكيين وقاموا بما قاموا به. ماهو الحكم الذي سينتظرهم؟ أليست جرائمهم هذه أشد اضرارا بالمصلحة الوطنية من تقديم البقلاوة لسجين معادي!
الخيانة واحدة.. ولاتقبل تفسيراً ولاتتحمل تبريراً. والموقف الوطني واحد، عبر الامم والحدود،ولا يبرره معارضة حكم دكتاتوري، والا لاصبح من حق المواطنة الامريكية لينديرا ان تقول انها معارضة لنظام بوش لتبرر ما وجه لها من تهم تقوم اغلبها علي الظن.
ان التعاون مع اجنبي في حالة حرب او يبيت لعدوان علي البلد يلغي صفة المعارضة لنظام دكتاتوري، لانه يلغي اساسا وطنية هكذا معارضة ويضعها في صف العدو للوطن وليس النظام.
المعارضة كمفهوم سياسي تعني موقفا يقوم علي قاعدة ادراك ان النظام القائم لايخدم اساسيات المصلحة الوطنية، ولكي تكسب حولها حجما من الانصار والمؤيدين فأنها تظهر التزاما بالمصلحة الوطنية، بشكل افضل مما يحققه النظام القائم. المعارضة حتي تستحق هذا الاسم لاتعبر عن موقف شخص او مجموعة اشخاص، بل غالبية ابناء الشعب. اما ان تتشكل علي اساس عمالة شخص او مجموعة اشخاص لدولة معادية تمنحه او تمنحهم اموال لجمع بعض الانصار فهي ليست بالفقه السياسي معارضة بل جماعات مرتزقة.
وعليه فالمقاومة هي الممثل الشرعي الوحيد الذي يمتلك الحق في تمثيل الوطن ومصالحه العليا. وكل من تعامل مع الاحتلال فهو، وبالمعايير الامريكية نفسها، جاسوس وخائن، لسلطة المقاومة وحدها الحق في العفو عنه اذا اعلن توبته قبل فوات الاوان او تجريمه وهي، ووفقا للمعايير الامريكية ايضا، لاتحتاج لادلة فالفعل.. لا النيات سيد الادلة.

باحث في السياسة الدولية من العراق
mzalhuaini@btinternet.com

الاربعاء 16 ربيع الاول 1425 / 5 آيار 2004