المقاومة العراقية والارهاب الامريكي المضاد

الحلقة الثالثة

شبكة البصرة

د. موسي الحسيني

سلطة الاحتلال تتحدث عن اعداء وهميين.. والرسالة المنسوبة للزرقاوي مكتوبة بلغة المحتل
بريمر وامثاله لا يريدون فقط سلب الشعب العراقي حريته وكرامته ولكن تجريده من تاريخه وثقافته

حرب التحرير الشعبية بين المقاومة والاحتلال

ان احد اهم القوانين العامة التي تحكم مسار وتطور عمليتي الثورة والتحرير، هي طموح النخب الثورية التي تبادر بالمقاومة باسلوب حرب العصابات، الانتقال من مرحلة المقاومة الي مرحلة حرب التحرير الشعبية، المرحلة الاخيرة ما قبل النصر النهائي، وانجاز عملية التحرير الكامل من الاحتلال، وتحقيق الاستقلال الفعلي.
الاحتلال، مثله مثل اية عملية، استثمارية للقوي الاستعمارية والشركات الكبري او عابرات القارات التابعة لتلك القوي، يخضع لحسابات الربح والخسارة. فكلما كانت المقاومة محدودة أو محصورة بقطاع صغير من الشعب، أو منطقة محدودة من البلد الواقع تحت الاحتلال، يحقق ذلك لقوي الاحتلال القدرة والفرصة المطلوبة للمضي في انجاز غاياتها، بكلفة صغيرة تظل اقل في قيمتها من الارباح المادية أو المعنوية التي يأمل المحتل ان يجنيها من الاحتلال. في حين ان انتشار الثورة الشعبية لا يزيد فقط من كلف الاحتلال، بل يعيق عمليات السلب والنهب، ومخططات التخريب الاجتماعي والاخلاقي والثقافي المطلوب تحقيقها من عملية الاحتلال، ويحوله الي مشروع استثماري خاسر، سيتم العمل علي تصفيته بطريقة وأخري مع محاولة الحفاظ علي ماء الوجه تحت شعارات مختلفة.
وفقا لهذا الاطار من الصراع بين المقاومة الوطنية لمنع النهب الاستعماري، وقوي الاحتلال المستعجلة علي المضي في النهب والسرقة، يمكن تفسير عمليات المقاومة في نسف انابيب النفط، فهي ليست عمليات تخريب كما يصفها اللصوص الدوليين، بقدرما هي رد فعل صاحب الحق المغلوب علي امره وهو يري اللصوص يريدون حمل ما غلي ثمنه وقل وزنه، فيدمر بعض امواله لسد الطريق عليهم للحفاظ علي البقية الغالية ومنع العدو من الاستفادة ولو من القليل. وليس صحيح ما يقال بان المطلوب من تصدير النفط هو اعادة اعمار العراق، فمن دمر البني الاقتصادية العراقية ليس حريصاً علي اعمارها، ومع ذلك فالاعمار شأن عراقي سيعاد تخطيطه وتحقيقه وفقا لما يرغب ويريد اهل البلد، في ظل الاحتلال ستصرف الاموال العراقية بالطريقة التي تخدم متطلبات المصالح الامريكية، وما يصل منها للبلد سيخدم رفاهية قوات الاحتلال ويسهل لها بقاءها، وسيصرف بعضها الاخر لتخريب الانسان العراقي، ويذهب الباقي لصالح جيوب التابعين المحليين. ومن يتابع الاحداث يمكن ان يلاحظ ظهور 86 مليونيراً جديداً بانت عليهم اثار النعمة منذ بدأت حملة الدعاية للتحضير للعدوان علي العراق، ولم يجن هؤلاء اموالهم بجهد اضافي بذلوه، او علي اساس الربح الحلال بل من خلال التهافت والخيانة.
لحل الصراع بين هاتين الارادتين، ما تريده وتسعي اليه المقاومة في ان تتحول الي حالة حرب تحرير شعبية، وما ترديه وتسعي اليه قوي الاحتلال في خنق المقاومة وتفتيتها والقضاء عليها قبل ان تتحول الي حرب تحرير شعبية يصعب التغلب عليها. تلجأ سلطات الاحتلال عادة، لمجموعة من العمليات العسكرية المدعومة بحملة دعاية ممنهجة ومنظمة لتشويه المفاهيم والحقائق الجارية علي الارض، وبما يندرج تحت مفهوم الحرب النفسية وعملية غسيل الدماغ، مستثمرة بذلك الاوضاع النفسية والعصبية التي يعيشها العراقيون، اوحالة التوتر والشد والصراع النفسي التي تخلقهما حالة تداخل الانفعالات المتصارعة، الهياج الانفعالي الذي يصاحب عادة حالة الفرح الشديد بتحقق ما كان يعتقده الانسان مستحيلاً، وهو الفرح بزوال النظام القمعي السابق، والهيجانات الانفعالية التي تصاحب حالات الحزن والغضب، بأن تتم نهايته بهذه الصورة التي اوصلت البلد للوقوع تحت الاحتلال، فما جري ليس الا تخلص وتحرير من عبودية محلية، بعبودية لقوي اجنبية معادية. اضافة الي الانفعالات التي تلازم اوضاع الحرب، ومارافقها من عمليات تخريب وتدمير لكل ما هو عراقي من بني اقتصادية وادارية وأمنية وحتي اجتماعية، وغير ذلك من المظاهر التي تخلق المجال النفسي الذي يضع الانسان في حالة الصدمة والدهشة والانبهار المصحوبة بنوبات قلق وخوف شديدين ليس فقط علي الحاضر والذات بل علي المستقبل والعائلة والاولاد. والثابت علمياً ان في مثل تلك المجالات النفسية تتعطل او تتشوش جميع العمليات العقلية، ارتباك في الادراك، تهميش في الوعي، الذاكرة، التركيز، التفكير، يفقد بذلك الانسان كل يقين، ويتعرض للاهتزاز، كل ما يعرفه، ما يؤمن به، الانماط السلوكية المتعلمة، القيم الاخلاقية التي تمثل اقوي الضوابط الاجتماعية لهذا السلوك.
ان هذه الخصائص التي تميز الاجواء النفسية والاجتماعية السائدة في عراق ما بعد الاحتلال، تجعل الشعب حقلاً خصباً لتجريب اساليب الحرب النفسية وعمليات غسيل الدماغ.
لا تقل الحرب النفسية خطورة عن العمل العسكري المباشر، بل تتجاوزها احياناً وبدرجات كبيرة لانها تحقق اهدافها دون ان يشعر الانسان بها، فالعقيدة التي تتحكم بالمخططين للحرب، هي تحقيق النصر. بأقل قدر ممكن من الخسائر، لذلك كلما قل اندفاع جنود البلد وسكانه في مقاومة قوات الغزو، يصبح الغزو او الانتصار اكثر سهولة، وتتناقص الخسائر في الارواح والمعدات، تلك هي وظيفة الحرب النفسية. تتفاعل الحرب النفسية مع عمليات غسيل الدماغ لخلق حالة قبول شعبي بالاستسلام للغازي بل وحتي قبول بقائه كقوة احتلال بما يضمن استمراره لاطول فترة ممكنة.
سنبتعد عن متابعة شرح الاليات الفنية والتقنية للحرب النفسية منعاً للاطالة والذهاب بعيداً عن جوهر الموضوع، وسنركز هنا علي بعض مظاهرها التي تحاول قوي الاحتلال تطبيقها في العراق، املاً في تدمير المقاومة، ومنعها من الانتشار والانتقال الي مرحلة حرب التحرير الشعبية.

الحرب ضد المقاومة بتوجيه الانظار نحو عدو وهمي

تحاول سلطة الاحتلال تحويل انظار الانسان العراقي عن العدو الحقيقي لاعداء وهميين وتحملهم مساوئها وسلبياتها وجرائمها. وتلبس هي لبوس الحمل الوديع، ولتحقيق ذلك لجأت اولا لمحاولة استثمار الحقد الشعبي علي النظام السابق، وتوجيه هذا الحقد ضد المقاومة لدفع الشعب بعيداً عن المشاركة في عمليات التصدي والمقاومة، والامتناع عن التعاطف معها أو دعمها والانتماء لها. بأعتبار انها يمكن ان تكون سبيلاً لعودة القمع والديكتاتورية. وتم تصوير المقاومة علي انها مجموعة من الموالين للنظام السابق، أو مجموعة من المرتزقة الذين ينتقمون من قوات الاحتلال بسبب فقدانهم لامتيازاتهم التي كان ينعمون بها أبان العهد السابق.
تركزت توجهات سلطة الاحتلال حول هذا المفصل الي ما قبل اسابيع من اعلان القبض علي صدام، بدأ الحديث يتجه نحو عزة الدوري بأعتباره هو المحرك الحقيقي لعمليات المقاومة وليس صدام حسين.
وعزة رجل مريض بفشل في احدي او كلا الكليتين، اي انه يحتاج لعمليات غسيل الكلي كل اسبوعين او مرة بالشهر علي الأقل، وهذا يعني انه من المحتمل قد توفي بسبب ظروف الاختباء التي لا تحقق له مثل هذه الرعاية الطبية. اضافة الي ان الرجل لم يعرف عنه أية قدرات قيادية تؤهله لقيادة مثل هذا العمل الشاق والمعقد (المقاومة).
بعد الاعلان عن اعتقال صدام، وفشل الحملة التي ارادت ان تخلق من عزة الدوري بطلاً، لتلبسه مسؤولية المقاومة، والعمليات الارهابية التي تمارسها قوي الاحتلال. برز بعد ذلك وفجأة اسم ابو مصعب الزرقاوي.
والزرقاوي شاب اردني اسمه احمد فضل نزال الخلايله، ظهر اسمه اول مرة بتهمة التحريض او التخطيط لعملية اغتيال موظف دبلوماسي امريكي يعمل في العاصمة الاردنية في شهر تشرين الاول (نوفمبر) 2002، وقيل في حينها انه هرب بعد ذلك الي العراق لتلقي العلاج هناك من مرض في الكلية ايضاً، وانه التحق فيما بعد بمعسكرات انصار الاسلام في شمال العراق. حاولت ماكنة الدعاية الامريكية ان تصور ذلك بصورة الدليل علي صلة صدام بالارهاب، وذكر بوش في احد خطاباته التي القاها في تشرين الثاني (اوكتوبر): ان احد اهم قيادي القاعدة دخل العراق وتلقي علاجه هناك .
خلال العمليات العسكرية العدوانية للغزو، تم قصف مواقع انصار الاسلام بشدة ثم السيطرة عليها، واختلفت الارقام عن عدد قتلاهم بين 250 ـ 700. ولم يتطرق احد، بعد ذلك لذكر الزرقاوي الذي لفه النسيان، أو ان قصته كانت قد حققت الاهداف المطلوبة منها، وانتهي الامر.
مع تصاعد عمليات المقاومة وفشل الحملات العسكرية ضد المدن العراقية، بغداد وشمالها خاصة، فجاة، بدأت حملة الترويج لاسطورة الزرقاوي تتصاعد تدريجياً، والتي وصلت قمتها في الرسالة المزعومة التي نسبت اليه، والتي تكشف عن نياته لاثارة حرب اهلية، طائفية في العراق من خلال بعض العمليات الارهابية ضد الشيعة وبما يحفزهم للتحرك للاشتباك مع السنة.
كتب الكثير من الكتاب العرب عن الدلالات الواضحة التي تكشف حجم التلفيق والتزييف الذي تحمله الرسالة المزعومة، الا ان ما كتبه خالد خليفة علي صفحة
BBC-Arabic.com، يوم 13/03/2004، قد يكون اكثر الكتابات تركيزاً، ووضوح، الا انه هناك بعض الدلالات الاخري لم ينتبه لها الاستاذ خالد، أو غيره من الكتاب.
1 ـ يلاحظ ان الزرقاوي المزعوم كتب رسالته مستخدماً مصطلحات خاصة بسلطة الاحتلال، والغريبة عن لغة ومصطلحات الداعية السلفي. فقد تكرر مصطلح المثلث السني مرتين في الرسالة. ولو انه يعقبها بعبارة اذا صحت التسمية ، لكن الحقيقة تظل ان المصطلح امريكي الصناعة والاخراج. وهو لايتماشي مع لغة الجماعات السلفية.
2 ـ ان رسالة مهمة بهذا المستوي بين زعيمين في قمة قيادة تنظيم سري، مطارد ومطلوب علي مستوي عالمي، وجوائز بالملايين تقدم لمن يدلي ولو بخبر عن اماكن تواجدهم. وهما علي هذا المستوي من الذكاء، والدقة في التخطيط، الي حد اثارة حروب اهلية. يتناقض واقع الحال هذا مع ما قيل عن كون الرسالة مكتوبة بالاصل علي قرص الكتروني او (
CD)، وما يفرضه هذا التكتيك من تعقيدات في الكتابة والقراءة، يحتاج الي مكان آمن ومستقر، مع وجود اجهزة كمبيوترية وطاقة كهربائية مستمرة. ثم ان لجوء الزرقاوي لكتابة رسائله علي قرص الكتروني، تشير الي انه مجرد ابله، دعي، لا يجيد حتي ابسط اصول لعبات العمل السري، وما يفرض من حرص ودقة علي المراسلات الخاصة بقيادة التنظيم. يكون الورق اكثر ملائمة في مثل هذه المراسلات، حيث يمكن ثني الورق وطيه وخزنه في اماكن صغيرة بين الاغراض الشخصية، كما يمكن تمزيقها عند مواجهة خطر الانكشاف.
3 ـ التدقيق في الرسالة يكشف بوضوح ان الغاية من كتابتها ليس شرح خطة سياسية، بل تعمد كاتبها استخدام لهجة الشتائم والاوصاف المقذعة لأثارة قارئها. اي انها كتبت وكأن هدف كاتبها كشفها واطلاع الشيعة عليها لاثارتهم. فلغتها ليست لغة شرح بل أثارة.

وامام الاكاذيب التي ظل يرددها اعضاء الادارة الامريكية عن اسلحة الدمار الشامل العراقية، والدلالات الزائفة التي عرضها وزير الخارجية كولن باول عن الصور الملتقطة من الجو لمداخل مخازن تحت الارض، وشاحنات نقل محورة لمختبرات لصناعة الاسلحة البيولوجية، واشرطة صوتية عن مكالمات صوتية بين ضباط عراقيين مزعومة. وبدون خجل. والتي تبين انها ليست الا ادلة مزورة ومفتعلة فهل يصعب عليه ان يُزَّور رسالة لا تحتِاج كتاتبها لاكثر من 3ـ 5 دقائق، والكتابة علي قرص الكتروني سيبعد المحاججة والتدقيق في مطابقة الخطوط لكشف الحقيقة
ان اهم ماورد في الرسالة الملاحظة التي انتبه لها كثير من الكتاب الذين تناولوا الرسالة بالبحث والتدقيق، هي كون الزرقاوي وكما يظهر في الرسالة لم يكن عضواً فيما يعرف بتنظيم القاعدة، بل هو شاب يطمح لان يبني تنظيماً جديدا، وحقق بعض النجاح في هذا الاتجاه، ويريد ان يستخدم تنظيمه الجديد وما يخطط له، كميزة يمكن ان تعزز طلب الانتماء للقاعدة. اي انه لم يصبح بعد عضواً فيها. واذا اخذنا هذه المعلومة بنظر الاعتبار مع القول بصحة الرسالة، فان ذلك يثير تفسيراً أخر.
كل ما قيل عن الزرقاوي انه شارك في عمليات المقاومة ضد الوجود السوفيتي في افغانستان (كانت الدعاية الامريكية تعتبرها عمليات جهادية مشروعة). ثم عاد الي الاردن بعد انسحاب السوفيت منها، بقي هنالك حتي عام 1999، حيث دخل العراق لاجراء عملية في الكلية ثم التحق بجماعة انصار الاسلام. بقي في شمال العراق أو انه عاد ودخل الاردن ثانية لينفذ عملية اغتيال احد الدبلوماسيين الاميركان.
اي انه كان في افغانستان، ولم يكن من تنظيم القاعدة، او من جماعات ابن لادن الخاصة. ونحن نعرف ان المخابرات المركزية الامريكية بالتعاون مع بعض اجهزة المخابرات العربية، كانت تتولي تجنيد ودعم ما يعرف بالمجاهدين العرب، ولاشك ان لكل من هذه الاجهزة عناصرها الخاصة المندسة بين جماعات المجاهدين، لا نستبعد والحالة هذه ان يكون الزرقاوي من الجماعات التابعة مباشرة للـ
CIA. واذا كان ما زال حياً فعلاً، لا يستبعد ان يكون ملاذه الأمن في احد معسكرات الجيش الامريكي في العراق، حيث تتوفر لديه اجهزة الكمبيوتر، والطاقة الكهربائية التي تمكنه من كتابة رسالته، التي قد يكون احد اغراضها هو الاندساس علي جماعة القاعدة، وكشف اماكن اختبائهم، مع ما مطلوب اصلاً من هذه الرسالة من اثارة فتنة طائفية تخطط لها سلطة الاحتلال، وبعثات المخابرات الاسرائيلية العاملة بنشاط في العراق. ليس هناك من تفسير اخر، مقبول، يرجح اية احتمالية تتعارض مع الاستنتاج اعلاه، عند الاخذ بنظر الاعتبار، كون العراق كان مستهدفا دائما ومنذ السبعينات وحتي قبل ذلك من الغرب واسرائيل التي كان احد خياراتها لانهاك العراق هو اثارة الفتنة الطائفية. وسواء أكان الزرقاوي فعلا من تنظيم القاعدة او اي تجمع ديني اخر، او لم يكن كذلك، هو لا يخدم في المحصلة النهائية الا اسرائيل وقوي الاحتلال بمثل هذه العمليات، ويفترض بمن يخطط لعمليات استراتيجية كبري، ذات نتائج سياسية خطيرة يمكن ان تؤثر في النظام العالمي، أن يمتلك عقلية استراتيجة مميزة يفترض ان تبعده عن عمل يمكن ان يخدم في نتائجه النهائية اهداف عدوه، ومن خلال فهم الانسان لسمو ونبل العمل المقاوم يستطيع القول ان المقاومة الوطنية العراقية ستتولي هي لا قوات الاحتلال تصفية مثل هذه العناصر، التي تقف في صف اعداء العراق في نياتهم لانهاك العراق وتفتيت طاقاته.ان شارون رئيس الدولة الصهيونية الحالي، هو نفسه صاحب المشروع المعروف باسمه، والمعنون باسم استراتيجية اسرائيل للثمانينات ، والذي يؤكد علي ضرورة استخدام الطائفية لتمزيق البلدان العربية الكبري الي مجموعة دول صغيرة متناحرة، حصة العراق منها ثلاث دويلات، وكانت جريدة السفير قد نشرت هذا المشروع كاملا في حينها ليتها تعاود ذلك للتذكرة.
يضاف لكل ما مر حقيقة كون الزرقاوي شاباً اردنياً لا يتجاوز عمره 37 سنة وليس هنالك اية دلالة تشير الي تمتعه بمستوي فوق العادي من الذكاء الذي يؤهله لبناء وقيادة تنظيم بهذه السرعة، والحيوية والنشاط والقدرات غير الطبيعية التي تتجاوز كل قدرات اجهزة استخبارات العدو، مع انه لا يحظي برضا وقبول العراقيين. وهو شخص لم يسبق له ان اقام بالعراق، كما تسجل معلومات المخابرات الامريكية، انه دخل العراق ولاول مرة عام 1999. (ولو أن من المرجح ان يكون تاريخ دخوله نوفمبر 2002، اي بعد اغتيال الدبلوماسي الامريكي في عمان). مهما تكن الحرية المفترض انها كانت معطاة له للعمل في العراق، فأن من الصعب ان ينجح في مثل هذه المدة القصيرة في بناء تنظيم قوي بمستوي العمليات التي تنُسب اليه. ومهما يكن عدد الاعضاء من غير العراقيين، صغيراً، في صفوف مؤيديه، فانه يحتاج لشبكة اكبر من الاعضاء العراقيين الذين يهيئون له المأوي والطعام. والمأوي هنا ليس بيوتات عادية للاقامة فقط، بل اماكن للتدريب واعداد الاسلحة وخزنها، اضافة لشبكة اخري للاستطلاع والمراقبة اللازمين لتنفيذ اية عملية، وغير ذلك من الضرورات التي يتوجب توفرها للاعداد والتخطيط والتنفيذ لمثل هذه الامور.
الاعقد في أمر هذه العمليات، انها نشاطات متحركة علي امتداد الارض العراقية من النجف، الي اربيل، كربلاء ، الكاظمية وبغداد، يتطلب هذا وجود مقرات عديدة، وأخري بديلة في مختلف مدن العراق الكبري، ومجموعة من الانصار الانتحاريين لا يقل عددهم عن 1000ـ 1500، بأقل تقدير يمكن ان يتناسب مع حجم ما تم من علميات ارهابية لحد الان. اي انه ومهما قيل عن اجنبية انصاره، يحتاج لحزام عراقي كبير ومنتشر، مع ان خبرتنا بشعبنا تعلمنا ان الفرد العراقي، مهما كان جاهلاً وغير متعلم، فانه لا ينقاد بهذه السرعة لقناعات هائمة تقوده لحد التضحية بحياته وقتل المئات من ابناء بلده عبثا، او بهدف بيع تلك الدماء لتنظيم سياسي اخر.
ان العمل المقاوم، والانتحاري يحتاج لقناعات عميقة وراسخة، ولا يندفع الانسان بأتجاهه بمجرد التحريض الاني، والسطحي، فعقول البشر، مهما كانت بسيطة، ليست جهاز كمبيوتر يمكن ان يطبع عليه الاخر ما يشاء من قناعات أو ما يريد من استجابات بين ليلة وضحاها. مع ان الاحداث تتسارع بنسبة عالية، والطرف الاخر يمتلك بالمقابل كل وسائل الدمار والقتل، والاغراء ايضاً بالمكافأة المالية والوظيفة، مما يجعل الصراعات النفسية حادة جداً بدرحة تمنع الانسان من ان يتخذ قراره بسرعة بالميل لهذا الطرف أو ذاك. وكما سبق ان ذكرنا فان المقاوم يتصف بنبل وسمو الاخلاق وعمق الوعي، وصفاء الادراك وسلامته مما يجعله مهيئا لفهم طبيعة العلاقة بين الانسان والارض والهوية، ويهيئه نفسيا للتضحية بالذات من اجل ديمومة هذا الوجود الانساني للهوية الثقافية الخاصة.
ان موضوع المال اللازم توفره لتغطية نشاطات بهذا الحجم، هي دلالة أخري علي غرابة قصة الزرقاوي، الذي لم يكن غنياً ولا ابن عائلة غنية، كما هو حال بن لادن، وهو ليس عضواً في تنظيم القاعدة حتي نقول انه يتحرك بأموالها. فمن اين جاءته هذه الامكانات الضخمة، فجأة!؟
ان صورة وزير الخارجية كولن باول، وهو يعرض بحماس امام الجمعية العامة للامم المتحدة دلالات لا وجود لها عن اسلحة الدمار الشامل، وصورة الرئيس بوش وهو يحمل بيده قنينة صغيرة بحجم اصبع اليد، امام مجلس الامن ليقول ان ما في هذه الزجاجة الصغيرة من مواد كيمياوية يملكها العراق، كافية لتدمير مدينة بحجم نيويورك، وصورة الطفلة الكويتية التي أدعت ان الجيش العراقي دخل علي مستشفي الاطفال الذي تتطبب به، ورماها وزميلاتها علي الارض ليسرق الاسرة والاجهزة، والتي تبين فيما بعد انها ابنة سفير الكويت في اميركا، وانها لم تكن في الكويت في وقت دخول القوات العراقية، وغيرها من ألالاف القصص الذي لا تتورع الادارة الامريكية ولا اجهزة دعايتها عن اختلاقها للتأثير في قناعات الناس، يجلعنا نعتقد ان شخصية الزرقاوي مجسدة من خلال سلوكياتها والعمليات الارهابية المنسوبة اليها، ما هي في الحقيقة إلا شخصية السيد بريمر نفسه أو أحد ضباطه، أو أحد ضباط الموساد العاملين بأمرته أو بالتعاون معه. ذلك ان اثارة فتنة طائفية، واخري عربية ـ كردية، هي رغبة امريكية، واسرائيلية قديمة، كما وضحنا في اعلاه، وهو ما تحاول المقاومة جاهدة التصدي لها، وطرد قوات الاحتلال التي جاءت لتنفذ علي الارض هذه الخطة لتقسيم العراق. والمقاوم بنبله ورفعة اخلاقه يضحي من اجل حماية ابناء بلده وتخليصهم من القتل والدمار المسلط عليهم من قوي الاحتلال.
هكذا تحاول سلطة الاحتلال في حربها الارهابية ضد الشعب العراقي، وفي محاولاتها المستميتة لقمع المقاومة، العمل علي تجريد المقاومة من صفتها الوطنية، ومثلها الاخلاقية العليا، وايمانها بالعدالة والاستقلال والانسانية، من خلال نسبتها احياناً لبقايا انصار صدام حسين تاره ولشخصية وهمية مزعومة تدعي الزرقاوي في احيان أخري، الذي لا يستبعد كما ذكرنا ان يكون، مشخصاً بسلوكياته، هو بريمر نفسه، الذي لا تهدأ غرائزه السادية المريضة إلا بقتل العراقيين بالمئات، واشاعة الفوضي والارهاب، ثم يتظاهر بالتأثر والانفعال واستنكار ما جنته يداه، موجهاً حقد الناس بعيداً عنه نحو شخصية وهمية، مزعومة سماها الزرقاوي، وقد تعكس هذه الظاهرة حالة فصام في الشخصية عند بريمر، اذا افترضنا انه كان يوماً صادقاً في شكواه من شخصيته الثانية ـ الزرقاوي ـ اكتشف عالم النفس الاجتماعي الفرنسي غوستاف لوبون، هذه الاساليب القديمة التي يستخدمها بعض المحرضين الذين يحاولون اللعب بعواطف الجماهير ونقلها بالاتجاه الخطأ الذي يتناسب مع رغبات المحرض ومصالحه، لا مصلحة الناس. لكي نقنع الجماهير ينبغي اولاً ان نفهم العواطف الجياشة في صدورها، وان نتظاهر باننا نشاطرها اياها ثم نحاول بعدئذ ان نغيرها عن طريق أثارة بعض الصور المحرضة بواسطة الربط غير المنطقي أو البدائي بين الاشياء، وينبغي ان نعرف في كل لحظة كيف نتراجع، ثم ينبغي بشكل خاص ان نحمي في كل لحظة العواطف التي نولدها .
ويعرف السيد بريمر الخبير بعلم النفس الاجتماعي، ان العراقي يتوق للامن والاستقرار والحرية والعدل، فيتظاهر بانه يشاركه الرغبة، وانه ما جاء الا محكوما بهذه الرغبة في تحقيق الديمقراطية والعدل وليس من اجل تفتيت وتدمير قدرات العراق. ان بريمر يعكس بمثل هذه السلوكيات مواقف غبية لاتتناسب مع ما يدعيه من معرفة عندما يعتقد ان الشعب العراقي من السذاجة بحيث يصدق تخريصاته هذه.

تصوير المقاومة بصورة التهديد الاجنبي القادم من الخارج

يكثر الحاكم الامريكي، رئيس سلطة الاحتلال، بول بريمر من ترديد صفة الاجنبي ليضيفها علي المقاومة الوطنية. ويردف هذه الصفة، بالشكوي من الحدود المفتوحة. ويحدد غوستاف لوبون اهمية الصورة الذهنية التي تشكل من خلال هذه الصفة المعطاة للاجنبي القادم من الحدود المفتوحة ليقتل العراقيين بدون ذنب وليثير بينهم الحروب الاهلية الطاحنة، فيقول: ان قوة الكلمات مرتبطة بالصور التي تثيرها، وهي مستقلة تماماً عن معانيها الحقيقة. والكلمات التي يصعب تحديد معانيها بشكل دقيق هي التي تمتلك احياناً اكبر قدرة علي التأثير والفعل.
هناك خطر حقيقي يهدد أمن وحياة العراقيين، وعمليات يقوم بها أجانب قدموا، كما تروج سلطة الاحتلال وموظفيها العراقيين، من الحدود المفتوحة، وهي حدود لدول عربية، يعني ان العرب والمسلمين هم مصدر الخطر الذي يجب الحذر منه، ومقاطعته. تضليل واضح يهدف لعزل العراقي عن بيئته الثقافية والاجتماعية العربية والاسلامية، التي تفاعل وتعايش معها لآلاف السنين، تأثر وأثر بها، فكانت مصدراً لانماء نشاطاته العلمية والحضارية والفكرية، وليس خطراً بهدد أمنه.
صورة الاجنبي في حملة التضليل هذه، ليس هو الامريكي الذي جاء من بعد آلاف الكيلومترات ليدمر بدباباته وطائراته وصواريخه آلاف المنازل، والمصانع وجميع مؤسسات البني التحتية الاقتصادية، وقتل اكثر من 150 الف مواطن عراقي من المدنيين والعسكريين، وما زال كل يوم يستعرض صور جنوده وهم يدوسون بجزماتهم علي رقاب العراقيين بحجة البحث عن الاجانب. والذي يهدف لان يعيد العراق، من وراء كل هذه السلوكيات، الي العصر الحجري، كما صرح بذلك كولن باول رئيس اركان هذه القوات أبان حرب الكويت، ووزير خارجيتهم الحالي.
وعي مغلوط وزائف بالخطر يراد تصنيعه لابعاد العراقي عن ادراك الخطر الحقيقي، الاحتلال الامريكي، المصدر المباشر لكل الدمار الذي اصاب العراق والعراقيين. تريد سلطة الاحتلال من خلق هذا الوعي الزائف التي تعمل علي خلقه، تهيئة الاجواء لديمومة الاحتلال وتخريبه، بعزل العراق عن بيئته.
يبدو ان الحرب النفسية التي يقودها بريمر الزرقاوي، قد اعطت أؤكلها في عقول بعض الجهلة من العراقيين، يصل الانسان لهذه النتيجة من خلال الموضوع الذي كتبه الاستاذ طارق حربي علي صفحة
www.iraqget.net، نقلاً عن صحيفة المنارة الصادرة في البصرة، والذي يصور كيف ان الناس في البصرة هاجمت وقتلت بالسكاكين رجلاً من اهل الناصرية، كان موجوداً صدفة في نفس زمان ومكان انفجار سيارة مفخخة في احدي ساحات البصرة، وتبين من التحقيق ان الرجل كان قد جاء للبصرة لكي يتطوع في قوات الشرطة.
ان بريمر لم يكن عفوياً، طيباً او سطحياً في مثل حملته هذه باستخدام اسم الزرقاوي، الاجانب، والحدود المفتوحة، بالعكس هو رجل ذكي، متخصص بعلم النفس الاجتماعي من افضل الجامعات الامريكية، ويعمل خبيراً ومستشاراً في الـ
CIA، فهو يعي تماماً ما يقول، ويعرف جيداً اين يريد ان يصل بتضليله هذا دون ان يشعر بالحرج، فهو مواطن امريكي مخلص لمصالح بلده، كما هو مخلص لشرفه الوظيفي، وعملياً فانه يؤدي دوره بكفاءة، كوطني امريكي متحمس او متطرف لا يتحرج في افناء الشعب العراقي جميعه من اجل مصالح بلاده. ويبدو ايضاً انه معلم جيد، تمكن من تعليم موظفي مجلس الحكم الاندفاع في اداء أدوارهم الوظيفية، والتفنن في اساليب تدمير الامكانات العراقية ونهب الثروات الوطنية وتهريبها للخارج، وممارسة الكذب والتدليس علي الذات وعلي الشعب بشكل تعوزه اللياقة في كثير من الاحيان، لكنه فشل في تعليمهم معني الوطنية، كما انهم يفتقدون لقدرة التعلم الذاتي، ويعانون مما يعرف في نظريات الذكاء بصعوبة التعلم كما يبدو، ولم يتمكنوا من اكتساب مفهوم الوطن والمواطنة من معلمهم وبقدراتهم الذاتية.
ان سياسة تضليل الجماهير، وتوجيه انظارهم الي خارج الحدود لتغميض عيونها عما يجري داخل هذه الحدود، سياسة استعمارية قديمة، ومكررة تظهر في غالبية حالات الاحتلال. نفس الاساليب كان الاميركان قد استخدموها في فيتنام وكوريا الجنوبيتين، فالخطر دائماً كامن أو قادم من وراء الحدود، لعل اغرب مثال علي هذا التوجه القديم، ما يقدمه الرئيس أيزنهاور في مذكراته عن دوافع مخططه لتحريض عراق نوري السعيد، او تركيا لغزو سورية عام 1957، لايقاف واحباط المد الشعبي الوحدوي الناصري هناك. فطرح شعار أعادة سورية للسوريين كمبررلذلك الغزو. يقول ايزنهاور في الفقرة الثانية عن تفاصيل خطته: ثانياً سيقع علي عاتقنا ان نتأكد ان ليس من دولة اجنبية، مثل الاتحاد السوفيتي أو أسرائيل ستتدخل في التدابير التي ستتخذها هذه الدولة المسلحة (العراق او تركيا) لتدافع عن نفسها من هجوم سورية، ولضمانة اعادة سورية للسوريين.
إما أعادتها مِنْ مَنْ..!؟
من ارادة شعبها.. !
ان تجريد حركات المقاومة من سماتها الوطنية، ونسبتها لتجمعات أو عصابات اجنبية، يمثل منهجاً استعمارياً عاماً، لا تختص وتنفرد به حملات التضليل الامريكية فقط، يذكر ريجيه دوبريه في دفاعه امام تهمة اشتراكه في الثورة البوليفية، كيف ان المدعي العام الفرنسي حاول نفي سمة الوطنية من حركة المقاومة البوليفية. يقول دوبريه: ان اهم ما يقوله المدعي العام هو ان هؤلاء الرجال لا يمكن ان يقارنوا بثوار حرب الاستقلال لانهم غرباء . ويضيف دوبريه معلقا: صحيح، كان بينهم غرباء، وان يكونوا اقلية. كانت الاكثرية الكبري من البوليفيين، ولكن كان بينهم اناس من بيرو ومن كوبا وارجنتيني واحد. أتكون هذه بدعة في التاريخ البوليفي؟ وهل تتعارض مع ما في هذه المعركة التحريرية من محتوي وطني عميق .
يسرد دوجيه دوبريه، كثيراً من الامثلة عن مشاركة مواطنين من اميركا اللاتينية في حرب الاستقلال البوليفية ضد الاستعمار الاسباني، ولا يجد في ذلك غضاضة أو مساساً في وطنية هذه الحرب. كما هي حالة مشاركة آلاف العراقيين بالمقاومة الفلسطينية واللبنانية، وكما هي ايضاً حالة مشاركة العرب الاخرين في المقاومة الفلسطينية. نتيجة احساس هؤلاء الاجانب (العرب والمسلمين) بالخطر المشترك، والمصير المشترك، والتهديد المشترك من الاحتلال والاستيطان الاجنبي.
يبدو ان سلطة الاحتلال لا تريد ان تسلب من الشعب العراقي حريته وكرامته وصفته الانسانية، وأمواله وثرواته، فقط، بل تريد ان تجرد الانسان العربي والعراقي من تاريخه وثقافته عندما تتحدث عن الاجانب القادمين من الحدود المفتوحة، واتضح ذلك بشكل مكشوف بدأً بالسرقة المنظمة للمتحف العراقي. فهي تريد ان تخلق اتجاهاً نفسيا عند العراقيين وتعطي العالم انطباعاً بأنها واياهم (العراقيين) مهددة بعدو مشترك (العرب والمسلمين). وعلي العراقيين فك الارتباط بالبيئة العربية والاسلامية والتوحد مع المحتل لتغدو رابطة المصير المشترك، والخطر المشترك، ميزة لصالحه لاغياً بذلك كل تاريخ المنطقة، بأمل اعادة تشكيلها لصالح اسرائيل وقوي اليمين المسيحي المتطرف، بأنتظار خروج المسيح كما يعتقدون. ان تظاهر سلطة الاحتلال بالاندماج بالشعب من اجل خداعه وتضليله لضمان مطاوعته، واستكانته، هي نفس السياسة الاستعمارية التي استخدمها نابليون في حملاته الاستعمارية والتي عبر عنها بوضوح قائلا:
لم استطع انهاء حرب الفاندي إلا بعد ان تظاهرت بأني كاثوليكي حقيقي. ولم استطع الاستقرار في مصر إلا بعد ان تظاهرت باني مسلم تقي. وعندما تظاهرت بأني بابوي متطرف استطعت ان اكسب ثقة الكهنة في ايطاليا. ولو انه اتيح لي أن احكم شعباً من اليهود لأعدتُ من جديد معبد سليمان .
علي ان بريمر يريد قلب نظرية نابليون التضليلة، وفقاً للنظريات الجديدة في تغير التوجهات وميول الجماهير التي يطرحها مركزجامعة يال لتغير الاتجاهات أو الميول ـ
Yal Aitude Change Centre ـ فهو لا يريد حتي ان يجامل أو يتظاهر بالاندماج بالشعب العراقي، بطريقة نابليون، بل يريد الشعب ان يندمج به فهو يريد استلاب العراقي من هويته، واسلامه عن ثقافته، ليتبني ثقافة المسخ والمكدونالد والكوكا كولا، متناسياً، أو جاهلاً بالعمق التاريخي لثقافة وحضارة العراقي التي تمتد عميقاً في جذور التاريخ، وبحساب آلاف السنين قبل ان يعرف العالم ان هناك ارضاً تسمي اميركا. ان تفاعل الحضارات علي ارض العراق عجنت بذرات ترابه وتجذرت في نفس ودم العراقي بشكل يغدو معه حتي لو تم افناء جميع العراقيين عن بكرة أبيهم، سيظهر العراقي الجديد مشبعاً بروح وقيم حمورابي، ونبوخذ نصر، والملكة شبعاد، وعمر بن ابي ربيعة، وزهير بن ابي سلمي، وحاتم الطائي، علي وعمر، المتنبي والجاحظ، جعفر الصادق وابو حنيفة، محمد مهدي الخالصي ومحمد سعيد الجبوبي، عبد الواحد سكر وسيد حذافة السمياوي الحسيني، جمال عبد الناصر واحمد بن بلا، عمر المختار وعبد القادر الجزائري، عبد القادر الحسيني وباسل الكبيسي، صلاح الدين الصباغ وفؤاد الركابي.
مَنْ يدري لعل بريمر سيمدد غداً العمل بالقانون الذي شرعه تحت عنوان النشاط الاعلامي المحظور لتشمل عقوبة السجن لمدة سنة وغرامة الالف دولار، كل من يورد اسم واحد من هؤلاء الرجالات العظام، بحجة ان ذلك يمس بالمخطط الامريكي الذي يريد تحقيق الحرية والديمقراطية في العراق.
اذا اخذنا بنظريات سيجموند فرويد عن المعاني الاعمق، وانعكاسات اللاشعور التي تظهر في زلات اللسان، واخطاء القلم، فان اخطر ما في استخدام مصطلح الاجانب، ان يكون ذلك تعبيراً لا شعورياً عن مخططات امريكية لالحاق العراق كلياً بالولايات المتحدة باعتباره الولاية 51، واعتبار الارض العراقية امتداداً للارض الامريكية. يغدو الاجنبي عندها هو كل عراقي اصيل، ونبيل يرفض هذا الالحاق. ويصبح امام العراقيين الاجانب هؤلاء اما ترك بلدهم والتشرد في ارض الله الواسعة، او يقتلون كأرهابين خارجين علي قانون السيد بول بريمر الزرقاوي.

باحث في السياسة الدولية من العراق
mzalhuaini@btinternet.com

االخميس 17 ربيع الاول 1425 / 6 آيار 2004