المقاومة العراقية والارهاب الامريكي المضاد

الحلقة الرابعة

شبكة البصرة

د. موسي الحسيني

أستخدام الطائفية كسلاح لمواجهة المقاومة

ينقسم الشعب العراقي الى طائفتين رئيسيتين الشيعة، والسنة. والطائفيتين منسجمتان فيما بينهما كما هما في داخل كل واحدة منهما ، فالشيعة عموماً من الاثنى عشرية وليس فيهم من ينتمي لطوائف الشيعة الاخرى مثل ( الاسماعيلية، الزيدية، العلوية)، والسنة في الغالب من الحنفية ، ليس بينهم من ابناء المذاهب الاخرى إلا ما ندر . أما  الانسجام البيني فيعود بالاصل الى تداخل الانتماءات القبلية ، فاغلب العشائر العراقية الكبيرة مثل شمر ، زبيد ، الجنابات ، الجبور ، ربيعة ، عبادة ، موزعة بين طائفتين ، حتى بيوتات السادة ( الذين ينحدرون من نسل الامام علي) وبفرعيهما الرئيسين الحسينية والحسنية،  مثل ألوس، نعيم، النقيب، برزان وغيرهم من السادة السنة، مقابل أل ياسر،  اخوة سمية ، الحصونة ، ال تاج الدين ، ال جمال الدين ، ال شبر  كثيرون غيرهم من عوائل السادة الشيعية .

لم يحصل في تاريخ الدولة العراقية الحديثة اي خلاف سني- شيعي، ولم يحصل ان قتل شخصاً واحد من الطرف الاخر بسبب مذهبه. يسجل التاريخ  لاول مرة في عهد البكر- صدام، عام 1977، ان يُقتل  ويسجن الناس بسبب تشيعهم. ومع ذلك أخذت الازمة شكل الصراع بين الحكومة وفئة او طائفة من الشعب، ولم تتصاعد لتتخذ شكل صراع أو حرب بين الطائفتين.

اخرج نظام البكر- صدام مسرحية قريبة في احداثها واساليبها مما يلعبه الحاكم بريمر من مسرحيات الان . رواية ملخصها أن يعرفنا بمدى تشابه ووحدة اساليب الدكتاتوريات والاحتلال في تضليل الناس من خلال نقل اهتمامتهم، وتوجيه انظارهم نحو الخارج، للسيطرة على ازمة داخلية. وهو مبدأ ميكافيلي قديم .
 والقصة هي ان  الناس اعتادوا المشي على الاقدام ، تبركا ، بمناسبة الاربعين( مرور 40 يوماً بعد وفاة الامام الحسين) ، من مختلف المدن العراق الى مدينة كربلاء ، كانت اكبر المسيرات من حيث حجم المشاركين ، تلك التي تنطلق من مدينة النجف. ارادت الحكومة منعها خوفاً ان تتحول الى تجمعات أو مسيرات سياسية، يصعب ضبطها او السيطرة عليها . وخوفاً من ان يجابه منعها بشكل مباشر وواضح الى ردات فعل شعبية كبيرة يمكن ان تزعزع اركان النظام ، افتعلت اجهزة الامن حادثة مؤامرة ادعت فيها ان احد الاشخاص السوريين( الاجانب الان، بلغة بريمر) اراد نسف مرقد الامام الحسين ، واتهام السلطة بذلك . وتمادت الاجهزة في قمعها فأعتبرت ان شيوخ المناطق والحارات بالنجف المسؤولين عن تنظيم هذه المسيرات ، عملاء نظموا المسيرات بأتفاق مع المخابرات السورية لزعزعة الامن . شكلت محاكم استثنائية فورية اعدمت وأصدرت احكام بالاعدام بنفس ليلة الاعلان عن المؤامرة المزعومة  بحق 48 شخص وتم سجن اكثر من 2000 شخص أخر. واخذت وسائل الاعلام تردد لغة الاجانب الحاسدين ، المغتاضين من الرفاهية التي ينعم بها العراق في ظل النظام المشؤوم ، وتطرف احد الصحفين من مرتزقة النظام والمعارضات المصنعة اميركيا فيما بعد ، ممن لا اصل له ، فشكك بعروبة اهل النجف الى حد شتمهم باقذع الشتائم.(28) نفس المسرحية لعبها أو يريد لعبها السيد بريمر .

 لو استبدلنا السوري المزعوم بالزرقاوي ، ستتشابه الرواية بشكل غريب، حتى ان نفس الاقلام، بل وبعض القوى السياسية التي طبلت للترويج لقصة هذا المخرب السوري تروح الآن لقصة الزرقاوي ، ولموضوع الحسد والغيرة التي تتحكم بتوجهات بعض العرب حيال العراقيين الذين ينعمون بالرفاه والحرية والاستقرار في ظل كل من الحاكمين صدام حسين وبريمر .

تلك هي اول عملية يقتل فيها الشيعي لأنه شيعي فقط. قبل ذلك  كان  ابناء الطرفين ينسى الفروق المذهبية بينهما ليتوحدوا مام اي تهديد أجنبي أو حتى اذا كان عربي أو اسلامي، تجلى ذلك بوضوح في الموقف الموحد والمتماسك حيال هجمات الاخوان ( الوهابيين) على العشائر العربية الشيعية المنتشرة في مناطق غرب الفرات، جنوب مدينة الناصرية يوم 1922/03/11. فقتلو اعداد كبيرة من ابناء هذه العشائر ونهبوا اموالهم ومواشيهم .

أستفزت الحادثة مشاعر العراقيين جميعاً، وقاد الشيخ محمد مهدي الخالصي حركة احتجاج شعبية واسعة تركزت حول طلبين:
1- التسريع في تصفية الاحتلال البريطاني، ومخلفاته.
2- تولي الحكومة العراقية مسؤولية الدفاع عن العراق والمبادرة بتأسيس الوحدات الفعالة في الجيش والارتقاء به لمستوى القدرة على الدفاع عن أمن المواطنين.

دعى الشيخ محمد مهدي الخالصي الى عقد مؤتمر لممثلي المدن والعشائر في مدينة كربلاء، شارك فيه ممثلين عن عشائر تكريت وسامراء والموصل، وأرسل اهل تكريت مضبطة يؤكدون على عزمهم للسير خلف الشيخ الخالصي واستعدادهم للدفاع بالمال والارواح للاخذ بثار اهل الناصرية. كما شارك في المؤتمر علماء السنة في بغداد بوفد شيعي كبير. ونظموا المظاهرات في العاصمة تاييدا للمؤتمر . في حين وقف بعض شيوخ العشائر الشيعية ضد المؤتمر، وعقدوا مؤتمراً مقابل في مدينة الحلة ، يطالبون ببقاء الاحتلال، ومنح بريطانيا حق الدفاع عن العراق.(29)
يسجل التاريخ ان هذه الوحدة ازعجت كثيراً سلطة الاحتلال البريطاني في حينها.

أما ما يقال عن مظلومية الشيعة، فهو شعار جديد ظهر بقوة بعد حرب الكويت. وهو ادعاء لا يستند على اي منطق تاريخي واقعي. حاصر الشيعة انفسهم بفتاوي تحريم التوظيف، ولم يحاصرهم أحد. سعى الملك فيصل الاول لتأسيس الوزارة الاولى بقيادة وأغلبية شيعية، وبعث الشيخ عبد الواحد سكر الى النجف لهذا الغرض، لكن الشيخ قُوبل بالصد والرفض، مما اضطر الملك فيصل ان يعتمد كلياً على جماعة الضباط السابقين في الجيش العثماني، لتشكل حكوماته المتعاقبة.(30)

عندما بدأ ابناء الطائفة بكسر طاعة العلماء، بتقادم الفتوى، ودخول المدارس الحكومية، احتل من هو مستعد للتعاون مع النظام الملكي افضل المراكز حتى منصب رئيس الوزراء، وفي زمن صدام كما في زمن نوري سعيد يحصل الانسان بغض النظر عن مذهبه، على مايريد من أمتيازات وظيفية ومالية، ويتعرض للنقمة من يقف في صف المعارضة. فالمصالح السياسة، والرغبة في الاستمرار في السلطة، كانت هي المعايير التي تتحكم في سلوك سادة النظام في مختلف العهود ، قبل اي اعتبار اخر.
دخل اكبر عدد من الوزراء الشيعة، ولاول مرة في تاريخ الوزارات العراقية، في التشكيلات الوزارية في العهود المخسوبة على التيار القومي الناصري، عهد الاخوين عارف، المتهمين ظلماً بالطائفية.(31)

كما ساهم شباب الطائفة الشيعية وبشكل رئيسي في تشكيل التيارات السياسة الرئيسية الثلاث (الشيوعية، البعث، الناصرية) (32)، واختفت الطائفية او كادت تختفي في فترة خمسنيات وستينات القرن الماضي. إلا ان ظهورها فيما  بعد كان احدى نتاجات الدكتاتورية، كما هي النعرات القبلية والعشائرية والانتماء للمدينة.

جاء الامبراطور الدكتاتور الجديد، السيد برمير ليستعمل نفس اساليب سلفه، مستفيداً من نتائج الحرب النفسية المضاعفة والمزدوجة التي تعرض لها الانسان العراقي. الحرب النفسية للدكتاتورية القمعية، وحرب الصهونية واليمين المسيحي المتطرف، ادرك بريمر  كما هو كوكس من قبل قوة الوحدة الوطنية فراح يلعب بأسمه الصريح تاره، وباسم الزرقاوي  تارة اخرى وبسبب فشله في تحقيق المشروع الصهيوني المعروف باسم شارون- اتيان، لتقسيم العراق، صعد بريمر من حملته في الاثارة الطائفية، بأمل محاصرة المقاومة ومنع انتشارها للمناطق الشيعية، وتحقيق الحلم الصهيوني القديم بزرع الفتنة.
فأبتدع شخصية الزرقاوي، وأضاف عليها من السمات والصفات ما يتناسب ومخططه.

الزرقاوي السني قاتل مجرم يقتل بدون رحمة او اعتبار لاي قيمة اخلاقية أو دينية.

المثلث السني، الارض التي تنطلق منها المقاومة وتضم وتحمي الزرقاوي.

المقاومة السنية.

وعلى اساس أليات ما يعرف بالارتباط الشرطي، وحسب قوانين وقواعد الحرب النفسية في استخدام الرموز المركبة، وما يمكن ان يلعبه الايحاء في عقول الناس، وتشويش ادراكاتهم ووعيهم، بالتكرار ترتبط صفة السني بالمقاومة والقتل .

 الزرقاوي سني قاتل ارهابي .

المثلث السني .

المقاومة السنية .

بالتكرار والايحاء ،ايضا ، ينسى الانسان اسم الزرقاوي، ومصطلح المثلث وتتشكل الصور في ذهن الانسان بالشكل التالي:

السني = قاتل ارهابي.

المقاومة سنية اذاً هي مجرد عمليات قتل ارهابية. يغدو التسنن مرادفاً لمعنى القتل والارهاب، ويصبح السني موضوعاً ومصدراً للخوف في عقل الشيعي، والخوف قد يتحول الى هجوم، اذا تصاعدت وتيرته. وفي حالاته الاقل شدة يدفع الانسان للحذر والابتعاد عن مصدره. وتلك خطوة متقدمة في عزل المقاومة عن بيئتها في جنوب العراق. الا ان تصاعد عمليات المقاومة في الجنوب والتي تشكل دلالة واضحة على عمق وعي الانسان العراقي، ورسوخ ايمانه بوطنة وهويته العربية-الاسلامية. وفشل بريمر الزرقاوي وكل ما يقف وراءه من زخم وصخب اعلامي.
ساهم الشيعة بشكل فعال في تشكيل الدولة العراقية الحديثة بثورتهم الخالدة المعروفة بثورة العشرين، وسوف لى يهدموا ما شيدوا. أما ان يظهر هذه الشخص  أو ذاك من بين الشيعة والسنة ليروج لمقولة المثلث السني وغيرها من اطروحات بريمر فستدهب احلامهم ، كما هي خطط اسيادهم لمزبلة التاريخ.والتشيع والتسنن براء منهم ، اهدافهم ونزعاتهم معروفة ، ولم يكن الحرص على المذهب وابناءه هو الدافع الحقيقي لمثلهذه التوجهات .

واذا تحدثنا بصراحة ، ونحن الان احوج مانكون للصراحة فالكل معني ومقصود بهذا الخراب والدمار المخطط له ان يستمر ليلحق الضرر والاذى بابنائنا من الاجيال القادمة ، ان المصدر الاول لمظلومية الشيعة هو بعض مراجعهم الذين حاولوا استثمار المرجعية لبناء امبراطوريات خاصة لهم ولابنائهم من بعدهم ، وسمحوا لابنائهم لان يورثوا اموال الشيعة الفقراء ليتمتععوا بكل الملذات حتى تلك المحرمة دينيا ، ولم نسمع يوما ان مرجعا بنى مجمعا سكنيا لفقراء الشيعة في اي من مدنهم  ، او اسهم بتبليط شارع، ولم نرى مستشفى او مدرسة او جامعة حديثة ، الغريب في الامر ان بعض المراجع  يقيمون بعضاً من هذه المشاريع خارج العراق ويحرموا شيعة العراق منها . ويعاني كثيرا من صغار رجال الدين ووكلاء هؤلاء المراجع من شظف العيش ، ويتهم بالطمع من يتشكى منهم في حين يتمتع الابناء والاقارب والمقربين بكل الرفاهية التي لاتتوفر  لاغنى التجار العلمانيين  . كل ذلك باسم مظلومية شيعة العراق التي تدفع بقية الشيعة في العالم لان يغدقون عليهم الهبات والتبرعات التي لايصل لشيعة العراق منها شئاً ، بل أنهم مطالبون بالدفع والتبرع لمؤسسات لاتعود بالنفع على احد ، بل هي في الغالب مؤسسات يمكن ان تندرج تحت مفهوم الدعاية لتدعيم امبراطورية المرجع وخزائنه التي لاتمتلأ .

وفي زمن الاحتلال ، وبدل من ان نتبع سيرة ائمتنا في موقفهم المعروف من المحتل الاجنبي ،كما يتجسد ذلك بوضوح في دعاء الثغور للامام زين العابدين علي السجاد (ع) نجد ان السيد المرجع السستاني يشاغل الشيعة ويقسم صفوفهم ويسمح لانصاره في هذه المرحلة الحرجة للتنافس مع انصار السيد مقتدى الصدر حول ادارة المراقد الشيعية ، وكأن هذه هي المشكلة الكبرى في الازمة التي تعيشها الدولة العراقية الان ، او ان ذلك سينهي مظلومية الشيعة ، لكنه يضعف بذلك دوره كما يضعف دور السيد مقتدى الذي يتطلع لرص صفوف العراقيين لمواجهة الاحتلال ، واذا اختار السيد السستاني ان يتخلى عن دوره التاريخي المفروض دينيا عليه في مواجهة الاحتلال ، عليه ان يعطي الاخرين الحرية في اداء هذا الدور ويحتفظ هو باحترام وتقدير الجميع .

ثم عندما يتدخل للدفاع عن مظلومية الشعب العراقي ويدعو للانتخابات كبديل للمشروع الاميركي الذي يخطط لنقل السلطة من بريمر للسفارة الاميركية ، يلغي بنفس اللحظة  هذا المطلب ، اي القول بالشئ وضده في نفس الوقت، وهومايشبه المناورة لامتصاص نقمة الناس من الاحتلال مع المحافظة على عدم أثارة حفيظة سلطة الاحتلال، الخطوة التي دعمت ، في النهاية ، السياسة التضليلية لسلطة الاحتلال ، التي بدأت تستشهد بقناعات السيد في عدم امكانية اجراء الانتخابات .  عندما يربط السيد مطلب الانتخابات بمشورة الامم المتحدة وكأنه لايدري ولم يلاحظ ان الامم المتحدة تحولت الى مجرد مكتب تابع للبيت الابيض ، ووزارة الخارجية الاميركية . يلغي بذلك الاسس العامة التي قام عليها مبدأ الاجتهاد  اصلا .

نتمنى ان يكون  السيد مخلصا لسيرة اجداده من الائمة الابرار ، فالامام السجاد يدعوا في دعاء الثغور لجنود الدولة الاموية ، نفس الجيش الذي قتل ابيه و 70 من اهل بيته وانصاره ، اي انه يميز بين دولة المسلمين والسلطة التي تحكمها ، سواء اكانت جائرة او عادلة . كما نتمنى ان يكون له في سيرة الميرزا محمدحسن الشيرازي والميرزى تقي الدين الشيرازي والشيخ محمد مهدي الخالصي وغيرهم من المراجع العظام اسوة في الموقف من الاحتلال . ولم تكن قضية التنباك  او المشروطية في ايران باهم او اخطر مما يجري للعراق من احتلال واستباحة لكل ما هو مقدس. صحيح ان العلماء الشيعة اتفقوا في ان الجهاد الابتدائي هو من اختصاص الامام ، الا انهم والسستاني من بينهم يتفقون في ان الجهاد الدفاعي من اختصاص المرجع ، وكيل الامام . وهو مطالب لان يتخذ موقفا واضحا من الاحتلال يُلزم التاريخ غدا لان يذكره بخير كما هو حال السيد تقي الدين الشيرازي والخالصي .

العمليات الانتحارية بين الارهاب والمقاومة

في محاولة لالغاء صفة الوطنية عن المقاومة، يلجأ بريمر في حربه النفسية التي يشنها ضد المقاومة الى تفسير اغلب العمليات بانها نتيجة تفجير ذاتي بحزام ناسف او سيارة مفخخة ، ويعقب في المناسبات المتكررة ، هو وبعض موظفيه في مجلس الحكم ، بأن هذه العمليات الانتحارية دليل على أجنبية المنفذ ، بأعتبار ان هذا الاسلوب غريب على العراقيين.

لا يدري الانسان ما هي المعايير العلمية التي اعتمدها بريمر وموظفيه من الاجراء  الاذلاء من العراقيين الى تجريد الانسان العراقي من القدرة على التضحية من اجل حرية واستقلال بلده، والحفاظ على هويته وثرواته وشرفه. مع ان تاريخ العراق ملئ بقصص التضحية الى حد الموت في سبيل قناعة الانسان بقضية قد لا تستحق احيانا التضحية بالروح. ففي كثير من الصراعات العشائرية في الاربعنيات والخمسنيات هناك من ابناء العشائر مَنْ يعقل ساقه بفخذه على الطريقة التي يقوم بها البدوي بشد ساق الجمل الى فخذه لمنعه من الهرب.

يلجأ هؤلاء المقاتلون لهذا الاسلوب في بعض المواجهات مع عشائر اخرى، ويستمروا بالقتال حتى النصر او الموت دون ان يعطيوا  انفسهم فرصة للهرب أو تغيير حتى مكانهم اثناء القتال .
وفي احدى الثورات الفلاحية في محافظة الناصرية- قضاء سوق الشيوخ، يسجل التاريخ قصة السيد حذافة السمياوي الحسيني الذي تطوع لحرق نفسه كي يُمكن الثوار من الاستبلاء على احد مراكز الشرطة الذي عجز الثوار عن السيطرة عليه لمناعته  واستماتة الشرطة في الدفاع عنه ، فاقترح السيد حذافه على جماعته ، ان يربطوا السعف حول جسده ويصبو عليه النفط، ويحرقونه ، وركض مشتعلاً باتجاه باب المركز الخشبي، الامر الذي ا ثار رعب الشرطة ودهشتهم وانشغالهم في التفرج على هذا الفدائي المحترق بباب المركز مما مكن الثوار من تسلق الحائط الخلفي للمركز والسيطرة عليه.           

ان اية عملية فدائية من عمليات المقاومة هي عملية انتحارية أو مشروع عملية انتحارية، عندما يواجه المقاوم دبابة حديثة مزودة باسلحة مختلفة، ببندقية مداها اقل من مدى بندقية الجندي الاميركي، أو رشاشة الدبابة . كذلك الحال بالنسبة لرامي الـ RBJ7 والقاذفة مداها محدود بـ 100-150 متر كاقصى حد مؤثر بالنسبة لقنابل الخارق خارق ، وتخلف عادة وراءها هبة دخان كثيفة تكشف مكان  الراميى ، الذي اذا ما اخطأ الدبابة أو حتى لو أصاب واحدة في رتل دبابات ، فانه يكون عرضة لرمي اسلحة الدبابة أو الدبابات الاخرى ، الرشاشة الخفيفة او المتوسطة التي يصل مداها الى اكثر من 1500 متر ، ومدفع الدبابه الذي يمكن ان يدمر كل المكان الذي يختبى به الرامي .

ولودرس اي خبير عسكري العمليات الحربية لثوار ثورة العشرين سوف يصل الى ان جميع هذه العمليات تندرج تحت عنوان العمليات الانتحارية ، فمواجهة الطائرات الحربية والبواخر والقطارات المدرعة ببنادق قديمة ، وحتى بالسكاكين والمقوار (عصا قوية تنتهي في احد طرفيها براس من القير مما يجعل ضرباتها مؤلمة ومميته احيانا ) ، هو عمليات انتحارية ، وكما حصل عند الهجوم على الباخرة "كرين فلاي " من قبل عشيرة الجوابر في الخضر ، والهجومات على القطارات المدرعة من قبل عشائر السماوة وبني حجيم في الرميثة وآل بو ريشة في الخضر ، تندرج جميعها تحت هذا المفهوم  ( العمليات الانتحارية ) ، وقد عبرت الاهزوجة الشعبية العراقية المشهورة " الطوب احسن لو مكواري"  عن هذا المعنى ، اي ان العصا المقيرة غلبت الطوب او المدفع .

كما ان هناك القصص  المعروفةحول حملة الار.بي.جي من الجنود وضباط الصف العراقيين الذين واجهوا الدبابات الاسرائيلية في حرب تشرين 1973، مضحين بحياتهم دفاعاً عن الارض العربية السورية ( ارض الاجانب في مفهوم بريمر الزرقاوي  العراقي ) . وكذلك قصص الشهداء العراقيين الذين قاتلو أو نفذوا  عمليات قدائية في صفوف الثورة الفلسطنية دفاعاً عن الحق العربي في فلسطين، كثيرة جداً، ومعروفة. وتندرج جميعها تحت مفهوم العملية الانتحارية ، حيث تواجه فيها الاسلحة الحديثة باسلحة بسيطة يعتمد عملها كليا على ايمان المقاتل ، والتي تحسب بها النجاة بحسابات الحظ غير العادي.

العراقي مقاتل فدائي الى حد الموت عندما يؤمن بالقضية التي يدافع عنها. أما القول بانه ليس اهلاً لذلك للايحاء له، ودفعة للركون للجبن وزرع التخاذل في نفسه وهمته. سوف لن يجد هذا الايحاء اية ارضية لها في عقله، وهو يستمع كل يوم لقضية استشهاد الامام الحسين الذي قاتل في ظرف لا أمل للانتصار والنجاة فيه، ومع ذلك قاتل ولم يهرب او يتنازل عن موقفه في الدفاع عن العدل والحق .

ان وظيفة تفسير او توصيف بعض العمليات بالانتحارية ، لاتنتهي عند هذا الحد، بل لها وظائف أخرى أكبر، وهي التستر على حقيقة من يقف وراء مثل هذه العمليات التي لا شك انها من تنفيذ سلطة الاحتلال والمخابرات الصهيونية فهي المعنية اكثر من غيرها بالاثارة الطائفية ، فالقول بالعملية الانتحارية يبطل الشك في منفذها الحقيقي بأعتبار ان هذه الاطراف تمتلك خيارات عدة لتنفيذ عملياتها بغير ان تضطر لاعتماد مثل هذا الاسلوب ، كما انه ليس هناك من عميل مستعد لأن يضحى بنفسه بهذه الطريقة التي تتناقض مع تدني القيم الاخلاقية والانسانية للعميل، ما يجعله أجبن من ان ينفذ مثل هذه العمليات، ثم ان القول بالعملية الانتحارية بحزام ناسف أو سيارة مفخخة ، يعطي سلطة الاحتلال فرصة غلق التحقيق بالقضية بأعتبار  اختفاء الادلة بوفاة الجاني ومجهولية هويته. وموت الشهود الذين يمكن ان يكونوا قريبين منه .

عند مراجعة الطريقة التي تم بها الاعلان عن عملية عاشوراء في كربلاء، يلاحظ الانسان بوضوح كيف انتقل التفسير للعملية من كونها نتيجة لاطلاق مجموعة من الصواريخ اطلقت من منطقة البساتين الواقعة في شمال المدينة، وعرضت شاشات التلفزيون شهود عيان ايدوا تلك الرواية، ثم بعد حوالي الساعة أو اكثر قليلاً عرضت نفس شاشات  أحد موظفي مجلس الحكم ليقول انها عملية انتحارية نفذها شخص من عصابة الزرقاوي. تواصلت التصريحات بعد ذلك عن كونها" عملية انتحارية"، ونست او تغافلت وسائل الاعلام  هذه ما كانت قد ذكرته عن الصواريخ المنطلقة من شمال المدينة. وحاولت ان تبرهن  على صحة ادعائها الجديد هذا بالوثيقة المزورة التي قيل انها " رسالة الزرقاوي" ، واعتبار العملية على انها ليست الا محاولة لاثارة الفتنة الطائفية.
    والسؤال كيف يستطيع ان يستدل الانسان على الفاعل بهذه السرعة، والدم لازال ينزف من اشلاء الضحايا، التي لم يكتمل جمعها للتعرف على هوية  اصحابها.

اذا أهملنا الرواية الاصلية عن الصواريخ التي رأها الناس قادمة من شمال المدينة. كيف يستطيع الانسان ان يجزم ما اذا كانت العملية بفعل عمل انتحاري أو تفجير عن بعد لمتفجرات مزروعة بشكل أو أخر في مكان التفجير ، في كل الحالتين سيقتل الانفجار جميع الموجودين بالقرب من مكانه ، وهم وحدهم من يعرف الحقيقة التي ماتت معهم .

ان السؤال المحير. لماذا لم يتم الاعلان ولحد الآن عما وصلت اليه التحقيقات حول تفجيرات النجف التي قتلت السيد باقر الحكيم، مع ان السيد حيدر مهدي، محافظ النجف اعلن يوم الحادثة انه قد تم القاء القبض على اربعة اشخاص، اثنان سعوديان، واثنان عراقيان، وانهم اعترفوا بالجريمة. ثم عاد بعد يومين ليصرح بانه لم يكن هناك سعوديين من بين الذين تم القاء القبض عليهم.(33) مع انهم ولأخراج المسرحية بالشكل الذي يمكن ان يحقق التضليل المطلوب ،  عرضوا امام كاميرات  التلفزيون شخصاً يرتدي دشداشة بيضاء وغترة بيضاء يقوده أثنان بأتجاه سيارة للشرطة العراقية، للايحاء بانه سعودي ( او اجنبي كما تصفه وسائل دعاية سلطة الاحتلال) ، والايحاء بالتالي انه من السنة المتعصبين .

 ماذا حل بهذا الجاني او المشبوه ، ومن يقف وراءه ..؟ .

نفس السؤال طرحه الناس يوم اخرج نظام البكر – صدام قصة السوري الذي اراد نسف مرقد الامام الحسين. إلا ان مخابرات صدام كانت اكثر مهارة و دقة في الاعداد و الاخراج، فقد عرضت بعد أيام شخصاً أدعى انه مرسل من قبل المخابرات السورية لتنفيذ مهمته . ما اشبه اليوم بالبارحة .

وما اشبه الاحتلال بالدكتاتورية .

وما اشبه بريمر بصدام .

ان لصفة العملية الانتحارية، مع التعتيم على الاهداف، أو التقليل من قيمتها وتسخيفها، وظيفة اخرى في برنامج التضليل هذا فتبدو وكانها مجرد سلوك مرضي لشخصية يائسة أو تعاني من الاحباط والكأبة، فتقتل نفسها وتقتل معها اكبر عدد من الناس لمجرد الياس والدوافع المرضية الشادة. والغاية من هذه الدعاية الموجهة هو محاولة خلق اتجاهات نفسية جديدة عند العراقي نحو المقاومة بأعتبارها افعال غير طبيعية وغير مقبولة لأناس مرضى ، وتصبح الاستكانة وكانها السلوك السوي ،  ان انطباعاً كهذا سيخلق بلا شك نوعاً من ردات الفعل، ان لم تأخذ شكل التحرك المضاد ، فاتها ستتخذ شكل الردع الداخلي لمنع الانسان من الانخراط في صفوف المقاومة أو التعاون معها بأعتبارها تجمعات لأناس مرضى وشاذين .

ان الفكرة الاساسية في العمليات الفدائية الانتحارية، تقوم اساساً على مبدأ ان العدو يمتلك الصواريخ والطائرات والمدفعية الثقيلة وغيرها من الوسائل التي لا تملكها المقاومة، بما يمكنه من تدمير الطرف الاخر من مسافات بعيدة وبلا خوف . لم يبقى امام المقاوم إلا ان يبتدع الوسائل التي تمكنه من ان ينقل اسحته البسيطة والبدائية لمسافات قريبةً من العدو ليتمكن من تدميره، والغاء ميزة امتلاكه اسلحة فتاكة بعيدة المدى . المقاوم رجل مؤمن بعمق بقضيته، وأحقية وطنه وشعبه في العيش بحرية في دولة مستقلة ، لاتعلو فوق سيادتها على ارضها أي سيادة أخرى. فهو لا يخاف الموت الخلاق لانه يدرك ان هذا الموت سيوفر وينقذ حياة الالاف والملايين من المواطنين التي تظل تحت التهديد بالفناء ما دام الاحتلال قائم وموجود بقواته التي تستهين بحياة المواطنين ، وتمارس القتل والمسخ ضد ابناء بلده .

الايمان والاستعداد للتضحية عند المقاوم هو السلاح المضاد لما عند العدو من اسلحة فتاكة ومتطورة ، ويلغي تفوقه التكنولوجي. هذا ما اثار رعب سلطة ألاحتلال وجعلها تصرخ وتولول من هؤلاء العراقيين ألاجانب.

باحث في السياسة الدولية من العراق
mzalhuaini@btinternet.com

الاحد 20 ربيع الاول 1425 / 9 آيار 2004