ردٌّ على دراسة الدكتور موسى الحسيني

شبكة البصرة

حسن خليل غريب

نشر الدكتور موسى الحسيني (من مواليد الناصرية في العراق في العام 1950م)، في جريدة القدس العربي، دراسة تحت عنوان »المقاومة العراقية والإرهاب الأمريكي المضاد «. توزَّعت الدراسة على خمس حلقات متتالية نُشرت الأولى بتاريخ 24/ 4/ 2004م.

جاءت الحلقة الأولى كمدخل للدراسة، وعادة يعبِّر مدخل البيت  إلى حد كبير- عن محتوياته في الداخل، ولكن ما وجدناه بالمنهج العام للدراسة مخالف للقاعدة العامة. ففيها ما لا ينبئ عن محتوياته. وكذلك وجدنا في الخاتمة أيضاً- ما ليس له علاقة ترابط مع المحتويات. فأتت المقدمات والخاتمة في واد ومحتويات الدراسة في واد آخر. ففي الوقت الذي أرى فيه نفسي نافراً من المدخل والمخرج، أجدها منجذبة بحماس- للمحتويات. إن مجرد هذا الانطباع النافر والمنجذب معاً أوقفني أمام تساؤل حول تلك الإشكالية وقادني إلى رد نقدي من خلال زوايا غير تلك التي كان من الممكن أن أبدأ بها كالعادة في مناقشة قضايا محددة تترابط فيها المقدمات مع المحتويات مع النتائج. ولنبدأ في مناقشة الدراسة من مدخلها.

كان العنوان مما يلفت النظر إليه ويدل على اهتمامٍ مشكور بالمقاومة الوطنية العراقية من قبل عربي، وبالأخص إذا كان مواطناً عراقياً. والشكر آتٍ في زمن القحل العربي- من أن التشتت الفكري والضياع السياسي وهلامية الموقف لها السيادة المطلقة على ذهنية ومنهجية ومزاجية أكثرية المثقفين العرب الليبراليين. ولا يفوتنا هنا أيضاً- أن نخص بالذكر الذين يتحصنون وراء شعارات إسلامية سياسية تستقطب إليها عواطف الجماهير الطيبة. وبتعاون التشتت: الليبرالي والإسلامي في التبشير بمواقف هلامية حول المقاومة الوطنية العراقية والقضية العراقية، يزيد الرؤية الجماهيرية ضياعاً وتشتتاً. ولأن بعض الخطاب الديني، خاصة وأنه مبني، كما تسميها الحركات السياسية الإسلامية، على »التكليف الشرعي«، ولأن التكليف الشرعي هو الحكم القائم على ادِّعاء النطق باسم الله والرسول، تزيد أزمة الجماهير الوجدانية تعمقاً في الضياع.

يتعاون »التكليف الديموقراطي« الذي تدَّعي أوساط المثقفين العلمانيين أنها رائدته وقائدته، مع »التكليف الشرعي« الذي تدَّعي أوساط الحركات السياسية الإسلامية أنها ماسكة مفاتيحه، على تشتيت ثقافة الجماهير الطيبة فترميها لقمة سائغة للحيرة والارتباك في الموقف، فيتمزقها الغضب من رؤية حالة الضعف والاستكانة وقلة المناعة في جسد الأمة، ولا ترى في الخطاب ما يعيد الثقة إلى نفسها. وبهذا يرزح الموقف الغائب المرتبك في زوايا الثقافة الشعبية تحت مطرقة من يحملون أوسمة الثقافة على صدورهم وسندانها. فيسهم »أمراء الديكتاتورية الثقافية« بقصد أو عن غير قصد- في تفريغ الكثير من الخواء الثقافي الموضوعي على أكتاف الجماهير الطيبة الصادقة.

لم تكن المقدمة المدخل في ردنا- إلاَّ ضرورة وتحصيناً للكاشفين على محتويات بيوت يجهلون محتوياتها، وليس المقصود بالتحصين المناعي الثقافي إلاَّ اتقاءً للإصابة بفيروس ثقافي من هنا أو هناك.

وإذا عدنا إلى مناقشة المدخل الذي قدَّم فيه الدكتور الحسيني لدراسته عن المقاومة العراقية لوجدنا أن البداية تبدأ بمغالطات فاقعة عندما يضيف إلى »اللاعبين« في العراق كما يحلو له أن يسميهم- لاعباً »هلامياً غير واضح الهوية والملامح«، وكأن العراق ملعب وليس ساحة حرب تنفرز فيه القوى إلى معسكرين لا ثالث لهما: الاحتلال وعملاؤه من جهة، والمقاومين للاحتلال من جهة أخرى.

وهو بتقديمه يحاول أن يقوم -لأسباب منهجية في الكتابة - بتجهيل الإرهابي الذي يقوم بأعمال تخريبية  »تحصد الأبرياء بالمئات «، وعن غير قصد يبدو الكاتب كأنه يضيِّع حقيقة الإرهاب التي يجب نسبتها من دون تردد إلى الاحتلال وعملائه- بين »اللاعبين«: الاحتلال والمقاومة. والنتيجة هنا ثابتة لأن الاحتلال    - بحكم تعريفه وواقعه ونتائجه- هو إرهاب بحد ذاته، وكل ما يفرز عنه وما ينتج من مآسٍ اجتماعية وقانونية وصحية وضحايا في الأرواح هو إرهاب ببرهان ومن دون برهان.

يبدأ الكاتب مقدمته ببث المزيد من الإيحاءات المسبقة لتيار سياسي يبدو أن الحسيني كان على علاقة سابقة معه، ويظهر من دراسته أنه انفصل عنه لأسباب تتناقض مع رؤية الحسيني النظرية والمبدأية، من أجل تثبيت القاسم السياسي الذي كان يجمعه مع ذلك التيار، ويتلخص بالموقف المعادي » لنظام حزب البعث وصدام حسين«.

لا تنفصل تلك الإيحاءات عما يسميها البعض ترددات »الاسطوانة المشروخة«، وهي ليست بعيدة على الإطلاق عن إعداد علماء النفس والاجتماع التابعين للمؤسسات الفكرية والسياسية والإعلامية للشركات الأميركية الكبرى. وهنا نحيل القارئ إلى المصطلحات التالية التي زيَّن بها الحسيني مدخله:

1- ينسب الجرائم التي كانت تقوم بها كما يدَّعي- أجهزة المخابرات السابقة إلى سلوك لا أهداف له إلاَّ »كجزء من عمليات الأمن الوقائي، وإرهاب العراقيين، ليمتنعوا عن معارضتهم للنظام

2- الإيحاء بأن رأس النظام السابق مجرد مريض نفسي يمارس سادية لا لشيء إلاَّ للترويح عن تلك العقد، وكأنه لم يكن لديه أي هم آخر يقع على كتفيه إلاَّ ممارسة ساديته النفسية على الآخرين من البشر من دون أي سبب.

وأراد الكاتب أن يفهمنا بأن صدام حسين كان مجرد مريض نفسي يستأثر بالمواصفات التالية:

- »انفراده بالسلطة، وتولي منصب رئاسة الجمهورية، بمجزرة  ضد قيادات الحزب«، »سادية النظام ورغبته في القتل لغرض القتل«، و»يفتعل المؤامرات الوهمية«، و»يضع صدام نفسه في موقف المتمرد على التوجهات الأمريكية في المنطقة«، و»إمكانات العراق التي لو صادف وقوعها بأيدي وطنية حريصة على المصلحة الوطنية للعراق، ستتهيأ لها فرصاً للعب أدوار سياسية مميزة في الوطن العربي لخدمة المصالح القومية العربية«، و»عنجهية صدام حسين«، و»الطريقة التي مورست بها الحرب (الأميركية) تشير إلى حقد دفين على الدولة العراقية ومواطنيها، وليس على النظام أو رموزه«.

هكذا كان صدام حسين و»رموز نظامه« عند الكاتب مجرد مرضى نفسيين متعطشين للدم، وكأنهم أنموذج ل»دراكولا« عربي. فبمقدمته يكون قد أراح القارئ من عبء انتظار نتائج بحثه. ومنها كنت أود أن لا أتابع قراءة الدراسة لأنها أنموذج ل »الإسطوانة المشروخة« التي تعودنا سماعها من كل وسائل الإعلام التي تسيطر عليها أجهزة المخابرات الأميركية بقصد القيام ب»غسل دماغ« المواطن العربي، وإقناع المواطن الغربي بأن ما قاموا به ليس احتلالاً بل هي مهمة إنسانية أنجزتها الإدارة الأميركية عندما خلَّصت الشعب العراقي المسكين من سلالة ال»دراكولا« »البعثية« التي يقودها مهووس نفسي يُدعى »صدام حسين«، وتكون الإدارة الاستعمارية بترسيخ مثل تلك الصورة، والتي يساعدها للأسف- على ترويجها بقصد أو بدون قصد ممن ينتسبون إلى سلالة المثقفين والديموقراطيين من بعض المثقفين العراقيين والعرب الذين راحوا ضحية بعض من سمتهم أجهزة الإعلام المعادية ب»المعارضة العراقية«، فإذا ببعض أولئك المثقفين المخلصين والصادقين لوطنيتهم، كمثل الدكتور موسى الحسيني (كاتب الدراسة)، يُحبَطون عندما تفاجأوا بأن أولئك الدعاة من »المعارضة« يمتطون الدبابة الأميركية ويقبضون بالدولار الأميركي ويأتمرون بأوامر بول بريمر، ويبيعون كل المبادئ والقيم التي كانوا يغشون بها كثيراً من الوطنيين الصادقين من العراقيين بشكل خاص. وربما هذا التمزق الذي يعاني منه الدكتور الحسيني في منهجه الذي سلكه في كتابة دراسته تعود أسبابه إلى العامل الذي قمنا بالإضاءة عليه أعلاه.

وتظهر أولى ملامح التمزق بين السياسي العملي والنظري المبدأي عند الكاتب في نهاية مقدمته عندما يقوم بتذكيرنا بأهداف الاحتلال، والتي هي التالية:

- »نية أمريكا لإعادة العراق إلى العصر الحجري«. وهذا يعني كما هو الواقع- أن في العراق ما يمكن تخريبه وتهديمه، مما هو ليس موجوداً في أي بلد عربي آخر. فما هو موجود في العراق جرى تهديمه لأنه يشكل خطورة على مصالح القائم بالتهديم. وهنا لا نستطع إلاَّ أن نحكم بأن شيئاً جديداً في العراق تأكَّدت الإدارة الأميركية أنه يشكل خطراً على أمنها ومصالحها. ونحن نترك لنباهة الشرائح المثقفة، والتي لا تريد أن تجادل إلاَّ على قاعدة منطق  »عنزة ولو طارت«، أن يقولوا لنا ما هو ذلك الشيء الجديد.

إن هذا الشيء الجديد، هو قبل كل شيء لا علاقة له بديموقراطية يتميز بها صدام حسين و»رموز نظامه« أو بديكتاتورية يذبح بها من يشاء، فهذا أبعد الهموم عن مخططات أصحاب »القرن الأميركي الجديد«، لأنهم يحمون أكثر الديكتاتوريات في العالم، واللبيب من الكتَّاب والقراء من الإشارة يعرفون.

فالشيء المطلوب تدميره في العراق هو العامل أو العوامل التي تقف حجر عثرة في وجه المصالح الأميركية، وأسباب توليد تلك العوامل ليست الشعب العراقي (مع الاعتذار من وطنية وبطولة وتضحيات الشعب العظيم في العراق) بل الإيديولوجية التي اعتنقها شعبنا العظيم في العراق ذات المضامين التحررية من الاستعمار، ثقافية واقتصادية وصناعية وعسكرية. أما تلك الإيديولوجيا فهي تلك التي اعتنق مبادئها صدام حسين و»رموز نظامه« وراح يطبقها في العراق طوال خمسة وثلاثين عاماً، بدءًا من العام 1968م، في الوقت الذي كان ما زال فيه الدكتور الحسيني يافعاً على مقاعد الدراسة الثانوية. وهل استطاع بريمر أن يخفي مخطط »اجتثاث البعث من المجتمع العراقي«؟

فإذا كان سادي ورجل يهوى »القتل للقتل« قد أخاف المشروع الإمبريالي بهكذا إيديولوجيا فأهلاً به وسهلاً. أو يعلم المثقفون الليبراليون الجدد أن المشروع الأميركي عمل ويعمل على إعادة عقارب التاريخ الحضاري الفكري إلى ما قبل التاريخ، وقد بدأ بمؤامرة تحطيم الاتحاد السوفياتي ومحاربة الشيوعية كخصم أساسي للرأسمالية، وبعد أن نجح فيه وانكشف غطاء حماية حركات التحرر في العالم بدأ الاستعمار في تحطيمها وتدميرها وإعادة الإيديولوجيات التحررية إلى عصر ما قبل التاريخ. ويأتي على رأسها في هذه المرحلة- العراق بسبب من امتلاكه تلك الإيديولوجيا. وإن الكلام عن ذلك يطول ويعرض.

- »الدعوة لحروب أهلية، وتقسيم العراق لدويلات صغيرة«: وهل اكتشف الكاتب هذه المسألة قبل »خراب البصرة« أم بعده؟ فإذا كان قبل خرابها فهو مُدان بدون أدنى شك، لأنه كان يعلم أهداف الإدارة الأميركية الخبيثة ولم يرفع صوته، ولأنه لم يدع العراقيين المعارضين للعودة إلى العراق  كما رجعت بعض القوى العراقية الشريفة المعارضة- إلى وطنها قبل العدوان لتدرأ التقسيم عن العراق وتفتيته. وإذا كان قد عرف ذلك »بعد خرابها« يعني ذلك أيضاً- أن للنظام السابق حسنة واحدة على الأقل (على الرغم من ساديته!!) هو أن العراق كان موحَّداً، وأن تلك السادية كانت تحافظ على وحدة العراق، فجاء الآن من يهددها، ويعمل على تفتيتها ليس على الورق بل على الأرض.

- »إن إثارة النعرات الطائفية مشروع صهيوني قديم «: حسناً أن الكاتب يعي تلك الحقيقة. وهنا نسأله: وهل كان في موقف النظام من الصهيونية ما يجافي الحقيقة؟ وهل إنتاج السلاح العراقي العربي الاستراتيجي، ومنه مفاعل تموز الذي قصفته الطائرات الصهيونية في العام 1980م، ما يستدعي اتهام النظام العراقي بالسادية؟ وهل مساعدة العراق بسخاء- للقوى الوطنية اللبنانية في العام 1975م لمنع تقسيم لبنان، له علاقة بسادية النظام؟ وهنا نسأل: هل إعدام الذي يتعامل مع العدو الصهيوني (الذي يريد أن يبقينا ضعافاً ومفتتين) هو عمل أخلاقي أم عمل سادي؟ وهل كل من كان يتعاون مع أي نظام آخر يريد تفتيت العراق إلاَّ خائن لوحدة العراق؟

لن نعود إلى أزمنة تاريخية بعيدة بل إلى الواقع الراهن في العراق، ونسأل: كم ممن كانوا يطلقون على أنفسهم تسمية المعارضة، وهم من القابعين الآن على كراسي »مجلس الحكم العميل« تحت إمرة بريمر، كم واحد منهم (ممن كان يدَّعي أنه هارب من نظام صدام حسين »الذي يهوى القتل للقتل«) له علاقة بالموساد »الإسرائيلي« ؟

وكم من واحد قابع على كراسي »مجلس الحكم العميل« تحت إمرة بريمر كان يتعاون مع النظام الإيراني الذي كان ولا يزال- يريد العراق مفتتاً وليس موحداً. بل يريد أن يحصل على حصته المذهبية من الشعب العراقي؟

فهل لم يكن عدد من الذين أعدمهم النظام السابق إلاَّ متورطاً في مؤامرة لتفتيت العراق؟ وهل لم يكن الكثيرون منهم إلاَّ هارباً من أجل تلك التهمة: المؤامرة على وحدة العراق أرضاً وشعباً؟

إذا كان هذا هو حال بعض المذهبيين والقوميين والشيوعيين والعلمانيين، فهل بعض العراقيين من الأكراد الانفصاليين أفضل حالاً؟ ألا يستأهل أحد منهم الإعدام على ما تقترفه يداه الآن؟ وهل لا يعلم أحد ما هو تاريخهم وعلاقتهم السابقة مع الصهيونية والاستعمار ونظام الشاه في السابق، ومع النظام الإيراني اللاحق؟

أحسب أنك قرأت تصريحات جلال الطالباني الذي أقرَّ فيها أنه هو الذي احتلَّ حلبجة وسلَّمها بعد خمسة أيام للجيش الإيراني؟ والباقي يمكنك من العودة للاطلاع عليه إلى مصادرها وهي كثيرة.

فإذا كان تفتيت العراق مشروعاً صهيونياً، فهو مشروع أميركي أيضاً، وهو مشروع إيراني سابق ولاحق أيضاً.

- »إن وحدة المصلحة الأمريكية ـ الاسرائيلية، في واحد من أهم مفاصلها، تأتي من الرغبة المشتركة بمنع ظهور أية قوة عربية يمكن أن تشكل محور استقطاب عربي والعراق من أهمها«: أو لا تدري يا عزيزي أن أهم الخطوط الاستراتيجية الأميركية مرسومة قبل احتلال العراق أي منذ أمَّم النظام في العراق الثروة النفطية في العام 1972م- وازداد الحضور العراقي في المخطط الأميركي الخبيث كلما تراكمت خطوات رفض النظام للمصالح الأميركية؟

طبعاً كان العراق، تحت قيادة حزب البعث وصدام حسين، على رأس الاستهدافات الأميركية الصهيونية لمنعه من أن يكون محور استقطاب عربي. ولكن للاستقطابية عوامل وشروط، ومن أهمها أنه يدعو إلى مقاومة الاستعمار والصهيونية والعمل على تحديث البُنية العربية الحضارية والسير بها إلى مصاف الدول المتقدمة صناعياً وعسكرياً وسياسياً، وتلك العوامل والشروط كانت متوفرة في صدام حسين »ورموز نظامه«. وهنا نسأل لماذا لم تتوفَّر تلك العوامل والشروط في غير نظام حزب البعث؟ ففي نظامه ما يخيف المشروع الأميركي الصهيوني. وهل هذا نابع عن سادية وصلف ودموية ورغبة في القتل للقتل؟

ويتابع الكاتب سرد ثوابته الفكرية والسياسية، وهي ليست أقل من ديكتاتورية مقنَّعة، ليرشدنا ويفهمنا أن المقاومة العراقية، منسلخة عن أية مقدمات وإعداد سابقين، وكأنها انطلقت بفعل عصا سحرية، وكأن قانون »العلة والمعلول«، و»قانون السببية« قد فاتهما قطار المعرفة الزمني. وإذا كانت المقاومة عند الكاتب- قد برزت عند العراقيين  »ونشأت كرد فعل طبيعي ضد الاحتلال، كتوجه وطني يعبر عن قوة الرغبة في الدفاع عن المصلحة الوطنية العراقية«، فإن صدام حسين ورموز نظامه كما نستنتج من مبررات الموسوي- مفطورون على السادية النفسية فهم كانوا من غير طينة العراقيين.

طبعاً إن الرغبة عند العراقيين طبيعية في الدفاع عن المصلحة الوطنية العراقية. لكن المثير للتساؤل هو التالي: عندما رفض صدام حسين الإملاءات الأميركية قبل الحرب وبعد الاحتلال- هل كان رفضه عبارة عن سادية نفسية؟ وهل كان الرفض إلاَّ نابعاً عن إيمان »صدام حسين ورموز نظامه« بقدسية الدفاع عن المصلحة الوطنية العراقية؟ وهل كانت بعيدة عن الارتباط في قدسية الدفاع عن المصلحة القومية العربية؟

وهل كان المشروع الأميركي مؤسساً بهدف محاربة سادية  »صدام حسين ورموز نظامه«؟ ألم يُلفت موقف صدام حسين و»رموز نظامه« -الرافض والمقاوم للحرب والاحتلال- أفهام المصرِّين على تفريغ بعض إزعاجاتهم الذاتية المرتبطة بالتعصب الإيديولوجي السابقة التي يصعب عليهم نفسياً- التخلص منها؟

وكأن الكاتب أنهى مرافعته وأوصلنا إلى النتيجة التي يريد أن يوصلنا إليها من خلال إيحاءاته من دون أن نتابع قراءة الحلقات الثلاث الباقية. فماذا يا تُرى سنجد في محتويات تلك الحلقات. فلنتابع ونرى.

يقسم الموسوي دراسته موقفه من القضيتين الفكريتين التاليتين: »المقاومة العراقية.. الخصائص والمميزات«. و»الشرعية والعدالة.. بين الاحتلال والمقاومة«.

أما بالنسبة للموضوع الأول، فلا نستطيع إلاَّ أن نرفع تحية تقدير للدكتور الحسيني للجهد النظري السليم الذي بذله من أجل تحديد تعريف المقاومة وأهدافها بشكل عام، وهو مما يدخل في فكر المقاومة الشعبية كقيمة نضالية عليا. وينطبق تقديرنا الإيجابي على تحديد الحسيني لخصائص المقاومة العراقية، ونرى من المفيد أن نختصر بعض تلك الجوانب لتعميم الفائدة على من فاتته قراءة دراسة الدكتور الحسيني:

- »فالحرب التي قيل عنها إنها حرب تحرير العراق، ما هي في حقيقتها إلا حرب تحرير إسرائيل من الهم العراقي الذي يشكل تهديداً دائماً لها على اختلاف أنظمة الحكم المختلفة التي تناوبت على السلطة في العراق«. وهنا لا يستثني الحسيني    كما هو واضح من العبارة- »صدام حسين ورموز نظامه«، وهذا بلا شك- حكم موضوعي مشكور. وهي شهادة لهما بأنهما لم يكونا سادييْن بالمطلق.

- »إن العراق يمتلك الحق الكامل مثله مثل الولايات المتحدة لامتلاك مثل هذه الأسلحة«، أي أسلحة الدفاع الاستراتيجي. وهنا يقف الحسيني وقفة موضوعية أخرى بتأييده حق امتلاك العراق أسلحة الدفاع الشامل. ولكن العراق في ظل نظام صدام حسين- لم يدافع عن حقه هذا فحسب، بل راح يعمل بالفعل على امتلاكها. (من مفاعل تموز، إلى الصواريخ البعيدة المدى إلى).  أما الذي آمن بهذا الحق وراح يضعه على سكة التنفيذ، ومن أجلهما أثار حفيظة الاستعمار والصهيونية، فهو »صدام حسين ورموز نظامه«. وهنا ليس التفصيل بذي فائدة لأن العدو والصديق يعرف تلك الحقائق، ولا يستطيع أن ينكرها.

-إن المقاومة العراقية في مواجهة العدوان قبل احتلال العراق وبعده- كما يرى الكاتب »هي شكل من أشكال الحرب العادلة«. وهي فضيلة موضوعية ثالثة نسجلها للدكتور الحسيني.  وهذا ما آمن به »صدام حسين ورموز نظامه« منذ أن انطلقت إشارة التهديد الأولى من المخطط الأميركي الصهيوني. فعدالة الحقوق العراقية والعربية في مواجهة مخطط العدوان كان المحور المركزي لاستراتيجية صدام حسين ورموز نظامه، منذ تأميم النفط والمشاركة الفاعلة في حرب تشرين 1973م، ورفض اتفاقية كامب ديفيد، واستراتيجية الدعوة لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر هي التي كانت أهم أشكال الحرب العادلة التي لم يكن يقودها »رئيس سادي، يهوى القتل للقتل« بل »رئيس ونظام يعيان تماماً أهدافهما الاستراتيجية« في العدالة الوطنية والقومية والإنسانية.

أما إذا كان الكاتب يقصد ما له علاقة بالمقاومة الشعبية المسلحة الدائرة بمقدرة وفعالية مميزين، فسيأتي توضيح دور »صدام حسين ورموز نظامه« لاحقاً في هذا الرد.

-إن تعريف المقاوم عند الدكتور الحسيني- جاء بصيغة أجمل ما يمكن التعبير عنه. كما جاء تعريفه لعملاء الاحتلال بالعمق والوعي الذي لا يسعنا إلاَّ أن ننظر إليه بتقدير عالٍ: »تلك المصالح التي يدافع عنها المقاومون بحياتهم، وهي أغلي ما يمكن أن يقدمه الإنسان من تضحيات في سبيلها، مقابل بعض العراقيين الذي باعوا هذه المصالح الوطنية مقابل بعض الامتيازات المادية والوظيفية«. وهو يبدي أساه الشديد من رؤية »القوى السياسية الرئيسية التي كانت تشكل الإطار الأساسي للمعارضة العراقية (المجلس الاسلامي، حزب الدعوة، الحزب الإسلامي العراقي،الحزب الشيوعي)، وهي تغمض عيونها عن هذا القمع والاستهتار بقيم العدل والحرية والديمقراطية، وكيف ترتضي لنفسها ومبادئها أن تتحول إلى مجرد غطاء محلي لتنفيذ سياسة ومخططات الشيطان الأكبر، والإمبريالية«. وهنا لا بُدَّ من أن نلوم نباهة الدكتور الحسيني، وهو العميق الثقافة ويقرأ بشكل جيد الخفايا النفسية، كيف لم يكتشف طوال تجربته مع أولئك »المعارضين« من أنهم غاطسون في العمالة، وإن ما كانوا يظهرونه له ليس إلاَّ الوجه الخادع الذي درَّبتهم على الظهور به، بشكل جيد، أجهزة المخابرات. ويبدو أنه لم يكن قد اكتسب خبرة سياسية إلاَّ ما أظهره له أولئك وغشُّوه بالشعارات الوطنية مستغلين قلة خبرته وهذا السبب الذي يؤكد فيه على أن ما دفعهم للمعارضة لم يكن أكثر من مواجهة نظام قمعي، لم يستطع الكاتب أن يعبر عنه بأكثر من العناوين العامة التي صاغتها أجهزة المخابرات الأميركية وراح الجميع يقومون بتردادها على طريقة  »إكذب ثم إكذب حتى تصدق نفسك«.

قال صدام حسين، ومارس على أرض الواقع، وكان يعد نفسه شهيداً بالفعل، ونعى فلذتيْ كبده بعد استشهادهما في معركة ضارية مع قوات الاحتلال الأميركي-كما يمكن أن ينعى أي عراقي آخر وطلَّق حياة الرئاسة والقصور في الوقت الذي كان يمكنه أن يحتفظ بها كلها كما يفعل كثير من الأمراء والملوك- لو رضخ للإملاءات الأميركية والصهيونية. فهو باع كل متاع الدنيا بالاشتراك مع رموز نظامه- من أجل المحافظة على استقلالية القرار الوطني والقومي، وفضلوا على كل المتاع خندق المقاومة والثورة، وحياة الأسر وتكاليفه الشخصية الباهظة الثمن، من أجل أن تبقى مصالح الوطن بأيدٍ وطنية وللمصلحة الوطنية. فهل تلك الصفات تصب في دائرة السادية وحب القتل للقتل؟؟!!

نحن لن نردح بالذين خانوا وطنهم مقابل بعض الامتيازات الوظيفية (وليس أكثر من ذلك) لأن الدكتور الحسيني بوعيه السليم لواقع أولئك، قد أعفانا من التوضيح، فهو يصف أقذر تلك التجارب: »كما حصل في تجارب السماسرة الذين حاولوا أو استفادوا فعلياً من تجربة المعارضة العراقية للنظام السابق«.

ويصب في دائرة وعي دور المقاومة وشرعيتها، والانتصار للمقاومين من دون تردد ما جاء عند الدكتور الحسيني، وحوله يقول: »إن كون المقاومة تمثل السلطة الشرعية الوحيدة في العراق اليوم، حقيقة لا نطلقها جزافاً ولا نقولها خضوعاً لنزعات عاطفية تدفعنا لاشعورياً للوقوف مع أو ضد هذا الطرف أو ذاك. بل هي حقيقة موضوعية أقرها جميع دارسي المفاهيم والقيم الأخلاقية، ومعنى الثورة والثوريين«.

-يجيد الدكتور الحسيني في تحديد خصائص المقاومة العراقية بما يلي: »تقدم المقاومة العراقية نموذجاً فريداً في تاريخ حروب التحرير الشعبية والمقاومات الوطنية، ما يجعلها خالدة على مر العصور بمفرداتها وميزاتها التالية: بسرعة وقوة انطلاقها. بدأت أولى عملياتها بعد ثلاثة أسابيع فقط من سقوط بغداد، وهي فترة قياسية مقارنة بانطلاقة أية تجربة مقاومة أخرى«. بالإضافة إلى أنها تبدو يتيمة مجرَّدة من أي دعم، و »التي تنكر لها وتبرأ منها حتى الأشقاء العرب والمسلمين«. بينما توفَّر لكل ثورات العالم »وجود دولة أو مجموعة دول أجنبية لدعم حركة المقاومة، ومدها بالسلاح، والعون المادي، وضمان قواعد خلفية، وأماكن ملاذ آمن، كشرط أساسي من شروط ظهور واستمرار المقاومة«.

يبدأ الحسيني في الرد على مقدماته بنفسه. فحول ما سمَّاه »افتعال صدام حسين للمؤامرات«، ومحبة القتل للقتل، ومع معرفة الدكتور الحسيني أن الإعدامات التي حصلت، علناً وليس سراً (لأن نظام البعث كان يعلنها في وقتها)،  بحق هذا أو ذاك، إنما كان سببها كثرة المؤامرات والمتآمرين، بدءًا من شاه إيران مروراً بنظام الثورة الإسلامية وانتهاء بالمخابرات الأميركية والصهيونية، وقد دلَّت أوضاع العديد ممن كانوا ينسبون أنفسهم للمعارضة العراقية أنهم عملاء وجواسيس للخارج، وقد أصدر الحسيني حكمه عليهم -من دون أن يدري- وذلك استناداً إلى ما جاء في مرافعته النظرية (وهي بلا شك مبدأية وقانونية وشرعية) عندما قال: إن  »الالتزام بالاستقلال وسيادة الدولة كأساس لكل الالتزامات الوطنية للأفراد أو الجماعات لا تقبل أي التواءات على المفهوم يمكن أن يمارسها هذا الطرف أو ذاك لتبرير مواقفه الخيانية أو النفعية أو تلك المثيرة للريبة«. كما أقرَّ بأن الأمن الوطني للدولة هو من أولوياتها، وواجب عليها أن تقوم به  »تحت أي ظرف وبكل ما يتطلبه هذا الدعم من إمكانات وتضحيات وإن الحفاظ على المصلحة الوطنية والأمن الوطني هي نفسها الأسس التي حاولت إدارة بوش أن تصنع منها التبريرات المناسبة لتسويغ العدوان علي العراق«.

وحول ذلك لا يخفى على الدكتور الحسيني بمواقفه النبيلة من المقاومة العراقية، حتى ولا على غيره ممن يدينون المقاومة ويعملون على محاربتها والقضاء عليها، أن المروِّجين لما يسمونها جرائم قام نظام البعث بها هم أجداد وآباء وأخوة الكثيرين ممن اكتشفهم الجميع بعد فوات الأوان- أنهم كانوا من الجواسيس والمتآمرين على أمن الدولة العراقية وسيادتها بالتعاون مع شتى أنواع المخابرات الأجنبية.

فمن وقع في مستنقع الخيانة، الآن كما في السابق، هو مدان ويستحق الحكم عليه بالقوانين ذات العلاقة بأمن الدولة الوطنية. وليس ما فعله نظام البعث بخارج عن المألوف وإنما ينطبق على الشرائع القيمية التي تطبقها كل الدول التي تحترم سيادتها، ولم تخرج الولايات المتحدة الأميركية عن السياق ذاته، فهي قامت بالحرب ضد العراق كما يقول الحسيني بنفسه- تحت ذريعة الحفاظ على سيادتها وعلى أمنها الوطني بحيث روَّجت أن نظام البعث هو الذي يهدد ذلك الأمن.

يتابع الحسيني عرض الأسس، التي بناء عليها يحكم على هذا المواطن بالخيانة الوطنية أو الدفاع عن السيادة الوطنية، فيقول:

-»المواطن الصالح، مهما كان موقعه الاجتماعي أو السياسي ملزم قانوناً بعدم الإخلال بأساسيات المصلحة الوطنية والأمن الوطني، وبعكسه يتعرض للمحاسبة القانونية«. أما السلوكات التي تؤدي إلى الإدانة بالخيانة، فهي كما يعددها الحسيني: »تقديم معلومات لدولة أو منظمة في حالة حرب أو تخطط لحرب أو عدوان على البلد. و تقديم أي شكل من أشكال المساعدة لقوات دولة في حالة حرب مع البلد.، التعاون مع قوات محتلة«. و»الخيانة واحدة.. ولا تقبل تفسيراً ولا تتحمل تبريراً. والموقف الوطني واحد ولا يبرره معارضة حكم دكتاتوري«.

ولكي لا تشكِّل بعض الأخطاء كما نرى- التي كانت تُرتَكب من قبل أجهزة النظام قاعدة لمحاكمة النظام بأكمله، فيضيع الوجه الإيجابي ويُمحى، ويتحول النظام فيه إلى كتلة من السادية، كان يمكن للمعارضة العراقية الصادقة أن تعمل كما يرى الحسيني ونؤيده في رؤيته- من أجل المصلحة الوطنية على قاعدة أن  »تظهر التزاماً بالمصلحة الوطنية، بشكل أفضل مما يحققه النظام القائم«. أما الذي حصل كما أثبت الواقع- فهو العكس تماماً حيث خرجت فيه قوى وأحزاب من الوطنيين إلى خارج العراق بذريعة حفظ حياتها وحريتها، وهذا ما عمَّق الخلاف بينها وبين النظام الحاكم، خاصة وأن شرائح واسعة من بينها تغطت برداء المعارضة العريض، وراحت تمارس الخيانة بأقذع صورها مع أجهزة المخابرات الخارجية. ولا يفوت اللبيب إمكانية تحديد الكثير منها. وقد عددها الدكتور الحسيني في دراسته.

ومن الأكاذيب الكبرى، التي حاول البعض استغفالنا بنشرها، هي أن عدد المعارضين العراقيين المهاجرين إلى الخارج بلغ خمسة ملايين معارض!! وهذا ما يثير الدهشة والاستغراب، وهو ما يدفع إلى التساؤل التالي: إذا كان هذا هو عدد المعارضين فعلاً، وهم من الذين هاجروا أو طلبوا اللجوء السياسي خوفاً من »نزعة القتل للقتل« الذي كما يحسب الحسيني- أن نظام البعث في العراق كان يتميز بها، فهل بمقدور قوة على الأرض أن تقوم بقتل كل أولئك المعارضين؟ وإذا كان النظام سيقوم بسجن خمسة ملايين معارض هل بإمكانه أن يوفر السجون الكافية لحبسهم فيها؟!! وإذا كان هذا هو عدد المعارضين، أي ما يشكل 50% من عدد العراقيين البالغين الواعين الذين لديهم الكره الكافي لنظام البعث، وعجزوا عن قلب النظام على رؤوس أصحابه، فهم بلا شك ممن لا يستأهلون الحرية. وإذا كانت بضع من فلول »نظام البعث« قد أوقعت قوات الغزو الأميركي في أكبر مأزق في تاريخها، فهل لا يكفي خمسة ملايين من المعارضين لوضع »النظام السابق« في مأزق أكبر بكثير من المأزق الأميركي؟!!

إتقوا الله يا ناس، وتكلموا »كلام المجانين« حتى يستطيع »عاقل« أن يصدِّق!!!

إن المعارض الصادق، الذي لا يريد أن يمارس اللعبة الديموقراطية على جثة وطنه، قد بان واضحاً. وهو لما حان وقت العدوان على العراق، أخذت بعض القوى الوطنية من المعارضين يراجعون حساباتهم، وحضر وفد من بعض تنظيماتهم إلى العراق، في تشرين الثاني من العام 2002م، ووقعوا فيه على اتفاق بعد أن خرجوا من الاجتماعات المشتركة مع السلطة العراقية متوافقين على عدد من المبادئ التي تنظم العلاقة بين المعارضة والنظام. ويكون أولئك قد سلكوا طريق المعارضة الشرعي والمعترف به، ونالوا الاحترام والتأييد من الشرفاء من غير القوى المعارضة التي تلوَّثت بالعمالة والتجسس للأجنبي. ويمكن للدكتور الحسيني أن يتأكد من تلك الوقائع من الأوساط المعنية والتي هي غير مجهولة لديه.

وهنا لا بُدَّ من تعليل أسباب تعميق الهوة بين نظام البعث والمعارضة العراقية، وهي الأسباب التي نحسب أنها قادت النظام إلى الوقوع في أخطاء تجاوزت الحق الديموقراطي للمعارضة الوطنية، والمقصود بها تلك التي تغلِّب أولوية المصلحة الوطنية والأمن الوطني على ما عداها من المهمات الأخرى، هو أن خروج معظم القوى ذات التأثير الفاعل إلى الخارج، وهناك ضاعت الخطوط والحواجز بين المعارضين الوطنيين والمعارضين الجواسيس، فأصبح من الصعب إذا لم يكن من المستحيل- أن تفرز أجهزة المخابرات العراقية التابعة للنظام بين الوطني والجاسوس، واستمرت حالة الضياع تلك إلى أن أصبح الفرز واضحاً بعد الاتفاق بين النظام والبعض من قوى المعارضة والتي أشرنا إليها أعلاه.

وإذا كان لدى البعض أمثلة معاكسة فإنما بأتي في إطار التفاصيل وليس في الإطار العام، ومتى تم التوافق على الإطار العام يمكن السيطرة على الأخطاء التفصيلية على قاعدة الحوار الإيجابي البعيد عن التوتر والاستفزاز وإثارة المخاوف في جو متلبد مملوء بالمؤامرات التي ثبت أنها ليست وهمية كما وصفها الدكتور الحسيني- بل كانت أكثر من حقيقية وأكثر من مخيفة على الأمن الوطني والسيادة الوطنية.

يمهِّد الدكتور الحسيني في معرض كلامه عن أساليب الاحتلال لمواجهة المقاومة- لوصف تأثير الحرب النفسية، قائلاً:  »تلجأ سلطات الاحتلال عادة، لمجموعة من العمليات العسكرية المدعومة بحملة دعاية ممنهجة ومنظمة لتشويه المفاهيم والحقائق الجارية على الارض، وبما يندرج تحت مفهوم الحرب النفسية وعملية غسيل الدماغ«. وهو إذ يشير إلى معالجة دورها السلبي في أثناء الاحتلال، فهو يكون قد نظر إلى نصف المخطط النفسي الإعلامي الخاص بمرحلة ما بعد الاحتلال، ولكنه يغفل نصف المخطط الخاص بمرحلة ما قبل الحرب والاحتلال. وحول ذلك سنعمل على استكمال النقص، فنشير إلى أنه جاء في إحدى توصيات أصحاب المشروع الأميركي  كما أوردته جريدة القدس العربي (أواسط تموز / يوليو 2003م)- ما يلي: »من الضروري أن تركز أجهزة الإعلام، وخاصة الفضائيات وكُتّاب المقالات والتعليقات، على الموبقات والجرائم التي ارتكبها نظام صدام حسين، بشكل يومي، وتكرار التعليق على المقابر الجماعية وضحايا الأسلحة الكيماوية، وعلى أحداث القتل والاعدامات والتحكم الفردي بمقدرات العراق، دون نسيان الحديث عن القصور الفخمة والبذخ والاسراف، وذلك من أجل صرف النظر عن الاحتلال الأميركي«.

لم يكن الإعلام الأميركي المبرمج مسبقاً- موجهاً إلى غسل أدمغة العراقيين من أجل خلق فجوة بينهم وبين المقاومة فحسب، بل غسل أدمغتهم من القناعة بأي فائدة أو جدوى من النظام السابق أيضاً، ولذلك عمل على تكبير صورة الأخطاء العادية، واختلاق أسباب وصور لم تكن في ذاكرة العراقي الذي يعيش في العراق أبداً، فالعراقي بشكل عام- لم يكن على علاقة عداء مع نظامه الحاكم و إلاَّ لما وزَّع النظام ملايين البنادق على الشعب (وتقدر قوات الاحتلال أن عددها بلغ الخمسين مليون قطعة سلاح، أي أن ذلك يعني أن لكل عراقي ثلاث قطع من السلاح).

أما النصف الثاني من مخطط الحرب النفسية، أي لما هو مخطط له بعد الاحتلال، فنحن لا نستطيع إلاَّ أن نثمِّن العمق الذي عالج فيه الحسيني هذا الجانب. ولكن نشير إلى أنه يقلل أحياناً من عمق تحليله بإشاراته الواضحة إلى ما يسميه النظام القمعي لصدام حسين من حين إلى آخر بطريقة لا توحي بالترابط المنطقي بين الفكرة التي يركِّز عليها وبين الإيحاءات المذكورة-  وهي عبارات واضحة الخلفية الإيديولوجية أو الموقف الشخصي.

أما حول موضوع المقاومة، التي يحسب الدكتور الحسيني أنها نشأت من لا شيء، أي بقوة سحرية خفية، وهي محاولة يسلكها الكثير ممن عندهم غرض أو وطر إيديولوجي- لتجهيل ما هو واضح ومعروف حول الإعداد لها قبل العدوان والاحتلال بسنين طويلة. وموضوع التجهيل مقصود به إغفال أي دور لصدام حسين وحزب البعث. وقد تمسَّك البعض، ومنهم الدكتور الحسيني، في إغفال دور صدام حسين وحزب البعث بسبب أن العراقيين سينفضُّون من حول المقاومة إذا عرفوا أنها تنتسب إلى البعثيين. وهو استغفال وليس غفلة، فلأكثر من طرف مصلحة في تجهيل المعلوم بنسبة المقاومة إلى حزب البعث، أي بمعنى الإعداد لها منذ زمن طويل بالتربية الفكرية والإيديولوجية والتدريب والتسليح

إن كلامنا حول هذا الجانب، وكما هو راسخ في قناعة البعثيين العراقيين من خلال بيانات قيادة قطر العراق (التي بلغت حتى الآن- خمسة وأربعين بياناً سياسياً عدا المنهج السياسي الاستراتيجي) أنهم يريدون بناء تجربة جبهوية مقاتلة أنموذجية تضم كل العراقيين، بأحزابهم وتنظيماتهم وقواهم وأفرادهم، علمانيين وقوميين وإسلاميين، عرباً وكرداً وأشوريين سنة وشيعة، وعلى قاعدة دحر الاحتلال كما قال الرئيس صدام حسين في رسالته الأولى بتاريخ  28 / 4 / 2003م يخاطب العراقيين قائلاً:  »انسوا كل شيء، وقاوموا الاحتلال، فالخطيئة تبدأ عندما تكون هناك أولويات غير المحتل وطرده«.  ويقول في رسالته، بتاريخ 7/ 5/ 2003م:  »وحين يكون هناك وقت ومكان لمراجعة التجربة (أي تجربة حزب البعث قبل احتلال العراق) سنفعل بروح ديمقراطية لا تخضع لأجنبي أو صهيوني«.

وهذا ما يؤيده الدكتور الحسيني، وهو في الوقت الذي يظهر فيه رأيه السلبي بنظام حزب البعث، يجيب بنفسه عن ضرورة الابتعاد عن كل ما يعيق هدف التحرير، قائلاَ: »فلا هدف يمكن أن يرتقي فوق هدف التحرير وتحقيق الاستقلال الكامل، وآي خلافات أخرى ستصبح ثانوية جداً أمام التحرير وهي متروكة للغد الحر الكفيل بحلها ضمن أطر سياسية وطنية مستقلة«.

لو كلَّف الدكتور الحسيني نفسه بالقليل من العناء، وهو الذي لا تخفى على القارئ كفاءته الأكاديمية، لقام بالبحث -على قاعدة »السببية«- عن تأصيل أشرف ظاهرة للمقاومة يعرفها التاريخ العالمي (وهو يعتز بها من خلال دراسته) ومعرفة مقدماتها وواقعها، لأن نتائج باهرة كما أكدت نضالات المقاومة العراقية- لا يمكن إلاَّ أن تكون ذات مقدمات لا تقل إتقاناً عن نتائجها. أما الخلل في ابتعاده عن البحث، أو فلنقل تجنبه الخوض فيه، ليس أبعد من ضعف نفسي هو الأدرى بأسسه وأسبابه. وطمعاً منا بإخلاصه وصدقيته وحماسه لنضالات شعبه العراقي، وشعبنا نحن الذي نعتز به، أن يعطي موضوعياً القليل من جهده ليرى نفسه أنه قد وجد نفسه كبيراً وكبيراً جداً بأن هناك إيديولوجيا تحررية نضالية قادها حزب عراقي بأعماق قومية عربية علَّقت على صدورنا، وعلى صدر الدكتور الحسيني، وسام ريادة الثورة العالمية المعاصرة ضد أقذر مشروع أمبريالي تقوده إدارة جورج بوش الصغير معبراً عن كل أنواع التطرف القومي والديني والطبقي.

إن نظرة موضوعية تجعل الدكتور الحسيني يبتعد حتى عن »تصوير المقاومة على أنها مجموعة من الموالين للنظام السابق، أو مجموعة من المرتزقة الذين ينتقمون من قوات الاحتلال بسبب فقدانهم لامتيازاتهم التي كان ينعمون بها أبان العهد السابق«، إلى الإيمان بأن هؤلاء ليسوا قلة تحابي شخصاً فرداً، ولا هذا الشخص الفرد هو فردي بل هو ينطق باسم رسالة للتحرر والانعتاق ووضع نفسه بروحه ونضاله وآلامه- في خدمة مجتمعه العراقي وأمته العربية. وإن أولئك ليسوا قلة تدافع عن امتيازاتها، بل هم كثرة تؤمن برسالة سامية لا تقل على الإطلاق- عن رؤية الحسيني النظرية بسموها وقيمتها.

وإذا كان الحسيني يرفض أن يجرد الاحتلال »المقاومة (العراقية) من صفتها الوطنية، ومثلها الأخلاقية العليا، وإيمانها بالعدالة والاستقلال والإنسانية«، ضنَّاً بالقيم الإنسانية السامية فنحن ندعو الحسيني بدورنا، ورحمة بتلك القيم، أن لا يجرد الظواهر والقضايا العظيمة ويفصلها عن صانعيها. فالمقاومة الوطنية العراقية هي من صنع حزب البعث تحت قيادة صدام حسين وليس غيره على الإطلاق. لا نقول هذا من أي منطلق تعصبي لأنني وليعلم الدكتور الحسيني- أن أحكامنا تلك مبنية وموثقة على أسس أكاديمية صارمة، وإذا أراد الاطلاع والتوضيح فيمكنه الحصول على عنواني البريدي لنكون على اتصال مباشر، وإذا أراد متابعة الحوار العلني فأحسب أنه سينتج الكثير من الفائدة لمصلحة حفظ حقوق القيم الإنسانية من جانب، وحقوق العاملين في حقلها من جانب آخر. فتأييدك للقيم العليا وتجاهلك للذين يخدمون في رحابها ومعابدها والمدافعين عنها والحاملين لواءها يشوبه النقص ويكون موسوماً بالظلم واللاعدالة. فالوطنية كقيمة إنسانية- ليست منفصلة عن العاملين من أجل تكريسها، ومقاومة الاحتلال كقيمة عليا- ليست معنى منفصلاً عن المقاومين. وإذا كان من فضيلة للوطنية أو للمقاومة فهي لا تنفصل عن فضيلة الوطنيين والمقاومين. وكل هؤلاء ليسوا رموزاً مجردين، بل هم من لحم ودم وعظم. وإذا جردت القضية عن صانعيها فكأنك تجرد القيمة العليا عن قيمتها. فليس من العدالة أن تنسب العدل إلى غير أهله، وليس من الفضيلة أن تنسب الوطنية إلى غير أشخاص بشر، ولا أن تنسب المقاومة إلى غير أبطال يضحون ويتعبون ويقدمون، يتألمون ويُجرحون، ويُسجنون ويستشهدون. فمن هم أولئك البشر، أريد جواباً ينبع من الضمير؟

إن تجريد حركات المقاومة من سماتها الوطنية يقول الحسيني- و»نسبتها لتجمعات أو عصابات أجنبية، يمثل منهجاً استعمارياً عاماً، لا تختص وتنفرد به حملات التضليل الأمريكية فقط«. ونحن نقول حبذا لو تابع استنتاجاته حول المقاومة العراقية على القاعدة المنطقية ذاتها التي يدعو الاستعمار إلى التحلي بها، لكان وفَّر على نفسه وعلينا عبء الإشارة إلى هذه الثغرة ولفت الانتباه إليها. لأنه هو نفسه جرَّدها من أية هوية لها صفة عملية وواقعية. وحصل هذا التجهيل من دون ما يبرره. لا يكفي أن ننسب المقاومة إلى محبة العراقيين وعشقهم لها، لأنها ليست بحاجة إلى إيمان ومحبة فحسب، وإنما هي بحاجة إلى عدد من النخبة من الرجال ومواصفات أخرى من التدريب، وإمكانيات فعلية من التسليح المناسب. فلانطلاق المقاومة إذاً- شروط لا يمكنها أن تصبح مقاومة فعلية إلا إذا كانت تلك الشروط متوفرة. وللسرعة في انطلاقتها شروط أخرى يأتي على رأسها الاعداد المسبق، ولما انطلقت المقاومة الشعبية العرقية السرية في العاشر من نيسان من العام 2003م، أي لم يكن هناك مسافة زمنية بين انتهاء الحرب النظامية وبداية الحرب الشعبية، لا يمكن أن يكون هذا الانتقال السريع جداً إلاَّ بناء لإعداد مسبق سبق الاحتلال بسنوات عديدة. وإذا كانت المعارضة الوطنية مهاجرة في الخارج، وإذا كانت التنظيمات الإسلامية لم يكن لها تصورات سابقة عن تلك المقاومة (وهي قد اعترفت بذلك)، فلا شك بأن هناك من كان يضع احتمالات الاحتلال، ومقتنع بأهمية الحرب الشعبية كبديل للحرب النظامية، فراح يعد إمكانيات حرب طويلة الأمد (خاصة وقد أثبتت الوقائع أن الرجال المدربين هم بعشرات الآلاف، والسلاح المناسب للحرب الشعبية كان معداً بالكميات الكبيرة، وهو موزَّع على آلاف المستودعات الصغيرة المنتشرة في كل مناطق العراق).

لم يكن الذي أعدَّ كل تلك المستلزمات هو من النكرات، أو الذي من الممكن أن يثير مخاوف أحد إلاَّ ما تقتضيه الإيحاءات غير الموضوعية- وهو لن يكون إلاَّ كما قال أحد المعارضين السابقين للنظام البعثي: مهما كانت هوية الذي أعدَّ للمقاومة العراقية وهوية من يقودها لأن الشعب العراقي والشعب العربي سيبقى مديناً له لقرون عديدة قادمة.

وبالإجمال، من اللا موضوعية ومن اللا عدالة، بل ومن الظلم الفاحش، أن يتم تجهيل تلك الجهة تحت أية ذريعة كانت. وهل علينا أن نقولها بالسر وبصوت خافت أن الذي أعدها وقادها هو حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة صدام حسين؟

لا والله يقتضي الجميل علينا، وكي لا تغيب جرأة الاعتراف، أو الشجاعة الأدبية بالاعتراف أن نعلن بالفم الملآن أن صدام حسين هو ذلك القائد، وأن حزب البعث هو صاحب تلك الرسالة. وهل على الشعوب الأخرى أن تكون أكثر منا عرفاناً بجميل قادتها التاريخيين، وأن تكون الشعوب الأخرى أكثر نبلاً منا؟

لماذا أصبح لينين القائد التاريخي للثورة البلشفية والجنرال جياب رمزاً للثورة الفيتنامية، وفيدال كاسترو رمزاً للثورة الكوبية، وتشي غيفارا رمزاُ لثورة أميركا الجنوبية، وماو تسي تونغ رمزاً للثورة الصينية، وغاندي ثوراً للثورة الهندية. فهل كل شعوب الأرض من النبلاء والعارفين للجميل، بينما نحن نكون من ناكري الجميل وتجريد معارك الحق عن أصحابها، والمجردين لأبطالنا في حقهم من الرمزية، ونمارس ذلك بناء لسادية هذا أو ذاك من ال3رضى بالفصام النفسي، الذين يريدون أن يفصلواً تعسفياً بين القضايا الكبرى وصانعيها؟

من المؤسف أن الدكتور الحسيني، بعد أن ينتهي من القسم النظري الذي يستهلك الجزء الأكبر، ينهي دراسته بخاتمة بعيدة كل البعد عن القسم النظري، وكأن هناك انفصام واضح بين رؤية الحسيني النظرية ورؤيته العملية. وهنا، وبقصد التلوين في ردنا على دراسته نشير في موقع هجومه على الخداع في شعارات الاحتلال ومحاولته إظهار نفسه بأنه نجح في إتمام إنجازات باهرة في العراق- إلى أن الحسيني لا ينسى بعد أن أثبت كفاءته النظرية السليمة- أنه قد عاد لممارسة حالة الانفصام بين النظري والعملي عنده من خلال تذكيرنا (وبفكاهة لم نكن من الذين يستسيغونها عند أصحاب الذوق النظري السليم) بأن هناك تشابهاً بين خداع الاحتلال ونظام »صدام حسين« وهو يعبِّر عنه قائلاً: »وهو تقدم لا يختلف كثيراً عن الإنجازات التقدمية التي ظل يرددها صدام حسين وطيلة 35 سنة في كونه علَّم العراقيين أن يلبسوا النعال (نوع من الأحذية الخفيفة) «.

فإذا كانت تلك هي الموضوعية عند أصحاب النظر السليم، فكيف يكون الأمر عندما من أصيبوا بالعمى النظري، ويعجزون عن رؤية العمل بأعين سليمة من الحول.

من المؤسف أن يتحول آلاف العلماء الذين أعدَّهم العراق في عهد صدام حسين، الذين تفخر بهم الأمة، إلى حذاء عند سليمي النظر. ومن المؤسف أن العملاء يقومون بتصفية العلماء بشتى الوسائل والسبل المادية بينما يقوم آخرون بتصفيتهم المعنوية.

وهل مفاعل تموز الذي أقلق الصهيونية ولم يغف لها جفن إلاَّ بعد أن قصفته وقامت بتدمير أجزاء كبيرة منه؟

وهل مئات الجامعات ومراكز الأبحاث التي نهبها العملاء وصدَّروا تجهيزاتها إلى إيران هي من نوع النعال؟

وهل كل البنى التحتية، التي مثَّلت ثورة نوعية في نقل العراق من عصر التخلف والفقر إلى مستوى الدول المتقدمة؟ وهل خريجو الجامعات من شتى صنوف الاختصاص والذين يُعدون بمئات الآلاف هم من صنف تعلم لبس النعال؟

وهل الدكتور الحسيني، وعشرات الآلاف غيره، الذين تغطوا تحت رداء المعارضة، قد تعلموا خارج الجامعات العراقية؟

ماذا نقول بالرد حول اختزال الدكتور الحسيني لكل المتغيرات التقدمية التي حصلت في العراق في نكتة لم تضحكنا ولكنها زرعت الخنجر في قلوبنا بأن تُنتهك الحقيقة وتسام بشتى أنواع التزوير؟

لقد سمعت أحد الكتَّاب العرب يقول بأنه قد صاغ مجلَّدين بكاملهما لوصف إنجازات المشروع النهضوي القومي العربي في العراق منذ ثورة تموز في العام 1968م، ولم يكتمل مشروع بحثه حتى الآن. فيا لشدة تعاسة ذلك الباحث العربي الكريم عندما سيرى جهده البحثي قد ضاع سدى، لأنه كان غافلاً ولم يكتشف أن أحد الباحثين العراقيين قد لخَّص تلك الإنجازات بسطر واحد تحت عنوان أن المشروع النهضوي العربي ليس أكثر من أن صدام حسين ظل يفتخر  »طيلة 35 سنة في كونه علَّم العراقيين أن يلبسوا النعال «. وأسفاه عليك يا صدام حسين كم كنت تعاني من حول خصومك وتعاميهم عن الحقيقة وكرههم لها. وأسفاه عليك أيها الباحث العربي الكبير فقد كتبت آلاف الصفحات عن ذلك المشروع، والذي قلت كنتائج وصلت إليها- بأن المشروع الأميركي لم يكن له غاية من احتلال العراق إلاَّ القضاء على المشروع الذي بناه صدام حسين. وهل أتى الأميركيون إلى العراق طمعاً بإعادة »عصر تعليم العراقيين لبس النعال« إلى ما قبل العصري الصناعي؟ وهل تستأهل عدة نعال أن يبذل الأميركيون من أجلها أن يصرفوا مئات المليارات من الدولارات للقضاء عليها؟

أيتها الحقيقة إصفحي عنا، ونقبل قدميك ونعتذر إليك عن إساءات البعض من قومنا التي طعنتك في الصميم.

يبدو أن الدكتور الحسيني خفيف الظل يلتقط النقاط المجهرية التي يستخدمها رسَّام الكاريكاتير. فإذا كان هذا الأسلوب هو للترويح عن النفس إلاَّ أنه لا يتناسب مع عمق ثقافة الدكتور الحسيني وإطلالته الوطنية الصادقة نظرياً والفاشلة عملياً.

ولولا بعض ما أثار إعجابنا في البعد النظري عند الحسيني ووضوح هذا البعد لوجهنا أكثر من اللوم إليه ضد ما أنهى به دراسته، ومن دون تعليق عليها نلفت النظر إلى المقارنات التي يقوم بها بين أفعال الاحتلال وأفعال نظام البعث، وحول ذلك يقول:

-» لو وضعنا توقيع صدام حسين عليها بدلاً من توقيع بريمر« .

-»هي أعنف، وأشد قسوة مقارنة بعمليات المداهمة التي كانت تنفذها أجهزة أمن النظام السابق«.

-»ينتهكونها الآن بشكل لا يختلف، إن لم يكن أشد قسوة وعنفاً مما كان يمارسها النظام الدكتاتوري السابق«.

-»فهي تبرئ بشكــــل واضح كل ممارسات النظام السابق... وصدام حسين كان يمارس نفس الأساليب للقضاء علي المعارضة، «.

-»ما هو مرفوض من الممارسات القميعة لصدام أو غيرها، مرفوض أيضاً عندما تعتمدها قوى الاحتلال أو غيرها«.

-»إن سلطة الاحتلال غير معنية عملياً بالانتقام من صدام ومؤيديه، بالعكس انها توفر الحماية لصدام وهو يمتلك الحق في استعادة قصوره وأرصدته المالية. ويغادر للعيش في اي بلد مقابل تقديم تعهد شرف بعدم الوقوف ضد الامريكان. «

-»صدام ليس موضوعاً لحقد وانتقام سلطة الاحتلال، بل هو العراق وشعبه، وقمع صدام واضطهاده لشعبه كان غطاء لخداع العراقيين، أدى وظيفته، وانتهى«.

إن بعض نماذج ما أنهى به الدكتور الحسيني هجومه الظالم، ولن نقول الهجوم الظالم الغشيم، فلو كان الأمر كذلك لغفرنا له لأنه لا يعلم ماذا يفعل، فتسقط ساعتئذ أحكام الحد عليه ويُمنح الأسباب التخفيفية لأن ظلمه صادر عن  »غشيم«، بل هو ليس كذلك، لأنه يعلم ماذا يفعل، ولهذا لا نطلب من أبينا أن يغفر له لأنه يعلم ماذا يفعل.

وأخيراً، ومما يدخل في باب نقدنا، نستحلف الدكتور الحسيني بالله إذا كان سيبقى ثابتاً على قناعته التي يدِّونها في دراسته عندما يقول: »وفي أي دولة من دول العالم، فإن المتمسكين بالمصلحة الوطنية والمدافعين عنها هم المؤهلون عرفاً وشرعاً لمسك القوة أو الحكم في البلد، لا أولئك الذين يغلبون مصالحهم أو مصالح دولة أخرى عليها. «

فهل المقاومون هم من المدافعين عن المصلحة الوطنية؟ يقول الحسيني: نعم، لأنهم يضحون بأغلى ما لديهم من أجل تلك المصلحة.

وهل يبقى ثابتاً على قوله النظري: بأن الذي يقاوم هو الذي يحكم البلد؟ نعم هو يقر بذلك، وقد سجَّله باسمه، ولا مفر من التهرب. وهنا نلقي عليه اليمين بأن يبقى ثابتاً على قوله. ولن نسامحه على الإطلاق- إذا لم يبايع صدام حسين وحزب البعث أولاً، لأن الوقائع التي لا شك فيها تؤكد على أنهم لا يقاومون فحسب، بل إنهم أعدوا لتلك المقاومة كل أساب نجاحها. وإذا كان الحسيني يطلب مهلة لكي يطمئن قلبه فله تلك المهلة. وإذا كان للحزب الحصة الكبرى في الدفاع عن المصلحة الوطنية، وله الحصة الكبرى في مقاومة الاحتلال، لا يعني ذلك أن ليس للآخرين دور، بل لكثير من الفصائل: القومية والعلمانية والإسلامية والشيوعية سهم أو أكثر في ممارسة الجهد العسكري أو السياسي أو الإعلامي مما يمنحهم الحق أيضاً- في المشاركة بالحكم، وهو حق لهم بامتياز نالوه بكفاءة وشرف وتضحية.

 

في بعض نتائج البحث العامة :

ما يلفت النظر في دراسة الكاتب أنه يضع القارئ في حيرة من تحديد موقفه بشكل واضح، فتراه في مقدمة الدراسة وفي نهايتها يتسِّم منهجه بالهجومية والعدائية ضد نظام البعث في العراق على قاعدة عناوين عريضة وفضفاضة، فإذا به من خلال متن البحث يظهر كباحث يستوعب الأسس المبدأية والنظرية حول القضايا السياسية ذات العلاقة بمقاومة الاحتلال. وهو يطرحها بشكل لافت لسعة ثقافته وعمقها وموضوعيتها.

إن التجاذب عند الدكتور الحسيني بين منهجين: سياسي وفكري حول قضية واحدة يجعل القارئ عاجزاً عن التقاط الترابط بين المنهجين. فما هو سياسي يتَّسم بالانحياز وردات الفعل الإيديولوجية، وما هو فكري يتَّسم بالموضوعية والترابط المنطقي. وتبدأ المشكلة عند القارئ عندما يحاول أن يربط بين المنهجين ليحدد الموقف الحقيقي للكاتب، فلا يُوفَّق بل تتجاذبه نتائج متناقضة ومتفاوتة في المعالجة، ويلمس كأن الكاتب يهرب من العبء الإيديولوجي للتخفيف من حدته ووضوحه وتعصبه إلى الاحتماء بموضوعية ثقافته النظرية.

إن ما نلاحظه عند الكاتب يدل على وجود أزمة ثقافية عامة عند معظم المثقفين العرب، ومن خلال تجربتنا نعبِّر عن تلك الأزمة بإشكالية عامة ونظرية هي حالة الانفصال أو الفصل التعسفي بين القضايا الفكرية والسياسية الكبرى وصانعيها السياسيين.

فكانت لنا فرصة من خلال تقييم ونقد الدراسة التي أعدَّها الدكتور موسى الحسيني لكي نبحث عن تلك الإشكالية وتحديد أصولها وتفسير انتشارها بين معظم المثقفين العرب، وبالتالي الخروج بجملة من الاقتراحات التي قد تفيد في معالجة منهج معرفي يتبيَّن فيه وجه الخطأ.

إن تاريخ ميلاد الكاتب لا يوحي بأنه اكتسب تجربة سياسية معمَّقة، وقد تكون نشأته في بيئة بعيدة عن المدن قد أبعدته عن العمل السياسي، أو الحزبي، خاصة وأن الفترة الزمنية الدراسة التي أوصلته إلى حيازة الدكتوراه تكون قد استهلكت معظم أوقاته، وما أن استقرَّت أوضاعه الدراسية حتى أخذ يعايش عدة من الأزمات التي كان يواجهها نظام حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق.

إن مرحلة السبعينيات، وهي المرحلة التي نحسب أن وعي الكاتب السياسي أخذ يشق طريقه فيها نحو التكوين، كانت تشكل بالنسبة للنظام- مرحلة التراكم في المسؤوليات ومواجهة المؤامرات الخارجية، ومن أكثرها لفتاً للنظر الحرب العراقية الإيرانية بما أفرزته من تيارات دينية سياسية عراقية بشكل خاص، مترافقة مع مرحلة استنهاض تلك الحركات في الوطن العربي بشكل عام. وبها، وبعد أن انسحب الشيوعيون من الجبهة الوطنية في العراق، ومن بعد أن قوي تيار المعارضة الكردية للنظام متغذية من الحرب العراقية الإيرانية ومستقوية بالخارج الإيراني، كلها عوامل أدَّت إلى اعتزال كل أنواع المعارضات عن دورها الشرعي المتعارف عليه في التجارب العالمية. وأخذت تشق طريقاً جديداً من حيث الهجرة إلى الخارج الإقليمي أولاً، ومن ثم انتشارها إلى المحيط الخارجي الأجنبي ثانياً. وبمثل ذلك التطور استغلت المخابرات الأجنبية (أميركية وبريطانية وصهيونية وإيرانية) تفشي تلك الظاهرة، واستخدمتها من أجل تصفية الحسابات مع نظام حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق.

لا يتَّضح من خلال المعالجات التي يقدمها الكاتب أية هوية سياسية ينتسب إليها. وإنما نستنتج من خلال ما تتضمنه دراسته من بعض الإشارات إلى أنه فعلاً لا ينتسب إلى أية هوية سوى أنه وجد نفسه في بيئة عراقية معارضة تمتلك الشعارات العامة الفضفاضة. فانفعل بها، وصدَّقها من دون تعمق أو إثبات، فانخرط منبهراً بتلك الشعارات- في خندق المعارضة للنظام. وابتدأت رحلة المحاباة والمجاملة عنده، وراح يراهن على أن زملاءه المعارضين سوف لن ينسوه في عراق سيتسلمون قيادته. وبعد أن حصل الاحتلال، ظناً منه أنه سيترك العراق للعراقيين أخذ يكشف عن أهدافه الحقيقية في البقاء والنية في حكم العراق مباشرة، فأخذت آماله تتقلص وأحلامه تضمر، وازدادت التوترات عنده كلما طال زمن تحقيق الحلم. فإذا بزملائه من المعارضين (قوميين وشيوعيين وإسلاميين) ينخرطون في ورشة مساعدة الاحتلال في البقاء لقاء وضعهم في وظائف إدارية يأتمرون بأوامر بول بريمر، ولما ظهر أنهم تناسوا زملاءهم من الموعودين بدخول جنة التغيير بعد قلب »نظام حزب البعث وصدام حسين«، وجد الدكتور الحسيني أن زملاءه قد خذلوه بلا وطنيتهم عندما انخرطوا في ورشة تدعيم الاحتلال ومساعدته، فعتب عليهم. وظهر إحباطه بشكل عتب عليهم على الرغم من أنه كان من المتشددين نظرياً من خلال دراسته- ضد الذين يتعاونون مع الاحتلال ويقفون ضد المقاومة.

وعلى كل حال، فقد أتيحت لنا الفرصة لرد نقدي حول بعض النماذج من المعارضين العراقيين الذين على الرغم من تميزهم بالحس الوطني- ظلوا على تمسكهم بأسباب العداء لنظام حزب البعث السياسي. ونحن نتوقَّع لمثل أولئك الذين ظلوا ثابتين على مواقفهم من نظام اتهموه بكل الاتهامات بينما كان على كرسي الحكم، ولم يأخذوا المتغيرات الجديدة ومن أهمها وجود الحزب في خندق المقاومة ليعدِّلوا من مواقفهم منه أو يبدِّلوا، سيجدون أنفسهم في مرحلة ما بعد التحرير في أزمة جديدة ولا أحسب أنهم قد أعطوها الاهتمام الكافي في حساباتهم. ونحن نرى حرصاً على أمثال الكثيرين من الصادقين في وطنيتهم ممن برهنوا على صدق توجهاتهم الوطنية الاستراتيجية- أن يفتشوا عن أسباب عدائهم السابقة بكل موضوعية وفي سياقاتها الظرفية وأمكنتها، وأن يروا الحزب من خلال المتغيرات الجديدة بعين الارتياح النفسي بما يؤهلهم نفسياً للعمل مع كل العراقيين جنباً إلى جنب، لبناء عراق جديد متحرر من هموم تأثيرات المشروع الأميركي الصهيوني، وتجارب الماضي.

حسن خليل غريب كاتب وباحث من لبنان

10/ 5/ 2004م

د. موسي الحسيني : المقاومة العراقية والارهاب الامريكي المضاد  الحلقة الخامسة والاخيرة

د. موسي الحسيني : المقاومة العراقية والارهاب الامريكي المضاد  الحلقة الرابعة

د. موسي الحسيني : المقاومة العراقية والارهاب الامريكي المضاد  الحلقة الثالثة

د. موسي الحسيني : المقاومة العراقية والارهاب الامريكي المضاد  الحلقة الثانية

د. موسي الحسيني : المقاومة العراقية والارهاب الامريكي المضاد  الحلقة الاولى

الثلاثاء 22 ربيع الاول 1425 / 11 آيار 2004