نواقض تزويق رامزفيلد : حمام بخار المقاومة

شبكة البصرة

صلاح المختار

يوم الأربعاء 27/4/2005م دخل التاريخ بصفته يوم الاعتراف الأمريكي الرسمي والحاسم بهزيمة الغزو العسكري الأمريكي للعراق، وبدأ العد العكسي للانسحاب الحتمي والكامل منه، ففي ذلك اليوم اعترف دونالد رامزفيلد، بشكل بالغ الوضوح، بعدم صحة كل البيانات والتصريحات السابقة لكافة المسؤولين الأمريكيين والمتمركزة حول حتمية الانتصار على (المتمردين) في العراق كما يصفون المقاومة الوطنية، اذ قال (رامز فيلد) بأن (بلاده وقوات التحالف لن يتغلبا على المسلحين في العراق) ولذلك سيتركان هذه المهمة للقوات (العراقية) التي اكتمل تدريب عدد منها أكبر من القوات الأمريكية في العراق! هذا هو ما قاله رامز فيلد الذي اشتهر بأنه كان أكثر المسؤولين الأمريكيين إصرارا على تأكيد حتمية الانتصار على المقاومة العراقية ورفضاً  للاعتراف بأنها تتقدم وتتسع وتنتصر!


تمهيدات واضحة

هذا الاعتراف يتوج سلسلة من التصريحات التمهيدية ، شرع قادة أمريكا باطلاقها منذ معركة الفلوجة الثانية والتي اتسمت بأنها محاولة، مدروسة بعناية، لاعداد الرأي العام الامريكي لاعادة النظر في الاهداف الاصلية لغزو العراق، وابرزها التمركز فيه لمدة لاتقل عن ربع قرن من أجل الاستحواذ على نفطه، الذي يعد احتياطه المكتشف حديثاً أكبر احتياطي في العالم وليس الثاني، إضافة للهدف الجوهري الآخر، وهو تدمير بذور دولة عربية قوية ومتقدمة. ماهي أهم تلك التصريحات؟ إن من بين المقدمات السايكولوجية للانسحاب، ضرورة جعل الرأي العام الامريكي يعرف، تدريجياً بأن غزو العراق لن يكون سهلاً ولابد من دفع ثمن بشري ومادي باهظ ، وكان تعمد الكشف عن فضائح سجن أبو غريب يستبطن هذه المقدمة، ويحاول أن يضفي عليها مسحة انسانية صاعقة الاثر. صحيح أن ثمة اهدافاً اخرى لذلك الاعتراف الا انه ايضاً انطوى على رغبة امريكية واضحة بطرح فكرة، أن للغزو عواقب خطيرة غير محسوبة، أو عرضية كالتعذيب السادي واغتصاب الاسرى جنسياً... الخ بتفجير فضيحة أبو غريب زرعت اول الاسئلة الجادة حول ثمن الغزو الباهظ وأهمها: هل كان ممكناً تجنب هذا السلوك بدون تجنب الغزو بحد ذاته؟ وهل كان هذا السلوك فردياً - كما ادعت الادارة الأمريكية- أم انه موقف مقرر من مستويات عليا كما تشير الوقائع واعترافات امريكية عديدة؟
بعد ذلك اخذ رامز فيلد والجنرالات الامريكيين في العراق، والخبراء بشؤون (الشرق الاوسط) مثل انطوني كورد سمان، والمسؤولون العسكريون السابقون، مثل انطوني زيني الجنرال المتقاعد واساتذة في الجامعات الأمريكية، يتحدثون عن اتساع نطاق المقاومة وتجذرها وقدرتها (غير الاعتيادية) على تطوير اسلحتها وأساليبها لمواجهة القدرة العسكرية والتكنولوجية الاميركية، مقابل ذلك، وبالتزامن معه، بدأ الحديث يعلو عن عدم صلاحية تدريع الدبابات والمدرعات الاخرى! والحاجة لاضافة درع جديد يستطيع مقاومة ضربات صواريخ المقاومة، المطورة تحت الارض من قبل التصنيع العسكري العراقي، واثير موضوع نقص المعدات العسكرية أمام رامز فيلد في احدى زياراته للعراق، بطريقة اظهرت الجيش الامريكي وكأنه جيش جزر القمر وليس جيش اغنى واقوى دولة في التاريخ! فلقد تجرأ ضباط على انتقاد ظاهرة الافتقار إلى السترات الواقية من الرصاص، واضطرارهم للطلب من اهلهم في اميركا شراءها وارسالها لهم! كما اثير موضوع اعادة تصنيع الناقلات المدرعة (هامر) وغيرها بعد أن ثبت انها هشة أمام دقة وذكاء عمليات المقاومة!
وطورت الحملة النفسية بالتركيز الواضح على الاضطرار، كل بضعة شهور، لتخصيص مبالغ من الميزانية الأمريكية، أي من دافع الضرائب، لتغطية نفقات الغزو والتي لاتقل في كل مرة عن 80 مليار دولار. ولجأ بعض الجنرالات أثناء وعقب معركة الفلوجة الثانية إلى تقديم صور وصفية مرعبة وكابوسية عن قوة المقاومة وامكاناتها القتالية، بالاعتراف بأن رجال المقاومة العراقية هم أشرس المقاتلين في تاريخ حروب أميركا وأكثرهم استعداداً للموت، وهي حقيقة جعلت الضباط والجنود الامريكيين يحلمون بهم وهم يهاجمونهم حتى في يقظتهم من شدة خوفهم منهم!
وأخيراً وليس آخرا جاء التمهيد المهم للاعتراف بالفشل الحاسم في العراق على لسان الرئيس الامريكي جورج بوش أكثر من مرة حينما اخذ يتحدث عن (الخروج المشرف) من العراق وضرورة الاعداد (السريع للقوات العراقية) كي تتولى مسؤولية الامن ويعود الجنود إلى أهلهم ولا يبقى احد منهم! واقترنت اقوال بوش بتأكيد أن أمريكا ذهبت للعراق (من أجل الديمقراطية) وهي أجرت انتخابات (دخل العراق بفضلها مرحلة جديدة وتاريخية)! وكان من بين أكبر الخطوات لتنبيه الرأي العام الامريكي إلى خطورة الاستمرار في احتلال العراق،
وحتمية دفع أثمان باهظة لايستطيع المجتمع الامريكي تحملها، هو ترتيب المخابرات الأمريكية لصدور اعتراف مذهل من قبل الجنرال محمد الشهواني، الذي عينه الاحتلال مديراً للمخابرات العراقية، بأن عدد افراد المقاومة العراقية المقاتلين يبلغ 200 الف مقاتل وان عدداً مماثلاً يدعمهم ويكمل عملهم! وبسرعة أيد جنرالات امريكيون هذا الرقم واشاروا إلى أن هؤلاء بغالبيتهم من انصار النظام السابق وانهم من بقايا الحرس الجمهوري وغيره من التنظيمات والاجهزة العسكرية والحزبية والامنية العراقية. وما يعرفه بوش واركان ادارته، ويرفضون الافصاح عنه، هو ان المقاومة العراقية مسنودة ب( 3 ) ملايين مقاتل احتياط هم ابطال جيش القدس والحرس الجمهوري وفدائيي صدام .
وبتسريب هذه المعلومات، واطلاق هذه التصريحات وفق برنامج معد بدقة طرحت في الاعلام الامريكي تساؤلات طبيعية منها: اذا كان عدد افراد المقاومة المقاتلين والمكملين لهم هو حوالي 400 الف عراقي،ووجود احتياط قدره 3 ملايين، الا يعني ذلك أن الشعب العراقي يدعم المقاومة، وانه مصدر ديمومتها؟  الا تنطوي هذه الحقيقة على استحالة قهر المقاومة الا بالحاق دمار أكثر شمولية وارتكاب مقابر جماعية، مثل المقبرة التي دفنت فيها مدينة الفلوجة؟ وهل  (اضطرار) أميركا لاعتماد سياسات التدمير والابادة الشاملتين في العراق سيبقي (الرسالة الاخلاقية الأمريكية)، كما يقول القتلة في الكونغرس والاعلام، للعالم سليمة ومقبولة؟


خطوات الانسحاب

بعد أن صار ثمة انطباع عام في اميركا أن العراق قد اصبح مأزقاً خطيرا بالنسبة لاميركا، ازداد الحديث عن طريقه الخروج من المأزق (علينا أن نعجل بإقامة الديمقراطية وتسليم السلطة للعراقيين)، وهذا الهدف يتطلب تحقيق خطوتين اساسيتين: الاولى اجراء انتخابات مزورة، والثانية بناء قوات عراقية تتولى مسؤولية الأمن. هذا الحديث كان في الواقع الغطاء المنطقي للانسحاب من العراق،  الم يصبح هدف إقامة (الديمقراطية) هو الهدف الوحيد للغزو، بعد الاعتراف بعدم وجود اسلحة دمار شامل في العراق وبعدم وجود صلة له بالقاعدة؟ إن ما يفسر الاصرار الامريكي على اجراء انتخابات شكلية وسريعة رغم كل الضغوطات من جانب حتى اولئك الذين دربوهم خارج العراق ونصبوهم في السلطة، هو هذا الامر بالذات: توفير غطاء لانسحاب يحفظ ماء الوجه بالقول: ها نحن قد انجزنا مهمتنا باقامة الديمقراطية وما تبقى، وهو فرض الأمن، يقع على عاتق العراقيين.
هذا الكلام قاله بوش مراراً في الشهور الاخيرة وكرره جنرالاته واركان ادارته بطريقة تناغمت مع تصاعد واتساع وتطور المقاومة المسلحة، وسيطرتها على اغلب مناطق العراق من هنا فأن تصريح رامز فيلد يوم 27/4/2005م ليس سوى تتويج لعملية تصعيد الاعتراف تدريجياً حتى تبلغ الذروة ، والتي يجب أن لا تشكل صدمة للرأي العام الامريكي، ولا تعطي انطباعاً عالمياً بأن أمريكا هزمت في العراق، لان ذلك يقود حتماً لتدمير هيبتها العالمية ويشجع الآخرين على (التمرد على زعامتها للعالم)، حتى ارانب جزر القمر!


اعتراف ولكن...!

رامز فيلد، اذ يتجرع سم الاعتراف بحتمية الفشل الامريكي في قهر المقاومة ، كما فعل حلفاءه اعداء العراق الاخرين، يطرح الغطاء ويمهد لتنفيذ خطة سبق وان فشل تطبيقها خلال السنتين السابقتين، والغطاء هو القول بأن من سيتولى مسؤولية القضاء على المقاومة هو القوات العراقية، ولذلك قال هو ورئيسه بأنه قد تم اكمال تدريب عدد من العراقيين اكثر من عدد القوات الأمريكية. ولكي ندرك طبيعة هذا القول كغطاء مهلهل لابد من الاشارة إلى الوجه الآخر لهذا القول، وهو اعتراف جنرالات ومسؤولين امريكيين بأن القول بإعداد عدد من العراقيين يفوق عدد القوات الأمريكية ادعاء غير صحيح الا نظرياً، لأن الواقع في العراق يؤكد بأن من دُرب غير مستعد للقتال، وهو يهرب ما أن يبدأ اطلاق النار فتجبر القوات الأمريكية على تحمل نتائج المعارك وحرها!
وقد اعترف الجنرال الامريكي الذي قاد معركة القائم قرب الحدود مع سوريا، بأن ما يدعى ب(الحرس الوطني) العراقي قد تبخر ما أن بدأ هجوم المقاومة ، فمن أصل 400 جندي بقي 30 فقط! ومن بقوا اختبأوا في أماكن بعيدة عن مكان اطلاق النار! وهكذا اضطر الجيش الامريكي لخوض معركة ضارية باهضة التكاليف انتصرت فيها المقاومة!
أما الخطة التي يلمح رامز فيلد اليها فهي قديمة- جديدة، وتقوم على الانسحاب الامريكي من المدن أولاً وترك ما سمي بـ (الحرس الوطني) ليقاتل المقاومة، وبما انه عاجز عن الصمود بوجهها لاسباب اضحت معروفة فإن البديل المتبقي لدى أمريكا وانصار الاحتلال هو الحرب الطائفية. بعد أن تيقنت أمريكا أن غزوها للعراق كان خطأ ستراتيجياً فادحاً، وان انسحابها التام أمر لامفر منه، اذا ارادت تجنب انهيار امريكي شامل في العراق وفي العالم ، وقبل هذا وذاك داخل حدودها الاقليمية، فعليها التخلي التام عن الاهداف الاصلية لغزو العراق وتطبيق خطة تقسيم العراق.


العراق رقم غير قابل للقسمة

لكن مالم تستوعبه اميركا حتى الآن هو أن العراق ليس كيوغسلافيا جاهز للتقسيم، فهو يتشكل من نسيج وطني فولاذي، فشلت كل محاولت التقسيم السابقة بفضل متانته، كما اثبتت تجربة السنتين الماضيتين، ومن ابرز مظاهر نسيجه الوطني المتماسك هو المظهر الأحدث والاعظم : طبيعة تشكيل المقاومة العراقية، فهي تمثل الاغلبية الساحقة من الشعب العراقي، بعربة وكرده وتركمانه على المستوى الاثني، وبسنته وشيعته ومسلميه ومسيحييه وصابئته، على المستوى الديني والطائفي، فكل هؤلاء مشاركون فعالون في المقاومة ولهم مصلحة اساسية في طرد الاحتلال. من هنا فإننا واثقون ، كإيماننا بالله ، من أن أية فتنة طائفية أو عرقية لن تنجح وان الفترة القريبة القادمة ستشهد انتصار مقاومة الشعب العراقي، ودحر الاحتلال وعودة العراق قوياً ومعافى.

ألعراقيون اشتهروا بكره التزويق (المكياج) وتفضيل جمال الوجه الطبيعي،  ولئن كان رامزفيلد قد حاول تلطيخ وجه الاحتلال بمكياج ثقيل وفاقع الالوان يصلح للسينما، واميركا كلها سينما، فأن العراق اعتاد على استخدام (حمام البخار) لإزالة ليس فقط (المكياج) ، بل وللفظ كل الخلايا الميتة الملتصقة بجسده. المقاومة العراقية بنت اعظم حمام بخار شهده العراق، وشرع بغسل شوارع العراق مما علق بها من قاذورات امريكا ونفاياتها، وهم كلابها الناطقين بالعربية والفارسية، وتنظيف وجه العراق من المكياج الهولي وودي، الذي اراد ان يقدم العراق بوجه طائفي عرقي، لذلك فإن من يريد أن يرى اللقطة الأخيرة من المشهد العراقي، عليه أن يركز بصره
على تعابير وجوه المسؤولين الامريكيين حينما يتحدثون عن العراق، خصوصا رامزفيلد لانه اخذ يفقد شمع وجهه بفعل نيران المقاومة العراقية الباسلة.

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الجمعة 27 ربيع الاول 1426 / 6 آيار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس