نواقض تماثيل الثلج : فرن المقاومة العراقية

شبكة البصرة

صلاح المختار

قد لا يتذكر كثيرون ان الثلج المتبلور، اي الذي تراكم فوق  بعضه وانضغط وصار شفافاً، هو من اصلب المواد، رغم انه مصنوع من ماء رخو ولين وسائب! وغرابة الثلج تتجسد في انه مزدوج الطبيعة، فهو حينما كان ماء، كان مثالاً للسيولة وفقدان الصلابة ، لكنه بعد ان تعرض لبرد شديد نزلت درجته من الصفر، واصبح ثلجاً بخصائص كتلوية تتناقض تماماً مع اصله السائل! لكن هذه المادة الصلبة وبحكم طبيعتها الاصلية كماء، تعود الى سيولتها بتعرضها للسخونة. ونفس الشيء يقال عن الحديد، اذ انه رمز قديم  للصلابة، لكنه يسيل عندما يسخن الى درجة معينة، وهكذا بقية المواد الطبيعية، التي، مهما بدت صلبة، فإن لها وصفة معروفة تتغلب على صلابتها وتجعلها سائلة، او تبخرها.


القوة الأمريكية

مناسبة هذا الحديث هو ما يقوله البعض، ولأسباب مختلفة ، ان امريكا صلبة وقوية الى درجة ان من المستحيل قهرها، خصوصاً في العراق، نتيجة تفوقها المادي (العسكري، التكنولوجي، الاقتصادي.... الخ).
ولئن كان هذا القول يجد الكثير من المتقبلين قبل غزو العراق، فإن ما  حصل ويحصل على ارض الرافدين قدّم تأكيداً مختلفاً تماماً، وهو ان امريكا ، كأي مخلوق ومادة ، لها وصفة تضمن تحويلها من القوة والصلابة الى الضعف والسيولة، أليس ذلك احد اهم قوانين الطبيعة ، كما خلقها الله عز وعلا؟ ولكن السؤال الطبيعي يبقى هو التالي: ما هي وصفة تسييل امريكا؟ ولكي يكون الجواب دقيقاً وصحيحاً ومنزهاً عن العاطفة، يجب ان نعيد التذكير بطبيعة امريكا، عبر طرح السؤال التالي: ممن تشكلت امريكا؟


خليط محبط

ان البذرة ،التي غرست بقوة ابادة السكان الاصليين في ما يسمى اليوم (امريكا)، تشكلت من فئات مختلفة ما يربط بينها ، كقاسم مشترك ،هو السعي لتأمين مصدر رزق، حالت دونه شروط العيش في بلد الانطلاق: بريطانيا. فالفئة الاولى والاكبر هي المبعدون ، وليس المهاجرين ، فبعد ان امتلأت سجون بريطانيا بمختلف انواع المجرمين، ولم يعد باستطاعة الحكومة بناء المزيد منها، قررت نفيهم الى (العالم الجديد) للتخلص منهم، وبذلك زرعت اخطر ثمرات امريكا: روح الجريمة المنظمة، اما الفئات الاخرى فهي مهاجرون اضطروا للهرب الى (العالم الجديد) للبحث عن رزق، او للتخلص من اضطهاد ديني او اجتماعي.  فزرعت النبتة الثانية في العالم
الجديد: الانانية ، فالمهاجرون غسلت ادمغتهم نتيجة القهر والفقر، فاصبح قانونهم المطلق هو الاستيلاء على اي مصدر ثروة او مال، سواء بالسرقة او القتل او العثور الحر عليه! بتعبير آخر: جاء المهاجرون وهم مجردون غالباً من الرحمة ، لأن احداً لم يرحمهم ، ومن القانون، لأن القانون استعبدهم، فصارت القسوة المفرطة وقانون الغاب هما ابرز مياسم سايكولوجيا مجتمع المهاجرين، الذين اقاموا امريكا على جثث 112مليون هندي احمر، وهم السكان الاصليون ! كمااثبت الباحث الاستاذ منير العكش استناداً الى مصادر امريكية، وهو امريكي من اصل عربي.
إذن الطبيعة الغالبة على سكان امريكا هي سايكولوجيا استعباد الغرائز البدائية لهم ، فهم يريدون اولاً وقبل كل شيء ضمان اليوم والغد، عبر سعي محموم لا يكل للعثور على ربح . فالامريكي يخضع لقانون يعلو فوق
اي قانون آخر: ضمان العيش المرفه. ولذلك فإنه يكيف القانون والاخلاق والقيم والمؤسسات .. الخ لخدمة هدف ضمان العيش، الأمر الذي جعل هذا الهدف (مركز الكون)، و(قاعدة) التفكير  الاساسية، واندثرت من الناحية الواقعية، القيم العليا.
ورغم ان الامريكي تقدم واغتنى وترفه ، الا ان البذرة الاولى لنشوئه ما زالت متحكمة به : انانية طاغية لا يحكمها الا قانون القوة، فكما تعتمد الانانية الامريكية على قانون القوة وليس قوة القانون، فإنها تستسلم لاحكامه حينما تصبح هدفاً لقوة الآخر التي لا يمكن قهرها! يثبت تاريخ الحروب الحديثة، ان الجندي الامريكي بقدر ما هو قاس ووحشي في افتراس الآخر، سواء كان عدواً كالمانيا ، او كضحية فيتنام والعراق، فإنه هش تسقطه مخاطر الموت في حبائلها حينما يحتدم القتال ويدرك ان خصمه يهدد حياته ويقترب من انتزاع روحه من بدنه.


تذويب تمثال الحرية

هنا تمسك البشرية ، المتعطشة للحرية ، والقلقة من هيمنة منطق القوة الغاشمة، الذي يتمنطق به ،ياللامفارقة! (تمثال الحرية) في نيويورك ، بوصفة ساحقة التأثير علي سايكولوجيا الافتراس التي مازالت حاسمة ومتجذرة في الامريكي، ويرى احرار العالم بصيص الامل في التحرر من الغول الامريكي، في نهاية نفق الصراع . ان اعظم وافعل وصفة لردع الامريكي هي ليس قتله بل جعله يقتنع انه لن يربح، بل سيخسر من جراء
غزوه وحروبه، لأنه اساساً وبالاصل غزا واعتدى انسياقاً وراء دافع النهب. فحين يجد امامه مقاتلاً لا يحرمه فقط من نهب  مصدر ثرواته (النفط في حالة العراق)، بل ويهدد بإعادته الى المربع الاول للمهاجرين، وهو الوقوع في دوامة الخوف من القتل والموت او التعذيب، فاقداً بذلك كل شيء ، عندها ينقلب على قراره، ويتخلى عن
اهدافه، ويقبل بما هو موجود.
هذا التركيب السايكولوجي الامريكي تعبر عنه امثال وتقاليد امريكية، فهناك مثل امريكي يقول: اليد التي لا تستطيع ليها قبلها، واذا واجهك جدار صلب لا تحاول اختراقه! اذن وصفة تذويب (تمثال الحرية)، المصنوع من جليد يعود الى اللحظات الاولى لخلق اول شكل للحياة: المخلوق ذو الخلية الواحدة، اي المخلوق الخاضع لقانون مطلق: انانية الحفاظ على الوجود، هذه الوصفة هي: سلط سخونة مستمرة على تمثال الحرية، واسكب قليلاً من الزيت على مشعله المطفأ واشعله، ستجد ان الذوبان سيبدأ من الرأس لأن الرأس الامريكي، هو الذي يلتهم، وهو الذي تنتابه غرائز افتراس الآخر، رغم ان بطن صاحب الرأس متخمة ! لذلك فإنه حينما يرى رأسه قد بدأ يتحول الى ماء يقفز من فوق منصته ، ويقذف بنفسه في البحر تحته سعياً وراء برودة تحفظ للثلج صلابته!


فرن المقاومة  العراقية

العراقيون - ممثلين بمقاومتهم الوطنية - عرفوا وصفة تذويب القوة الامريكية ، وكيفية تجنب التفوق المطلق لها، وهي الضرب على (كعب اخيل) امريكا، اي النقطة الاكثر ضعفاً فيها، لجعل رأس امريكا، اي الشركات الكبرى التي طمعت في نهب نفط العراق، يدرك انه لن يمنع من نهب النفط فقط بل سيخسر (نفطه) في بلده ايضاً، اي مصدر ثروته ورفاهيته، عبر حشره في خيار واحد لا غير: مقاتلة اشباح تعد بالملايين، لكنها بما انها اشباح لا يمكن القضاء عليها ، مهما تفننت امريكا في اختراع وابتكار ادوات القتل والابادة الجماعية للسكان.
سران مكشوفان وراء انتصارات المقاومة ، السر الاول : هو منع (راس) امريكا من تحقيق هدفه الاصلي : نهب العراق، وقد حققت المقاومة ذلك عبر منع تصدير النفط ، والسر الثاني منع اقامة دولة جديدة بأجهزة قمع خاضعة للاحتلال، لأجل اجبار الامريكي في العراق على القتال ، ومنعه من الاحتماء (بدرع عراقي). وقد حققت المقاومة ذلك، مماجعل الجيش الامريكي ينزف بشدة لم تعانيها امريكا حتى في فيتنام، ولعل معركتي سجن ابوغريب والقائم مؤخراً دليل واضح على درجة ونوعية الاستنزاف الامريكي البشري والمادي.
ماذا عن التفوق الامريكي المطلق؟ في معركة العراق العظمى، التي تدور الآن وستقرر نتائجها مصير الوطن العربي والعالم، تجنبت المقاومة العراقية مواجهة امريكا، المحمولة على قوة عسكرية متفوقة ، واختارت تحييدها، بفتح معارك في اماكن واوقات لا تسمح لامريكا باستخدام كامل تفوقها، بل بزج اعداد بشرية وتسليحية يمكن للمقاومة ان تلتهمها بسهولة نسبية ، ثم ايقاف المعارك لإبقاء تحييد القوة المتفوقة قائماً بمنع الاستثمار الامثل لتلك القوة. إن مأزق امريكا في العراق يظهر جلياً في كونها تخسر يومياً ملايين الدولارات وعشرات
الافراد بين قتيل وجريح ، دون ان تتقدم حتى خطوة واحدة، بل هي تتراجع باستمرار وانتظام ،حتى ان رامسفيلد رمز التطرف الامريكي ذاب ثلجه وشمع وجهه، واعترف مرغماً بأن  قواته وقوات الحلفاء معها لن تستطيع قهر المقاومة العراقية ابداً.
نعم ، حينما يقاتل العراقي القوة الامريكية كلها، وفق الحرب النظامية سيخسر الحرب ، وهو ماحصل للعراق في الاسابيع الثلاثة الاولى للحرب،لكنه حينما انزل قواته المسلحة ومقاتليه تحت الارض، واختار ان يتجنب الحرب النظامية ويعتمد (حرب عصابات المدن) ، حيّد القسم الاعظم من قوة امريكا، وغرس شمعة صغيرة ، لكنها تتوهج بمفاعل ذري لا ينضب هو ارادة الحرية والاستقلال لدى الشعب العراقي، في رأس امريكا ، وهكذا ضمن (اي العراق) ادخال قوات امريكا في فرن عراقي ، تديم حماوته صليات المقاومة العراقية، وتغلق بابه بإحكام كي تزداد الحرارة كلما مرت دقيقة او ساعة!
تخيلوا مخلوقاً، سمه امريكا أو سمه ما شئت، يرى نفسه وقد بدأ يذوب من رأسه، فماذا سيفعل؟ اول ما سيفعله هو محاولته ايقاف الذوبان بإلقاء نفسه في اقرب حوض ماء، لكن تذكروا ايضاً، ان الماء اكثر حرارة من الثلج، لأنه لم يتجمد بعد ، إذن ماهو مصير تمثال الحرية الثلجي وقد وجد نفسه يسبح في نهري دجلة والفرات الدافئين؟ الجواب معروف: على تمثال الحرية الثلجي اذا اراد ايقاف ذوبانه الخروج الفوري من نهري الكرامة والعز العراقيين، وطمر نفسه وفوراً ايضاً، في جبال ثلج شمال نيويورك!  والسؤال المهم هو التالي: هل توجد وسيلة سريعة لنقل (تمثال الحرية) من العراق الى شمال نيويورك قبل ان يذوب رأسه؟ المسافة بين بغداد
ونيويورك، في اسرع طائرة، لا تقل عن 11 ساعة طيران ، والذوبان يجري كل دقيقة، لذلك فإ ن (رأس امريكا) حائر ومهموم لأنه عاجز عن النقل الفوري لتمثال الحرية الى حيث البرودة الكافية لإبقائه مجمداً!
وتزداد كارثة امريكا في العراق ، وقد اخذ تموز وآب (اكثر شهور العراق حرارة) يقتربان، والمقاومة تعتلي صهوتهما ، وهي مصممة على منع تهريب (تمثال الحرية) من العراق: هل تعرفون لماذا؟ انتظروا (آب اللهاب) كما يصفه ابناء العراق، وراقبوا (مطار صدام الدولي) ستعرفون ما اقصد.

salahalmukhtar@hotmail.com   

شبكة البصرة

 الخميس 10 ربيع الثاني 1426 / 19 آيار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس