هذه الرواية : في عام 1996 ، وفي ذروة انشغالي بمسؤولياتي في منظمة الصداقة ورئاسة تحرير جريدة الجمهورية، وهي مسؤوليات كبيرة من حيث الجهد والحاجة للتركيز، استولت على افكار وصور غريبة، بل اصبحت لعدة ايام ممسوسا بها، الى الحد الذي اجبرني على كتابة تلك الافكار والصور التي اجتاحتني، فكانت هذه الرواية التي كتبتها خلال اسبوعين فقط !وحينما انتهيت منها واعدت قراءتها شعرت بالدهشة والقلق : فهي رواية غير مألوفة، في تكنيكها وافكارها، لذلك توقعت ان نشرها سيحدث تساؤلات، وربما مشاكل، ومع هذا قررت نشرها وقدمتها الى دار الشؤون الثقافية، وكان مديرها العام هو السيد عادل ابراهيم، الذي احالها الى خبيرين  هما الشاعر خالد علي مصطفى والدكتور مزاحم علي عباس، بعد ان حذف اسمي منها. فماذا كان تقويمهما؟ اتفق الاثنان على ان الرواية، من حيث التكنيك متميزة وجذابة، لكن الاول قال انها تمثل فكرا صوفيا لاينسجم مع متطلبات المرحلة، اما الثاني فقد كتب ان ما في الرواية قد يثير رجال دين ونحن لسنا بحاجة لاستفزازهم! وطلب اجراء تعديل على الرواية لاجل نشرها، فرفضت وقلت اما تنشر كما هي او لا اريد نشرها.

والان وقد مضت تسع سنوات على كتابة الرواية قررت نشرها، واترك الحكم النهائي عليها للقارئ الكريم

صلاح المختار

 

الاجتياز

رواية

شبكة البصرة

صلاح المختار

1996

المدخل

        غمرتني مشاعر فرح لا يوصف حالما استيقظت من النوم دون ان اعرف السبب ! اجهدت نفسي في تذكر ما جرى لي اثناء النوم فلم افلح في التوصل الى شيء، رغم يقيني من انني تعرضت لحالة غريبة!

        سألتني زوجتي ونحن على مائدة الافطار باستغراب وتقاطيع وجهها الجميل مسترخية:

- ما بك ؟ اراك متأملاً منشغلاً بشيء ما !

لم ا جبها مباشرة ، بل صمت برهة وانا اتناول افطاري، ثم اجبت :

- لا ادري، فلقد استيقظت مغموراً باحاسيس فرح لا حدود له !

- هذه بشرى خير.

        وبعد ان اكملت استعدادي للخروج الى العمل ، رن جرس الباب فنهضت لارى من هناك، حينما فتحت الباب وجدت شيخاً مهيباً، بعبائته السوداء ولحيته المسرحة النظيفة، والتي غزاها الشيب، ينظر اليّ بهدوء وقال :

- السلام عليك يا عبد الله .

كان صوته غريباً جداً ، ولم اسمع نغمة تشابهه ابداً ! وكان رقيقاً عذباً تطغى عليه صراحة رجل قوي.

- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

كنت احس بانني اسير مشاعر اكثر غرابة من صوت الطارق الغريب، فلم يكن بمكنتي ان افكر او اتصرف على سجيتي، بعد ان تركز اهتمامي على تقاطيع وجه هذا الشيخ الوقور حلو الملامح ، الذي يذكرني بوجه ما لا ادري لمن هو ؟

- تفضل ادخل الدار يا شيخ .

لم افكر بهذه الكلمات، بل خرجت بلا ارادة مني، لكنه ابتسم وقال لي:

- اشكرك، ارجو ان تأتي معي .

اجبته وايضاً دون تفكير:

- حسناً اسمح لي بارتداء (سترتي) .

دخلت وانا غارق في تأمل غامض، ليس فيه سؤال او صورة استطيع تحليلها او معرفة تفاصيلها، وكل ما كنت اشعر به هو انني مسحور بتأثير عيني الشيخ الجليل.

        سألتني زوجتي:

- من في الباب ؟

- رجل شيخ يريدني ان اذهب معه.

وباستغراب، هجم فجأة على وجهها، سألتني:

- الى اين تذهب معه ؟ ومن هو ؟

- لا اعلم.

- وهل ستذهب ؟

اجبتها بهدوء واستسلام لذيذين:

- نعم .

انتابت زوجتي موجة غضب وقلق، احالت تقاطيع وجهها الى بحر تتلاطم امواجه :

- ماذا تقول ؟ هل تمزح ؟ رجل لا تعرفه ياتيك ، ويطلب منك الذهاب معه، وتوافق !  انت الذي يحسب الف حساب، حتى مع (اصدقاءه)!!! ماذا جرى؟!

        لم استطع ان اقدم جواباً على سؤال زوجتي المنطقي، لانني انا شخصياً لا اعرف السر وراء قبولي واستسلامي اللذيذين لارادة هذا الشيخ، عادت زوجتي تقول:

- ارجوك لا تذهب، او على الاقل اعرف من ؟ هو وماذا يريد منك ؟ ثم لماذا لا يدخل معك هنا ليتحدث اليك ؟!

- لا اعرف، ولا استطيع !

اتسعت حدقتا زوجتي، وملامح الغضب والقلق تزول وتطغى عليها علامات الدهشة والاستغراب، وقالت:

- ماذا ؟ لا تستطيع ؟! انت القوي الذي لا تهزه مشاعر ، او يخيفه حتى الموت لا تستطيع ان تسأل هذا الشيخ ؟! هذا امر عجيب قل لي ماذا يجري ؟ هل ثمة امر لا اعرفه ؟

اجبتها بنفس الهدوء:

- لا اعرف.

        واتجهت نحو الباب فعادت تقول:

- انتظر، لقد نسيت مسدسك خذه معك، ارجو ان تهاتفني من المكان الذي سياخذك اليه.

        اجبتها، ودون تفكير ايضاً:

- لا حاجة لي الى أي سلاح فانا برفقة شيخ مسالم.

صرخت بهستريا وعينيها تدمعان:

- لا تنسى انك قلت لي ان الشياطين ترتدي غالباً وجه شيخ جليل!

عند الباب وجدت الشيخ الذي قال فجأة:

- حسناً فعلت بعدم حمل مسدسك! في تلك اللحظة تأكدت ان هذا الرجل اكثر (غرابة) مما ظننت، اذ كيف عرف انني لم احمل مسدسي؟ والاغرب من كل ذلك هو انني عجزت عن توجيه سؤال اليه حول كيفية معرفته ، وتقبلت هذه الظاهرة وكأنها حالة طبيعية!

        سألته بهدوء:

- اين سنذهب ؟

لم يجبني وانما سار وهو يمسك بيدي بحنان بالغ، كأنني طفله الصغير وانا مذهول من استسلامي له! ورغم ان الشارع الذي اسكنه قد تبدل تماماً، واصبحت البيوت في غير بيوته الاصلية، وصرت اسير معه في مكان لم الفه ،او اعرفه واحسست بالحاجة للالتفات الى الخلف لارى داري فالتفت ولم اره، بقيت ساكناً كأن ما يجري امر طبيعي ، وعلي تقبله وعدم ازعاج الشيخ بالاسئلة الكثيرة.

        سألته بهدوء ايضاً:

- اين نحن؟ فهذا الشارع ليس شارعي وبيتي اختفى حالما امسكت بيدي!

ابتسم الشيخ لاول مرة وقال:

- انتظر فلقد وصلنا.

وجدنا انفسنا امام منزل بسيط محاط بحديقة صغيرة، طرق الشيخ الباب بهدوء، وبسرعة فتح الباب دون ان يكون ثمة انسان خلفه. دخل وسرت وراءه دون كلام، وكان البيت من الداخل بلا مصابيح كهربائية في جدرانه او سقفه، ومع ذلك كان مغموراً بنور هادئ لا يشبه نور الشمس!

قال لي الشيخ: ادخل هذه الغرفة وسألتحق بك.

دخلت الغرفة واذا بي امام اربعة شيوخ مثله، نفس الهيبة والجلال، ونفس النور الطافح على الوجوه!

- السلام عليكم.

ردت الوجوه بصوت واحد جميل:

- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

جلست وسطهم، تقدم اصغرهم وفي يديه صينية فيها قدح ماء صغير فيه ماء، فجأة شعرت بالعطش وكأنني لم افطر قبل بضع دقائق! قلت:

- الحمد لله ، فانا عطش رغم انني افطرت قبل دقائق !

ابتسم الشيوخ، وتبادلوا نظرات لم افهم معناها ، وقال لي احدهم:

- يا عبد الله ، كنت في سفر استمر سبعة اعوام حتى وصلت الينا.

صعقت: سبع سنوات؟! وماذا عن حذائي الذي لمعته قبل دقائق ومازال يلمع ، ومعدتي التي مازالت تقرقر، بعد ان شربت قدح شاي وقدح آخر من الماء القراح وتناولت بيضتين وقطعة خبز؟ طعم كل شيء مازال في فمي ، وكأنني تناولته هذه اللحظة!

        ابتسم شيخ ثان وقال لي:

- لا تتعجب، فلقد اختصرت ارادة الله السبع سنوات ، وصارت تبدو كأنها دقيقة اكراماً لك.

        صرخت:

- كيف عرفت بم افكر ؟! هل تقرأ افكاري ؟!

        لم يجبني احد ، وظلت الابتسامات المطمئنة مستقرة على وجوههم حتى دخل الشيخ الجليل، فنهضوا جميعاً اجلالاً له، فنهضت معهم تلقائياً وانا مازلت مسحوراً بهيبته التي لا تقاوم.

        وما ان جلس حتى توجه الي بالكلام:

- اسمع يا عبد الله ، لقد اخترناك لتشهد واحدة من اعجب كرامات اولياء الله الصالحين في كل العصور.

        صمت قليلاً ، وتفرس بوجهي، وكنت هذه المرة اسير سؤال لم اعد استطيع مقاومة تفجيره، فصرخت:

- من انتم بحق رب السموات والارض؟!

كان جسدي قد بدأ بالارتعاش، واخذ العرق يتصبب من جبيني، رغم ان جو الغرفة منعش! ابتسم شيخهم الجليل، وقال ، وهو يربت على كتفي كأنني طفل صغير:

- اهدأ يا عبد الله، فهذا يوم لا يجوز الا ان يكون يوم فرح ، فانت محظوظ لاختيارك من بين مليارات البشر ، لتشهد عملاً جليلاً ستذكره الاجيال لالاف السنين.

        صرخت بنفس الانفعال:

- من انتم ؟

        في تلك اللحظة شعرت انني عدت الى طفولتي، الزاخرة بالحركة والاثارة، واختفى الشعر الاسود ، المخترق بصفوف من الشعر الابيض، من رأسي وشاربي وصار اسوداً، وعاد جسدي نحيفاً كما كنت في سنتي الثانية عشر، اقترب الشيخ الجليل مني ووضع يده فوق كتفي، واحتضنني وقال لي:

- انظر في وجهي وتخيلني بلا لحية، من سترى؟

        ابتعدت عنه قليلاً كي اراه، وحملقت في وجهه ، رأيته بلا لحية: يا الهي؟! ماذا ارى؟ انه ابي الذي مات منذ ربع قرن! بلا تفكير اندفعت نحوه واحتضنته وجسدي صريع نوبة بكاء حادة! كنت ارتعش كوردة تعصف بها ريح عاتية، وكانت يداي تتشبثان بجسد الشيخ ، وكنت طفلاً يتعلق بابيه لا يريد تركه!

- ماذا جرى؟! انت ابي؟ لقد صرت تراباً وعظاماً فكيف عدت؟ هل انت أبي حقاً؟ ام انني اتخيل ذلك؟

        ربت على كتفي وقال:

- نعم انا ابيك ، انظر في وجهي، وتفحص مشاعري نحوك، ستعرف انني ابوك.

        لم يكن لدي شك انه ابي، وتلك الحقيقة جعلتني بحاجة عميقة للبكاء والنشيج الحاد. اطلقت بكاءات منعتها منذ فتوتي، بعد ان صرت رجلاً يرى في البكاء ضعفاً وعيباً لا يجوز السماح به! كنت اتشبث به بيدي ورأسي مستقر على كتفه، وكنت احس يده تربت على كتفي بحنان، والصمت المطلق غزا مكان يتفجر بالغرائب!

        سمعت صوت ابي، كما كان منذ طفولتي يقول:

- منذ متى تستسلم للبكاء يا عبد الله؟! لقد عرفتك فتى وشاباً وكهلاً، لا يرمش له جفن حتى حينما يكون صدغه على وشك ان تفجره رصاصة؟! اهدأ قليلاً ودعني اتحدث اليك.

        ابتعدت عنه قليلاً ، واعتدلت في جلستي ، ومسحت دموعي وسألته:

- كيف اخبار اعمامي وابناءهم؟

        ابتسم وقال لي:

- انظر اليهم ، انهم هنا معنا ، التفت اليهم، واذا بي امام بعض اعمامي وابناءهم المتوفين! نهضوا وعانقوني ، بحب احسست دفئه يتغلغل حتى عظامي. وكان جسدي صريع نوبات قشعريرة متتالية. قال لي ابي- الشيخ :

- اسمع يا عبد الله، فوقت زيارتنا لك قصيراً جداً، وعلينا ان نرحل، لدينا سؤال واحد نوجهه اليك، فاستجمع افكارك.

        صمت ابي ، وكانت مشاعري مازالت محيطاً متلاطماً ، حبس في سد فصار زخم مياهه اقوى من كل سدود الكون، وكنت اريد تقبيله واحتضانه ، وتوجيه الآف الاسئلة اليه، اذ ليس معقولاً ان يلتقي ابن بابيه المتوفي، منذ ربع قرن دون ان يحاول معرفة ما جرى له ولاهله المتوفين!

        عرف ابي بما يمور في ذهني قال لي:

- يا عبد الله اعرف ان ما يجري لك (فوق الطبيعة)، لكنني اعرف ايضاً انك رجل قوي العزم، وقد فرحت حينما علمت بنجاحاتك الكبيرة، لذلك ارجو ان تسيطر على نفسك وتدعني اكمل مهمتي.

        صمت ، وحلت سكينة عجيبة، وبصورة فجائية، في نفسي، وارتخت اعصابي، وسمعت ابي يسألني :

- هل تتذكر يا عبد الله حلمك ليلة امس؟

تذكرت (رحلة السبع سنوات) وسألته:

- يا ابي لقد قيل لي انني قطعت سبع سنوات معك، للوصول الى هذا المحل، فهل تسألني عن حلمي قبل سبع سنوات؟

- انت الان تعيش في زمن غير زمنك، ومع هذا فان الحلم وقع فجر اليوم حسب زمنك، هل تتذكره؟

        تذكرت فرحي الغامض وغير الاعتيادي حينما استيقظت، قلت له:

- كلا لا اتذكر أي شيء، وكل ما احسست به فرح غير عادي.

تنحنح ابي وقال لي:

- نحن نعرف حلمك بالتفصيل ، لاننا كنا فيه معك، ومن المهم جداً ان تتذكره بكل تفاصيله، فانت لم تكن تحلم ابداً، بل كنت في رحلة رتبت لك، باوامر قدسية، لذلك عليك ان تتذكر كل التفاصيل، ونحن هنا لنساعدك على ذلك.

        سألت الشيخ- ابي بفضول؟

- ولماذا هذا الاهتمام بالحلم؟

- لان خلاصك ، وخلاص اهلك والبشرية، رهن بتذكر هذا الحلم. ونحن هنا لنجعلك تتذكره ، ثم تقصه على الناس، ففيه مخارج لهم من ظلامات صارت تأكل لحومهم. نحن هنا لنزيل حاجزاً وضعه الله في ذاكرة البشر، يمنع تذكر بعض الاحلام الموحى بها، وعليك ان تعرف انت وذريتك، اننا نتابعكم من عالمنا بفضل الله وقدرته. تذكر يا عبد الله بداية الحلم فقط ، لان ذلك يعني ان الحاجز قد انهار وسيبدأ الحلم - الحقيقة بالتدفق عليك ، لعدة ايام واسابيع ، حتى تملئ الدنيا املاً وتزود جنود الله بسلاح جبار.

        كنت حائراً! كنت مرتعش الجسد، وكان عقلي صخب بحر، تضرب امواجه قمم العالم، فاشعر بالاختناق والاقتراب من حافة الفناء! كان المشهد اكبر من قدرة البشر على التحمل والتصديق، فأنا لست احلم ، وانما في كامل وعيي وادراكي، فلقد استيقظت وفطرت وحادثت زوجتي ، وكدت اخرج الى عملي ، حينما حصل كل شيء! آه يا الهي ماذا سيحصل لزوجتي وهي ترى ان سبع سنوات قد مرت دون عودتي؟

        وماذا سيقول (رئيسي) في العمل ، حينما سيلاحظ اختفائي الغريب لمدة سبع سنوات؟ ثم الا احتاج لسبع سنوات اخرى كي اعود؟ اذن اربعة عشر عاماً ستكون قد مضت عند عودتي! صرخت:

- ابي قل لي شيئاً عن عائلتي ، بعد سنوات من الغياب الغامض؟!

        عادت ابتسامة ابي الحلوة تتسلق تقاطيعه المهيبة وقال:

- اطمئن فان رعاية الله قد رتبت كل شيء، لنعد الى موضوعنا يا عبد الله ركز تفكيرك ، وسيطر على مشاعرك ولو للحظة، لاننا لا نستطيع مساعدتك على ازالة حاجز ادراك الحلم الا بعد ان تهد ،  وتعود موجات دماغك الى حالتها الطبيعية.

- لكنني لا استطيع يا ابي ، فلم يحصل لانسان ان التقى بابيه واعمامه وابناء اعمامه المتوفين!

- ومع هذا يجب ان تهدأ يا عبد الله.

كانت عبارة ابي الاخيرة فيها لهجة أمرية لطيفة، وكانت عيناه تركزان على عيني، وهما ترسلان اشعاعاً لذيذاً ، دغدغ خلايا جسدي، فيما كانت يده اليمنى تستقر على رأسي ، فاحسست بخدر اسطوري يعجز العقل البشري عن وصف حلاوته! بدأ جسدي يهدأ ، واخذت مخيلتي تومض بانوار تتوزع حزماً حول صور غامضة، وما ان اكتمل توزع الحزم حتى حل نور باهر ، لا يشبه أي نور الفناه في الارض!ادرت بصري نحو ابي لاسأله عن هذه الانوار، فرأيت اعجب العجائب : كان ابي واعمامي وابناؤهم قد صاروا مخلوقات شفافة وهي تجلس معي! سألت ابي:

- ماذا يجري يا ابي؟

        رد علي بهدوء تام لجم فضولي:

- اهدأ يا عبد الله ، فانت تقترب من حالة ازالة الحاجز، وستبدأ بالتذكر.

        حل الصمت ، وتآلف مع نور العالم الاخر ليشكلا لحناً هادئاً لا يشبه الموسيقى رغم انه صوت! سمعت ابي النوراني الهيئة يقول لي:

- يا عبد الله ماذا ترى؟

        ما ان اكمل ابي جملته حتى انفتحت امامي ابواب بيض، رأيت خلفها مشهداً عجيباً ومذهلاً : رأيت مئات الآلاف من الناس النورانيي الاجساد، متجمعين في مكان اردت تحديده فلم افلح ! وكانت كل جماعة تحمل علماً خاص بها، وجوهها قبالة خيمة كبرى تتلألأ انوار غامضة حولها، واصوات تملأ السماء ، لكنها ليست كالرعد المؤذي، بل كعزف موسيقى ملائكية تهتف (الله اكبر)!

        كانت الالوف المؤلفة ، ما ان تتوقف عن الهتاف (الله اكبر) ، حتى تبدأ بانشاد اناشيد حبيبة على قلبي منذ طفولتي!

        عاد الاضطراب ليستولي على مشاعري، فالذي اراه مشهد احس انني سبق وان رأيته ، رغم انني لا املك في ذاكرتي أي مؤشر على انني فعلت ذلك! وجاءت المفاجئة الاكبر، حينما رأيت نفسي اقف وسط هذه الجموع اخطب فيهم! هل احلم ؟ كيف ارى نفسي امامي وانا يقظ ؟ التفت الى ابي ، وكان مازال مخلوقاً نورانياً، فرأيته يبتسم برقة، وسألته:

- ساعدني يا ابي! ماذا يحصل؟ ايهما انا؟ هذا الذي يقف معك؟ ام ذاك الذي يخطب في الناس؟ ومن هؤلاء الناس؟

        رد ابي بهدوء:

- يا عبد الله انتهت مهمتنا، فلقد ازلنا الحاجز، وستعرف الاجابات تدريجياً، والذي اوصيك به ، هو ان تتمسك بكلمة الله، ولا تتراجع عن كل ما فعلته وقلته في حياتك، خصوصاً في السنوات الست العجاف الماضية، نحن نراقبكم، وانتم تمتحنون من خلال هذه المصيبة، لان الله يعد لكم مكافأة كبرى، حالما تجتازون الامتحان، فالله لا يترككم ، فإنكم ابناؤه الصالحون وحينما ستقوم بالمهمة التي كلفناك بها ستدرك كل شيء.

- اية مهمة؟

- مهمة الحلم.

- قل لي يا ابي : هل هو حلم ام عمل حقيقي؟ اذا كنت حلمت فمعنى ذلك انه شيء انتهى!

- ما الفرق : عالم الله يضم الحلم والواقع ، وهما يتبادلان المواقع ، فانت حلمت لكن حلمك كان واقعة حقيقية.

- انا لا افهم ما تقول يا ابي.

        عاد ابي يبتسم، وقال:

- يا بني اترك هذه الاسئلة، فعالم الله اكبر من القدرة العقلية للبشر، واكتفي بما تراه او تفهمه ، واياك والتطرف في التساؤل حول ما بعد حكمة الله جلت قدرته، كما كنت تفعل وانت صبي صغير، ستفهم كل شيء، تقدم نحوي لاعانقك، فلقد حان موعد رحيلي.

        فجأة اختفى الفضول والانبهار والدهشة مما اراه، واختفى مشهد التجمع الكبير، واستولت علي مشاعر طفل صغير احب بافراط ابيه ، ثم قيل له ان اباك سيموت!؟ انفجرت باكياً وقلت:

- لا ترحل يا ابي ، فانا مشتاق اليك!

        كانت الانوار تتلألأ حول هامة ابي ، واصطف حوله اعمامي وابناؤهم .

- تماسك يا عبد الله ، فلا يليق بالرجال ان تبكي ، وتوكل على الله وتقبل حكمه، فانا في دار البقاء وانتم في دار الفناء، وسنلتقي في يوم ما، قبل اخوتك واخواتك وامك، وبلغهم تحياتنا.

        وحينما احتضنت ابي كان كل شيء قد اختفى، ووجدت نفسي جالساً في (مطار صدام الدولي) ، المغلق منذ ست سنوات! تلفت حولي واذا ببضعة افراد يتحدثون دون ان يلتفت احد صوبي. نظرت الى ساعة الجدار في المطار ، وكانت تشير الى الساعة العاشرة من صباح يوم الاثنين ، وكان علّي ان اعرف في أي عام نحن؟

        نهضت ، واحساس طاغ بالتعب يهيمن على جسدي، بحثت عن تقويم لاعرف في أي سنة نحن، وفجأة تقدم مني شخص ، والدهشة تعلو وجهه، وصافحني باحترام شديد، وهو يسألني باستغراب اشد:

- ماذا تفعل هنا يا استاذ عبد الله؟ هل ثمة خدمة اقدمها اليك؟

        تحيرت: ماذا اقول لهذا الشخص ، الذي عرفني وانا في مطار مغلق منذ ست سنوات؟

        كان صعباً عليّ ان اختلق قصة لتفسير (سر) وجودي في المطار، وكنت انا شخصياً لا اعرف كيف وصلت هنا!

        وقبل ان اجيبه قال:

- هل جئت لترى الاستاذ جبار؟

        ولم اكن اعرف من هو (جبار) هذا، لكنني قدرت انه ربما يكون مدير المطار، قلت له:

- اين هو؟

- انه في اجتماع في بغداد، تفضل معي الى المكتب.

        فجأة احسست بالجوع والعطش الشديدين. سرت معه صامتاً وفي ذهني مسألة محددة: ان اعرف في أي عام نحن؟ دخلت المكتب واخذت اتلفت باحثاً عن تقويم، وكان الشخص الغريب يرحب بي ويقدم لي كرسياً لاجلس، وفيما انا اجلس رأيت تقويماً معلقة لكنه يعود  لعام (1995) هل هذا معقول؟ اعود عاماً الى الوراء ؟ ، حينما غادرت بيتي كان العام هو 1996! سألته:

- التقويم قديم اليس كذلك!

- نعم يا استاذ عبد الله، اذ لم نستلم حتى الآن تقويم عام 1996.

سألته لاتأكد من اننا مازلنا في عام 1996.

- كيف ذلك ونحن في تموز عام 1996؟

        رد عليّ باعتذار وكأنه ارتكب عملاً خاطئاً:

- انا آسف يا استاذ عبد الله وسوف اجلب التقويم الجديد غداً.

شعرت بارتياح شديد ، بعد ان عرفت انني في نفس يوم مغادرتي ، ولم يمضِ على غيابي من داري اكثر من (3) ساعات، مما سيجعل زوجتي مطمئنة! لقد اوفى ابي بوعده بتدبير حل لمشكلة مرور (14) عاماً على مغادرتي وعودتي!

وفي البيت كانت زوجتي تنتظرني بقلق ، وحينما رأتني سألتني بهدوء:

- ماذا اراد ذلك الشيخ ؟

        وبدون تفكير او تدبير وجدت لساني يتحدث، وكأن شخصاً آخر يوجهه:

- لاشيء فقط طلب معاونته في امر ما.

        سألت نفسي: هل كذبت على زوجتي؟ ولماذا اخفيت عنها الحقيقة؟ ربما اراد ابي ان احتفظ بمصداقيتي عن طريق كتمان ما حصل. لكن اذا كان ذلك هو المطلوب ، ماذا سيحصل حينما سأتذكر الحلم؟ الحلم! آه من الحلم، ترى هل كنت احلم؟ ام انني الان احلم؟ هذه مسألة غاية في التعقيد، فلقد ضاعت الحدود الفاصلة بين الحلم والحقيقة ، حينما حلت بركة الرب عليّ وصرت اتمتع بالعيش في عالمين: عالم الواقع وعالم الحلم، ومشكلتي المعقدة التي برزت منذ اليوم هي كيفية التمييز بين عالم الحلم وعالم الواقع! فهما متداخلان تماماً، الحلم يستحيل الى واقع يمنحه وجوداً مادياً، والواقع تلتوى قوانينه ليبدو كقطعة عجين تتشكل بارادة حالم قوي الارادة منحه الله بركاته!

 

المشهد الاول

        رن جرس التلفون الخصوصي في مكتبي وانا منهمك في العمل، وحينما رفعته كنت متيقناً ان احد معارفي المقربين ، هو المتحدث على الطرف الاخر، لان رقم هذا التلفون اعطيته لعدد محدود جداً من معارفي، لكن الصوت كان غريباً:

- من يتحدث؟

        اجابني بهدوء وثقة عالية بالنفس:

- انا صديق قديم لابيك، لكن ليس مهماً ان تعرف اسمي، بل المهم ان تسمع ما سأقول.

- ولكن..

        قاطعني بأدب:

- استاذ عبد الله ، ارجوك استمع لي بدقة ، فما سأقوله امر في غاية الخطورة، خصوصاً وانا احمل لك تحيات والدك.

        ماذا يقول هذا (الابله) ، الذي يدعي انه صديق لوالدي؟ الم يعرف انه مات منذ ربع قرن؟

- استاذ عبد الله ، تحملني بضع ثوانِ فوقتي ضيق جداً!

        صمتُ قليلاً وكنت قد لملمت افكاري ، التي شتتها حديثه عن ابي! في تلك اللحظة تذكرت (الحادثة) التي وقعت لي قبل اسبوع ، فتحول غضبي الى دهشة طغت على ترددي قلت له:

- تفضل قل ما تريد.

- هل سمعت بما يجري في سامراء؟

- كلا لم اسمع.

- هذا امر غريب! فالناس يتحدثون عن ذلك منذ اسبوع، وانت لا تعلم!

- عن ماذا يتحدثون؟

        بصوت اخذ يضمحل اجاب:

- لست مخولاً بابلاغك، فقد طلب مني ان اعلمك بان ثمة احداثاً كبرى تجري في سامراء!

        وقبل ان اسأله اغلق الهاتف دون ان يخبرني من هو! شعرت باضطراب شديد اردت السيطرة عليه بالعودة للعمل، لكنني اكتشفت انني عاجز عن التركيز! كان كلام المهاتف الغريب يبعثر ذاكرتي ، ويربك انسيابية تفكيري، فهو لم يخبرني باسمه ، ولم يفصح عن كيفية حصوله على رقم هاتفي الخاص! والاغرب من كل ذلك هو انه نقل تحيات ابي لي!

        هل يعلم بما جرى لي قبل اسبوع ؟ يا الهي! قبل اسبوع وقعت الحادثة الغريبة لي، والمهاتف اخبرني بان سامراء تشهد منذ اسبوع احداثاً غريبة! هل ثمة صلة بما جرى لي وبما يجري في سامراء؟

        رفعت سماعة الهاتف واتصلت بعضو القيادة وقلت له:

- صباح الخير استاذ.

        رد عليّ

- صباح الخير رفيق عبد الله.

- هل سمعت بما يجري في سامراء؟

- كلا، لم اسمع ماذا يجري؟

- يقولون ان ثمة احداثاً غريبة تجري هناك.

- ما نوع هذه الاحداث، هل هي ذات طبيعة سياسية؟ ام ماذا؟

        تحيرت، وتذكرت انه كان عليّ ان استفسر من اصدقاء عاديين واجمع بعض المعلومات قبل مفاتحة عضو القيادة. اجبته:

- لا اعرف بالضبط طبيعة ما يجري.

        صمت عضو القيادة قليلاً ثم قال:

- حسناً، سأتصل لاستعلم عما يجري واعود لاخبرك.

- اشكرك.

        اغلقنا الهاتف وعدت احاول العمل ، لكن عقلي بقي مشوشاً ، وفضول غريب يلسع رقبتي، وكانت صور ما حدث لي منذ اسبوع ، تستولي على مخيلتي كأنها تحدث الان! وبلا شعور او تفكير اخذت اراقب الهاتف ، منتظراً جواب عضو القيادة. ومضت عشر دقائق قبل ان يرن الهاتف، فرفعت السماعة بسرعة، وكان عضو القيادة هو المتحدث:

- رفيق عبد الله ثمة اشاعات غير منطقية ، تقول بان اطرافاً فسيحة من مدينة سامراء تشهد ليلاً بقعاً ضوئية هائلة ، تحيل المنطقة الى نهار! وهناك من يقول انهم يرون خياماً تضيء نوراً هائلاً ! اما في النهار ، فتقول الاشاعة ، ان الناس يسمعون فقط في نفس المنطقة تراتيل دينية ، كتلك التي تقدم صباح ايام العيد دون رؤية شيء!

        سألت عضو القيادة:

- وهل جرى التحقق من ذلك؟

- لم اسأل بعد، فلقد طلبت معلومات اولية، لكنني سأطلب التفاصيل.

        قبل ان يصمت الهاتف ، اندلع صخب هائل في رأسي، وشعرت كان قوى من خارجي تتسلل اليه، وتزرع فيه آلاف الاسئلة ، التي يستحيل توفير اجابات عليها، وكان الغموض يلف الاسئلة لدرجة انها لم تكن تتشكل حتى تضمحل ويلفها النسيان الغريب!

        بدون تفكير رفعت الهاتف، وطلبت محافظة صلاح الدين ، وسألت المحافظ:

- ماذا يجري عندكم في سامراء؟

        تلعثم قليلاً ، ورد بكلمات غير مترابطة:

- لاشيء، ولكن اذا اردت ان تعرف تفضل بزيارتنا، اذ لا يصح الحديث عن موضوع كهذا في الهاتف!

        اذن انها ليست اشاعة، فهاهو المحافظ يتكتم ، ويطلب مني الذهاب الى سامراء! ماذا يجري بحق السماء؟ هرولت خارجاً من مكتبي ، فلحقني السائق وهو يلهث.

        قلت له بصوت عالِ:

- هيا الى سامراء.

        ارتسمت علائم الدهشة على وجهه وهو يسألني:

- الى سامراء؟

- نعم الى سامراء.

- امرك سيدي.

        انطلقت السيارة بسرعة 140 كم في الساعة، كنت متلهفاً لمعرفة ما يجري، سألت السائق:

- هل سمعت شيئاً؟

        وكأنما كان سائقي ينتظر سؤالي ، فانفجر وهو يتحدث:

-يقولون ان (الامام الثاني عشر) قد عاد للظهور من (السرداب) ، الذي اختفى فيه في سامراء!

- وبعد ماذا يقولون؟

- يقولون ان حلقات الذكر تعقد ليلاً هناك ، احتفاءً بعودة الامام الغائب.

- وبعد ماذا يقولون؟

- يقولون ان الامام الحسين (عليه السلام) موجود هناك!

        توقفت عن توجيه الاسئلة ، لان اجوبة سائقي غير عادية ، وازداد الوضع غرابة حينما اقتربنا من سامراء، فرأينا حواجز الشرطة تمنع زوار سامراء من الدخول اليها، وهو اجراء غير اعتيادي! بعد ان اطلعوا على هويتي ، سمح لنا بدخول المدينة، وهناك وجدت المحافظ بانتظاري، وكان وجهه شاحباً والقلق يسيطر عليه.

        سألته:

- قل لي برب الكعبة ، ماذا يجري هنا؟

        اجاب وكأنه في مكان آخر، لان عينيه كانتا تتحركان يمنة ويسرة، بعصبية واضحة:

- لا اعلم بالضبط ما يجري! واذا اخبرتك ربما ستسخر مما سأقول! ما يردده الناس صحيح، ولكي اختصر لك القصة هيا لنذهب الى مكان الظاهرة.

        صمت، آه انها (ظاهرة) غريبة اذن! اصبح وجهي مشتت التعابير ، ونحن نقترب من حدود المدينة، وكانت هناك نقطة تفتيش تمنع الاقتراب من مكان (الظاهرة)، عبرنا بعد ان ادت الشرطة التحية لنا، وقال المحافظ:

- لن نقترب كثيراً من المكان، لاننا لا نعرف بالضبط ما يجري، منذ اسبوع رغم البحث والتحري، واخشى ان يحدث ما لا تحمد عقباه اذا اقتربنا، لذلك صدرت لي الاوامر بان امنع أي انسان من الاقتراب من المكان ليلاً ونهاراً.

        وقفت السيارة، وكانت شمس تموز قد ابادت كل اخضر واحالته الى تراب يتطاير مع كل هبة ريح، انصتنا وكانت الريح ساكنة رغم انها تهب بين الفينة والفينة. قال المحافظ:

- هل تسمع؟

- ماذا؟

- انصت.

        ركزنا ابصارنا على المكان، وكان عبارة عن فراغ كبير، لكنني بدأت اسمع تراتيل دينية وكأننا في صبيحة العيد! قلت في نفسي ربما هي اصوات الريح، لكن وضوح التعابير وتكرار الجمل قطع الشك باليقين! سألت المحافظ:

- هل فحصتم المنطقة؟

        بسخرية اجاب:

- ومن يجرؤ على دخولها في النهار او في الليل؟

- هل حاول احد وحصل له شيئ؟

- كلا، لكن الجميع يخشون من تجاوز حدود المنطقة، ويكتفون بالاستماع للاصوات نهاراً وبرؤية الاضواء الغريبة التي ترافق الاصوات ليلاً!

- ماذا يحصل في الليل؟

- تتحول المنطقة، ما ان يحل الظلام ، الى بقعة تتلألأ فيها الاضواء دون ان نستطيع تمييز الاشكال الموجودة فيها، ويتجمع مئات الآلاف من البشر حول المنطقة ، التي تغمرها انوار لا تشبه نور الشمس ولا نور الكهرباء!

        توقف المحافظ عن الكلام وعاد ليقول:

- صدرت الي الاوامر بان التزم الصمت ، ولا اشجع على ترويج الاشاعات، واستلمت صباح هذا اليوم امراً بدخول المنطقة مع ثلة من رجال الامن والشرطة وخبراء في الالكترونيات ، خشية ان يكون في الامر خدعة.

- وماذا قال رجال الدين؟

        اجابني المحافظ وهو يبتسم لاول مرة:

- الغريب ان رجال الدين صامتون، وبعضهم اعتصم في داره يرفض الخروج وقد استولى عليه الرعب!

- لماذا؟

- لا ندري، فهم يبدون كمن رأى الموت ثم نجا منه.

- عجيب! سآتي معكم في الليل لدخول المكان.

        حملق المحافظ في وجهي وسألني:

- لماذا اتيت؟ هل كلفك احد؟

- كلا لم يكلفني احد، والفضول وحده هو الذي دفعني للمجيئ.

        عدنا ، وكان صوت التراتيل يرن في ذاكرتي، وكنت ابدو كالمسحور الذي تسيره موسيقى الساحر! وقبل ان نصل الى مقر المحافظ سألته بدون تفكير:

- هل بالامكان الالتقاء بكبار رجال الدين؟

        رد المحافظ وهو يتطلع من نافذة السيارة نحو الموقع:

- لماذا؟

- ربما استطيع فهم بعض ما يجري.

- حسناً، حالما سنصل سأدعو كبار رجال الدين الى الحضور، واود اعلامك بأنني التقيت بهم وتهربوا من الجواب، وكانوا جميعهم يحيلونني الى رجل منهم ، اصر على ملازمة داره، ورفض الخروج او الكلام بعد ان ذهب للموقع ورأى بنفسه ما يجري.

- اذن ربما يكون من الافضل ان نلتقي برجل الدين ذاك فقط.

- المشكلة انه يرفض الخروج متعللاً بمرضه فهو في الثمانين من عمره.

- وهل لديك مانع في ان نزوره في داره؟

        اجاب المحافظ:

- كلا فهو صديق شخصي لي.

        حينما وصلنا بيت رجل الدين ، كانت عيناه زائغتان ووجهه شاحباً وهو يرحب بنا، وكان منظره مهيباً ، بلحيته الطويلة البيضاء ورداء الدار الابيض الطويل، وبعد ان قدمني المحافظ اليه ، ابتسم في وجهي ، وهو مازال شبه تائه مردداً:

- اهلاً وسهلاً، حلت البركة، الشكر لله، الشكر لله.

        وقبل ان يطلب لنا الشاي سألته ، وثمة شعور غريب داخلي ان هذا الرجل يعرف شيئاً لا نعرفه عما يجري.

- يا شيخنا هل تفسر لنا ما يحدث؟

        حملق بوجهي لبضعة ثوانِ، ثم ركز بصره على حبات (مسبحته) ، وشرع يتمتم:

- لا اله الا الله ، هو الواحد القيوم، لا اله الا الله شفيعنا وملاذنا ، يوم تدلهم الخطوب.

        صمت مرة اخرى، ورفع بصره صوبي وفي وجهه مسحة تردد، واستأنف كلامه:

- الله وحده علام الغيوب، حينما ذهبت الى هناك نهاراً وسمعت ما سمعت، ثم ذهبت ليلاً ورأيت ما رأيت، اصابتني رعدة هائلة جعلتني ابدو كالطفل المحموم! انها بدايات يوم القيامة ومؤشراتها!

        سكت ، واصابعه تسرع في العبث بحبات مسبحته، واستمر يتلو آيات قرآنية وعاد يقول:

- الظلم والجور والفسق، الذي حل بالعالم، خصوصاً في السنوات الست الماضية قرب يوم الحساب! واذا وجدنا في تلك البقعة (الدابة الناطقة) ، فوالله تلك هي علائم يوم القيامة.

- اية (دابة ناطقة) يا شيخنا؟

- في آخر ايام الزمان ستظهر (دابة ناطقة)، والله اعلم ما هي الدابة الناطقة؟ هل هي بشر مثلنا؟ ام مخلوق يدب وينطق لكنه ليس بشري مثلنا!

        كان خوف الشيخ يتراوح بين الرعب والقلق، الذي كان يطفو على قسمات وجهه المهيب، ورغم اسئلتي لم استطع ان انتزع منه معلومات غير العموميات وآيات قرآنية تنذر بيوم الحساب. خرجنا ، وكان ذهني مغلقاً على فكرة واحدة جعلتني عاجزاً عن التفكير: كانت صورة ابي بشكله النوراني تتبسم لي وتقاطيع وجهه تنطق بالف كلمة وكلمة!

        في مكتب المحافظ ، كانت (لجنة خاصة) قد شكلت للبحث في هذه الظاهرة تنتظره لعقد اجتماع، استأذنت منه كي ارتاح قليلاً، وكان قد هيأ لي غرفة في فندق قريب ذهبت اليه. ورغم اجهادي لم استطع النوم، وبقيت احملق في سقف الغرفة، وذهني تمور فيه افكار مشتتة غامضة، وكأن قوة سحرية تدخلت لمنعي من الاستنتاج والتخمين. وكنت اتلهف لحلول الظلام، كي ارى ما يجري في الليل. انتابتني فجأة رغبة غريبة في غسل جسدي بكامله، فدخلت الحمام ونظفته بصورة شاملة ودقيقة، دون ان اعرف لماذا!

        سمعت طرقاً على الباب، ادركت بعده ان موجة نوم قد غلبتني، رأيت الظلام قد حل بالمدينة، وكان سائقي في باب الغرفة، قال لي:

- اتصل مكتب المحافظ وطلب حضورك فوراً الى مقره.

        ارتديت ملابسي بسرعة وغادرت الى مقر المحافظ، وهناك وجدت اسطولاً من السيارات الحديثة، التي ترفع علم الامم المتحدة! وعشرات (الوجوه الشقر) تتجمع خارج مقر المحافظ. دخلت بسرعة مكتبه فوجدته جالساً مع ثلاثة اشخاص اجانب، ومترجم يقوم بالترجمة. تعرفت عليهم، وتبين لي انهم (فريق تفتيش) ارسلته الامم المتحدة بطائرات خاصة لتفتيش موقع الظاهرة الغريبة! وقبل ان اتحدث مع الفريق الدولي قال لي المحافظ :

- اتصل بعضو القيادة الذي طلبك قبل قليل.

        خرجت الى غرفة ثانية، ومن هناك هاتفت عضو القيادة الذي بادرني بالقول:

- يبدو ان المسألة اعقد مما ظننا، فلقد بدأ العالم يتحدث عما يجري في سامراء، وقرر مجلس الامن، مساء امس، ارسال فريق تفتيش لمعرفة ما يجري، لان الولايات المتحدة ادعت ان العراق يجري تجارب على سلاح سري غير معروف في تلك المنطقة، بعد ان رصدت الاقمار الصناعية ظواهر غريبة لم تستطع المعدات المتطورة تفسيرها او فهمها، لذلك ابق في سامراء، ونسق مع المحافظ لمواجهة طلبات فريق التفتيش، وقد علمت ان مئات الصحفيين ومراسلي شبكات التلفزيون العالمية قد وصلوا بغداد، وهم في طريقهم الى سامراء.

- اذن عليّ ان اتولى ترتيب كل شيء هنا، الذي ارجوه يا رفيقي ان توفر لي اتصالاً فورياً ومباشراً معك، ومع بقية الجهات العليا، كي اوصل المعلومات واتلقى التعليمات بخصوص ما يجري.

- طبعاًطبعاً، لقد اقيمت منذ امس شبكة اتصالات متطورة، بين مقر المحافظ وبغداد، لتأمين اقصى الدقة في التصرف، وصدرت التعليمات هذه الساعة للمحافظ بأن يتلقى التوجيهات منك مباشرة حتى تحسم هذه القضية، كما طلبت من وزارة الخارجية ان تنسق معك.

        اغلق عضو القيادة سماعة الهاتف، وانا اسير احساس قوي بان ثقل هذه الظاهرة الغامض وربما الخطير سيقع على كاهلي! بسرعة طلبت من السائق الاتصال بكل العاملين في مكتبي في بغداد وابلاغهم بالالتحاق بي في سامراء.

        دخلت الغرفة وكانت تبدو ساخنة رغم التكييف الجيد. قال لي المحافظ:

- ان الفريق يريد دخول المنطقة هذا المساء.

        نظرت صوب الفريق وسألت:

- من رئيس الفريق؟

        اجابني احدهم بانكليزية طليقة، وبلهجة اميركية:

- انا ، واقدم لك نفسي : اسمي جون ديلمون، خبير بالالكترونيات.

- اهلاً وسهلاً، انا عبد الله المسؤول عن التنسيق معكم حول هذا الموضوع ولذلك ارجو البدء فوراً بمناقشته.

        انتقلنا الى غرفة الاجتماعات، وهناك بدأ مساعدوه بفتح حقائب معهم، واخرجوا شاشة بعرض مترين وطول 4 امتار، ونصبوا جهاز عرض سينمائي وبدأ رئيس الفريق السيد ديلمون حديثه قائلاً:

- سنعرض الان عليكم فيلماً، صور من الجو، لمنطقة الحدث قبل يومين، وارجو مساعدتنا في فهم بعض الظواهر الغامضة التي لم نستطع فهمها.

        نظرت الى المحافظ الذي كان يتابع اعداد ادوات العرض، وكانت بدلته الخاكي تبدو ضيقة عليه، من شدة انحناءه لالتقاط سماعة الهاتف لطلب مرطبات.

        بدأ الفيلم بصورة تبدو كالخريطة المتحركة، وكانت ثمة نقطة ضوء تتوهج قال ديلمون:

- سنكبر هذه النقطة، وهي مكان الظاهرة.

        بدأت نقطة الضوء تكبر وتحولت من نقطة الى مجموعات مصادر ضوء تتوهج بشكل غريب، لا يشبه توهج نقاط الضوء الاخرى في المشهد! قال ديلمون:

- انظروا، هذه المصادر الضوئية غريبة، فهي تختلف تماماً عن ضوء المولدات الكهربائية، لانها انقى واقوى واشد اشعاعاً من أي ضوء تولده المولدات المعروفة، كما انه ضوء لا يشبه ضوء الشمس ابداً، فضوء الشمس يترك اطيافاً تعكس حرارة الضوء كلما ازداد توهجه، واطياف هذا الضوء، ورغم قوتها لا تبعث حرارة كما نعرف من خلال قوانين الفيزياء!

        كان الفيلم قد انتقل وديلمون يتحدث، من عرض صور النقاط الضوئية الى عرض اطياف الضوء الملونة للشمس والكهرباء، ثم قارنها باطياف ضوء سامراء! فبدت مختلفة تماماً.

        سألته:

- سيد ديلمون: كيف تفسر هذه الظاهرة الغريبة؟

        ابتسم بخبث وصمت ثم سألني:

- سيد عبد الله، انا هنا لاسمع منكم تفسيراً لهذه الظاهرة، لان معي تقرير خطير يقول بان هذه الاضواء تصدر عن سلاح ضوئي جديد، غير معروف، ولا يشبه حزم الليزر المستخدمة حالياً، سواء في الجيوش او المنشآت المدنية. هل تستطيع ان تصارحني بما يجري هنا! ان رئيسي شخصياً مهتم بهذا الامر، وهو ينتظر مني اليوم، وهذا المساء بالذات، جواباً واضحاً، لانه قلق جداً وقرر ان لا يتحرك مع الدول الاخرى الا بعد ان ابلغه تقريري.

        سألته:

- تقصد السيد وولف تانيوس رئيس اللجنة الخاصة؟

        بوقاحة وبرود اجاب:

- كلا اقصد الرئيس نيل هملتون رئيس الولايات المتحدة الاميركية، لان هذه المسألة اخطر من تركها للسيد تانيوس البطيء الحركة.

        ابتسمت وقلت له:

- اذن لنبدأ العمل.

        قال لي:

- لقد حاولت طائرات الهليوكوبتر، التي ترافقنا، دخول موقع الضوء من الجو، لرؤية ما يحدث فحصل امر غريب جداً، اذ ما ان وصلت الى حدود منطقة الضوء حتى تبدل اتجاه الطائرات تلقائياً، وبدون تدخل الطيارين وعادت الى الخلف! وكلما حاولوا العودة ودخول المنطقة تكرر نفس الشيئ، وكأن لديكم نظام سيطرة يعمل بالكومبيوتر يدخل مباشرة الى نظام سيطرة الطائرات، ويفصله مؤقتاً عن قيادة الطيار.

        صرخ المحافظ تلقائياً وهو في ذروة الاستغراب:

- الله اكبر!!! الله اكبر!!!

        سألني ديلمون:

- ماذا قال السيد المحافظ؟

        ابتسمت وقلت له:

- ابدى تعجبه مما قلت، انظر سيد ديلمون انا هنا مثلكم جئت لاعرف ما يجري، فنحن لا نعلم ابداً بحقيقته، لذلك ارجو ان تفهم هذه الحالة وتفترض، ولو مؤقتاً، اننا مثلكم لا نعرف شيئاً، خصوصاً وانكم تعلمون بان مستوى تطورنا التكنولوجي لا يمكننا ابداً من احداث الظواهر الضوئية التي لم تستطيعوا انتم فهمها، كما ان قدراتنا في مجال الكومبيوتر والالكترونيات بسيطة ولم تصل حتى الى نسبة 10% مما لديكم، وانتم لم تصلوا حتى الان لاختراع اجهزة تستطيع تغيير اتجاه الطائرات.

        صمت قليلاً وقد بدا حائراً ثم قال:

- التقرير الذي معي يقول بان المخابرات المركزية الاميركية ، لديها معلومات بان العراق قد تعاقد مع (135) عالماً روسياً ، ومن دول الاتحاد السوفيتي السابق ومن المانيا، وحتى من الولايات المتحدة! وكل هؤلاء متخصصون بالالكترونيات الدقيقة والفيزياء، ولذلك فان الفرضية التي لدينا تقول بأنكم بصدد تطوير سلاح ضوئي، اشد خطراً من السلاح النووي! وما يجري هنا يؤكد ذلك. لقد حاولنا تصوير طبقات الارض تحت الموقع من الجو باجهزة خاصة، لكن صور كل المناطق المحيطة بمنطقة الضوء ظهرت ، الا منطقة الضوء، حيث كانت الصور عبارة عن سواد مطلق! وهذا امر غريب جداً ولم يسبق ان واجهنا مثيلاً له حتى مع الاتحاد السوفيتي، الذي كان يتخذ احتياطات هائلة لحماية منشآته النووية والسرية، من التصوير الحساس الاشعاعي وغير الاشعاعي. لهذا فان الاوامر التي صدرت لي من الرئيس هملتون، هي ان ادخل هذا المساء الموقع واكشف اسراره، فهل انتم مستعدون للسماح لنا بذلك؟ وارجو ان لا تفسروا ما سأقوله على انه تهديد، لانني مكلف بنقل رسالة للحكومة العراقية، اذا لم نجد تفسيراً لما يجري، او منعتمونا من الدخول، فسيضطر الرئيس هملتون لاصدار اوامر بالتدمير الشامل لمنطقة الضوء، بحدود امتدادها التي تصل الى خمسة كيلومترات وبعمق اربعين متراً.

        هيمن صمت رهيب على الغرفة، وكان اعضاء الفريق يتصببون عرقاً، من القلق الشديد الذي طغى على حر الصيف. قلت له:

- الذي ارجوه ان تحافظوا على الهدوء، وتتجنبوا التسرع في اصدار حكم على ما يجري، واكرر التأكيد على اننا لا نعلم بما يجري.

        قال ديلمون:

- اذن دعونا ندخل المنطقة نحن واجهزتنا.

        تبادلنا نظرات قلق، انا والمحافظ، وقلت له:

- حسناً لنذهب.

        حينما وصلنا حدود منطقة الضوء، كان مئات الآلاف من الناس يتحلقون حولها لرؤية ما يجري، وكانت الجموع تردد كلمتان فقط، وهي ترى الضوء الساطع يتطاير وتتغير اشكاله بصورة عجيبة: الله اكبر.الله اكبر.

        بصعوبة بالغة فتحنا لنا طريقاً بين الناس، حتى وصلنا آخر صف حول حدود منطقة الضوء، وكان يفصل بينه وبين الحدود حوالي خمسة عشر متراً ولا يجرؤ احد على الاقتراب اكثر!

        سألني ديلمون:

- هل دخل احد في المنطقة؟

        اجبته:

- رسمياً لم ندخل بعد، ولكن بعض الافراد حاولوا التقدم، الا انهم تراجعوا مذعورين، بعد ان شعروا بان قوة تشبه الكهرباء لكنها ليست كهرباء تمنعهم!

        امر ديلمون فريقه باعداد الاجهزة المتطورة التي يحملونها وقال لي:

- سندخل المنطقة، من سيدخل معنا من الجانب العراقي؟

        قلت له:

- انا وفريق من الفنيين العراقيين ، لاننا ايضاً نريد حل اللغز.

        اكتملت الاجراءات وقال لي ديلمون:

- نحن مستعدون هل انتم جاهزون؟

- نعم.

        تقدمنا والقلق باد على وجوهنا، لكنني كنت في دخيلتي احس برغبة عارمة لا تقاوم للدخول في منطقة الضوء! ما ان اجتزنا مسافة الخمسة عشر متراً حتى توقفنا، ونظر ديلمون في وجهي نظرة تحمل مزيجاً من القلق والتحدي، ثم خطا خطوة واحدة، باتجاه طوق منطقة الضوء غير المرئي، واذا به يرتد الى الخلف وجسمه يهتز كورقة قذفتها ريح عاتية، وصوته يرتفع:

- يا الهي ماذا يحدث؟

        سقط على الارض، وتقدمت منه وساعدته على النهوض وانا اسأله:

- ماذا جرى؟

        اجابني، وهو ينفض التراب عن بنطاله، ووجهه مكتظ بعلامات القلق والتعجب:

- شعرت بمزيج من صدمة احدثتها طاقة، يقيناً هي ليست كهرباء، وجسم مادي يدفعني للخلف بقوة هائلة!

        كان الآف الناس، الذين شاهدوا ما جرى، قد اصابتهم نوبة بكاء، فساد صوت النحيب ولا احد يعلم لماذا؟ واخذت اصوات الدفوف تتصاعد وصوت (الله حي) يرافقها، وكانت شدة الاصوات تشق عنان السماء، لدرجة اننا لم نعد نميز فيها بين اصوات منطقة الضوء واصوات الناس المتجمعين حولها! لقد اختلطت الاصوات والاضواء والوجوه وحلت مشاعر متناقضة في صدور الجميع.

        ونظرت الى فريق التفتيش واللجنة العراقية الخاصة وكان جميع افرادها خائفين، قال لي ديلمون:

- سنجري فحصاً لمعرفة ما يوجد في هذا الحد الذي اردنا دخوله.

        اخذ اعضاء الفريق بامرار اجهزة معقدة، لم نعرف ما هي، على حدود منطقة الضوء، وكانت تصدر اصواتاً لا نعرف ما هي، وبعد ربع ساعة قال لي ديلمون:

- كل الاجهزة تشير الى عدم وجود شيء غير عادي هنا، الا اذا..

        وصمت وتبادل النظرات مع اعضاء فريقه فسألته:

- الا اذا ماذا يا سيد ديلمون؟

- الا اذا كنتم قد خدعتمونا، وخدعتم العالم، خلال السنوات الست الماضية وتوصلتهم الى اكتشاف ظواهر او قوانين جديدة في الطبيعة لم نعرفها بعد نحن، او توصلتهم الى وسائل تمويه متقدمة جداً.

        اطلقت ضحكة قوية وقلت:

- يا سيد ديلمون ارجو ان لا تخرج عن حدود المعقول، فانت امام ظاهرة غير عادية، وليس امام ظاهرة فيزياوية معروفة.

        بسرعة، وكأنه وجد حلاً لحالة الجمود التي حصلت، قال:

- اذا كان صحيحاً ما تقوله فحاولوا انتم الدخول.

        فجأة انقطع البكاء والنحيب، وتوقف دق الدفوف والتهليل والتسبيح، وحل طير القلق فوق رأسي ورأس اللجنة العراقية. وبدون تفكير نظرت الى منطقة الضوء فرأيت الانوار تتلألأ، وكانت ثمة اشكال نورانية يصعب تحديد هيكلها تتطاير كالغيوم، اما ما عدا ذلك فلا نرى شيئاً. وكانت اصوات التسابيح والتواشيح الدينية تتدفق من تلك  المنطقة. اجبت ديلمون:

- حسناً سندخل.

        وجهت كلامي للجنة:

- هيا.

        تحركت بضعة خطوات، وكان اعضاء اللجنة من العراقيين يتقدمون خلفي بقلق، وكانت مئات الآلاف من العيون والقلوب، المتحلقة حول المنطقة، قد صمتت بانتظار ما سيحدث. وحينما وضعت قدمي على خط دخول المنطقة احسست بانني اتزحلق في انبوب ناعم مريح، وجدت نفسي في نهايته امام بناية مضيئة، ويقف على بوابتها شخص يرتدي ملابس عربية بيض قديمة الطراز، بادرني بالقول:

- اهلاً وسهلاً يا عبد الله تفضل بالدخول.

        دخلت الباب، وانا مذهول مما يجري، ووجدت امامي احواضاً كثيرة تشبه احواض السباحة لكنها صغيرة ولا يسع الواحد منها سوى شخص واحد، فيها سائل يشبه الماء، تصدر عنه ابخرة ذات رائحة عطرة! ولم يكن هناك احد ابداً! لكن صوتاً من داخلي طلب مني دخول احد الاحواض، فدخلت بلا تردد، وعندها احسست بان كل خلية في جسدي تتفتح وتتجدد، وشممت عطوراً لم يسبق لي ان شممت مثيلاً لها في الروعة، وبعد خمس دقائق تحول جسدي المتعب، والذي زرعت فيه الآم لا حصر لها دون مرض محدد، الى جسد فتى نشط كأنه ولد لتوه!

        خرجت من الحوض فوجدت امامي ملابس بيضاً من الطراز القديم، كتلك التي يرتديها الرجل الواقف في بوابة البناية، فارتديتها وسرت تلقائياً، ودون وعي، ودخلت قاعة كبيرة فيها مصاطب خشبية بسيطة ايضاً من الطراز العربي القديم، ولم يكن ثمة احد فيها.

        جلست وانا اشعر ببرودة عذبة جداً، رغم عدم وجود مراوح او اجهزة تكييف، وادرت رأسي فلم اجد مصباحاً واحداً، رغم ان الضوء يغمر المكان! كانت ثمة نوافذ الا ان الضوء لم يكن يتدفق منها، لان الوقت كان ليلاً، بل كان يخرج من القاعة من اماكن مجهولة، وكأنه ينبع من الجدران بشكل متساو!

        وفيما انا ادير رأسي، في هذا المكان الغريب، دخلت عليّ ثلة من الرجال الذين يرتدون الزي الابيض نفسه، وقد اطلقوا لحاهم، وكانوا جميعاً من الشباب. بادروني قائلين:

- السلام عليك يا عبد الله.

        وقبل ان ارد السلام تقدموا، واحداً اثر آخر، وعانقوني، وهم يصافحونني مرحبين بي بحرارة وحب، وفجأة ادركت انني وحدي وان اعضاء اللجنة ليسوا معي، فارتبكت وسألت الشباب:

- اين اعضاء اللجنة؟

وفي تلك اللحظة ادركت ان سؤالي هذا قد قفز فوق اسئلة، كان يجب ان تسبقه مثل (ماذا حصل لي؟ لماذا انا هنا؟ كيف وصلت؟ ما هذا المكان؟ من انتم .الخ).

بعد ان جلس ذو الملابس البيض رد احدهم:

-لم نسمح بدخول غيرك، فاولاً نحن كنا ننتظرك منذ اسبوع، وثانياً انت الوحيد الذي تطهر في الفندق وغسل جسده، فنحن لا نسمح للانجاس بدخول هذا المكان.

- اذن ما هذا الذي فعلته في الحوض؟

- هذا ليس تطهيراً وانما شيء آخر، انه تنقية لجسدك كي يستطيع التعامل مع عالمنا المختلف الذبذبات.

        صمت، وكانت وجوههم باسمة، قال احدهم:

- حسناً انت تريد ان تعرف ما يجري ومن نحن، ستعرف كل شيء، ولكن تدريجياً، اما الان فعلينا ان نتفاهم معك.

        تذكرت تهديدات اميركا فقلت فوراً:

- لكن اميركا تعتقد بان في هذه المنطقة الصغيرة اسلحة فتاكة!

        ابتسم من قدرت انه رئيسهم وقال لي:

- اترك اميركا الان ولا تقلق بشأنها، فنحن ندبر كل شيء، هيا قم معنا.

        نهضت دون سؤال، وكان الفضول قد اختفى وحل محله الانتظار، فلقد استحوذ عليّ احساس بانني اقترب من حالة لم يجربها او يعيش مثلها بشر!

        بعد مسيرة دقائق، في ممر طويل مزخرف، دخلنا غرفة صغيرة توسطها شيخ مهيب المنظر يرتدي ملابس بسيطة، وكانت بشرته الحنطية نقية ومتماسكة، كأنها بشرة شاب في الثامنة عشر من عمره. سمعت صوته الخفيض والحلو يقول:

- اهلاً وسهلاً يا عبد الله، فلقد طال انتظارنا لك. تفضل تفضل.

        نهض وعانقني، وبدون تفكير احطته بذراعي، واجهشت بالبكاء تماماً مثلما حصل لي حينما التقيت بابي. لا اعرف كم استمر عناقي له واستيلاء شعور هائل من الحب تجاهه على مشاعري، سمعته يقول، وهو يجلسني الى جانبه على بساط مصنوع يدوياً:

- اهلاً.اهلاً..حلت البركة. كيف احوال الاهل؟

- بخير والحمد لله.

        تلفت حولي، لم اجد تليفون ولا تلفزيون، ولا أي شيء ينتمي لعصرنا! قلت له:

- ماذا يحدث لي؟ من انتم؟

        ابتسم وطلب احضار القهوة وقال:

- ما يحدث لك امر نادر الحدوث، ولا يقع الا بفضل رعاية الله، اطمئن فأنت بين احباب واصحاب.

        سألته:

- هل تدري انني التقيت بابي وابناء عمومتي المتوفين في الاسبوع الماضي، دون ان اعرف هل كنت احلم ام انني كنت اعيش واقعاً حقيقياً؟!

        عاد يبتسم، ويده تضغط على يدي بحنان:

- نعم ندري، واللقاء كان حقيقياً ولم يكن حلماً!

- وكيف يكون حقيقياً الجمع بين الاحياء والاموات؟ هل انتم اموات؟

- ما حصل لك كان ارادة ربانية، والله يفعل ما يشاء ومتى ما يشاء ومع من يشاء، لحكمة يعرفها سبحانه وتعالى. ولقاء الاموات بالاحياء امر سهل، اذا شاء الله ذلك، لانه هو الذي يتوفى الناس فينقلهم الى مستوى آخر من الحياة، تختلف كلياً عن الحياة الارضية، فيصبح مستحيلاً التقاء الحي بالميت الا اذا ازال الله الحاجز بين العالمين، او اوجد قناة اتصال بينهما. اما (انا) فلست من عالمكم بالاصل، بل انا من مخلوقات تنتمي الى عالم آخر خلقه الله سبحانه وتعالى، ونحن لسنا بشراً مثلكم، حتى وان ظهرت لك الان على هيئتكم.

- هل انتم جن؟

        ابتسم ورد قائلاً:

- كلا نحن لسنا جناً ولا انسأً، لا تتعجل معرفة من انا، لانك تعرفني منذ صغرك!

        مرة اخرى استولت عليّ دهشة من لم يعد يفهم وسألته:

- تقول انك لست بشرياً ولا جنيا،ً وانك لست من عالمنا، ومع ذلك تقول انني اعرفك منذ الصغر؟

- بل انا ايضاً اعرفك منذ الصغر!

- ارجوك اجبني بوضوح ولا تتعب عقلي الصغير، من انت؟

        باسترخاء وهدوء قال:

- انا قرينك.

        كانت يدي ماتزال مستلقية براحة تحت يده، وكنت اشعر بانتعاش كبير لذلك، سألته:

- ما الذي يعنيه ذلك؟

- الذي يعنيه ان لكل انسان قريناً منا يتولى رعايته وحمايته من مخاطر الشيطان والحياة حتى  يحين اجله، وانا قرينك، يا عبد الله، الذي رافقك منذ ولادتك وتولى رعايتك، بامر رباني، وحماك من شرور الشيطان واغراءاته.

- انا لا افهم ما تقول؟

-نعم انت لا تفهم لان الامر غريب وعجيب، ولكنك تحس به، قل لي الم تسأل نفسك مرات عديدة، لم بقيت على قيد الحياة بعد مرورك بمخاطر، كان يمكن ان تتوفاك؟

صمت، وتأملت برهة، ثم شرعت ذاكرتي باستعادة صور من حياتي، بطريقة عجيبة، اذ بدأت ارى نفسي في مراحل مختلفة من حياتي، وكأنني اشاهد فيلماً سينمائياً! ورأيت احداثاً كان محتماً فيها قتلي ومع ذلك نجوت.

        سألني:

- هل تذكرت قصة سيارتك، التي كان فيها خلل كان يمكن ان يودي بحياتك، ومع ذلك نجوت وقال لك الميكانيكي ان نجاتك وعدم انقلاب السيارة كان اعجوبة!

- نعم اتذكر.

        واصل الحديث، مقدماً تفاصيل حادثة وقعت لي منذ خمسة عشر عاماً ، حينما بقيت استعمل سيارتي سنتين، رغم ان فيها خللاً ميكانيكياً قاتلاً كان مستحيلاً ان لا يؤدي الى انقلاب السيارة خلال شهر!

- لقيد ابقيت سيارتك تعمل وكأنها بلا خلل لمدة عامين ، لان اجلك لم يكن قد حان! ثم هل تتذكر انك قبل (33) عاماً قد نجوت من الموت، مع ثلاثة من اصدقائك، دعوك للذهاب معهم فاعتذرت، وكان ان قتلوا كلهم بعد ساعة، وهم في سيارتهم التي كان يجب ان تكون فيها معهم آنذاك؟

- نعم اتذكر.

        صمت (قريني) وعاود الابتسام وقال لي:

- انا الذي اقنعتك بعدم الذهاب معهم، لانك كنت راغباً في البداية بذلك، وهناك عشرات المواقف التي كان يمكن ان تموت فيها لولا انني كنت احيطك بحمايتي.

        حل صمت مهيب وكنت مذهولاً، فكل ما يقوله (قريني) صحيح، والغريب انني كنت اعرف ان ثمة قوة (غير منظورة) تحميني، لكنني تصورت انها روح ابي الميت او ارواح اقاربي.

        ضحك (قريني) وقال:

- اعرف بماذا تفكر، كلا يا عزيزي عبد الله من حماك، وسيحميك حتى يحين اجلك، ليس اهلك بل انا. هل سألت نفسك من حماك قبل وفاة ابيك؟

        توقفت فجأة عند قوله (سأحميك حتى يحين اجلك) وسألته:

- اذن انا لم امت بعد؟

- كلا انت حي، وستعيش طويلاً وسأبقى حارسك من الاعداء، ومنقذك من شرور نفسك!

        سألته بسذاجة طفل غر:

-هل تعرف متى سأموت؟

        ضحك، وربت على كتفي وهو ينهض، فنهضت معه تلقائياً، وقال:

- هذا علم الغيب، والله وحده يعلم بآجال الناس.

- وانت هل لديك اسم؟

- نعم اسمي عبد الله.

- يا الهي انه نفس اسمي!!!

- نعم، فانا انت في عالم اخر، وانت تحميني من المخاطر ومن الزلل، تماماً كما احميك انا.

- الله اكبر! كيف ذلك؟!

- لا تتعجب، فلكل مخلوق غاية، حددها الله، لا يعرفها هذا المخلوق، واحدى غايات خلقك، بصفتك من بني البشر، هي ان تكون موضوع قيامنا بواجبنا، فواجبنا امام الله هو هداية البشر وحمايته من شرور الشيطان، وحينما يتعاون معنا البشر وينفذ ارادة الله ونقوم نحن بحمايته، نكسب رضا الله، لذلك فان رضا الله عنا مرهون بتصرفاتكم، وكل خير تفعله يحسب لي وكل شر يصدر عنك يحسب عليّ.

- هل هذا هو كل شيء عن خدماتي اليك؟

- كلا يا عبد الله، فأنت ايضاً تحميني من شرور الشيطان، وتحفظ حياتي حتى يحل اجلي، ولكنني غير مخول بان اخبرك كيف تفعل ذلك.

        ضحكت من اعماق روحي بصوت عال وفرح طاغ، لم اشعر بمثله في حياتي يسيطر عليّ، وبدأت بوابات في عقلي، بقيت مغلقة عقوداً من الزمن، ومنعني ذلك من ادراك شيء ما كنت احس فيه والغموض يحيط به، تنفتح، وتدفقت فيوضات وعي هجم عليّ بغتة، وجعلني اتجاوز حدود رؤى ورؤية البشر! سألت (قريني) عبد الله:

- هل استطيع ان اعرف ما يجري الآن؟

- حسناً يا عبد الله، انت هنا لان اللحظة التي اعددناك لها منذ ولادتك قد حانت، فاليوم ستشهد واحدة من اكبر معجزات التاريخ، وقبل ان اوضح لك ما المقصود بذلك هيا لنخرج، لترى ما لم تره عين بشر حي غيرك وغير بعض اولياء الله الصالحين.

        خرجنا من البناية واذا بنا وسط مدينة ضخمة جداً، تتألف من خيام متعددة الاحجام موزعة بصورة هندسية رائعة، تنظمها شوارع مبلطة بالطابوق، وعلى ارصفتها يسير بشر تحيطهم هالات نور عجيب، تماماً مثل ذلك الذي احاط بابي عندما ألتقيته قبل اسبوع. كان الجميع يروحون ويجيئون كأنما يستعدون لعمل كبير، وكان توزيع الخيم عجيباً في دقته وجماله، اذ ان الخيمة الاكبر كانت وسط المدينة، وكانت محاطة باحزمة متعاقبة من الشوارع والخيم على امتداد حوالي 40كم! يا للعجب لقد رأينا من سامراء منطقة الضوء، وهي بقعة لا تتجاوز الخمسة كيلومترات، اما الان فنحن في مدينة طولها (40) كم! كيف يحصل هذا التناقض الغريب؟ ولماذا لا نرى هذه المدينة من سامراء؟

        كانت سماء المدينة مضيئة رغم انه لم تكن ثمة شمس، ولا قمر ولا اضواء ابداً، وكانت النجوم تتلألأ وهي تبدو اكبر من حجمها الذي نراه في حياتنا. وكانت الحياة في المدينة تنتمي لعصر ما قبل الصناعة، فالخيول والجمال هي ادوات النقل والتنقل، والملابس عربية من الطراز القديم، لكن المدهش في المدينة ان بشرها يستطيعون الطيران متى ارادوا، فيحلقون في الجو كأنهم طيور مضيئة!

        سألت قريني:

- ما هذا؟ ما الذي اراه!؟

- تمهل قليلاً، فليس ذلك سوى مقدمات لامتصاص صدمة رؤية مالا يصدقه بشر ويتحمله منطق بشر. هؤلاء الذين يطيرون كالعصافير المضيئة هم الشهداء من الاطفال، وانت الان وسط بشر كلهم شهداء.

        سألت قريني:

- هذا صبي بشري محاط بهالة نور ومعه مخلوقات نورانية غير بشرية لها اجنحة ضوء هائلة! من هو؟

        ابتسم قريني، وهو يسير الى جانبي، وقال:

- هذا شهيد من آل (البيت)، وهو القاسم بن الحسن بن علي بن ابي طالب (عليهم السلام)، والذين معه هم مرافقوه من الملائكة، يذهبون معه اينما ذهب، يلبون رغباته ويحرسونه من كيد الشيطان.

        كانت السماء صافية، وكانت النجوم تتلألأ وفوق رؤوسنا ضوء يطير ويتسابق، محيطاً باجساد الشهداء ومعهم مرافقوهم من الملائكة. وكانت ثمة اصوات ملائكية تبدو كأنها موسيقى لذيذة لم تسمعها اذن بشر! نظرت امامي فوجدت ارضاً خضراء تفوح منها عطور عجيبة غريبة، خدرت حواسي وانعشت روحي. وعلى الارصفة كان ثمة خليط اعجب من البشر النوراني الاجساد، والملائكة التي تحيط بكل منهم! كانت المنطقة مكتظة بالبشر والملائكة، ومع ذلك لم تكن ثمة ضوضاء او ازعاج، فالكل يسير ويمرح او يسبح بآيات الله وكأنه لا يعرف بوجود الآخرين!

        يا الهي! الم تكن هذه البقعة قبل قليل ارضاً جرداء، تشويها حرارة شمس تموز؟ كيف تحولت بهذه السرعة وصارت خضراء نسائمها عليلة تشرح القلب وتلغي الفصول، جاعلة من نسمات الطراوة اللذيذة فصلاً دائماً؟ هل انا احلم؟ يقيناً كلا، فلقد كنت مع المحافظ وفريق التفتيش، وكان الوقت ليلاً، وكنا نرى في هذه البقعة الجرداء الحارة اضواء ساطعة لا نستبين منها شكلاً محدداً، اما الان فهي مدينة كبرى فيها مخلوقات وارضها خضراء ونسيمها عليل! كيف حصل ذلك؟ لو كنت احلم لكان واضحاً انني اعيش في عالم النوم، لكنني، وانا يقظ تماماً وبكامل وعي، اشهد ما يجري!

        سألت قريني:

- الى اين نحن ذاهبان؟

        وقبل ان يجيبني تغيرت صورة المشهد تماماً فبدلاً من استمرار الهدوء والنظام، بدأت المخلوقات تصطف على الارصفة، بشراً نورانيين وملائكة، وافرغ الشارع الرئيسي والتفتت الاعناق تنظر الى نهاية الطريق لترى القادمين.

سمعت شهيداً يسأل الملائكة:

- من سيأتي؟

        رد الملك بصوت يشبه ترتيل القرآن:

- الشهداء يعودون.

- لكننا عدنا، فنحن الشهداء.

        رد الملك، وهو يحتضن بجناحه الايمن الشهيد الشاب الصغير:

- نعم انتم شهداء، لكننا ننتظر، سادة الشهداء، سيأتون اليوم الى سامراء.

        من اماكن مجهولة ارتفع صوت نقر الدفوف، واعقبه ورافقه صوت نساء يغنين:

طلــع النور علينــــــــا       بهياً ساطعـــاً في السماوات

وتألــق وجــه المصطــفى          محمد مبدداً مكامن الظلمات

        تلفت حولي لم اجد نساء ولم ار دفوفاً ولا ناقريها! سألت قريني:

- من اين تأتي هذه الاصوات؟

        كان قريني يمد عنقه الى نهاية الشارع ليرى القادمين، رد عليّ دون ان ينظر نحوي:

- لا تسأل واكتف بما ترى وركز بصرك فالشهداء قادمون.

        سألته بفضول:

- من هم؟

- انهم الشهداء.

        سمعت قرقعات حوافر خيول تضرب الارض بشدة، ونظرت فرأيت في البعيد موكباً يتقدم الينا، يضم عشرات الخيول الناصعة البياض، وهي تحمل فرساناً يرتدون ملابس بيضاً.

        ما ان رأت الجموع مطلع الموكب حتى ارتفع نقر الدفوف، وتعالت اصوات المغنيات يسبحن باسم الله، وامتزجت معها زغاريد، ليست كزغاريد فرح الارض، اطلقتها الملائكة الواقفة على الارصفة! كنت لا افهم ما يجري، نظرت الى السماء فوجدت فوق موكب الشهداء غيمة كبرى، يجلس عليها اطفال نورانيون وبايديهم دفوف، يغنون وينثرون الورود فوق موكب الشهداء. اقشعر بدني واحسست بأنني سأبكي، وبدأت ارتعد كالمحموم، وانا اغالب رغبتي المتطرفة بالبكاء. قال لي قريني:

- امسك نفسك يا عبد الله، فاليوم يوم فرح وليس يوم حزن.

        قلت له وانا اضعف امام رغبتي في البكاء:

- لا استطيع يا قريني فالذي اراه يزلزل كياني، انه الفرح والذوبان في قدسية نور الله الذي يجعلني احس بالحاجة للبكاء وليس الحزن! اجهشت بالبكاء واختلط صوت نشيجي بغناء الشهداء والملائكة ونقر الدفوف، التفت شهيد صغير يقف بصفي وقال لي:

- يا عم انشد معنا، فالشهداء قادمون، ِلمَ تبكي؟

        نظر اليّ ملاكه الحارس ومد يده ووضعها على رأسي وقال:

- يا ابن آدم، انت الوحيد هنا الذي شرف بالحضور من بني آدم الاحياء، اغتنم الفرصة وسيطر على مشاعرك لئلا يفوتك المشهد الذي سيضمن لك دخول الجنة.

        وقبل ان يسحب الملاك الحارس يده من فوق رأسي، هدأت روحي وسكنني ارتياح هائل وصفاً نظري وانفتحت بصيرتي على اوسع مدياتها، فرأيت الموكب يقترب منا ويصبح على بعد عشرة امتار، فازدادت حمى النشيد وصارت حماساً جعل الاجساد النورانية، للشهداء الواقفين على الرصيف وملائكتهم، ترسل انواراً على هيئة ورود الوانها اخاذة لتحيط بالموكب، وكنت انا وقريني الوحيدين اللذين لم يصدر عنا أي اشعاع! وفي اللحظة التي صار فيها الموكب امامي اضطرب بصري، وانا اريد رؤية وجوه الشهداء، وكان ثمة صوت في داخلي يقول لي:

- انظر في وجوههم ولا تتردد.

        ورغم هدوئي العجيب اخذ قلبي يرقص، وهو يرى ثلاثة فرسان مهيبي الطلعة يتقدمون الموكب، وكانوا محاطين بهالات ضوء يختلف عن ضوء هالات الشهداء الواقفين على الرصيف جنبي. تفرست في وجوه الشهداء الفرسان الثلاثة، وكان اقربهم الى جهتي جليل المنظر بلحيته السوداء ووجهه الحنطي المدور، كقمر يرسل نوراً لذيذاً، وعيناه السوداوان تتحركان بهدوء في وجوه المصطفين على الرصيفين، وابتسامة رائعة تعتلي وجهه.

        في لحظة واحدة غزتني اسئلة اخذ احدها يدفع الاخر ليحصل على الجواب قبل غيره، من هذا الشهيد الفارس؟

        وقبل ان اسأل (قريني) حدث ما اذهلني؟  اذ التفت الفارس نحوي وابتسم لي، وهز رأسه تحية وكأنه يعرفني؟

        صرخت:

- يا الهي انه يبتسم لي من دون كل هذا الخلق! قل لي من هو هذا الرجل المهيب؟

        ابتسم قريني وقال بفرح:

- الم اقل لك انك محظوظ، فهذا الذي خصك بالتحية هو سيد الشهداء الحسين عليه السلام!

        صرخت بلا تفكير:

- الحسين سيد الشهداء ؟

- نعم نعم انه سيد الشهداء، الم تعرفه؟

        عدت وفقدت السيطرة على نفسي وراحت مشاعري تتدفق كأمواج محيط غاضب، لا تمنعه سواحل ولا سلاسل جبلية من الفوران! ومن هو الثاني؟

        كنت انظر الى الفارس الثاني الذي يتوسط الاثنين الآخرين، وكان مربوع القامة، قوي الجسد، عظيم البطن، وجهه فيه مزيج من الطيبة والحزم، وكان يوزع ابتساماته على الشهداء والملائكة الذين يحيونه. رد قريني:

- انه الامام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه!

        مرة اخرى صرخت:

- الامام علي! يا الهي ماذا يحصل لي؟! سيتوقف قلبي عن الخفقان من شدة اضطرابه!

        للحظة عدت استمع للزغاريد والتهاليل والتسابيح ونقر الدفوف، وقفز بصري الى الفارس الثالث، وكان ضخم الجثة قويها، تبدو الصرامة على ملامح وجهه الابيض البهي الجميل، سألت قريني:

- ومن الفارس الثالث؟

        نظر قريني الي وعلامات الدهشة بادية على وجهه:

- الم تعرفه؟ انه الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

        شهقت  وكدت اسقط ارضاً:

- الفاروق عمر بن الخطاب!! هل انا احلم؟ كلا انا اعيش مشهداً حقيقياً لا مجال فيه للحلم او التخيل، الفاروق عمر امامي، بمهابته وعدله واستقامته وحزمه! أي شرف هذا الذي حظيت به؟!

        لقد حلمت الملايين برؤية الوجوه الكريمة للائمة الاطهار والشهداء الابرار، وكانوا يقنعون بالقراءة والسماع، اما انا العبد البسيط لله، فقد كرمت بان ارى سيد الشهداء وامير المؤمنين والفاروق!

        علق قريني وهو يقرأ افكاري:

- ان تكريمك اكبر لانك ترى الان بقية الموكب، فهؤلاء هم الشهداء من المسلمين الاوائل، وآل (البيت) وملجأ العامرية.

        كانت الوجوه تمر، وهي ترسل هالات نور ممتزجة بابتسامات حلوة، وكانت الغيمة فوقهم تحمل على متنها الاطفال الشهداء، الذين مازالوا يرمون الورد والرياحين على رؤوس موكب الشهداء.

        سألت قريني:

- الى اين سيذهب الموكب؟

- الى الخيمة الكبرى، حيث سيلتقي كل هذا الجمع من الملائكة والشهداء.

        سألته:

- وماذا عنا انا وانت؟

- لا تقلق سنكون مع الجمع.

        تغير المشهد ورأيت الخيمة الكبرى، وقد ازدحمت بالشهداء، وكان الامام علي والفاروق عمر وسيد الشهداء الحسين عليهم السلام، يجلسون في المقدمة وخلفهم يجلس بقية الشهداء في صفوف متعاقبة. وفي الخارج كانت الملائكة والشهداء الآخرون يلتفون حول الخيمة، يتطلعون الى الوجوه البهية وهي ترسل الخير والبسمات للآخرين. انتبهت الى ان الامام علي رضي الله عنه يهمس في اذن الفاروق عمر رضي الله عنه، وابتسامة حلوة تكتسي ملامحه الشابة، اما سيد الشهداء الحسين فكان يتحدث مع مخلوق لم اره وعرفت فوراً انه ملاك، لكنه لم يكن كباقي الملائكة ، فهو ضخم الهيئة له اجنحة بيض عديدة ووجهه يشبه وجه البشر لكنه يشع نوراً. سألت قريني:

-من هذا الذي يتحدث مع سيد الشهداء؟

        رد وهو يضغط على يدي:

- لا تسأل فهو سيسمعك.

        عدت بالحاح اسأل:

- قل من هو؟

- انه جبريل عليه السلام؟

        صرخت وبلا وعي:

-الله اكبر، الله اكبر!

        في تلك اللحظة التفت جبريل ونظر نحوي، وهو مازال ينصت بود لسيد الشهداء، وابتسم لي وكأنه عرف انني اسأل عنه.

        صرخ قريني:

- الم احذرك؟ انه ينظر اليك.

- اصمت يا قريني فانا اسمع شيئاً في ادخلي.

        صمت قريني، وركزت انتباهي على داخلي وقطعت صلتي بالمشهد كله، فاخذت اسمع صوتاً رقيقاً يخاطبني:

- سلام الله عليك يا عبد الله، واهلاً بك معنا في هذا المشهد، واهلاً باهل العراق الصامدين.

        صمت الصوت ولم اعد اسمع شيئاً، وتلبسني اعتقاد جازم بان مع خاطبني من داخلي كان جبريل عليه السلام! فنظرت اليه وعيناي تدمعان وهززت رأسي باحترام واجلال، فابتسم لي وادار وجهه صوب سيد الشهداء وعادا يتحدثان.

- ماذا حصل؟

        سألني قريني، اجبته:

- لقد حياني جبريل عليه السلام، وحيا اهل العراق.

        هتف قريني:

- هذا يوم سعد وحظ لي ولك ولشعب العراق.

        سألته:

- لماذا؟

- لان رضا الله وملائكته واوليائه عليك هو رضاء عني فانا قرينك، هل نسيت ذلك؟

- كلا كلا لم انس ذلك.

        كان جمع الملائكة والشهداء، المحيطين بالخيمة، ينتظر شيئاً عظيماً لا يعرفه احد منا، وكانت امام الخيمة الكبرى ساحة كبيرة مزروعة بورود لا تشبه الوان ورود الارض، لكنها خالية من الاشجار العالية. اقترب منا مخلوق بهيئة انسان وكان شفاف الجسد والقى التحية علينا:

- السلام عليكم يا عباد الله الصالحين.

        رددنا التحية وهو يصافحنا وقال:

- تفضلا معي.

        لم نسأله، ولم تكن ثمة اسئلة تتزاحم في الرأس، انقدنا بلا تفكير وسرنا معه وهو صامت، وبعد بضع خطوات دخلنا خيمة، وكانت خالية تماماً الا من هواء عليل يداعب قماشها الاخضر.

        جلس ذلك المخلوق قبالتنا وقال:

- يا عبد الله، نحن هنا في واجب، وقد تم استدعاؤك انت بالذات منذ اسبوع كي تكلف بعمل ما. فها انت ترى الخلق هنا من شهداء وقديسين وملائكة تجمعوا بارادة الله ليبعثوا برسالة لعالمكم، الذي حل فيه الظلم والجور والفساد، وما اقلقنا هو ان البشر، الذي هذبناه وعلمناه وايقظنا فيه الخير ووسعنا دائرة تحكم ضميره، اخذ يفقد ذلك وبدأ يقترب من حالة تقمص شخصية الشيطان.

        كان البشر في السابق يتحاربون ويذبح بعضهم بعضاً، لكن هذه القسوة كانت تظهر اثناء الحروب، اما الان فالقسوة وانهيار روادع الضمير صارا قانونا الحياة اليومية، لذلك فان كل ما فعله الانبياء والرسل والمصلحين والائمة مهدد بالخراب ما لم نتدخل، صحيح انكم تناضلون ضد الشر، ولم تستلموا وصار العمل طبعاً فيكم، لكنكم بحاجة لدعم الهي يعزز نضالكم ويرجح كفتكم، فنحن لا ندعم الحالمون الكسالى.

        صمت ذلك المخلوق النوراني وعاد يقول:

- تريد ان تسألني كيف تتدخلون وبين عالمكم وعالمنا حاجز الابدية، الذي وضعه الله لمنع الاتصال او التجاوز! ان الله سبحانه وتعالى حينما يريد شيئاً يقول كن فيكون، وهو اراد ان يرسل لعالمكم رسالة فيها ردع للشياطين التي تناسلت واخترقت بني آدم، ولبني آدم كي نبعث فيهم عالم الله ونرسخ في وجدانهم يقين انتصار كلمة الله مهما ساد الظلم والجور، وانتم يا اهل العراق سيتغير العالم ويهزم الشيطان على ايديكم ، فتحملوا واصبروا على بلواكم ، وعلى بلاءات قادمات اشد ، فالله يختبركم ، وبعد الصبر سيأتيكم الفرج ، ومن ارضكم سيهل نور الحرية والايمان على كل العالم.

        قبل ان تسألا من انا سأجيب: انا احد الملائكة التابعين لسيدنا جبريل عليه السلام، مهمتي هي ان اكون ضابط اتصال معك، يا عبد الله يبلغك بالتعليمات الواجبة التنفيذ.

        سألته بلا ارادة او تفكير:

- لماذا انا؟ انا لا اصلي ولا اصوم ولا اقدم الزكاة؟ لماذا انا؟

        ابتسم الملاك، وانداحت من وجهه الجميل موجات رأيتها تسري نحوي، وما ان لامست جسدي حتى ارتعشت نشوة عاد يغني:

- انت مؤمن طاهر النفس والقلب، خدم الله من خلال خدمة البشر والتضحية من اجلهم، نحن نعرف نواقصك، لكنك بشري ناقص بالطبع، والذي نراه منك هو ايمانك الراسخ بالله وقيمه، وقدرتك غير العادية على مقاومة ورفض الشيطان الذي تناسل في القارة المسماة اميركا، ثم لا تنسى انك تتوكل على الله في اليوم عشرات المرات، بصدق المؤمن النقي الضمير، ويجب ان تعرف انه لولا حمايتنا لكم لما بقيتم صامدين ست سنوات، كل يوم ظلم فيها يكفي لانهيار امبراطوريات عظمى.

        صمت هنيهة وعاد يقول:

- يا عبد الله، سنفتح لك باباً في الحجاب، الذي وضعه الله بين البشر وبين الابدية لكي نعلمك بما سيحدث او بما نريد ان يحدث، ولذلك دخلت حوضاً فيه سائل ازال من جسدك وروحك كل ادران الحياة، ومنحك خصائص جديدة تمكنك من الاجتياز.

        سألته بلا انتظار:

- لماذا؟

- لاننا نريد ان نقدم ادلة قاطعة للاشرار تقنعهم بان الله غاضب عليهم وعلى فسادهم، وان عليهم التوقف عن الشر والفساد، وتذكر ان الله اكبر من كل طاغ ومفسد في الارض، واكبر من اسلحة الابادة التي يملكها، ولهذا ستمنح قدرات خاصة لا يمتلكها عامة الناس ليكون ذلك الدليل على ان قوى علوية جبارة تقف خلفكم في العراق. كما اننا سنستجيب للطلبات التي نرى انها مفيدة في تحقيق المزيد من الصمود وترسيخ ايمان الناس بالله، ودحر جيش الشيطان الذي يحاصركم.

- كيف ذلك؟

- ستقوم بالتحدث باسم (عدالة الله)، وستفسر ما سيجري من احداث مستحيلة بالنسبة لبني آدم، بعد ست سنوات من صبركم وتضحياتكم ستبدأ صفحة جديدة تفتح لكم بوابات الخلاص فيما بعد، ليكون انتصاركم على سلالة شيطان اميركا درساً للبشرية كلها.

- وكم سيستمر ذلك؟

        ركز الملك الطاهر بصره عليّ وقال:

- ان تخويلك سيتمر لبضعة ايام، وحينما ستكتمل الرسالة التي نريد ايصالها للعالم، ستفقد صلتك بنا، وستعود الى حياتك مع ملاحظة انك ستصبح اشهر مخلوق واكثرهم غرابة! ولذلك عليك ان تعيد ترتيب حياتك فيما بعد وفقاً لوضعك الجديد وخصائصك الجديدة.

        سألته بفضول:

- وكيف سيتم الاتصال بي وتوجيهي؟

        ابتسم الملاك وقال لي:

- اترك هذا لي، فساكون لصقك اينما حللت، اقرأ افكارك وابلغك بما اريد في كل لحظة من يومك، في اليقظة واثناء النوم. والان يجب ان نذهب الى منطقة (الخيمة الكبرى)، فهناك سيبدأ الحدث الغريب.

        لم اسأل، رغم وجود الآف الاسئلة في ذهني، لانني كنت اسير مشاهد ووقائع تكفي بذاتها لتعطيل التفكير! وجدنا انفسنا نحن الثلاثة، انا وقريني والملاك الطاهر، مرة اخرى امام الخيمة الكبرى، وكان اولياء الله الثلاثة مازالوا يتصدرون مجلس الشهداء، لكنهم هذه المرة كانوا ينظرون الى السماء كأنما يتوقعون ظهور شيء فيها.

        قال الملك الطاهر:

- سأذهب الان واترككما لكنني، كما قلت لك، سابقى على اتصال بك.

        غادر الملك الطاهر، والتفت الى قريني وسألته:

- لماذا حل صمت تام؟

        اجابني وعيناه مسمرتان في السماء:

- ستصل المنائر الان

سألته:

- أي منائر؟ وكيف ستصل؟

-انها ثلاث واربعون منارة، اختارها الامام الحسين (عليه السلام) من بين منائر العراق وامرها بالتحليق والهبوط هنا في هذه الساحة.

        لم اعد اشعر بغرابة الحديث، فلقد دخلت عالم المعجزات، وتعطلت في ذاكرتي معايير العالم الارضي، سألته وكأنني لا اجد غرابة في تحليق المنائر

- لماذا ستتجمع هنا؟

        كف قريني عن النظر الى السماء ونظر الى وجهي بهدوء وقال:

- الشهداء سيقومون بزيارة القدس الشريف هذا اليوم.

        سألته:

- هذا اليوم؟ وكيف سيصلون وثمة الحدود واليهود؟

        ابتسم قريني وقال:

- انظر امامك وتذكر ان الاولياء الثلاثة لم يأتوا الا لهذا الغرض، وستتم الرحلة كلها باسم الامام الحسين عليه السلام، والفاروق عمر عليه السلام اصر على الحضور لكي يزور القدس مرة اخرى.

        عاد الفضول ليطفو فوق تطبعي مع اجواء العالم الآخر:

- ومن سيشارك في هذه الرحلة؟

- الامام الحسين والفاروق عمر عليهما السلام ، اما الامام علي عليه السلام فقد حضر لملاقاة الفاروق عمر وتوديعه، قبل الاسراء ولرؤية ابنه سيد الشهداء واحفاده الشهداء.

- وكيف ستتم الرحلة؟

        رد عليّ بصوت حازم:

- اسكت فلقد وصلت المنائر.

        رفعت بصري صوب السماء، فرأيت منائرا تتلألأ انوارها وهي تطير كالطائرات، بهدوء ودون ان تصدر أي صوت! من جديد ارتفع صوت نقر الدفوف وغناء المسبحين بالله، وكانت الملائكة والشهداء المصطفون على الرصيف يرددون، كأنهم في حلقة ذكر: (لا اله الا الله). اخذت المنائر تهبط بهدوء وتستقر على قاعدتها واحدة اثر اخرى، الى ان اكتمل هبوطها كلها. عند ذاك برز فجأة الملاك الطاهر ووقف قبالة اولياء الله الثلاثة، وحياهم ثم ارتفع صوته ليسمعه الجميع قائلاً:

- باسم الله جل وتعالى سنقوم برحلة الاسراء الى القدس والمسجد الاقصى، وسيقوم (43) شهيداً بركوب المنائر، وسننطلق من هنا في موكب تطير منائره ببطء يمكن بني البشر من رؤيتها، وهي تمر باجواء المنطقة. اما الفاروق عمر بن الخطاب والامام الحسين عليهما السلام فسيسريان بلمح البصر الى القدس وينتظران هناك موكب الشهداء الآتين على المنائر من ارض العراق.

        وقبل ان افكر او اسأل عاود الملاك الطاهر الحديث، بقراءة اسماء الشهداء الذين سيركبون المنائر. وكان كل واحد منهم يسمع اسمه يتقدم ويقف الى جانب منارته، الى ان اكتمل العدد 43 شهيداً يقفون الى جانب 43 منارة.

        كنت مذهولاً امام اشراقة وجوه الشهداء، وسيطرت علي رغبة عارمة في احتضانهم واحدا اثر آخر، لكن رهبة الحدث جعلتني مسمراً في مكاني كأنني خشبة، لا تتحرك فيها الا عينان ودماغ اربكته الاحداث التي لم يألفها بشر!

        نظرت الى المنصة فرأيت الاولياء الثلاثة قد اختفوا! وفي الوقت نفسه شرعت المنائر بالانحناء بصورة افقية حتى كادت كل منها تلامس الارض، وقام كل شهيد باعتلاء منارته، وفي تلك اللحظة سمعت صوتاً من داخلي يقول لي:

- يا عبد الله يجب ان تعود الى سامراء حالما تبدأ المنائر بالطيران.

        صمت الصوت، وعرفت انه صوت (الملاك الطاهر). قال لي قريني:

- هيا لنذهب.

        وبينما كنا نستدير للعودة الى سامراء، رأيت منظراً لن انساه ما حييت، فلقد طارت المنائر كأنها صواريخ حديثة الصنع، لكنها لا تصدر صوتاً وعلى متن كل منارة شهيد يتوهج جسده نوراً! كانت السماء قد تحولت الى مسرح لحركة منائر تطير وفوق كل واحدة منها جسد نوراني يتلألأ!

 

المشهد الثاني

        فجأة وجدت نفسي في سامراء، خارج نطاق منطقة الاحداث الغريبة، وكان المحافظ وفرقة التفتيش وعشرات المسؤولين، يقفون في نفس المكان الذي تركتهم فيه، تقدم المحافظ مني وهو قلق وغير قادر على فهم كيفية اختفائي وعودتي!

- اين كنت؟ لقد مضى عليك زمن يقارب الثلاث ساعات، يئسنا خلاله من العثور عليك! ماذا حصل؟ لقد ذبت فجأة وكأن الارض ابتلعتك!

        قلت له:

- يجب ان تستمعوا لي بهدوء وان تكفوا عن الاسئلة.

        صمت المحافظ وجميع الحضور الذي كانوا لا يفهمون ما يجري، سألني رئيس فريق التفتيش:

- لقد صعقني تيار كالكهرباء والقاني ارضاً، ثم اختفيت انت، هل تستطيع يا سيد عبد الله ان تفسر ما حدث! ان ما يجري امر خطير! انا مضطر لابلاغ الامم المتحدة به، خصوصاً وان طائراتنا قد ارجعت بتأثير قوة غريبة ولم يسمح لها بدخول منطقة الاحداث الغريبة، ماذا يجري؟

        قلت له:

- اسمع يا سيد ديلمون،  سأخبرك بشيء ارجو ان تتعامل معه بانتباه شديد، ان ما يجري هنا وما ستشاهدونه بعد قليل امور لا صلة للبشر بها، وهي تقع بتأثير قوى سماوية.

        ابتسم ديلمون بسخرية وقال:

- امل يا سيد عبد الله انك لا تظن اننا سذج، فهذه خرافات لا تنطلي علينا، واذا كانت هذه الاحداث تقع بتأثير قوى خارقة، فلدينا خبراء قادرون على كشف ذلك وتحديد مصادره، اما الان فارجو ان تفسر لي كيفية اختفائك؟

        قبل ان يكمل كلامه، سمعت صوت (الملاك الطاهر) في داخلي يقول لي:

- بعد دقائق ستظهر في السماء المنائر.

        تغيرت سحنتي وصرخت في وجه ديلمون:

- انتبه يا سيد ديلمون لما سيحدث بعد قليل وكف عن الكلام.

        وجهت كلامي للحضور:

- انظروا الى السماء سترون منائر تطير في رحلة الى القدس، وعلى متن كل منارة شهيد.

        كان ديلمون مازال يبتسم بسخرية، اما المحافظ فكان مصعوقاً وبدت عيناه وكأنهما على وشك ان تنفجرا! وفجأة تلألأت في ظلام الليل انوار مبهرة حولت منطقة سامراء كلها الى منطقة نور! سمعنا اصوات الآف الناس المتحشدين حول المنطقة ترتفع مرددة عبارة واحدة:

-الله اكبر..الله اكبر.

        كانت المنائر تطير في نسق رائع، اصطفت فيه ثلاثة منائر في المقدمة وخلفها (12) صفاً اخر، وكانت اربعة منائر تطير في المؤخرة بهدوء يسمح بتحويل ليل المنطقة، التي تمر بها، الى نهار كامل! والاغرب من ذلك ان حر تموز اللاهب اختفى كلياً مع سقوط حزم ضوء الشهداء على المنطقة، فصار الجو ربيعياً حلواً! اختلطت زغاريد النساء مع عبارة (الله اكبر).

        كان المحافظ يرتعد وهو يبكي ويردد بلا وعي:

- لا اله الا الله لا اله الا الله !!!

        اما السيد ديلمون، فكان لا يعرف ما يجري، لذلك امر فريقه بتصوير موكب المنائر الطائرة، فاتجهت خمسة كاميرات نحو الموكب واخذت تصوره حتى غاب عن اعيننا!

        سألني ديلمون:

- سيد عبد الله ما هذا؟

        كان ديلمون واقعاً تحت تأثير مدهش لحدث غريب وغير مألوف. قبل ان ارد عليه عاد يقول:

- ما الذي رأيته؟ هل هي صواريخ؟ وما هي هذه المخلوقات التي تركب عليها؟ هل هم بشر ؟ ام روبوتات؟

        ابتسمت وقلت له:

- يا سيد ديلمون هذه منائر مساجد وليست صواريخ، والذين يركبون عليها ليسوا روبوتات بل هم شهداء.

        قال ديلمون:

- انك تسخر مني، اسمع يا سيد عبد الله ان حكومتي لن تقف مكتوفة اليدين امام ما يجري، فهذا امر بالغ الخطورة، ومن المؤكد ان اقمارنا الصناعية قد التقطت صور ما جرى وهي تتابع طيران هذه الاشياء، وربما ستوجه ضربات عسكرية لهذه الاشياء، كما ان من المرجح ان يشن هجوم عسكري على هذه المنطقة لتدميرها، لذلك ارجو ان تبلغني بحقيقة ما يجري قبل حصول كارثة لكم.

        ابتسمت وسألته بهدوء عجيب يهيمن علي:

- حكومتك؟ هل تتحدث باسم الولايات المتحدة الاميركية ام باسم الامم المتحدة؟

        اجاب بعصبية:

- لا فرق الان، الوضع حرج، ارجو اخباري بما يجري لاخبر حكومتي الان عبر الاقمار الصناعية.

        بنفس البرود اجبته:

- تمهل يا سيد ديلمون، فحكومتك لن تستطيع ان تفعل شيئاً هذه المرة، وموكب المنائر هذا يتجه الان نحو القدس في زيارة دينية عادية.

- ماذا؟ الموكب يتجه نحو القدس؟ يا الهي انها الحرب الشاملة لا محالة! هل تعلم ان الطائرات الاسرائيلية ستقصف هذه الاسلحة التي لا نعرف ما هي؟ ماذا تريدون؟ لماذا تقدمون على الانتحار؟ الا يكفيكم انكم اطلقتم (43) صاروخاً على اسرائيل في حرب عام 1991؟

        كان ديلمون يرتعش من الدهشة والغضب وقلت له:

- اهدأ يا سيد ديلمون وارجو ان تبلغ حكومتك الرسالة التالية:

نأمل ان لا تتدخلوا في امر هذه الرحلة الدينية المقدسة، ونحن ننصحكم بان لا تصعدوا الموقف.

- يا سيد عبد الله هذا تهديد صريح من طرف ضعيف لطرف قوي!

        تدخل المحافظ وهو يسألني:

- يا استاذ عبد الله قل لي ماذا يجري؟ بغداد تريد ان تعرف، لقد اتصلوا عشرة مرات يسألون ولم يكن لدي جواب، ومن المؤكد انهم شاهدوا موكب المنائر الان وازداد عجبهم، لذلك يجب ان نتصل ببغداد.

        عاد ديلمون يسألني:

- ماذا اخبر حكومتي؟

        قلت له:

- هل استطيع استخدام هاتفك للاتصال ببغداد؟

- نعم تستطيع.

- اذن استمع جدياً لما سأقوله لحكومتي عبر هاتفك.

        صمت وهو يسلمني الهاتف الخلوي والدهشة تعلو وجهه، طلب من مترجم الفريق ان يترجم كل حرف اتفوه به، قلت له:

- اطمئن فان حكومتك ستلتقط كل حرف في المكالمة في نفس الوقت الذي تلتقطها بغداد.

        زاولت رقم عضو القيادة، سألني بلهفة:

- يا عبد الله ماذا يجري بحق السماء؟ ما هذه الاشياء الطائرة المنيرة؟

- يا رفيقي هذه احداث اعجازية لا صلة للبشر بها، وقد تأكدت من ذلك لان

صمت قليلاً، اذ ان (الملاك الطاهر) تدخل وقال لي، وهو يتحدث من داخلي:

- احذر يا عبد الله لا تحدث احداً عما شاهدت لدينا.

        صرخ عضو القيادة على الجهة الاخرى من الخط:

- (لان) ماذا يا عبد الله؟ اجبني القيادة تريد ان تعرف ما يجري، فنحن نتعرض لتهديدات اميركية بقصف بغداد فوراً، اذا لم نسمح لفرق التفتيش بدخول المنطقة التي تقع فيها الاحداث.

- يا رفيقي ان الاحداث الغريبة لم تعد تقع في تلك المنطقة، فسيمر موكب المنائر بالاردن وسيدخل فلسطين وسيرى الآف الناس هذا المشهد الغريب بوضوح. المهم ان ما يحدث هو عمل رباني وهذا ما يجب على اميركا ان تفهمه.

- وهل ستقتنع اميركا؟

- نعم ستقتنع ولكن بعد ان.

صمت، عاد عضو القيادة يسألني، وكان وجه ديلمون يضج بالاسئلة وينتظر اكمال مخابرتي، قلت لعضو القيادة:

- بعد ان تفهم حقيقة ما يجري.

        اغلقت الهاتف بعد ان وعدت عضو القيادة باعلامه بما يحدث. نظرت الى المنطقة التي كانت مركزاً لاحداث غريبة فرأيت انها عادت الى الاصل، منطقة مظلمة لا اضواء ولا اصوات فيها! لقد انتهت الظاهرة واختفت!

        تناول ديلمون الهاتف وطلب رقماً في الولايات المتحدة، قال انه في الخارجية الاميركية، لكنني اكتشفت انني اسمع الطرف الثاني الذي يتحدث معه ديلمون! وكان ذلك الطرف هو مسؤول كبير يجلس في مقر وكالة المخابرات المركزية الاميركية ، قال ديلمون:

- ما يحدث امر غريب جداً، فالعراقيون يدعون انهم ايضاً لا يعرفون ما يجري، وما رأيته وصورته حالة غير مألوفة، اذ رأيت اجساماً كالصواريخ تطير وفوقها اشكال مضيئة تبدو كالبشر، وقد قال لي ممثل الحكومة العراقية ان هذا الموكب يتجه نحو (اسرائيل) في زيارة دينية!

        رد الشخص الاخر من واشنطن:

- ماذا؟ زيارة دينية الى اسرائيل على متن صواريخ! ما هذا الهراء؟ هل تضحك علي يا سيد ديلمون؟ ام ان العراقيين تمكنوا من غسل دماغك؟ المسألة خطيرة ويجب ان نسمع جوابك خلال عشر دقائق لان اسرائيل ستهاجم هذه الصواريخ حالما ستصل فضاءها. اخبرني خلال عشرة دقائق بحقيقة ما يجري!

        اغلق الشخص الاخر الخط بفظاظة ودون ان ينتظر جواب ديلمون، الذي لم يكن يعلم انني استمعت لكل كلمة قالها مسؤوله في المخابرات المركزية.

        سألته:

- ماذا قالوا لك؟

- قالت وزارة الخارجية انها تريد ايضاحاً منطقياً خلال عشرة دقائق.

        ابتسمت وسألته:

- سيد ديلمون هل تريد دليلاً على ان ما يجري امر غير عادي؟

        اجابني بسرعة:

- نعم

        ببرود قلت له:

- انت لم تتحدث مع وزارة الخارجية بل مع مكتب في وكالة المخابرات المركزية الاميركية.

        صعق ديلمون، وهو يستمع لي وانا اعيد كل حرف قاله مسؤوله وباللغة الانكليزية، صرخ قائلاً:

- قل لي بحق الجحيم ماذا يجري؟ هل تتنصتون على اتصالاتنا؟

- يا سيد ديلمون لاتنصت لدينا، انت تحدثت قبل قليل وكنت استمع اليك والى مسؤولك بنفس الوقت، فلقد وهبني الله منذ اليوم قدرات استثنائية.

        مرة اخرى عاد الملاك الطاهر يتحدث من داخلي:

- يا عبد الله اطلب منه ان يعرض شريط الفيديو الذي صوره للموكب.

        قلت لديلمون:

- سيد ديلمون سأقدم لك دليلاً آخر على ان ما يجري امر خارج ارادة البشر، هل تثق بكاميرات فريقك؟

- بالطبع، فهي احدث الكاميرات وتصور في كل الظروف وبافضل نوعية.

- اذن يؤسفني ان اقول لك ان الكاميرات الخمس قد سجلت لا شيئ.

- ماذا؟

        صرخ ديلمون وطلب من فريقه عرض الافلام التي صورت، وكانت صدمته هائلة حينما شاهد مناظر سود لا شكل فيها ولا خط!

        صرخ مرة اخرى:

- بحق الشيطان ماذا يجري؟

المشهد الثالث

        فجأة، وجدت نفسي اجلس على الصاروخ رقم (39) مع الشهيد القاسم (رضي الله عنه) ! رحب بي وابتسامة حلوة تملأ فضاء وجهه النوراني وقال:

- اهلاً يا ابن العم.

        كنت مرتبكاً لانني وجدت نفسي في السماء وتحتي تبدو المسالك والدور صغيرة كما لو كنت في طائرة! وكان الليل يتبدد في الاماكن التي يصل اليها موكب المنائر الطائرة. وحالما دخلنا الاردن بدأت اسمع زغاريد النساء وكأنني اقف على الارض مع الناس. وكان هتاف (الله اكبر) يتردد مع الزغاريد لرؤية المنائر! كنت ارى شوارع الاردن محتشدة بالناس، وكانت اسطح البيوت والعمارات مملوءة بالاطفال والنساء الذين ينظرون للمنائر بفرح غامر والذهول يختلط بفرحة عجيبة.

        قال لي الشهيد القاسم:

- سترى العجب بعد قليل يا عبد الله!

        وقبل ان اجيبه رأيت سرب طائرات (ف16) الصهيونية تقترب من موكب المنائر، وبسرعة شرعت اذني بالتقاط كلام الطيارين مع قواعدهم الارضية، وكنت انظر الى وجوههم المفزوعة.

        قال احد الطيارين باللغة العبرية، التي فهمتها فوراً رغم انني لم اتعلمها:

- امامنا (43) جسماً تشبه الصواريخ، وهي توشك على دخول المجال الجوي الاسرائيلي، وفوق كل جسم شيئ مضيئ لا استطيع تحديد ما هو، والغريب ان رادار الطائرة لا يسجل شيئاً! هل ترون ما ارى؟

        اجاب صوت من قاعدة ارضية صهيونية:

- نعم بدأنا نرى باعيننا الاجسام الطائرة المجهولة الهوية، لكننا في القاعدة ايضاً لا نشاهد على راداراتنا أي شيئ! وهذا امر غريب ما الذي يجري؟

        اجاب الطيار:

- انا لا اعلم، هل اهاجم هذه الاجسام؟

        ردت القاعدة:

- الاوامر تقول يجب ان يهاجم أي جسم غريب يدخل فضاء اسرائيل. ولذلك عليك مع بقية الطائرات انذار هذه الاجسام والطلب منها العودة من حيث اتت والا فتدميرها واجب.

        عاد الطيار يقول:

- لكنني عاجز عن مخاطبة هذه الاجسام، فلا هي طائرات ولا هي صواريخ! انها شيئ عجيب.

- اذن هاجمها فوراً.

        نظرت في وجه الطيار الصهيوني، الذي رآني وكانت الدهشة تعلو وجهه لوجودي فوق المنارة وسمعته يصرخ:

- يا الهي! انا ارى انساناً فوق جسم طائر ينظر الي ويبتسم في وجهي كأنه يسخر مني او يتحداني!

        سألته القاعدة:

- ماذا؟ انسان فوق احد الاجسام؟

- نعم نعم ولا ادري كيف يجلس فوق احد تلك الاجسام وقربه هالة ضوء غريب!

        ردت القاعدة:

- اضرب قبل دخول الاجسام المجال الجوي.

        تهيأ الطيار واصدر اوامره للطائرات بمهاجمة (الاجسام الغريبة)، واخذت تقترب وصواريخها جاهزة للاطلاق، وبحركة عفوية من يدي حدثت مع اطلاق الصواريخ اتجهت الصواريخ نحو السماء! ادركت انني اتحكم في حركة صواريخ الطائرات الصهيونية، فخاطبت الطيار الصهيوني الذي اصابته صدمة قوية حينما رأى صواريخ الطائرات تغير اتجاهها وتتجنب الاصطدام (بالاشياء) الطائرة، وتحولت الصدمة الى رعب حينما سمع صوتي يتحدث اليه بالانكليزية.

- اسمع يا مقدم ديفيد بدقة لما اقول، لا تقترب من هذه الاجسام والا ستحطم طائراتك، ابتعد عنا فلسنا هنا لاغراض حربية!

        صرخ الطيار:

- ماذا يجري بحق السماء؟ انا اسمع صوته رغم عدم وجود اجهزة اتصال بيننا؟

        ردت القاعدة الارضية متسائلة:

- مقدم ديفيد ماذا يجري؟ لماذا اطلقت الصواريخ على هدف خاطئ؟

        رد الطيار:

- لقد فقدنا السيطرة على صواريخنا وطائراتنا! فهذه الاجسام تملك تأثيرات غريبة!

        اصدرت القاعدة امراً للطيارين بعدم الاقتراب من الاجسام ومرافقتها بحذر. دخلت المنائر المجال الجوي للقدس، وفجأة لمعت اضواء من الارض، عرفت انها لصواريخ مضادة للصواريخ اطلقت نحو المنائر، وهي من طراز (باتريوت) وبحركة بسيطة من اصابعي كانت الصواريخ تصدم بعضها فتنفجر! او تاخذ مساراً آخر بعيداً عنا! سمعت اهل القدس، وهم يتجمعون في الشوارع وعلى اسطح المنازل، يرددون ما كان يردده اهل الاردن (الله اكبر) وسط زغاريد نساء فلسطينيات طغت على كل شيء.

        رأيت القدس تعتلق بالحماس، واخذت مساجدها تكبر باسم الله وازداد اطلاق الصواريخ على المنائر، وكان ذلك مصدر انفجارات في الجو كأنها العاب نارية تجري فوق القدس.

        دار موكب المنائر دورة كاملة في سماء القدس التي تحولت الى مدينة تغلي بالحماس! قبل ان تبدأ في الهبوط في ساحة المسجد الاقصى. كان الجنود الصهاينة يحيطون بالمسجد، لكنهم كانوا مرعوبين لا يعرفون ماذا يجري. وكانت اطلاقات بنادقهم تسقط على الارض باردة حالما تخرج من الفوهات ! وخلف سياج الجيش الصهيوني كان الناس يحتشدون الآفاً مؤلفة، بعضها يزغرد فرحاً مسحوراً وهم العرب، وبعضها الاخر يدمدم بكلمات عبرية ووجوههم تغزوها موجة خوف ساحق.

        اصطفت المنائر على الارض ونزل الشهداء، وكانت ثمة سرادق منصوبة في ساحة المسجد! رأيت الامام الحسين والفاروق عمر عليهما السلام يجلسان في صدر الموقع، وبلا توجيه قام كل شهيد بالجلوس في مقعد، وما ان اكتملت عملية الجلوس حتى ارتفع صوت ملائكي يرتل آيات من القرآن الكريم، فحل صمت مهيب في المكان جعل الطائرات السمتية الصهيونية تفقد صوت محركاتها!

        كان وجه الامام الحسين، العريض الميال للحمرة، والتي جعل منها نور الله بشرة وردية شفافة، يبتسم، وكان الفاروق عمر يهز رأسه والدموع تسيل على شاربيه الحمراوان الاشيبان، وهو يستمع للقرآن الكريم.

        تقدم الملك الطاهر وام الحضور فاصطفوا خلفه، وشرعوا بالصلاة , وكنت مبهوراً وعاجزاً عن الحركة والكلام، مثلما هو حال كل البشر المحتشدين حول هذا المكان؟

        كان غيري لا يرى سوى منائر هبطت واصطفت في ساحة المسجد الاقصى، وهي محاطة بانوار غريبة غير محددة الملامح، وكان هذا الموكب حصيناً امام أي نوع من الاسلحة التي يملكها بشر، لذلك اصاب الصهاينة رعب شامل جعلهم لا يعرفون ماذا يفعلون ازاء هذه الظاهرة، اما الفلسطينيين فقد اخذوا يتدفقون نحو المسجد الاقصى عشرات ثم مئات، واخيراً صاروا يتدفقون الآفاً الآفاً! فامتلأت بهم الازقة والشوارع ونشأت تجمعات ضخمة تردد (لا اله الا الله) او (الله اكبر).

        وقع بصري على جهاز تلفزيون قرب الموقع، وميزت بسرعة حروف (ان.ان.سي)  اقتربت لاسمع ما كان يقوله مراسل الشبكة من القدس:

- هل هي مؤشرات القيامة؟ هذا السؤال اخذ يتردد منذ ساعات، بعد ان رصدت الاقمار الصناعية منذ اسبوع ظواهر ضوئية كانت تجري في شمال بغداد، وقبل ان يفيق العالم من غرابة تلك الاحداث حدث امر صاعق، اذ برزت في سماء العراق اجسام مجهولة الهوية، تطير متجهة نحو الاردن ثم دخلت المجال الجوي الاسرائيلي، وكانت المفاجأة المذهلة للاسرائيليين هي ان هذه الاجسام، التي تشبه الصواريخ، ترافقها اضواء غامضة محاطة بقوة غامضة تجعلها غير قابلة للاصابة، لذلك تغير مسار الصواريخ الاسرائيلية التي اطلقت عليها.

        وهاهي هذه الاجسام قد هبطت في المسجد الاقصى هي واضواؤها ونحن نسمع الان اصوات كأنها صلاة المسلمين. ويقال ان انساناً واحداً يرافق هذه الاجسام الغريبة، وربما يملك تفسيراً لما يجري.

        ولتوضيح ما يجري اتصلت الشبكة بالناطق الرسمي باسم الحكومة الاسرائيلية واجرت معه اللقاء التالي:

        مراسل الـ(ان.ان.سي)

- هل تستطيع ان تفسر لنا ما يجري الان؟

        كان وجه الناطق الاسرائيلي مزدحماً باسئلة غامضة، وهي تمتزج بمشاعر خوف وقلق، اجاب وهو يتلعثم:

- لا ندري ما الذي يجري! لقد هاجمت صواريخنا وطائراتنا هذه الاجسام لكنها محصنة ضد اسلحتنا بشكل عجيب! ولذلك صدرت الاوامر للقوات الاسرائيلية بعدم الاقتراب من هذه (الاشياء) ومرافقتها اينما ذهبت.

- يقال انها تشبه الصواريخ .

- نعم لها شكل صواريخ، وهي تشبه الصواريخ التي اطلقها العراق علينا في عام 1991وبنفس عددها! لكنها حينما هبطت تبين انها تشبه منائر مساجد المسلمين

- هل صحيح ان ثمة اشكال ضوئية غريبة ترافق كل جسم؟

- نعم اذ يستطيع أي انسان ملاحظة هذه الاضواء، لكن الغريب حقاً هو ان اجهزة الرادار في طائراتنا وقواعدنا الارضية، لم ترصد شيئاً ولم يظهر أي شيء على شاشاتها!

- وماذا ستفعلون؟

- يقوم الان رئيس وزراء اسرائيل بالاتصال هاتفياً بالرئيس الاميركي، وعلمنا انه سيصدر بعد قليل بياناً رسمياً من الحكومة الاميركية.

- هناك مظاهرات ضخمة وتجمعات هائلة للفلسطينيين ماذا يجري بينهم؟

- انهم يعتقدون بان معجزة تحدث الان، ولذلك اشتعل حماسهم وهم يتدفقون نحو المسجد الاقصى لرؤية المشهد! انهم يقولون ان الامام الحسين موجود في المسجد الاقصى. كما علمنا ان شخصاً عراقياً يرافق هذه الاجسام الغريبة، وسنحاول الاتصال به لمعرفة ما يجري فهو المخلوق الوحيد القادر على الاجابة.

        انتهى اللقاء، وقال مذيع الـ(ان.ان.سي):

- سننتقل الان الى واشنطن حيث سيذاع بيان رسمي.

        ظهر الناطق الرسمي باسم البيت الابيض مرتبكاً، وشرع بقراءة بيان:

- منذ ايام رصدت اقمارنا الصناعية ظواهر غريبة في شمال بغداد، عاصمة العراق، وارسلنا فريق تفتيش وطائرات هليوكوبتر مجهزة باحدث الاجهزة لمعرفة ما يجري، بعد ان افترضت الجهات العسكرية والاستخبارات ان العراق يقوم باجراء تجارب على سلاح سري خطير. وفي هذا اليوم وصل الفريق الى العراق لكنه لم يحصل على تفسير مقنع من الحكومة العراقية، وازداد شكنا بنوايا الحكومة العراقية حينما رفضت تزويدنا بالمعلومات، وفوجئ فريق التفتيش بان

المنطقة المشبوهة محصنة باجهزة سرية تمنع دخول الافراد والطائرات لها!

        وتطور الامر ليصل مرحلة خطيرة حينما طارت اجسام غريبة تشبه الصواريخ، وعددها (43) جسماً باتجاه اسرائيل وهي محاطة باضواء غريبة انارت المناطق التي مرت بها.

        والاغرب من كل هذا ، ان سلاح الجو الاسرائيلي عجز عن منع هذه الاجسام من دخول المجال الجوي الاسرائيلي، كذلك فشلت صواريخ باتريوت في تدميرها، وهي الان مستقرة في المسجد الاقصى!

        ان هذا الحادث يشكل دليلاً جديداً على ان الحكومة العراقية تقوم باعمال عدوانية ضد جيرانها، لذلك قررت الحكومة الاميركية تدمير تلك المنطقة في شمال بغداد كلياً، والطلب من الحكومة العراقية سحب تلك الاجسام من اسرائيل وتقديم تفسير لسرها، وتسليمها للامم المتحدة كي تدمر، وفي حالة عدم رضوخ الحكومة العراقية لذلك ستشن هجمات صاروخية مكثفة على مواقع عراقية عديدة خلال (3) ساعات من الان.

        كان الناس يتجمعون حول التلفزيون وهم يستمعون للبيان الاميركي. وفجأة انتابني شعور بان من الضروري ان اتحدث مع مراسل شبكة ال(ان.ان. سي) في القدس. تقدمت نحوه وقلت له:

- انا عبد الله الشخص المرافق للمنائر

        لم يفهم المراسل جيداً من انا، فسألني:

- ماذا تقصد؟ هل انت الشخص المرافق للاجسام الغريبة؟

- نعم انا هو.

        حمل المراسل المايكروفون وخاطب مشاهدي شبكته:

- ايها المشاهدون في كل مكان، معنا الان في القدس الشخص الوحيد الذي قيل انه قادر على تفسير ما يحدث، التفت الي وقال:

- سيد عبد الله، هل تستطيع ان تفسر لنا ما يحدث، بعد ان وجد العالم نفسه يواجه ازمة خطيرة؟!

        بهدوء اجبت:

- ما يحدث امر لا صله له بالسياسة ولا بالبشر، فهو تعبير عن قدرات الهية عظمى تتجاوز حدود طاقات البشر، وكنت اتمنى ان تفهم الحكومة الاميركية ذلك من المؤشرات التي قدمتها للسيد ديلمون، رئيس فريق التفتيش الذي ابلغ واشنطن بكل ما شاهده، لكن يبدو ان الحكومة الاميركية مصممة على ارتكاب حماقة ستدفع ثمنها غالياً.

        تغيرت ملامح مراسل الشبكة وهو يلاحظ لغتي القوية والمتحدية، سألني:

- هل هذه نصيحة للحكومة الاميركية ام تهديد؟

- انا اترك لها حرية اختيار التفسير، فكلامي واضح، واؤكد القول لا صلة للحكومة العراقية بما يجري انه امر آلهي.

        عاد المراسل يسأل:

- وماذا تقول عن التهديد الاميركي بقصف العراق خلال ساعات، اذا لم تقدم الحكومة العراقية تفسيراً مقنعاً؟

- الحكومة الاميركية اصيبت بجنون العظمة، وهي لن تقتنع باي تفسير تقدمه الحكومة العراقية، وانا اعرف ان الرئيس الاميركي قد اصدر اوامره للطائرات الموجودة على متن حاملات الطائرات بالاستعداد للقيام بقصف العراق.

        لذلك انا مضطر لابلاغ الحكومة الاميركية بعدم الاقدام على حماقة جديدة تجاه العراق، ولاننا نعرف انها لن تتراجع، سيقع حدثان كبيران في دلالاتهما لاقناع الحكومة الاميركية بالكف عن عدوانيتها تجاه الشعوب، وانا من خلال شبكة ال(ان.ان.سي) اعلن للعالم بان تمثال الحرية، الموجود في نيويورك سيدمر بطريقة غير مألوفة. كما ان انفجاراً ذرياً سيقع في موقع اميركي في صحراء نيفادا، وذلك انذار حاسم لاميركا كي لا تقدم على عدوان ضد العراق، ولكي نثبت ان ما يحدث عمل الهي ولا صله للبشر به، فان الاشعاع الناجم عن الانفجار الذري سوف يتم احتواءه وبصورة تامة، ولن يحدث أي تسرب اشعاعي باي شكل، لذلك لا موجب لقلق الاميركيين العاديين.

        كان وجه المراسل قد امتقع ، رغم انه حاول رسم ابتسامة زائفة، وسألني:

- ماذا تقول؟ هل سيدمر تمثال الحرية؟ وهل ستنفجر قنبلة ذرية في اميركا؟

        كانت تعابير وجهي هادئة ومسترخية، وكانت ابتسامتي مازالت طاغية على الجو الملتهب اجبته:

- نعم، وارجو ان تطلب من شبكتك ان تغطي الحدثين اللذين سيقعان بعد قليل، وسيكون الحدث الاول هو تدمير تمثال الحرية، بعد عشر دقائق من الان وبعد ساعة ستنفجر قنبلة ذرية في صحراء نيفادا في الموقع رقم (1057). صمت وانا احس بعرق خفيف يغطي جبيني، ادرت بصري واذا بالصمت يخيم على وجوه مئات الآلاف من الناس والفرح المختلط بالقلق ينزرع في تعابير الوجوه، اذ ان لغة التهديد باستخدام القوة طغت على غرابة ما يجري.

 

المشهد الرابع

        كان الناس يتطلعون الى شاشات التلفزيون، وانقطع البث من القدس وبرز مذيع من نفس الشبكة في نيويورك ليقول:

- نحن الان نتجه الى تمثال الحرية، لرؤية ما سيحدث بعد صدور تهديد عراقي بتدميره.

        كان مئات الآلاف من الاميركيين يتراكضون متجهين الى مكان تمثال الحرية، وكانت السفن التي تنقل الناس من مانهاتن الى الجزيرة التي ينتصب فيها التمثال مزدحمة بالناس، ارتبكت حركة السير في الشوارع المؤدية الى الجزيرة. اما ملايين الاميركيين فكانوا يجلسون في بيوتهم يتابعون على التلفزيون ما يجري والقلق باد على وجوههم.

        قطع البث وظهر مراسل شبكة الـ(ان.ان.سي) في واشنطن ليقول:

- اصدرت الحكومة الاميركية بياناً سخرت فيه من تهديد صدر عن شخص عراقي، بنسف تمثال الحرية وتفجير قنبلة ذرية في صحراء نيفادا، ان الحكومة الاميركية تؤكد ان الادعاء العراقي فارغ ولا يستحق التعليق عليه.

        قطع البث وعاد مشهد تمثال الحرية مجدداً، وكانت الكاميرات مركزة عليه وهو يستقر في مكانه، فجأة حصلت المفاجئة حينما اهتز تمثال الحرية، فتعالت اصوات الخوف من المحيطين به، ثم انفصل عن قاعدته كأن سكيناً ضخمة قطعته بدقة تامة، وبدأ يطير في الفضاء، تماماً مثلما طارت المنائر! صرخ مئات الآلاف من الناس في نيويورك برعب:

- انه يوم القيامة!!!

        في تلك اللحظة بدأت ابصر ما يجري في العالم، كأن الكرة الارضية اصبحت شاشة تلفزيون كبرى! رأيت فيها مئات الآلاف يتجمعون في حيدرآباد في الهند ويصرخون:

-الله اكبرالله اكبر.

        وفي اندونيسيا صرخ المحتشدون في جاكارتا:

- لا اله الا الله.

        وفي الفاتيكان قرعت اجراس الكنائس وهرع الناس اليها يصلون بخوف!

ارتفع تمثال الحرية نحو الفضاء، والكاميرات تصور حركته، وكل بيت في العالم يراقب ما يجري، ثم اسرع بالانحناء نحو الاسفل، واتجه نحو مياه المحيط وقبل ان يلامسها انفجر وتناثر الى قطع صغيرة!

        صرخ الفلسطينيون المتجمعون في القدس:

- الله حيالله حي.

        في البيت الابيض كان الرئيس الاميركي يحملق في المشهد، وما ان رأى تمثال الحرية ينفجر حتى سقط على كرسيه وصرخ بمساعديه:

- اركضوا الى موقع (1057) في نيفادا فهناك ستحصل كارثة ستهز اميركا وربما تسجل نهايتها.

        وانا واقف في القدس، كنت اتابع مشاهدة ما يجري في العالم كله، والصور تتزاحم في رأسي، فلقد كنت ارى عدة مشاهد في وقت واحد، حتى لو كانت في ابعد نقطة من الارض! كان مئات الملايين من الناس قد خرجوا للشوارع في كل مكان بعد انتشار خبر تدمير تمثال الحرية، وكانت المظاهرات قد عمت كل عواصم الدنيا، بعضها يهتف باسم الله والحرية، وبعضها الاخر يحذر من اقتراب يوم القيامة!

        نظرت صوب ساحة المسجد الاقصى، واذا بي ارى موكب الامامين الحسين وعمر (عليهما السلام) يتحول الى حلقة ذكر عظمى يشهدها ملايين البشر ذوي الاجسام النورانية! لقد صار المسجد الاقصى مدينة هائلة الحجم تماماً مثلما حصل في سامراء، وكان ثمة عالمان امامي هذه المرة: حينما انظر الى موكب الاسراء ارى مدينة ضخمة في ساحة المسجد تضم ملايين الناس، اما حينما انظر الى محيط المسجد فارى مئات الآلاف من الناس المذهولين، وهم يحيطون بالمسجد وقد اصابتهم نوبة سحر روحي، بعد ان اخذوا يسمعون اصوات الذكر والدفوف دون ان يروا شيئاً سوى الانوار المتلألئة!

- سيد عبد الله هل تسمح بمحادثتك؟

        التفت الى مصدر الصوت، رأيت رجلاً يتحدث الانكليزية بلكنة عبرية، وتملكني شعور بانني اعرفه، اجبته:

- نعم

        قال وهو يبدو مرتبكاً:

- انا دوري هيلر ربما سمعت عني!

        ابتسمت، تذكرت انني رأيته في التلفزيون عشرات المرات، وهو يعرض قدراته الخارقة في ليّ الملاعق والاشواك وتحريك المواد بالتركيز عليها، اجبته:

- انا اعرفك .

- اذن هل نستطيع الحديث عن هذا الامر!

        تظاهرت بعدم فهم ما يقصده:

- أي امر؟

- هذا الامر الغريب الذي يحدث!

- لكنك تدعي امتلاك قدرات خارقة، ولو كان الامر كذلك لامكنك معرفة ما يجري!

- لقد حاولت ولم افلح. ارجوك انا في مهمة سلمية وجئت باسم اسرائيل للتحدث اليك.

        تغيرت ملامح وجهي واصبحت مقطب الجبين وقلت له:

- لن احدثك اذا كنت مبعوث الحكومة الاسرائيلية.

        صمت، والغضب باد على وجهي، عاد يقول:

- اذن خاطبني كأنسان.

- كأنسان نعم انا موافق.

        صمت دوري قليلاً وقال:

- هل تسمح لي بسؤال قبل الدخول في نقاش؟

- تفضل.

- من انت؟

- انا مواطن عراقي.

- هل تملك قدرات خارقة؟

        ابتسمت واجبته:

- كلا ابداً، لكنني فجأة وجدت نفسي قادراً على رؤية او ادراك اشياء لا يراها او يدركها غيري.

- مثل ماذا؟

        نظرت اليه بعدوانية، وركزت بصري على عينيه فرأيته يزداد ارتباكاً واخذت اقرأ افكاره:

- مثلاً لقد ارسلتك الحكومة الاسرائيلية كي تفك اللغز، بعد ان عجزت عن تفسير ما جرى وما يجري. اليس كذلك؟

- هذا صحيح!

- هل تريد ادلة اخرى على تمتعي بقدرات خارقة؟

- نعم.

- انت دجال من طراز فريد!

        امتقع لونه واخذ العرق يتصبب من جبينه وسألني:

- لماذا؟

- لانك تكذب على الناس مستغلاً خفة يديك وتعلمك اصول العاب السيرك! هل تذكر انك قلت يوماً بان مخلوقات اتصلت بك من السماء وابلغتك بان العرب يريدون مهاجمة اسرائيل، وان على اسرائيل ان لا تخشى شيئاً، لانها ستنتصر وان انتصارها في عام 1967 كان بمساعدة سماوية؟

        ازداد ارتباكه وغض بصره متهرباً مني وهو يقول:

- نعم انا قلت ذلك؟

- اذن انت كذاب من الطراز الملعون، فانت نسبت اكاذيبك الى الملائكة، وهذه جريمة لا تغتفر، خصوصاً وانك اردت تضليل ملايين الناس باستخدام اسم الملائكة!

        وهو يتلعثم قال:

- لكنني رأيت كما يرى النائم مخلوقات غير بشرية!

- يا سيد دوري هذه كذبة اخرى، دعني اساعدك على ترك الكذب، ان ما قلته آنذاك تم بعد اجتماع سريع بينك وبين ضابط مخابرات اسرائيلي، اسمه مثل اسمك دوري، شرح لك اهمية ربط انتصار اسرائيل على العرب برسالة سماوية! هل تذكر ذلك؟

        كان دوري هيلر مصعوقاً وحاول الكلام لكنه كان يتأتأ:

- انا.انا لم اقصد..اعني كيف تعرف كل ذلك؟

        في تلك اللحظة ابتسمت وقلت له:

- سأجعلك تدرك عظم جريمتك، انظر الى ساحة المسجد الاقصى وقل لي ماذا ترى؟

        نظر وهو مازال مرتبكاً وقال:

- الساحة خالية لكنني اسمع اصواتاً غريبة!

- اذن سأجعلك ترى اشياء تحدث في المسجد لا يراها الآي.

- ماذا يجري؟

        قلت له:

- اقترب مني وامسك يدي بقوة.

        اقترب وهو يرتعش وامسك يدي، قلت له:

- انظر الان سأرفع عنك الحجاب لترى.

        كان وجه دوري هيلر قد امتقع وهو يرى الذي اراه وحدي، ملايين الناس تتجمع في ساحة المسجد التي لا تستوعب الا عدداً ضئيلاً!

        صرخ:

- يا الهي ماذا ارى؟ من هؤلاء؟

- انهم شهداء عرب.

        كان ينظر، وكل شيء فيه يرتعش، سألني:

- هل استطيع دخول ساحة المسجد؟

- كلا لن تستطيع.

        اعدت الحجاب فانقطع المشهد، ولم يعد دوري يرى شيئاً! اتكأ على الحائط وهو يبتلع ريقه كأنه ركض مسافة الف كيلومتر وسألني:

- هل انا احلم؟

- كلا انت يقظ.

- لكن ما اراه معجزة؟

- سمها ما شئت، قل لي امازلت تصر على انك تملك قوى خارقة؟

- كلا، انا دجال. هل تسمح لي بسؤال؟

- تفضل.

- كيف استطيع ان اكون منكم؟

- بان تردد (اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمداً رسول الله)

- فقط؟

- فقط بشرط ان تكون مؤمناً صادقاً وليس دجالاً!

ردد بسرعة الشهادة عندها قلت له:

- اقترح ان تبدل اسمك فبدلاً من دوري هيلر يمكن ان تصبح نوري قمر.

- حسناً.

- واقترح ايضاً ان تتحدث الى مراسل شبكة الـ(ان.ان.سي)، لكنك ستنسى ما شاهدت، ولن تستطيع البوح به ابداً حتى لو تذكرت

        ردد بانقياد تام وهو مازال مبهوراً مسحوراً

- نعم.

        سرنا صوب موقع مراسل الشبكة، الذي ما ان رآنا حتى هرول نحونا والدهشة تعلو وجهه وسألنا:

- ماذا تفعل يا سيد دوري هيلر مع السيد عبد الله؟

        رد ببرود:

- لم يعد اسمي دوري هيلر فمن الان انا نوري قمر، وقد صرت مسلماً!

        صعق المراسل ال(ان.ان.سي) وسأله:

- لماذا؟

- لقد رأيت ما لم يره بشر سوى السيد عبد الله ، فاقتنعت بان ما يجري امر الهي.

- وماذا عن تاريخك؟

- انه تاريخ الدجل.

- وماذا سيحدث؟

- لا ادري والله وحده يعلم بما سيحدث، لكنني واثق ان الله بدأ يعبر عن غضبه على الجرائم التي يرتكبها الغرب ضد الانسانية؟

- هل سمعت بتدمير تمثال الحرية؟

- نعم.

- كيف تفسر ذلك؟

- لا ادري، الله وحده يعلم بسر ما يحدث، لكنني واثق انها القدرة الالهية.

- اذن انت لا تعتقد بان سلاحاً سرياً صنعه العراق هو الذي فعل ذلك؟

- كلا، هذا مستحيل.

- سؤال اخير يا سيد هيلر، اعني سيد قمر، ما هو الشعور السائد في اسرائيل؟

- احباط ممزوج بخوف شديد في الاوساط اليهودية، اما الفلسطينيون فقد نهضوا من غفوة طويلة واصبحوا مقتنعين بان المستقبل لهم.

 

المشهد الخامس

        في مكتب جهاز (الموساد) وقف (المدير) والارتباك يغزو وجهه وحركاته وهو يراقب دوري هيلر في التلفزيون، علق:

- ابن العاهرة لقد خاننا!

        رن جرس الهاتف فرفعه وهو يلقي بجسده على كرسيه، وكان على الجانب الاخر رئيس وزراء اسرائيل، وكنت ارى المشهد كما لو انه يعرض على شاشة التلفزيون، سأل رئيس الوزراء:

- هل توصلتم الى تفسير لما يحدث؟

        رد مدير الموساد:

- الامر يزداد غموضاً وتعقيداً وليس ثمة تفسير حتى الان.

                +      +      +      +

        قال المذيع والعالم كله يتابع الاحداث من شاشة التلفزيون:

- لقد ادى تحطيم تمثال الحرية الى اندلاع احداث هائلة، اذ خرج مئات الملايين من المسلمين في تظاهرات في كل مكان. اما اليهود فقد اشاروا الى ان تلك علائم

        ظهور المسيح الدجال، وفي البيت الابيض مازال الرئيس نيل هملتون مصراً على اتهام العراق بانه يستخدم اسلحة سرية، ويهدد بتدمير العراق. وقد استلمت شبكتنا بياناً وقعه السيد عبد الله يقول بان تفجير صاروخ ذري في الموقع (1057) في صحراء نيفادا قد أؤجل ليوم غد، لاعطاء مهلة للادارة الاميركية لكي تستوعب دلالات تدمير تمثال الحرية. من الجدير بالذكر ان اعضاء الكونغرس بغالبيتهم يضغطون على الرئيس الاميركي للقيام برد شامل وصاعق على الرئيس صدام حسين، رغم ان العراق نفى ان تكون له اية صلة بالاحداث الجارية.

        قطع المذيع قراءة تقريره وقال:

- وصلتنا الخبر التالي: اصدر الرئيس الاميركي نيل هملتون اوامره لحاملات الطائرات الاميركية باطلاق خمسمائة صاروخ كروز على مواقع عراقية مختلفة، يشك بانها مصانع تقوم بانتاج اسلحة سرية، وسيتم تنفيذ الامر خلال ساعتين من الان.

        في تلك اللحظات تقدمت الى مراسل شبكة ال(ان.ان.سي) وقلت له:

- لي بيان مهم اريد الادلاء به .

        وجه المذيع حديثه لمشاهديه قائلاً:

- سنجري لقاء حياً مع السيد عبد الله، حول قرار الرئيس الاميركي، سيد عبد الله ما تعليقك على قرار الرئيس الاميركي؟

        بصوت هادئ، وملامح مسترخية تشوبها ابتسامة رقيقة، قلت:

- من المؤسف ان الرئيس الاميركي لم يفهم بصورة صحيحة دلالات ما جرى حتى الان، ولقد شعرت بالاسف الشديد لقراره اطلاق خمسمائة صاروخ على العراق قال انها ستضرب مصانع لصنع اسلحة، لكنني اؤكد لكم انها وجهت لضرب اهداف مدنية سأكشف عن تفاصيلها الان، كي يدرك الرئيس الاميركي ان ما يجري ليس من صنع البشر.

        وشرحت بالتفصيل اسماء ومواقع الاماكن التي تقرر ضربها بالصواريخ، وفيما كنت اتحدث كنت بنفس الوقت اراقب، بطريقة عجيبة، تعابير وجه الرئيس الاميركي ومستشاره للامن القومي، ومعهما فريق من رجال المخابرات ووزارة الدفاع، وهم في المكتب البيضاوي في البيض الابيض، الذين صعقوا لمعرفتي بالمواقع المستهدفة، سمعت مستشار الامن القومي يردد:

- اللعنة! كيف عرف باسماء المواقع التي اخترناها هنا قبل ساعات؟!

        طلب الرئيس الاميركي قدح ماء، وتهالك جالساً على الكرسي وهو يدمدم:

- انا لا افهم ما يجري لكنني اشعر بكارثة قادمة!

        عدت اتحدث:

- انني طلبت الحديث عبر هذه الشبكة ، كي احذر الرئيس الاميركي من مغبة قراره، لان الصواريخ ستفجر في الحاملات التي ستطلقها، وستدمرها تدميراً شاملاً ولن يصل اياً منها الى العراق.

        ما ان سمع الرئيس الاميركي كلامي حتى نهض بقوة عجيبة:

- يا الهي ستكون كارثة اذا تحقق ما يقوله!!!

        ساد الصمت وشرع الرعب يجتاح المجتمعين في البيت الابيض، قال الرئيس:

- اصدروا الاوامر بان يتم اطلاق صاروخ واحد فقط في البداية لمعرفة مدى صحة التحذير العراقي، فاذا انفجر فيجب الغاء الامر برمته.

        خرج رجال المخابرات ووزارة الدفاع وعاد الرئيس الاميركي يتهاوى على مقعده الهزاز وهو يقول:

-لقد احسست منذ صباح اليوم بان كارثة قادمة.

        قال المذيع:

- وردتنا الاخبار المهمة التالية:

        هاجم مليون متظاهر في جاكارتا السفارة الاميركية، وحطموا ما فيها ثم احرقوها بعد اخلائها من الموظفين، وطلبت الحكومة الاندونيسية من السفير واعضاء السفارة مغادرة اندونيسيا لعجزها عن حمايتهم! وعلق ناطق بأسم الخارجية الاميركية على الحادث قائلاً بان ما جرى في اندونيسيا يقلق الحكومة الاميركية بشدة خصوصاً وان المظاهرات المعادية لاميركا تعم كل العالم الاسلامي، وربما سيكون ما حدث في جاكارتا مقدمة لهجمات اخرى في اماكن اخرى.

        كان الرئيس الاميركي يستمع للخبر  وهو واجم لكنه صرخ فجأة:

- كلا، كلا لا يجوز ان يذاع الخبر هكذا، فبيان وزارة الخارجية يبدو كأنه يقترح على المتظاهرين المسلمين مهاجمة السفارات الاميركية في العالم!

        عاد المذيع يقول:

- وردنا خبر عاجل من روسيا يقول بان مئات الآلاف من الروس قد هاجموا السفارة الاميركية في موسكو واحرقوها، بعد اخراج موظفيها، احتجاجاً على قرار ضرب العراق بخمسمائة صاروخ!

        صرخ الرئيس الاميركي:

- اسحبوا جميع موظفي سفاراتنا في العالم باستثناء سفارتنا في اسرائيل، حفاظاً على حياة دبلوماسيينا.

        اخذ الرئيس الاميركي يدور في مكتبه البيضاوي حائراً خائر القوى.

        عاد مذيع شبكة ال(ان.ان.سي) يقول، وقد بدا هذه المرة منكوش الشعر كالمجانين:

- اليكم الخبر الصاعق التالي:

        هاجم الآف المتطرفين اليهود مقر السفارة الاميركية في القدس ودمروه ثم احرقوه، بعد اخراج موظفي السفارة، وكانوا يرددون شعارات غامضة وغير مفهومة، لذلك سنجري لقاء مع احد الحاخامات اليهود.

- كيف تفسر مهاجمة اليهود للسفارة الاميركية؟

- ما يحصل الان من امور غريبة مذكورة في التوراة، وما نراه هو مقدمات ظهور المسيح، وقد توصلنا اليوم الى قناعة جديدة مغايرة لقناعتنا السابقة فاسرائيل الحالية ليست اسرائيل التي تحدثت عنها التوراة، والمسيح الذي ظهر قبل الفي عام ليس هو المسيح الحقيقي، لذلك فان اسرائيل واميركا بتعاونهما لمقاومة ظهور المسيح الحقيقي قريباً تعملان ضد ارادة الله وحرق السفارة الاميركية احتجاج على ذلك.

        صرخ الرئيس الاميركي بعد ان استمع للحاخام الاسرائيلي:

- اللعنة انه الجنون، ماذا يجري؟ لقد جن الجميع!

        استدار وخاطب وزير الدفاع:

- لا تدعوا الاعلام يعرف اسم حاملة الطائرات التي ستطلق الصاروخ لتجنب حصول المزيد من التدهور.

        فجأة ظهرت على شاشة التلفزيون صورة حاملة طائرات اميركية في المحيط الهندي، وكان المذيع يعلق بصوت سريع كأنه طلقات رشاش:

- بعد قليل ربما سنشاهد حدثاً عجيباً آخراً، لقد حاولت مخابرات وزارة الدفاع (D.I.A) منعنا من تصوير الحدث، لكننا نجحنا في الوصول الى الموقع، وقبل دقائق اصدرت الحكومة العراقية بياناً انكرت فيه مجدداً اية صلة لها بما يجري، لكن الحكومة الاميركية تعتقد وفق آخر تقرير قدم للرئيس الاميركي ،اعده فريق عمل مؤلف من علماء الباراسايكولوجي وضباط المخابرات، بان العراق قد اخترع سلاحاً سرياً جباراً غير معروف حتى الآن، قد يكون (السلاح المطلق) الذي حلم به البشر طويلاً.

        كل الذي عرفناه حتى الآن ان العراقي المسمى عبد الله يملك قدرات خارقة، تمكنه من تحريك اجسام ضخمة وتدميرها، واعتراض صواريخ وتغيير مسارها! بالاضافة لقدرته على تعطيل رادارات اميركا المتطورة، ومن اغرب اعماله انه اجبر طائرة من طراز ستيلث (الشبح)، والتي لا يراها الرادار على الابتعاد عن اجواء العراق، ودخل على الكومبيوتر المبرمج وفق برنامج سري جداً وزرع فيه فايروساً، جعل الطائرة تضطر للهبوط في طريق صحراوي قرب الحدود العراقية-السعودية.

        وحتى يحين موعد اطلاق الصاروخ كروز من حاملة الطائرات سنجري في مكتب الشبكة في نيويورك لقاء مع خبير عسكري وعالم الباراسايكولوجي ذي القدرات الخارقة السيد جون بارنابي.

        ظهر رجلان احدهما يرتدي البزة العسكرية سأله المذيع:

- كيف تفسر من الناحية العسكرية الصرفة ما يجري؟

- حسناً، ان ما يجري امر يصعب اعطاء تفسير ثابت له، لكن من ناحية نوعية التكنولوجيا المستخدمة في القوات المسلحة استطيع طرح فرضية ان العراق ربما طور سلاحاً اشعاعياً، باطوال موجية غير معروفة، يستطيع به التدخل للتأثير على عمليات تكنولوجية اخرى، منها الرقائق الكومبيوترية في الصواريخ والطائرات.

        المذيع:

- اذن انت تفترض ان المسألة كلها تتعلق بمكتشفات فيزياوية جديدة توصل اليها العراق وسخرها في صنع سلاح جديد سري؟

- نعم.

        التفت المذيع نحو الخبير الباراسايكولوجي بارنابي وقال له:

- لقد سجلت لك انجازات مذهلة ، فلقد وثقت حوادث في مراكز البوليس كنت فيها الرجل الذي حل الغاز جرائم غامضة، عجزت كل اجهزة التحقيق والاستخبارات عن حلها، كما قيل بأنك واحد من قلة نادرة كنت تقوم بالتجسس على الكرملين قبل انهيار الاتحاد السوفيتي ، وانت تجلس في واشنطن عن طريق التركيز العقلي، هل تستطيع تفسير ما يحدث؟

        ادار بارنابي عينيه بين المذيع والضابط والكاميرا، والارتباك باد عليه، وكان يشعر بضيق غريب طرأ عليه منذ دخل الاستوديو! قال دون تفكير او اعداد مسبق:

- انا مقتنع بان ما يجري عمل شيطاني كبير، اذ ليس لدي شك بان الشخص المسمى عبد الله هو وكيل الشيطان في الارض. وما يقوم به ليس سوى (فيوضات) شيطانية، لذلك احذر من خطورة تهديداته ويجب علينا ان نلجأ لوسائل غير تقليدية في مواجهة هذا الذي يحدث لان الاسلحة والتكنولوجيا لا تفيد.

- وماذا تقترح؟

        قبل ان يجيب شعرت بأنني يجب ان اتدخل للتأثير على تفكيره وكلامه، فبدأت ارسل له افكاراً وانا في القدس، قال:

- من الممكن مثلاً ان نعقد مؤتمراً لكل علماء الباراسايكولوجي وذوي القدرات الخارقة، بالاضافة للاقسام المتخصصة بالتلباثي في اجهزة المخابرات لدينا.

- وماذا على هذا المؤتمر ان يفعل؟

- طبعاً العثور على جواب ينقذ اميركا.

- وكيف؟

        هنا شرعت بزرع افكار واقوال مني في رأسه تابع يقول:

- مثلاً يمكن تعقيم النحل القاتل الذي يزحف الى شمال اميركا من جنوب القارة الاميركية.

        تغيرت ملامح المذيع وقال مقاطعاً:

- ولكن سيد بارنابي ما صلة النحل بما يجري؟

        اطلق صاحب القدرات الخارقة ضحكة عالية بلهاء، وضرب بيده كتف الضابط وقال:

- كيف لا توجد صلة والنحل ينتج العسل والعسل يقوي رجولة الكهل! اليس كذلك يا صديقي؟

ان افضل طريقة لمواجهة ما يحدث هي اصدار عدد خاص من مجلة (بلاي بوي) بشرط ان تكون صورة الغلاف للسيدة ارلين اوفرنايت سفيرة اميركا لدى الامم المتحدة!

        تدخل المذيع مقاطعاً:

- سيد بارنابي ماذا تقول؟ انك تتحدث عن مواضيع لا صلة لها بالحوادث الغريبة؟!

        رد بارنابي:

- كيف لا توجد صلة؟ الا ترون ذلك الخيط الذي يربط بين الاشياء؟ مثلاً لو رقصنا الان فان الشيطان سيضطر للهرب! اليس كذلك؟ انه لا يحب الرقص.

        اطلق ضحكة بلهاء اخرى ونهض ليرقص، وهو يمد يديه لسحب الرجلين الآخرين اللذين امتقع وجهيهما! قطع التلفزيون نقل المقابلة وعاد الى مشهد حاملة الطائرات وعلق المذيع:

- يبدو ان السيد باناربي قد تعرض لحالة نفسية غريبة جعلته يتحدث ويتصرف بشكل غريب اثار ضحك وسخرية الآلاف الذين شاهدوه! وربما ستؤدي هذه الحادثة الى انهاء اسطورته الى الابد!

        كنت ابتسم، فلقد كنت اتعمد جعل سلوك باناربي يبدو كالاحمق المختل التوازن بعد ان اتهمني بانني عبد الشيطان!

        قال المذيع:

- بعد دقيقة سيطلق الصاروخ.

        كانت انفاس العالم بكامل شعوبه وقاراته مشدودة وانظارهم مسمرة على شاشات التلفزيون! وفي بغداد خرج مئات الآلاف من الناس يهتفون ضد اميركا مستنكرين قرارها اطلاق خمسمائة صاروخ على بلدهم وكانت وجوه المتظاهرين لا تكف عن اطلاق تعابير التحدي.

        فجأة ارتفع صوت اطلاق الصاروخ وسكت العالم وماتت الاصوات، ولم تبق الا عيون مئات الملايين تتطلع صوب الصاروخ. ارتفع الصاروخ فوق حاملة الطائرات واندفع نحو الجو واخذت سرعة طيرانه تزداد، نظر الرئيس الاميركي وارتسمت على وجهه علامات الفرح وصرخ كطفل صغير:

-لقد نجحنا، الصاروخ انطلق ولم ينفجر!

        ضحك مستشار الامن القومي انتوني هيك ، واطلق صرخة الكاوبوي الاميركي التقليدية التي تشبه عواء كلب. وصفقت السكرتيرة الشخصية للرئيس فرحاً وقالت:

- اذن التهديد العراقي كان اكذوبة!

        رد الرئيس الاميركي:

- نعم.كان محاولة ابتزاز..ز..ز.

        وقبل ان يكمل كلمة (ابتزاز) صرخ وزير الدفاع بهلع:

- يا الهي الصاروخ يغير مساره!!!

        في تلك اللحظة ارتفعت في كل العالم، وفي نفس اللحظة، همهمات تعجب اختلط فيها القلق بالفرح وراحت نفوس الناس المشتعلة تراقب قوس استدارة الصاروخ.

        صرخ الرئيس الاميركي:

- يا الهي انه يتجه نحو حاملة الطائرات!

        رفع وزير الدفاه صوته مرعوباً:

- ستدمر الحاملة تدميراً شاملاً!

        حل الذهول والفزع في البيت الابيض ، واكمل الصاروخ استدارته وشرع يتجه بسرعة نحو حاملة الطائرات، وفي تلك اللحظة ارتفع صوت المذيع ليقول:

- لاول مرة في التاريخ ينقل التلفزيون مشهد تحطيم حاملة طائرات!

        قبل ان يكمل تعليقه هبط الصاروخ على غرفة القيادة في حاملة الطائرات، فتناثرت بعد حصول انفجار رهيب، وانشطرت الحاملة الى نصفين وقذفت عشرات الطائرات التي كانت على سطحها الى البحر، اما الجنود الناجون فقد القوا بانفسهم في البحر هرباً من الحريق والانفجارات المتعاقبة.

        في البيت الابيض نهض الرئيس الاميركي بهدوء بدا غريباً جداً، وسط دهشة مرافقيه، وجلس خلف طاولته الرئاسية الانيقة وامسك القلم وشرع يكتب ووجهه خال من التعابير، والجميع لا يعرف ماذا يكتب. وحينما انتهى، نهض وكأنه شاخ فجأة وقال:

- لقد كتبت استقالتي، وسأغادر فوراً الى جزر الكناري، فانا غير قادر على فهم او تحمل ما يجري.

        صعق الحضور، لكن وزير الدفاع صرخ وهو يفك ياقة قميصه:

- سيدي الرئيس اميركا بحاجة حيوية لك، فهي تواجه اخطر تحد في تاريخها!

دون ان يلتفت الرئيس قال:

- تولوا انتم المسؤولية فلقد انتهيت انا، وانسوا انه كان لكم رئيس اسمه نيل هملتون.

        خرج الرئيس والذهول مازال سيد الموقف، صرخ مستشار الامن القومي (هيك):

- اين نائب الرئيس تال هور؟

ردت السكرتيرة:

- انه يتمتع بعطلة نهاية الاسبوع في مكان سري رفض الابلاغ عنه لتجنب المضايقات!

        دوى صوت وزير الدفاع:

- يجب ان نعثر عليه حالاً وبأي طريقة، لان اميركا في خطر والعالم كله ينتظر بياناً او موقفاً منا.

        رن جرس الهاتف الخاص، الذي لا يستخدم الا عند اعلان حالة الطوارئ القصوى. رفعه مستشار الامن القومي هيك واخذ يستمع وهو ممتقع الوجه والعرق ينز منه قال:

- نعم.حسناً.نعم...نعمنعم، فهمت!

        اغلق سماعة الهاتف وقال:

- انه مدير ال (سي. آي. أي ) يطلب عقد اجتماع فوري لمجلس الامن القومي. سأقوم فوراً بالبحث عن نائب الرئيس والاجتماع سيعقد بعد نصف ساعة.

        قبل ان يتحرك رن الهاتف مجدداً، رفعه هيك، ومثلما حصل له اثناء حديثه مع مدير المخابرات المركزية، تعرق وهز رأسه واغلق السماعة دون ان ينبس بكلمة وبقي صامتاً، سأله وزير الدفاع:

- ماذا جرى؟ من المتحدث؟

- انه مدير مكتب التحقيقات الفدرالية يقول بان اضطرابات عرقية خطيرة قد اجتاحت ميامي وعدة ولايات في الجنوب ورفع المتظاهرون شعار قيام دولة انفصالية للسود.

- يا الهي ماذا يجري؟

        دمدمت سكرتيرة الرئيس وغادرت الغرفة دون او توضح شيئاً.

        في قاعدة جوية سرية عقد مجلس الامن القومي اجتماعاً طارئاً حضره الجميع باستثناء الرئيس الذي استقال، وكان نائب الرئيس تال هور ممتقع الوجه وهو يستمع لشرح سريع وتفصيلي قدمه مستشار الامن القومي، حول ما جرى.

        صمت قليلاً وسأل:

- كم عدد الضحايا في حاملة الطائرات؟

        رد هيك:

- الناجون ثمانية فقط من بينهم قائد الحاملة ، اما البقية فقد ماتوا او غرقوا مع الحاملة.

- اللعنة!

        صرخ ثم ادار هور عينيه القلقتين في وجوه الحضور وسأل:

- ما هو الموقف؟

        تنحنح مدير المخابرات المركزية وشرع يتحدث:

- ان الوضع في العالم خطير جداً، فالمسلمون في كل مكان في حالة هياج متطرف جعلهم جاهزون لمهاجمة حكوماتهم والاستيلاء على السلطة، اذا صدر نداء بذلك من الرئيس العراقي صدام حسين. اما اليهود فقد انقسموا لكن الاغلبية ارتدت عن اعترافها باسرائيل وهي تقول الان بان علائم ظهور المسيح تشاهد الان. والمسيحيون خائفون لا يعلمون ماذا يحدث لذلك التجئوا الى الكنائس وفي روسيا يتحرك الشيوعيون والقوميون لتشكيل جبهة روسية كبرى ضدنا.

        اما حكومات اوربا الحليفة لنا فهي تتعرض لاحتمالات السقوط نتيجة انضمام اغلبية الناس للمعارضة التي تريد الابتعاد عن اميركا.

        اما الحوادث الغريبة فانا لا اخفي عنكم سراً اذا قلت اننا عجزنا عن معرفة الحقيقة، فمن جهة ان الاحداث التي وقعت وتقع غريبة الى درجة يصعب تصديق ان العراق يقف وراءها، والدليل على ذلك هو انه لم يطلب سحب (قوات المطرقة) من تركيا ولا قواتنا من الكويت والسعودية، كما لم يطلب ايقاف الطلعات الجوية فوق اراضيه، اذ لو كان يمتلك سلاحاً سرياً حقاً لما تردد لحظة واحدة في مهاجمتنا، او على الاقل هددنا بسحب قواتنا وانهاء الحصار والا سيهاجمنا.

        وارجو ان تنتبهوا الى ان الاحداث الغريبة كانت كلها سلمية، وتدمير تمثال الحرية كان انذاراً لنا لكي نتراجع عن التهديد بضرب العراق، وتحطيم حاملة الطائرات ايضاً لم يكن ليحدث لولا اصرارنا  على قصف العراق!

        صمت مدير المخابرات قليلاً وسأله نائب الرئيس:

- هل تريد ان تقول ان الاحداث الغريبة لم تحمل تهديدا لنا؟

- لم اقل ذلك فالتهديد قائم، بل انه خطير جداً، لان ما حدث خلق ثغرة قاتلة في قدرتنا الرادعة، وشلنا تماماً عن الرد العسكري. لكن علينا ان لا ننسى ان كل الحوادث الغامضة اتسمت بالبعد عن العنف.

        تدخل وزير الدفاع وسأل:

- وماذا تقترح ان نفعل لمواجهة ما يحدث؟

        تريث مدير المخابرات في الجواب قليلاً ثم قال:

- اذا واصلنا لغة التهديد فان كارثة كبرى لا حدود لها ستحل بنا، فغداً موعد تنفيذ تهديد بتفجير قنبلة ذرية في الموقع (1057) في صحراء نيفادا، واذا واصلنا محاولات استخدام القوة ستزداد حالات الفشل لدينا امام العالم، وربما هذا هو ما يريده عبد الله الذي تقول تقارير وكالتنا ، انه من اشد تلاميذ صدام حسين انضباطاً، وانه يريد ان يحول اميركا الى اضحوكة امام العالم، لذلك يجب ان نجد طريقة للتهدئة نكسب الوقت خلالها ونفكر بحلول اخرى.

        ايد مستشار الامن القومي هيك ما قاله مدير المخابرات وقال:

- نعم يجب ان نهدأ الامور، فالوضع الدولي يكاد ينفجر بعد ان خرج من نطاق السيطرة، ان مئات الملايين من المسلمين والمسيحيين واليساريين وغيرهم مشحونون بطاقات انفعالية متطرفة، تجعلهم مستعدين للموت الجماعي استجابة لنداء العراق، والذي يخيفنا هو صمت الرئيس صدام حسين الذي لم يقل شيئاً حتى الآن، رغم قناعتنا بان عبد الله العراقي يتحرك بامرته.

        تدخل مدير مكتب التحقيقات الفدرالية:

- الوضع في الداخل لا يقل خطورة عن الوضع في الخارج، فالاحداث الغريبة التي شاهدها الاميركيون في التلفزيون، هدمت عامل الطمأنينة لديهم وايقظت احاسيس الخوف من المستقبل، الامر الذي شجع فئات كانت معزولة على التحرك بسرعة واستغلال ما جرى لتحقيق اهداف خطيرة، مثل انفصال بعض الولايات عن الاتحاد، ومهاجمة مقرات الحكومة والاستيلاء على اسلحة الشرطة! لذلك نحن نحتاج الى التهدئة في الداخل.

        تدخل نائب الرئيس وقال:

- لكن هيوت تنتريش، رئيس مجلس النواب، طالب اليوم باستخدام القنبلة النيوترونية لابادة العراقيين الذي يحرسون الاماكن المقدسة في النجف وكربلاء وسامراء وبغداد دون تدمير هذه الاماكن، واحتلالها وتهديد المسلمين بنسفها اذا لم يتوقف مسلسل الاحداث الغريبة!

صرخ مدير المخابرات:

- اللعنة على تنتريش ! انه مجنون! يبدو انه لا يعلم بحقيقة ما يجري. حتى الآن لم تهاجم اميركا رغم وجود قدرة على مهاجمتها! هل تعلمون لماذا؟ اذا صح ان ما يجري هو عمل الهي فان المسلمين لا يريدون ان يظهروا كمعتدين، بل كدعاة سلام ومحبة، ولذلك تجنبوا الحاق الاذى حتى بالاسرائيليين اعدائهم! يجب ان نطلب من السيد تنتريش غلق فمه هو وامثاله، فالوقت هو وقت تعقل وليس حماقة.

        ساد صمت مقلق برهة عاد بعدها نائب الرئيس ليقول:

- اذن ارجو اعداد موقف ليعلن بعد قليل.

        طلب وزير الخارجية الحديث وانشأ يقول:

- ارى ان نصدر بياناً نعلن فيه احترام الاسلام والمسلمين، واننا لا ننوي الاعتداء على احد، وان الانذار الذي وجه للعراق استند على معلومات غير دقيقة لذلك الغي الانذار، اما الاحداث الغريبة فيجب ان نعلن ان تفسيرها هو مسؤولية رجال الدين من مختلف الديانات، ويتطلب ذلك الدعوة لقمة لكل الاديان لبحث كيفية تعايشها بسلام.

        نهض نائب الرئيس وهو يقول:

- اذن ارجو صياغة بيان بهذا المعنى واذاعته فوراً لايقاف مسلسل الانتفاضات المتعاقبة هنا وهناك.

 

المشهد السادس

        وقف المذيع وانفاسه تتسابق وقال:

- اصدرت الحكومة الاميركية بياناً قبل قليل اكدت فيه انها تحترم الاسلام والمسلمين، وان الانذار الذي صدر ضد العراق استند على معلومات خاطئة.

        في بغداد صرخ ثلاثة ملايين متظاهر، تجمعوا حول القصر الجمهورية وهم يرفعون علم العراق، الموشح باسم الله اكبر وصور الرئيس صدام حسين:

- الله اكبر..الله اكبر.

        تحولت ليلة بغداد المظلمة الى نهار، بعد ان اطلقت مئات الآلاف من الرشاشات رصاصها، ابتهاجاً بالنصر العظيم، وعلق تلفزيون العراق قائلاً:

- هذا النصر هو مقدمة الانتصار النهائي فلولا صمودنا وتضحياتنا لما حظينا بعناية الله ورعايته.

        في القدس تجمع الآف الفلسطينيين واخذوا يرقصون وينثرون الحلوى. وفي القاهرة تجمع اربعة ملايين مصري حول مسجد سيدنا الحسين يرددون:

- الله حيالله حي.

        واتجه الآف المصريين نحو السفارة الاسرائيلية المهجورة لتحطيمها!

        وفي ايران زحفت جموع المسلمين، الى مرقد الامام الرضا (ع) ، وهي تحمل اعلاماً سود، وتردد الله اكبر بالفارسية : (خودا رهبر)، وقائد المتظاهرين يطالب بدعم الرئيس صدام حسين.

        اما في باريس فقد تدفق الآف الفرنسيين نحو شاطئ البحر خوفاً من البنايات الكبرى، التي اقتنعوا بانها ربما ستحلق في السماء قبل ان تسقط على رؤوسهم!

        كنت اتابع فرح العرب والمسلمين واعيادهم وانا في القدس، نظرت الى ساحة المسجد الاقصى، فرأيت الامام الحسين (رض) والفاروق عمر (رض) يتعانقان. بعد ان نهضا نهض خلفهما الآف الشهداء باجسادهم النورانية وحولهم مئات الآلاف من الملائكة، وكانت الدفوف تنقر وصوت نساء يرددن:

- طلع النور علينا

        كان موكب الشهداء يتهيأ للعودة ومغادرة القدس، رأيت الملاك الطاهر يتقدم نحوي ويصافحني، وكنت محاطاً بعشرات الصحفيين الغربيين، رأوني اتحدث مع لا شيء! قال لي الملاك الطاهر:

- سيسري الشهيدين الحسين وعمر (رض) ، اما المنائر فسوف تبقى في القدس لتكون ذكرى لحدث عظيم وجليل وستتوزع على مساجد القدس.

        فجأة رأيت طائراً ابيضاً ضخماً يحط قرب الحسين وعمر عليهما السلام، وكان جبريل عليه السلام، صافحهما بحنان اعاد لي احاسيس السحر والانهبار التي استولت عليّ في سامراء! كان المشهد فوق الوصف، مئات الآلاف من الاجسام النورانية للشهداء والملائكة تتهيأ للعودة. استولت عليّ رغبة متطرفة ان احدث الامام الحسين والفاروق عمر.

        ابتسم الملاك الطاهر وسألني:

- هل تريد محادثتهما؟

- نعم.نعمنعم

        قال لي وهو يمسك يدي بحنان:

- هيا تعال معي.

        سرت معه خطوتين وفي الثالثة كنت امام اجساد نورانية بهية:

الامام الحسين (رض) والفاروق عمر (رض) وجبريل عليه السلام، ارتبكت ارتعشت بكيت، فقدت القدرة على الحركة والغي لساني، وصار تفكيري محض عاصفة انفعال.

        امتدت يد الامام الحسين لتربت على كتفي وهو يقول:

- بارك الله مسعاك يا عبد الله فاهل العراق مازالوا يحملون رايتي بشرف.

        تسللت الى جسدي من يد الامام الحسين تيارات سحر جدد شباب كل خلية في جسدي وجعلني اشعر انني ولدت تواً! اما الفاروق عمر فقد مد يده ليصافحني وما ان لامست يدي يده حتى احسست بدفء رائع يغمر يدي ومنها ينطلق فوراً الى قلبي ليملأني احساساً بالسعادة.

        جبريل عليه السلام كان ينظر نحوي صامتاً وابتسامة حنان خفيفة تملأ وجهه النوراني لم يلمسني، ولم يصافحني وركز بصره في عيني وشرع يتحدث دون صوت:

- يا عبد الله انت المخلوق الوحيد الذي اجتاز حاجز الابدية، بعد ان باركك الله سبحانه وتعالى، وعليك الان ان تفهم معنى ذلك.

        قال الثلاث بصوت واحد:

- نستودعك الله

        وفجأة اختفى الثلاثة: الامام الحسين والفاروق عمر وجبريل! وبقيت وحدي مع الملاك الطاهر وحشد الشهداء والملائكة الذي يتهيئون للمغادرة.

        سألت الملاك الطاهر:

- ماذا سيحدث؟

        ابتسم لي وقال:

- الا تعرف؟ لقد تغير كل شيء منذ اليوم، فرحلة موكب المنائر غيرت كل شيئ رغم انها محدودة الوظيفة، فالمنطقة لن تعود كما كانت، والعالم سيدرك تدريجياً معاني ما حدث، وستبقى الملايين تتحدث عن غرائب هذه الرحلة لعدة قرون وربما لآلاف السنين.

- وانا، ماذا سيحدث لي؟

- انت، الا تعرف؟ انت لم تعد انت يا عبد الله، فلقد دخل عقلك وجسدك شيء مقدس لم يدخل جسد بشر عادي قبلك.

- لماذا تتحدث معي بالالغاز؟ قل بربك شيئاً ينير المستقبل امامي.

        عاد الملاك الطاهر يبتسم وهو يقول مودعاً:

- يا عبد الله من يعرفنا ويختلط بنا لا يكثر من الاسئلة، فالله ينطق بالوحي، وبيننا وبينك الان قناة دائمة، الوداع.

        اختفى الملاك الطاهر وبنفس الوقت رأيت مراسل شبكة ال(ان.ان.سي.) يقترب مني:

- ماذا سيحصل يا سيد عبد الله؟

        قلت له:

- بعد قليل ستظهر اجسام نورانية في سماء القدس تتجه، وهي طائرة، نحو العراق، اما المنائر التي اتت فسوف تطير لكنها ستتوزع على مساجد وجوامع القدس، وتهبط هناك الى جانب المنائر الحالية لتبقى ذكرى هدية من شعب العراق الى شعب فلسطين.

        وقبل ان يسألني بدأت القدس تتوهج بانوار اجسام تبدو كأنها انسان له اجنحة! وسار سرب النور هذا باتجاه الاردن في طريقه الى العراق.

        وبسرعة ارتفعت في الجو (43) منارة كانت تبدو كأنها صواريخ ذرية كتلك التي تملكها اميركا وروسيا، وحل صمت رهيب في القدس والعيون تتطلع الى الانوار والمنائر! كسر رهبة الصمت صوت فيروز الذي اتى من اللامكان وانتشر في كل القدس وهو يغني (زهرة المدائن).

        ارتفع صوت المذيع يقول بانفعال:

- بعد ان اتجه موكب الاشياء النورانية شرقاً باتجاه العراق ها نحن نشاهد المنائر تنتشر في سماء القدس، وكما علمت الشبكة فانها ستهبط في الجوامع الاسلامية الموجودة في القدس، وستبقى هناك رمزاً للاخوة بين العراقيين والفلسطينيين. لكن السؤال الكبير وربما هو السؤال الاكبر في العالم منذ اكثر من الفي عام هو: ما الذي حدث؟ وما دلالاته؟

العالم مازال مذهولاً مضطرباً لا يعرف بالضبط ما حدث ولم يفهمه، البعض فرح ويشعر بانه بعث من جديد، ودون ادنى شك فان العرب والمسلمين على امتداد الكرة الارضية من هذا الصنف، اما البعض الاخر فهو حائر ومنقسم ولم يستوعب بعد حقيقة ما جرى. وربما لن يستطيع احد اعطاء تفسير يقنع الجميع. وقبل هذا وذاك ثمة حقيقة لا سبيل لانكارها، وهي ان الاحداث الغامضة التي جرت ومازالت تجري قد احدثت تغييراً عميقاً وهائلاً في نفوس جميع البشر، اذ انها المرة الاولى منذ اكثر من الفي عام التي تقع فيها احداث غريبة، ويبدو ان الخاسر الاكبر هو اميركا التي تبددت غطرستها وتلاشت عنجهيتها كما يذوب الجليد تحت اشعة تموز العراق.

        اختلطت زغاريد نساء القدس باصوات الدفوف فيما كان عشرات الآلاف يذرفون الدموع وعيونهم مسمرة في السماء تشاهد مشهداً عجيباً لم ير بشر مثله!

 

المشهد السابع

        رغم ان عشرات الناس من مختلف الديانات كانت ملتفة حولي قرب المسجد الاقصى المحاط بعشرات الآلاف من البشر، وتسألني عما سيحدث، كنت ابتسم وانا صامت لان سؤالاً كبيراً باغتني:

- كيف سأعود الى العراق بعد ان عاد الشهداء وبقيت وحدي؟

        وقبل ان ابحث في أي جواب، تقدمت مني مجموعة من الاشخاص صافحني افرادها فرداً فرداً، وكل واحد يقدم نفسه، وبعد ان اكملوا مصافحتي اصطفوا خلف احدهم، الذي تحدث قائلاً بحفاوة:

- انه شرف كبير ان تحل بيننا يا سيد عبد الله ، نحن وفد من المسلمين والمسيحيين واليهود ، جئنا باسم كل هذه الاديان الموجودة في القدس لندعوك للمبيت لدينا، والتحدث معك وتهيئة مستلزمات ما تريد. لقد مضى عليك وقت طويل بلا نوم او اكل او شرب.

        تذكرت انني لم انم ولم اكل او اشرب شيئاً منذ بدء الاحداث الغريبة! واذا كانت حساباتي للزمن صحيحة فقد مضى يومان على ذلك! ومع هذا لم اشعر بجوع او عطش او تعب او نعاس! اجبت الوفود بود كبير:

- انا اشكركم من صميم قلبي، واعبر عن تقديري لكم جميعاً، وانا احتاج اليكم فعلاً، اذ علي ان اعود غداً عبر الاردن الى العراق، ولكن قبل ذلك علي ان ازور رجال الدين المسلمين والمسيحيين واليهود لاسلم عليهم.

        كانت الفقرة الاخيرة من كلامي مبعث دهشة وفرح الوفد، قال عضو الوفد اليهودي:

- سيكون شرفاً عظيماً ان تزورنا، والحاخامات ينتظرون اللقاء معك بلهفة وكلفوني بجس النبض ومعرفة استعدادكم للقاء بهم.

- انا عربي ومسلم واحترم كل الديانات التوحيدية بما في ذلك اليهودية.

        في تلك اللحظات هبط علي تعب ونعاس وجوع وعطش لا حدود لقوتها، وفقدت القدرة على التحدث او الوقوف! قلت بتثاقل:

- احتاج للراحة.

        صمت، وخجلت من طلب الطعام والماء. قال رئيس الوفد:

- لكنك جائع وعطش وتحتاج قبل النوم اليهما.

        ادركت انني اوحيت له بما انا بحاجة ماسة اليه، ابتسمت وهززت رأسي موافقاً، وانا الاحظ انني امتلك القدرة على الايحاء للآخرين بما يجب عليهم فعله او قوله!

        اصطحبني الوفد الى مطعم فخم ، وهناك وجدت بالانتظار اكثر من عشرة رجال دين مسيحيين ومسلمين ويهود! صافحتهم كلهم وجلست ، وشرع رئيس الوفد بالتحدث:

- اتفقنا مع السيد عبد الله على ان يذهب للنوم بعد هذا اللقاء السريع، وان نعقد غداً لقاء مع ممثلي الاديان الثلاثة في القدس، لذلك ارجو ان تقدروا وضعه الحالي وان يكون اللقاء مجرد وليمة وتعارف.

 

        لم اكد اضع جسدي على السرير، وقبل ان يستقر رأسي على الوسادة، انفتحت شاشة الابدية امامي فجأة، وبقوة دفق، جردني من الاحساس بالمكان والزمان، سمعت صوت ابي يرتفع بحنان:

- يا عبد الله شرفت عائلتك ووطنك، باختيارك لهذه المهمة الجليلة، اقرأ السلام على والدتك واخوتك واخوانك، وقل لهم ان الله باركهم، وعليهم ان يحفظوا امانة الله، وامانة الله هي شرف العراق وامن اطفاله.

        تلفت، اردت رؤية ابي، وغصة شوق تخنقني، لكنني لم اره، فقط تسلل الي صوته من مكان ما لا اعرفه! وكانت الصورة امامي مذهلة : بستان فسيح تتوزع فيه النخيل ، الشامخة وحدها بجذعها الطويل الرشيق، وتحتها تتسامق الاشجار الاخرى، وكأن الله اراد ان يفهمني ان النخلة شجرة مباركة مفضلة! وبين صفوف النخيل وسوامق الشجر كانت اطيار غريبة تتطاير، وهي تصدر اصواتاً كالموسيقى، لكنها موسيقى لا نظير لتأثيراتها المريحة للعقل والجسد.

        وهناك فرشت (جودلية) بسيطة، وقربها (قربة) ماء مصنوعة من طين دجلة، وحفنة تمر و(طاسة) لبن!

        قال لي صوت غائب:

- اجلس واسترح يا عبد الله من عناء السفر الطويل، فأنت عائد لحياة ستكون مملوءة بالواجبات الكبيرة، والتي يجب ان لا تكون اقل فاعلية مما حصل حتى الآن.

 قلت للصوت، وانا ابحث عن صاحبه:

- لكنني كنت اقوم بواجبات ثقيلة!؟

- نعم ، الان زادت واجباتك ، بعد ان حظيت بشرف لم ينله بشر منذ حوالي 1300 سنة ، لذلك يجب ان تكمل تنقية نفسك وجسدك في هذا البستان المنتزع من جزء من الجنة!

- يا الهي! هل هو جزء من الجنة؟

- وماذا ترى غير الجنة وامامك الاطيار والانهار والزرع والهواء العليل؟

        صمت، تمددت فوق الجودلية وطافت عيناي حولي تتطلع في بستان الجنة، وكانت ثمة حمامة بيضاء ، تقف فوق شجرة تنتصب فوق رأسي، وتصدر اصواتاً ملائكية كأنها تغني لي!

        وفجأة صمتت الحمامة، وقالت لي بلغة بني آدم:

- ماذا تريد ان تسمع مني يا عبد الله؟

        رفعت جذعي واستندت على ذراعي اليمنى، وخاطبتها والدهشة تغزو وجهي:

- يا الهي!!! أتتحدثين؟

- هل نسيت ان اطيار الجنة تتحدث يا عبد الله؟

- نعم..نعم لقد نسيت ، قولي لي من انت؟

- انا من خلق الله غير المتناهين، جئتك الى هاهنا لخدمتك!

- ماذا لديك؟

- اطلب ما تشاء ستسمعه، ولكن ارجو ان تسمح لي بتقديم مقترح بسيط، فانا هنا لمساعدتك على اكمال تنقية روحك وجسدك قبل العودة للناس، واعتقد انك مازلت تتذكر حادثة ادخالك حمام في سامراء قبل بدء رحلتك النورانية، والتي كانت عملية تطهير لجسدك وبعضاً من روحك، واضافة خصائص جديدة اليك قبل لقاء الشهداء الاطهار واولياء الله الافذاذ. لذلك اقترح ان تسمح لي بالغناء الحر فهو سيساعدك على العودة الى براءة الطفولة، وينتزع من نفسك اشواك الحياة وخطاياها، لتبدأ صفحة جديدة من النضال ضد الشيطان.

        بتلقائية عجيبة قلت للحمامة:

- اذن تصرفي مثلما تشائين

        اجابت:

- بل قل مثلما يشاء الله سبحانه وتعالى.

        ابتسمت، وشرعت الحمامة تعزف الحاناً كأنها تصدر من ملائكة مجتمعين في فرقة كبيرة! وجاء صوت تغريدها فريداً لا نظير له! كنت اشعر كأن جسدي قد اخذ يتموج مع الالحان وصوت الحمامة، ورحت اتقلب بهدوء فوق (الجودلية) وكأنني حالم طائر فوق غمامة رقيقة تدغدغ جسدي! شعرت كان (اشواك الدنيا) التي انغرست في قلبي ودماغي وروحي قد بدأت تقتلع بيد حانية ودون الم! وكانت الحمامة تصدر اصواتاً تخترق جسدي، بلذة عجيبة لا تشابه لذائذ الحياة الفانية. وكانت تنظر لي بعين ترسل شعاعاً دافئاً بارداً يدغدغ اطرافي وهو يتسلل الى كوامن روحي!

        بعد دقائق استقر جسدي على الظهر، وانا اسير احساس بانني ولدت من جديد، وكان رأسي هادئاً وجسدي مستريحاً، فيما بقيت عيناي مسمرتين في الحمامة البيضاء. ولكن فجأة طارت الحمامة والفزع باد في عينيها محاولة الهرب، سألتها:

- ما بك؟

        وفيما كانت ترد علي:

- ابليسابليس!

رأيت افعى ضخمة تظهر من بين الاشجار، وترفع جسدها نحو الفضاء وتطارد الحمامة، ثم تحيط بها بجسدها ولا يبقى ظاهراً منها سوى رأسها. تجمدت، شعرت بالرعب، فالافعى اخرجت لسانها وارسلته نحو عين الحمامة وكان دقيقاً كنصل السكين، وما ان وصل عين الحمامة حتى اخذ يمتص اجزاءها تدريجياً والحمامة صامتة غير قادرة على الحركة!

        وبعد ان انتهت من امتصاص عين الحمامة، نقلت الافعى لسانها وارسلته الى رأس الحمامة من فوق وغرسته فيه، واخذت تمتص محتوياته وبعكس العين تفق الدم غزيراً من رأس الحمامة!

        كنت مرعوباً لا اعرف ماذا افعل، وقبل ان اتحرك او اتحدث انتفضت الحمامة وسقطت ميتة فوق رأسي بقوة هزت رأسي وجعلتني استيقظ من نومي!

        وجدت نفسي في غرفتي في الفندق وسط ضوء خفيف. تعوذت من الشيطان، وكان الانقباض يسيطر عليّ وانا اردد:

- ما هذا الكابوس؟

        استرجعت معلوماتي عن الاحلام وانا اسير قلق غامض عميق سببه الحلم الذي ابتدأ رائعاً مريحاً لكنه انتهى كئيباً مقلقاً! هل تلك رسالة تحذير لي؟ الافعى في الحلم تفسر على انها (صديق غادر)، والحمامة البيضاء هي رمز للنقاء والوداعة، فهل انا بصدد رسالة تحذير من الشيطان الذي تقمص جسد صديق ويريد ايذائي؟ ام انها رسالة تنبيه لي بان ما عشته من تجربة فذة لا يعفيني من مضاعفة النضال اليومي لاكمال رسالة طرد الشيطان من ارض العرب كلها؟

        نهضت وانا احاول التخلص من تأثير الحلم الغريب ودخلت الحمام لاخذ دوشاً ساخناً احسست بالحاجة الماسة اليه، لكن ما ان بدأ سقوط الماء الدافئ على رأسي، واخذ العرق يتصبب من وجهي، حتى شعرت بان بامكاني مهاتفة زوجتي في بغداد ، بدون وساطة التلفون! قلت لها:

- هل انتم بخير؟

        اصابتها الدهشة وعدم التصديق:

- يا الهي انت عبد الله؟ ماذا يحصل لي انني اسمعك تحدثني كأنك تستعمل التلفون؟ ماذا يحدث؟

        اجبتها:

- هذه من بركات الله، كيف حالكم وحال الاولاد؟

- نحن بخير، واين انت الان؟ لم نسمع عنك منذ ساعات طويلة، فاين انت؟ ومتى ستعود؟

- سأعود غداً ان شاء الله، انا الان في القدس وسأغادر اليوم الى الاردن في طريقي اليكم.

- ماذا فعلت يا عبد الله؟

- ماذا؟

- قد قلبت الدنيا!

- لست انا بل تلك ارادة الله.

- الجميع يسألون عنك، لقد تحول بيتنا الى مزار يحيط به مئات الناس ليل نهار، وبعضهم نصب الخيم الصغيرة حول بيتنا، واسكنوا فيها المرضى الميئوس من شفائهم.

- ماذا؟

- يعتقد الناس الان بان الله قد منحك قدرات خارقة بما في ذلك القدرة على شفاء الامراض المستعصية!

- سبحان الله، هذا كلام عجيب!

- اكثر من ذلك ان من فقدوا اولادهم ينتظرون عودتك ايضاً لمساعدتهم على العثور عليهم!

- اذن فانا في طريقي نحو متاعب كثيرة.

        قالت لي بسكينة نفس وفرح:

- عد يا عبد الله وسيدبرها الله.

        نسيت الحلم الكابوس، وخرجت الى صالة الفندق فوجدت مضيفي ينتظرني، وبسرعة ركبت معه في السيارة التي احاطت بها كوكبة من سائقي الموتورسيكلات، وطفنا في شوارع القدس قبل النزول في منزل بسيط ولكنه جميل، في باب الدار استقبلنا رجال الدين الممثلين لكافة الاديان.

        في قاعة الاجتماع قدمني مضيفي قائلا:

- انها فرصة عظيمة ان نلتقي بعبد الله العراقي، الذي نقل رسالة سماوية فيها اعجاز الهي واضح ينطوي على رسائل هداية للبشرية كلها، والذي نطمع فيه هو كلمة من عبد الله العراقي.

        نهضت وسط حملقة حوالي (30) رجل دين ملتحين كلهم ، يمثلون المسلمين والمسيحيين واليهود، كانوا اسرى اسئلة محيرة:

- ايها الاخوة الاكارم يشرفني ان اقف اليوم بينكم لانقل اليكم رسالة محبة وسلام، فالله لم يخلقنا لنموت قتلاً ، ولا لكي نتعرض للعذاب على يد بشرية، لهذا فان اقتتال ابناء الله محرم ولا يصح في شريعة الله الذي نؤمن به جميعاً. ولكي نوقف هذا العمل المحرم يجب ان نزيل اسبابه، وهي الظلم والتجاوز، فحيثما وجد ظلم وتجاوز على الحقوق نشأ الصراع وقامت الحروب.

        ان رسالتي التي كلفت بنقلها اليكم هي رسالة التسامح والمحبة والتآخي الديني، ولكن عن طريق ازالة المظالم، اذ ليس معقولاً ان تطلب من ابن آدم ان يحب من يسرق بيته او يقتل ابنه، او يشتمه! وما حصل في الايام الماضية كان عبارة عن درس كبير للجميع، وهو ان ارادة الله كانت وستبقى اقوى من ارادة الشر والطغيان، لقد اثبت الله سبحانه وتعالى ان البشر ضعاف ولا يملكون سوى التصاغر امام عظمته.

        ان الخطوة الاولى في نشر المحبة والسلام هي ازالة المظالم وايقاف الجديد منها وتطهير النفوس من نزعة العدوان على الغير. فهل نحن مستعدون لذلك بعد اكثر من الفي عام على صراع انصار الديانات الثلاث؟ حينما جاءت المسيحية اعترض اليهود ولم يعترفوا بها، وحينما جاء الاسلام لم يعترف به اليهود والمسيحيون، رغم انه يعترف باليهودية والمسيحية كدينين سماويين مقدسين. وبالاصل فان حملة رسالة كل الاديان هم ابناء العربي ابراهيم الخليل (عليه السلام)، ولهذا لا يوجد مسوغ للحرب بين ابناء الاسرة الواحدة ،اذا صفت القلوب واتسعت لتتجاوز الانانية وضيق الافق.

        في الايام الماضية استلمتم رسالة واضحة: لا سلام بدون عدالة، والعدالة هي في عودة الحقوق لاصحابها، فاذا فهمت الرسالة على هذا النحو لن تبقى ثمة مشكلة، اما اذا واصل المتجاوز تجاوزه فاخشى ما اخشاه هو ان المشاكل ستبقى، لكنها هذه المرة ستتجه للحل وفقاً لقواعد العدالة التي بقيت ضائعة في الخمسين عاماً الماضية.

        حل صمت مقلق جعل صوت الانفاس يسمع واضحاً ، تنحنح رجل دين مسيحي ثم قال:

- اعتقد ان ما حصل فيه رسالة واضحة للجميع، فقدرة الله التي كنت اداة التعبير عنها لا حدود لها، وسيكون من الحماقة الوقوف بوجه الرب وارادته.

        ادار رجل يهودي ملتح رأسه قبل ان ينطق:

- هناك مسائل معقدة وشائكة تحتاج الى حلول ذات طبيعة انسانية، والله وهو يحث عباده على العدالة يطلب منهم ايضاً التسامح، خصوصاً حينما يمتلك المظلوم القدرة على رد الظلم ويضع ظالمه في زاوية الحساب. ما نحتاج اليه الان هو التسامح مع العدالة، واليهود بحاجة لعطفكم واكثر من أي وقت، فهم ضحايا قمع الآخرين ثم صاروا ضحايا انفسهم التي اصابها الله بلعنة الحماقة.

        قال رجل دين مسلم:

- الحمد لله الذي احق الحق واظهره وارسل آية من آياته ليكف البشر عن غرورهم ويدركوا انهم مخلوقات ضعيفة مهما قويت وتعملقت.

        صمت الجميع وعادوا ينتظرون مني الحديث:

- ايها الاخوة ان الله محبة وتسامح مثلما هو حق وعدالة، واذا صدقت القلوب فان المشاكل ومهما تعقدت يسهل حلها. بارككم الله ووفقكم للدخول في حوار هادئ لوضع الامور في نصابها.

 

الختام

        حياني مئات الآلاف من الناس في الطريق من القدس الى الاردن ثم بغداد، وكانوا مصطفين على ارصفة الشوارع، وهم يحملون اعلاماً خضراً ويرددون اناشيد حماسية قومية ودينية، واثناء هذه المسيرة الطويلة بالسيارة كانت الجماهير تندفع نحوي ،عند التوقف للاكل او الشرب في الطريق، وتحيط بي بعضها يمسك يدي او ملابسي تبركاً، وبعضه الآخر يقبلني وهو يهتف (الله اكبر). وكنت ابتسم واصافحهم بحنان ومحبة دون تعب او ملل. وكان اعجب ما لاحظته هو ان رحلتي التي استغرقت حوالي خمس عشرة ساعة في الطريق البري لم تتعبني ابداً، كما كان يحصل لي عند السفر على طريق بغداد - عمان البري! كان جسدي يتوقد بالانفعالات والسرور، وانا ارى الناس يصرعها الحماس المنفلت. وحينما دخلت الحدود العراقية فوجئت بالآف العراقيين يحملون الاعلام والطبول والمزامير، تحييني وتنحر الخراف لمقدمي، وكانت مئات النساء يزغردن وهن يرددن: (صل على محمد) وسط اصوات الدفوف وقرع الطبول، وصوت اطلاق الرصاص من الاسلحة الخفيفة التي كان الرجال يحملونها ابتهاجاً بمقدمي، وهو الشيء الوحيد الذي ازعجني!

        كنت احس بشوق عارم لرؤية بغداد، لذلك تمنيت لو تضاعف سرعة السيارة كي اصل بسرعة، وكانت بصيرتي تشهد شوارعها المكتظة بالآلاف من الناس الذين يحتفلون بنصرهم العظيم، وقد نسوا معاناة الحصار واهواله. وفي القاهرة جلس خطيب الجامع الازهر ليبشر المسلمين ببزوغ عصر جديد ستسود فيه العدالة والخير. اما في موسكو فقد عقد ممثلو الاحزاب الكبرى اجتماعاً طارئاً، وانا اتجه الى بغداد، لبحث توقيت عودة الاتحاد بين دول الاتحاد السوفيتي السابق وبدء الدور القيادي للاتحاد الجديد، وداخل بناية كلاسيكية من الطراز القوطي في برلين جلس المستشار الالماني لبحث اجراءات تجميل العاصمة الالمانية الى برلين، احياء لعظمة المانيا واستعداداً لدور قيادي جديد في العالم.

        وفي حديقة (البيت الابيض)، في واشنطن، التقى (فريق خبراء) شكله (نائب الرئيس) لبحث كيفية عودة اميركا الى سياسة العزلة، لتجنب انهيارها تحت ضغط المسؤوليات الدولية ،التي عجزت عن تحملها بعد استيقاظ الشعوب والامم وظهور ما اخذوا يطلقون عليه في العالم (معجزات عبد الله العراقي).

        وبخلاف كل الاجتماعات التي عقدت في كل دول العالم لبحث كيفية التكيف مع (معجزات عبد الله العراقي) ، عقد اجتماع في لندن كرس لبحث كيفية التشكيك (بمعجزات عبد الله العراقي) وتحريض العالم ضدها!

        دمدمت في داخلي وانا ابتسم:

- يكف ابليس عن الشر لكن هؤلاء الانجليز لا يكفون عنه !

شبكة البصرة

 الجمعة 11 ربيع الثاني 1426 / 20 آيار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس