المفكر العراقي صلاح المختار :
 حين رفض المقاومون التنازل لجأت أمريكا إلى أساليب الخسّة

شبكة البصرة
حوار فاطمة بن عبد الله الكراي
لم تكن تلك الصور المهينة والمشينة التي بثتها جريدة الـ(صن) (The Sun) البريطانية والتي تسلمتها من المخابرات الأمريكية وإدارة سجن صدام حسين وتولت تقديمها شاشات عربية الموضوع الوحيد الذي جعلني أتوجه إلى الأمين العام المساعد الأسبق لجامعة الدول العربية الأستاذ صلاح المختار بل إن الأوضاع الميدانية داخل العراق والتحول السياسي الأمريكي تجاه المقاومة، هي المواضيع الأخرى التي دفعت بي إلى طرح عدد من الأسئلة والتساؤلات على مسامع محدثي ضيف حديث الأحد...
صور مشينة ودليل آخر على أن الحضيض ليس له قاع بل إن الحضيض الذي تردى فيه الاحتلال في العراق يثبت مرة أخرى، وهو يسرب صورا لرئيس أسير لصحافة أوهمونا أنها ليست هابطة ولا تمت لصحافة الرصيف بصلة، هذا الاحتلال يثبت إذن بالكتابة والصورة أنه يرتعد أمام الحق وأنه ليس على صواب وأن شعب العراق وهو موجودان في خندقين مختلفين، قوام العلاقة بينهما احتلال ومقاومة .


* سألت محدثي عن صور العار وعن أبو غريب وعن تعليقه ازاء العملية برمتها وهل أن مثل تلك الأفعال يمكن أن تحد من شكل وقوة المقاومة؟ فكان جوابه كالآتي :
ـ أول ملاحظة يجب تسجيلها في هذا المجال هي أن التقاط الصور قد تم من لدن المخابرات الأمريكية بصفة رسمية وبالتالي ليس هذا العمل من فعل الحراس الذين يتولون أمر الرئيس الأسير.
هذه العملية هي امتداد لعملية أبو غريب التي تم التقاط الصور فيها عمدا في اطار خطة سيكولوجية تقوم على محاولة تحطيم معنويات الشعب العراقي ومن ورائه كل الشعب العربي، وكذلك هي محاولة للنيل من معنويات المقاومة المسلحة، ولكن وكما حصل في حالة أبو غريب فلن يزيد الأمر إلا حقدا في نفوس العراقيين والعرب... لقد زاد أبو غريب كمية الحقد والغضب ضد المستعمر بشكل لم يكن يتوقعه أحد... وهنا... مرة أخرى يُجرم المستعمر في حق الإنسان العربي ولكنه يكشف عن جهل واضح لنفسية العربي... الحالة الآن مشابهة تماما لما كانت عليه النفوس ساعة كشف تلك الصور في أبو غريب احتقان وغضب عارم وليس تراجعا أو ارتباكا أو خوفا من صاحب الجريمة. إن عرض الصور التي أكملت بعض الفضائيات العربية ما كانت بدأته الصحيفة البريطانية بالتعاون مع المخابرات الأمريكية يدل على انحطاط في القيم التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية ،  عرض الصور يدل على بدء عملية انحدار في صفوف الاحتلال وهي الدليل القاطع على أنه بدأ يفقد أعصابه... يفقد الاحتلال الأمريكي في العراق أعصابه، لأنه بدأ يرى أحلامه ومطامعه تنهار أمامه وأمام الرأي العام الذي وعده بعملية جراحية في العراق سريعة ومغيرة للأوضاع ثم الخروج بانتصار... حصل للاحتلال هذا، وليس غريبا أن تأتي عملية بث الصور بعد معركة القائم التي أكثر الاحتلال من التكتم عليها... معركة القائم يا سيدتي، كانت معركة بطولية واستثنائية في ما يخص الطرف المقاوم للاحتلال، وهذا بشهادة جنرالاتهم، جنرالات الاحتلال... لقد رأى الاحتلال الأمريكي، أن تسريب تلك الصور التي تقصدين، سوف يهين الشعب العراقي ويكسر من شوكة المقاومة التي استقرت الآن وبدون تراجع في حلق المحتلين... لكن في كل الأحوال فإن نشر الصور يعبر عن إقرار من القوة الأمريكية بانحدارها الفعلي والرسمي...


* أول تفسير من الغرب، صدر بخصوص صور الرئيس الأسير، قال إن الهدف هو التأثير على معنويات المقاومة وفي هذا يلوح اقراران : الأول يقول إن صفحة المقاومة المسلحة ليست غريبة عن صدام حسين والإقرار الثاني يقرأ على أساس أن القوات الأمريكية في ورطة بما أنها لجأت الى هكذا تصرفات لا قانونية ولا إنسانية. سؤالي هنا يهم المقاومة العراقية. ما هو موقعها من المشهد العراقي العام، وما هي أهدافها وفي أي مرحلة هي الآن إذا كنت تؤكد مرة أخرى كما شأن تأكيداتك من قبل، بأن المقاومة في العراق ثورة وطنية لها خطط تكتيكية وأخرى استراتيجية محسوبة.
ـ أريد أن أؤكد أولا بأن الثورة المسلحة في العراق دخلت المرحلة الأخيرة والحاسمة لأن قوات المقاومة قد انتقلت في معارك القائم والعبيدي والرمانة الى معارك شبه نظامية.


* كيف ذلك؟
ـ لقد اشتبك الحرس الجمهوري العراقي الذي تعرفون وجيش محمد والجيش الإسلامي وهي ألوية تكونت زمن الاحتلال وفدائيو صدام مع قوات الاحتلال وهم يرتدون أزيائهم الرسمية وهم يحملون درجاتهم العسكرية النظامية الأصلية. في القائم حصلت حرب شبه نظامية جعلت جنرالات أمريكا يصرخون رعبا. وقد نشرت تصريحات هؤلاء الجنرالات تحت أقوالهم بأنهم فوجئوا بحرفية عسكرية لدى المقاتلين العراقيين وأنهم (المقاتلون) كانوا يرتدون ملابس عسكرية رسمية. بل إن جنرالا منهم ذهب إلى أكثر من ذلك عندما صرح، وقد نشرت جريدتكم كباقي وسائل الاعلام في العالم تلك التصريحات من أن تسليح المقاومة العراقية واستعداد المقاومين وعلى المستوى الفردي كان أفضل وأعلى من تسليح الجندي الأمريكي، وهذا طبعا على المستوى الفردي أقول دون احتساب الغطاء الجوي والتفوق اللوجستيكي الأمريكي على العراق فهذا التشبيه أو هذه المقارنة تهم الميدان والقتال وجها لوجه وجسدا أمام جسد... لذلك كان المعيار هو الفرد وليس العدة كاملة...
ولقد استخدم الجيش العراقي في القائم المدفعية بعيدة المدى من تلك التي غنمها ( قطع) من القوات الأمريكية... وقد وقع اعادة تسليح المقاومة بأسلحة أمريكية أخرى غنمت من معسكرات ثلاثة تابعة للجيش الأمريكي.


* هل هذا يعني صدق ما كنا سمعناه سابقا من تحليلات تشارف المعلومات والتي لم يكن بوسعنا أن نصدقها من أن الجيش العراقي سرّح نفسه وفق خطة أخرى وصفحة أخرى اسمها المقاومة ضد المحتل؟
ـ نعم وعلى كل هذا الأمر على أمريكا أن تتحدث عنه لأن قواتها في الميدان هي التي تعرف حقيقة الأمور وليس أمامها سوى كشف الحقيقة والحقائق عوض اللجوء الى وسائل حقيرة مثل أبو غريب والصور... لقد أجبر هذا الوضع الذي فرضته المقاومة المسلحة عنوان الثورة الوطنية بالعراق، قوات الاحتلال على البحث عن مخارج حفظ بها ماء الوجه.


* أوروبا الاتحاد صمتت وعارضت ما اقترفته أمريكا بشأن العراق. لكن ها هي تعود الآن، لتطرح فكرة مؤتمر دولي حول العراق، فلو كان أمر العراق قد وصل مرحلة الحل فلماذا إذن هذا التدخل الأوروبي؟ ثم أرفق السؤال، بآخر : هل لك أن تكشف لنا إن كنت على بينة من الأمر، إن كان الأمريكان قد وسطوا طرفا أو أطرافا أخرى في ما يحصل الآن، وكيف ولماذا؟
ـ لقد أشرت سابقا وعلى صفحات جريدة الشروق بالذات موضوع البحث الأمريكي عن خطة انسحاب تحفظ خلالها ماء وجهها... لهذا تكثفت الوساطات مع حزب البعث أوروبيا وعربيا... وطلب أمريكا لوساطات دولية في موضوع العراق مؤشر كاف على أن القوات الأمريكية في ورطة اسمها العراق وفي مأزق اسمه المقاومة العراقية وإلا ما كانت لتعتني أو تحرص على البحث عن وساطة...
لكن ما أعلنه الآن، ولا تقدر على كشفه أمريكا، هو أن حزب البعث ومكونات المقاومة العراقية، رفضوا أي اتفاق إلا ضمن شروط المقاومة : خروج الاحتلال وعملائه من العراق. لقد بين هذا الأمر ونص عليه بيان القائد الميداني للمقاومة السيد عزت إبراهيم الدوري. وحينما رفض الحزب التنازل لجأت أمريكا إلى أساليب الخسة فأعلنت واشنطن عن : أولا أنها ستقدم الرئيس للمحاكمة وهي أول من يعلم أنها تفتقر الى القاعدة القانونية لهكذا محاكمة... ورغم هذا فقد ردت المقاومة على الأمر بقوة وعنف.
ثانيا : سربت القوات الأمريكية تلك الصور وهي خطة مدروسة بشكل رسمي حتى تثني المقاومة عن اصرارها، لكن هيهات أن يكون الأمريكيون قد فهموا سيكولوجية العراقيين والعرب. فكل فعل خسيس من ذاك القبيل، إنما يؤجج نار المقاومة ويوسع من دائرة الرفض الشعبي. وعملية بث الصور بحد ذاتها تعبر عن حقارة عقلية الخصم....
أما بخصوص المقترح الأوروبي حول مؤتمر دولي حول العراق، فهو امتداد لمحاولات أمريكا لحفظ ماء الوجه، وتأمين خروج مشرف لها من العراق... وأمريكا تعمل في السر وعبر وساطات على اقناع المقاومة كي تتخلى عن شروطها وسلاحها... وقد لجأت أمريكا وضمن هذا الاطار بالذات الى توسيط دولتين عربيتين (رفض محدثي كشف اسميهما، لكنه أكد بعد الحاح في السؤال أنهما مشرقيتان) وذلك لاقناع المقاومة لكن المقاومة كررت شروطها وثباتها على المبادىء وهنا أقول للجميع من على صفحات الشروق نحن مصممون على هزيمة مذلة لأمريكا في أرض العراق.
بقي أن أشير الى أن التدخل الأوروبي الآن وفي هذا التوقيت بالذات يدخل في اطار مد حبل لأمريكا كي تخرج من المستنقع الذي وقعت فيه.


* لكن هل هناك مفاوضات معينة ولو غير معمقة من حيث المسائل المتناولة بين المقاومة والحكومة الجديدة؟
ـ شعار المقاومة : اليد التي تمتد إلى المستعمر تقطع وكذلك الشأن لعملاء المستعمر... آخر بيان للمقاومة شدد على أن المعركة ستحسم في جبهات القتال وأن لا تفاوض وعلى العملاء أن يخرجوا مع الاحتلال.


* سؤال جديد قديم يهم المقاومة ومكونات المقاومة : الى أي مدى يمكن التأكيد بأن المقاومة العراقية ليست سنية فقط أو ليست كردية فقط أو ليست شيعية فقط. هل لهذه المقاومة ألوان طيف متعددة؟
ـ أعيد مرة أخرى القول : إن المقاومة العراقية ذات طبيعة وطنية عراقية عامة. ولحسن الحظر اعترف الطالباني نفسه بأن حوالي 73 من كوادر حزب البعث هم من الشيعة. واعترف أيضا بأن المقاومة وبغض النظر عن التسميات هي بالأساس بعثية... وأنا أقول زيادة على هذا باقي أبناء العراق يساهمون مساهمة فعالة ويمارسون دورهم الوطني، وهذه المصطلحات والتمييز هي من اختراع المستعمر وايران التي تعاضده في ذلك. ولا يوجد في المقاومة ما يعكس هذا الادعاء فالعمليات (المقاومة) في البصرة وفي العمارة وفي أربيل وفي داهوك وفي السليمانية وفي الناصرية... إذن جميع الشعب مشارك في المقاومة كذلك تجري محاولات لاشعال فتنة طائفية ولكنها ستفشل بعون الله وبارادة العراقيين.
المقاومة لا تقاتل في القائم فقط بل في مدن بغداد والحلة وغيرها والمقاومون يرتدون الآن ملابس الجيش العراقي وينصبون نقاط تفتيش في المدن... والآن أضحت وجوه المقاتلين مكشوفة فلم يعد المقاوم يخرج ملثما على الميدان... وكل مجموعة تفوق 25 عراقيا، الثورة الآن في مراحلها الحاسمة.


وهنا أريد أن أقول للشعب التونسي الحبيب الذي عاشرته وعرفناه جيدا إن الفرج قريب... والاحتلال ينهار وأنتم تذكرون أن رامسفيلد وبوش ورايس قالوا يوما إنهم (الأمريكان) سيدحرون المقاومة وسيسحقونها في لحظات... الآن، نشهد هذا الثالوث وإلى جانبهم القادة العسكريون الأمريكان يرددون : لن نستطيع قواتنا دحر المقاومة... الجنرال كيميت قال مؤخرا إن القضاء على التمرد (المقاومة) يستدعي 10 سنوات في المتوسط وهذا اعتراف بالهزيمة ورسالة الى الشعب الأمريكي بأن يعيد النظر في الأمر فإذا كان المعدل الوسطي هو 10 سنوات فهو (كيميت) يلمح الى أن يبقى يقاتل في العراق 20 سنة... هو يريد من خلال ذاك التصريح أن يفهم الرأي العام في الولايات المتحدة الأمريكية بأن تتفهم أمريكا وتغيير خطابها السياسي حول العراق... وهو طبعا وبالدرجة الأولى يريد أن يعفي الحزب الجمهوري من استحقاقات السؤال عن المغامرة غير المحسوبة التي دخلها في العراق وبالتالي لا يريد أن يلحق الضرر بالجمهوريين....

الشروق 22 5 - 2005

شبكة البصرة

الاحد 13 ربيع الثاني 1426 / 22 آيار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس