نواقض الدين: ازدواجية السلوك

شبكة البصرة

صلاح المختار

ربما لا تظهر عيوب ازدواجية السلوك كما تظهر في السلوك الفعلي لرجل متدين، فالتدين في اساسه هو عملية تطهير للنفس من موبقات الحياة الدنيا، وسعي مستمر وجاد لاكتشافها والتخلص منها، من اجل ان يحافظ الانسان على طاعته لله في الفكر والممارسة. ان ازدواجية السلوك خارج نطاق التدين، يمكن التعامل معها
بقدر من التفهم، والتفهم لا يعني القبول ابداً، لأن السلوك الاجتماعي، بمختلف اشكاله يخضع مباشرة لقواعد اجتماعية وتقاليد، اكثر مما يقع تحت النفوذ المباشر للدين، ولهذا يبدو السلوك المتناقض اجتماعياً عيباً في الشخصية، لكنه لا يضع الفرد في دائرة التشكيك بصدق ايمانه بالله.
ان ازدواجية سلوك المتدين هي اكبر تحد للانسان مادام يتعامل في ازدواجيته، مع نواهي الله واوامره التي لا تقبل الاجتهاد الملتبس والملغوم، من هنا فإن اكثر ما يستفز الانسان العادي، وربما يشوه قناعاته، هو ان يرى متديناً يمارس ازدواجية بارزة من خلال تفسير النص القرآني الكريم، والحديث الشريف بطريقة تخدم مصالحه ورغباته فيجعله ذلك يتحدث عن الايمان لكنه يخرق قواعده يومياً! كيف ذلك؟

حكمة الإيمان

ان البحث في الغاية من الايمان يوصلنا الى النتيجة الجوهرية التالية: الاسلام دين يعيد بناء شخصية الانسان، بتحريرها، ليس من الشرك فقط، بل من موبقات وشرور الدنيا، وابرزها الانانية والجشع والكذب والخداع ونهب الآخرين.. الخ، فالمسلم الحقيقي هو اولاً، وقبل كل شيء انسان غيري اي عكس اناني ،لأن الانانية هي مدخل الشيطان الى عقل الانسان، والتي يدسها عبر العاطفة وفورة الجسد المادي، والغيرية تعني قبل كل شيء ان يكون الانسان قادراً على معرفة حدود ما يريد ويفعل، والتي تنتهي عند حدود ما يريده الآخرون ويفعلون، بفرز حقي وحق غيري، و عدم التجاوز على حق غيري وكرامته.
وحينما يتضح الحد ينبغي على المؤمن بالله ان يعالج كل شيء، من منطلق ان من اكبر فضائله خدمة الآخرين ورعاية مصالحهم، وتجنب التجاوز عليهم وعليها، حتى لو تطلب ذلك التضحية بحقوقه هو، وربما بحياته بالذات. ان قيم الايمان هي في جوهرها منطلقات سلوكية سامية، وضعت لخلق نماذج انسانية راقية يقتدى بها، لأن الناس لا يؤمنون الا عبر نماذج سلوكية، يرونها متجسدة في بشر يعيشون بينهم والا لم يمنح المواطن العادي ثقته بشخص او اشخاص ويضع حياته ومستقبله بين اياديهم، اذا كانوا عاديين مثل غيرهم، بقيمهم وضوابطهم السلوكية وخدماتهم للآخرين؟!
إذن الغيرية، هي احدى اهم اسس التربية الاسلامية والاخلاقية ومن دونها يفقد المسلم الركيزة السلوكية لإيمانه، لأن الانانية تقود اول ما تقود الى ممارسة المتدين سلوكاً مزدوجاً، ظاهره إيماني وواقعه شيطاني.
كيف يظهر ما قلناه في الحياة الواقعية؟ لنتناول نموذجين احدهما فردي والآخر عام، يجسدان ازدواجية السلوك.

التجلي الفردي

منذ كنا اطفالاً في المدارس الابتدائية كان محيطنا الاجتماعي يقدم لنا صوراً من السلوك المزدوج لمتدينين، فنحن قبل كل شيء مجتمع ايماني، ويبدأ الطفل بتلقي اول دروس الايمان في داره وحارته، ثم مدرسته، لذلك ينشأ وعينا الديني مبكراً،حتى لو كان بسيطاً،وبما ان اصل التربية الدينية هو فضح السلوك الشيطاني ،وعلى رأس ذلك الانانية، فإن اكتشاف مزدوجي السلوك كان سهلاً من قبلنا، رغم اننا كنا اطفالاً، فبعض المعممين، الذين يلقون المواعظ في المساجد، حول (حب الآخرين) و(مساعدتهم) واهمية (الامانة والاستقامة) و (احترام مصالح واملاك الغير)... الخ. كانوا يمارسون سلوكاً حتى داخل بيوت الله يفصح عن تجاوزات لكل ما ورد في المواعظ.

فمثلاً كان هذا البعض يغش صاحب البقالة بدس اشياء في جيوبه، اوانه يبيع سلعاً يملكها، لكنها معطوبة، فيصبغها او يصلحها لتعمل مؤقتاً ويبيعها على انها جيدة وهو يعلم انها معطوبة! ان الامانة والتحلي بأخلاق المسلم عند البيع والشراء، يخرق من قبل هذا البعض، بممارسة الكذب من اجل تضليل الزبون وسرقة امواله او اخذ سعر اكثر من السعر الاصلي. ويتخذ الخداع شكل عدم ايضاح كل ما يتعلق بشروط البيع والشراء للزبون او الطرف الثاني، من اجل ان يفرض شروطاً لم يطلع عليها سلفاً الشخص الثاني.
وفي دار هذا البعض يعامل زوجه واولاده بطريقة لا تنم عن اخلاق اسلامية، فهو قاس بلا مبرر ويعلم اولاده كيفية الحصول على المال، دون ان يقرن ذلك بالضوابط الشرعية والاخلاقية.. الخ. هذا السلوك الفردي يجسد ازدواجية مذمومة، لأن الحصول على المال امر مشروع، لكنه يجب ان يتم وفقاً لقواعد الشرع والقانون والاخلاق، ولهذا فإن خرق ما تقدم يضع الانسان في دائرة الازدواجية في السلوك، فهو نظرياً مؤمن، لكنه فعلياً شيطاني السلوك.
ان الانانية تنقض الغيرية ومن ثم تضع المسلم امام تهمة الخروج عن دينه وتعاليمه، لأنها تعلمه أول ما تعلمه، ازدواجية السلوك من اجل تضليل الناس، والاحتفاظ باحترامهم وظنهم انه مسلم حقيقي. و حينما ينتبه الناس الى ازدواجيته يستطيع بفضل ما تعلمه من منطق، ان يفسر تعاليم الدين على هواه، في محاولة منه يعرف انها تضليلية، لإغلاق افواه منتقديه، وارباكهم، مستغلاً ضعف وعي قسم كبير من الناس، أوانه يستخدم منطق باطني ملغوم بقنبلة توراتية!

التجلي العام

حينما نتجاوز التجليات الفردية لازدواجية السلوك، وهي كثيرة.. نواجه ما هو اخطر: استغلال الدين لتنفيذ سياسات تخدم اعداء العرب والمسلمين وتضر بالاسلام والوطن، ففي حالات عديدة نجد (مراجع) دينية رسمية عليا تمارس سلوكاً عماده تسويغ وتبرير السياسات التي تخدم المعتدين على العرب والمسلمين، رغم وضوح عدوانهم حتى طبقاً للقوانين الوضعية! فكيف يمكن لمرجع ديني، مثلاً، ان يفتي بتكريس احتلال اسرائيل للارض العربية بدعوته (للتسامح) معها، و (الحرص على السلام) اكثرمن الحرص على حقوق العرب والمسلمين؟ وكيف يمكن (لمرجع) ديني (رفيع المستوى) ان يفتي بعدم مقاومة الاستعمار الامريكي للعراق والتعاون مع المحتلين ومن جاء بهم من الخارج لحكم العراق وتدميره؟
ان هذا السلوك العام لبعض (المراجع الاسلامية) قد الحق الدمار بفلسطين والعراق دون ادنى شك، لأنه قام على خدمة مصالح المحتلين في فلسطين والعراق، والاغرب من ذلك، هو ان من ايدوا احتلال العراق وكانوا من بين اهم اسباب نجاحه، اصابهم الخرس حينما نكب العراقيون، باغتصاب نسائهم واطفالهم ورجالهم جنسياً وقتلهم وتعذيبهم.. الخ لكن هؤلاء انفسهم نبتت لهم السن طويلة مجدداً واستخدموها، بسلاطة لمهاجمة اليمن واتهامه باضطهاد طائفة معينة!!!
اين ازدواجية السلوك؟ انها تتجلى في التواطؤ مع الاستعمار الامريكي في احتلاله وتدميره للعراق، ومع الصهاينة في اكمال مخطط صهينة فلسطين، كما انها تتجلى في تحولهم الى قطط مسالمة حينما يتعلق الامر بالتعامل مع جرائم (الشيطان الأكبر) ،اي امريكا و (الشيطان الاصغر)، اي اسرائيل، كما يحلو لهؤلاء المتسترين بالدين ان يصفوا امريكا واسرائيل ،لكنهم يصبحون نموراً شرسة حينما يتعاملون مع العرب والمسلمين!

المنطق الداخلي

وربما يسأل الانسان السوي والمسلم الحقيقي: كيف يمكن لمسلم ان يكذب ويخدع وان يدعم اعداء العرب والمسلمين ويبقى مقتنعاً انه مسلم؟ في الواقع ان منطق مزدوجي السلوك غير مألوف لدى المسلم العادي،
لأنه يقوم على سلوك باطني خطير، تحركه منظومتا قيم: قيم سلوكية ظاهرية، او علنية، وقيم سلوكية باطنية سرية، ففي الظاهر يتظاهر هؤلاء بتمسكهم بالاسلام، وبالتعامل مع المسلمين الآخرين وفقاً لتعاليم الاسلام، لكنهم في الباطن يعتقدون ان من حقهم ان يخدعوا الآخرين وان يقوموا بما يرون انه يخدمهم او يخدم ملتهم، حتى لو تم ذلك على حساب الآخرين، لأنهم هم (اصحاب الحق) وممثلو الاسلام الحقيقي، اما الآخرون فهم منحرفون وليسوا مسلمين في الواقع!!! وبما ان قيمهم الباطنية توجب عليهم النظر الى الآخرين (ككفار)، فإن خداع الكافر مسموح به، و(ان الغاية تبرر الواسطة)!
هذا المنطق الغريب الذي يبيح قتل وسرقة وخداع المسلم، بافتراض انه ليس مسلماً في الواقع، والتعامل مع الشياطين لتحقيق اهداف ملة معينة، كما فعل من تعاون مع الاحتلال في العراق، هو في الواقع منطق منحدر من اصل توراتي معروف، وهو تمييز اليهود بين البشر على اساس اليهود والاغراب (الجوييم)، فاليهودي هو الانسان، اما الغريب (الجوييم) فهو ليس بإنسان حتى لو ارتدى جسد انسان، لذلك فإن قتله واستباحة زوجه واستبعاد اولاده، ونهب ثرواته مسموح به ولا يتناقض مع التعاليم اليهودية.

الذين يعرفون والذين لا يعرفون

بعد ان عرفنا المسألة من زاويا المجتمع والسياسة كيف تبدو من وجهة نظر اسلامية صرفة ؟ ان هؤلاء المزدوجي السلوك يظنون انهم يستطيعون خداع الناس،وقد يكون هذا الظن صحيحاً رغم انه اثم كبير، لكنهم يتجاهلون ان ثمة (عين) تراقب الانسان وتعرف نبضات خلاياه وليس تفكيره فقط، هي (عين) الخالق عز وجل، فالكذاب والمحتال وخائن الوطن ،ومهما نجحوا في خداع الناس، فإن عين الله تعرفهم وتكشف خفاياهم، لذلك فإن اول عقاب لهؤلاء هو ان النار تنتظرهم، مهما نجحوا في الدنيا، اما في الدنيا فينتظرهم احتقار الناس، وعلى مستوى التجلي الفردي، وحساب القانون على مستوى التجلي الجماعي.

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الخميس 17 ربيع الثاني 1426 / 26 آيار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس