|
اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية (الحريات قبل الديموقراطية) شبكة البصرة شهد الصراع حول قضايا الحريات والديمقراطية السياسية منذ صيف 2004 انطلاقة جديدة وطورا مختلفاً عن الفترة السابقة. فقد ركزت وكثفت قوي المعارضة جهودها بل قصرتها -باستثناءات قليلة- على هذه القضايا. فتصاعدت الدعوة للتغيير السياسي وتمحورت حول المطالبة بانتخاب رئيس الجمهورية انتخابا حراً مباشراً في انتخابات تعددية وتقييد سلطاته المطلقة ومدد انتخابه بفترتين فقط، وإلغاء حالة الطوارئ، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات. انطلاقه الحركة ومحاولة احتوائها: نجحت الحركة في جذب أعدادا أكبر من المثقفين إلي صفوفها ، ومارست -انتزاعا - حق التعبير والتظاهر وعقد الندوات والمؤتمرات السياسية في مواجهة حصار أمني كثيف كالعادة لتثبيت التظاهرات في أماكن انطلاقها. وقد كسبت قدرا من التعاطف بين جماهير الشعب العادي ولكن دون نجاح يذكر في جذبها إلي ميدان المشاركة . فظلت المظاهرات محدودة الأعداد رغم كثرة إطلاقها ، إلا أنها حظيت باهتمام كثيف من وسائل الإعلام الأجنبية والصحافة الأمريكية وخاصة بالنسبة للمجموعات التي قامت بنشاطها تحت الشعار التعبوي لا للتمديد ( التجديد) لا للتوريث. هذا القدر من النجاح العملي – علي تواضعه – كان كافيا ليفاجئ الرئيس مبارك أغلب وأكبر القوي السياسية المشاركة في الحركة بإعلانه في 26 فبراير موافقته علي تعديل المادة 76 من الدستور لاستبدال نظام الانتخاب بنظام الاستفتاء لرئاسة الجمهورية ، وفي محاولة منه لاستباق تداعيات باتت محتملة واحتوائها كانضمام قوي وقطاعات ذات ثقل جماهيري أو تأثير معنوي كبير للحركة أو بلوغ الضغوط والابتزازات الأمريكية للنظام تحت حجة استبداده وعدائه للديمقراطية حدودا يصعب احتواء نتائجها . وعلي الرغم من أن الإعلان لم يوقف الحركة بل وأعقبه تحرك بين أساتذة الجامعات دفاعا عن الديموقراطية واستقلال الجامعة وكذلك تحرك القضاه للمطالبة بالإشراف الكامل والحقيقي عي الانتخابات وقانون الهيئة القضائية وتهديدهم بالامتناع عن الإشراف علي الانتخابات ما لم تجاب مطالبهم ، فإن صدور إعلان مبارك في التاريخ الذي صدر فيه أصاب هدفه بقدر كبير من النجاح . فقد جاء تحرك الأساتذة متأخرا إلى حد ما ومحدودا في حجمه وغير متواترا أو متصاعدا ، كما لم يكن موقف وتحرك القضاه رغم ضخامته وأهميته قادرا علي عزل نفوذ النظام بينهم وتوحيدهم توحيدا عاما ومستقرأ حتى الآن حول قائمة مطالبهم . إلا أن الأهم من ذلك أن الإعلان –رغم تعلقه بمادة واحدة فقط في الدستور وبمطلب واحد فقط من المطالب الأساسية الثلاثة وهو الخاص بانتخاب الرئيس ومدد ولايته وسلطاته وببند واحد في هذا المطلب وهو انتخاب الرئيس انتخابا مباشرا – قد فاجأ وأربك أغلب قوي الحركة وقوامها الرئيسي وأظهر العلاقة الهشة والانتهازية التي أقامتها جماعة الأخوان المسلمين مع المجموعات التي تحركت تحت عنوان كفاية فركزت جهودها بعد الإعلان في العمل منفردة ولحساباتها الخاصة . فهذه القوى ،بدءً بمن اعتمد علي الأنشطة الموجهه للشارع ووسائل الإعلام تحت شعار لا للتمديد (للتجديد) لا للتوريث إلى أحزاب الوفاق التي اعتمدت علاوة علي الشارع ووسائل الإعلام علي " الحوار " مع الحزب الحاكم في المقام الأول والأساسي، بدت وكأنها تري الواقع السياسي وتوازنات القوي الحقيقيةفيه - والناجم عن الغياب الطويل المقيم للحركة الجماهرية – لأول مرة. فعندما طالبت بتعديل عاجل في الدستور لم تحدد من يقوم به تاركه المهمة بذلك – حسب الدستور - لمجلس الشعب الذي يهيمن عليه النظام . وفي المطالب جعلت أول وأهم مطالبها العاجلة الانتخابات التعددية التنافسية لرئاسة الجمهورية مع رفض التجديد لمبارك دون أن تواجه مقدما حقيقة أنها اضعف إلى حد بعيد ( ربما باستثناء الأخوان ) من أن تخوض معركة حقيقية حول انتخابات الرئاسة في ظل الضعف الحالي للحركة السياسية الجماهرية وترسانة القوانين المقيدة لحرية النشاط السياسي الجماهيري ، وأن الانتخابات الرئاسية التعددية ستظل – من الناحية الأساسية – مظهرا شكليا لاستمرار الديكتاتورية السياسية كما هو حال بلاد عربية أخري إلي أن تُبني منظمات سياسية جماهيرية تمثل طبقات الشعب وتسقط القوانين المكبلة للحركة الجماهرية. ولذلك كان من أكبر أخطاء الحركة أنها وضعت إلغاء هذه القوانين في ذيل أولوياتها وغيبتها أو كادت في نشاطها العملي في الشهور العشرة الماضية باستثناء إلغاء حالة الطوارئ . إن أي انتخابات برلمانية أو رئاسية في مصر ولكي ما تمثل الشعب أو حتى ترسل عددا يعتد به من ممثليه إلى البرلمان يتعين أن يسبقها بوقف كاف الغاء القوانين المقيدة للحريات لاتاحة امكانية اعادة تأسيس وبناء الأحزاب السياسية المعبرة عن الشعب ونشر برامجها بين الجماهير وتشكيل منظماته النقابية والديمقراطية الكفاحية التي حظرت وجرمت وغلظت الدساتير والقوانين عقوبات اقامتها لعشرات السنين . هذه حقيقة واضحة نبهنا لها منذ سنين وأعدنا تأكيدها منذ أول يناير 2004 أكثر من مرة ولم تعتد بها القوي الاخري إلا ان بعضهم اعترف بها بعد اعلان 26 فبراير، فلعلهم لا يتنكرون لها او يتناسونها مرة أخرى . هذا ولم يكفي في صالح حركة ترفع شعار "التغيير" أن تختزل مطالبها إلى هذا الحد . وبرغم هذه الأخطاء وغيرها مما سنتعرض له لاحقا، فقد حققت الحركة مكسبا جزئيا هو طرحها مسألة الديمقراطية السياسية بقوة لم نشهدها منذ سنوات وحملت النظام علي استبدال نظام الانتخاب للرئيس بنظام الاستفتاء ، فهو إن كان قد شدد شروط الترشيح فقد اقر مبدأً أفضل من النظام السابق قد بكون له تداعياته في المستقبل وإن كان أقل مما نصبو اليه وهو مبدأ الجمهورية البرلمانية . ومع ذلك فإن مقاطعة الاستفتاء علي نص تعديل المادة 76 هو الموقف الصحيح والمقاطعة الايجابية هي الموقف الأصح أي التصويت بلا علي ورقة الاستفتاء، وذلك تعبيرا عن رفضنا للشروط المشددة للترشيح ولرفض النظام تعديلات الدستور الخاصة بمدد ولاية الرئيس وسلطاته المطلقة ، وتشبثه بالقوانين المقيدة للحريات بل وتوجهه الي تشديد بعض القيود مثلما جاء في مشروع تعديل قانون الاحزاب الذي ينص علي زيادة عدد الحد الادني لمؤسسي الحزب من 50 الي 1000 مؤسس . الحركة ومطالبها ومرجعياتها: لذلك وبرغم هذا النهوض الملموس نسبيا لحركة النضال من اجل الحرية والديمقراطية السياسية فإنه لا يزال أمامها شوطا طويلا والمعارك الأساسية والحاسمة لم تأتي بعد. وهو ما يقتضي تعرفا نقديا علي الحركة لتحديد أهم العقبات التي تعترضها والمخاطر التي تصحبها معها في نشاطها الجاري بهدف تحديد المهمات اللازمة للتغلب عليها. هذه الحركة أوسع من الأحزاب والحركات أو التجمعات التي برزت في صدارة أحداث الشهور الماضية. وإن كانت الاخيرة تشكل قوامها العملي الرئيسي الحالي .وهي لا تزال حتى اللحظة - ومن الناحية الاساسية – حركة نخبوية لا تستند الي قواعد جماهيرية وشعبية ولا يشارك في قيادتها قادة صاعدون من أو معبرون عن هذه القواعد سوى عن بعض قطاعات المهنيين . ومع ذلك فهي صدي للوجدان العام الذي تشكله ولا تزال الازمة العامة الوطنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المتعمقة في مصر. إلا أن هذا الصدي وبسبب الطابع النخبوي للحركة يتأثر أكثر ما يتأثر في توجهاته بالتكوين الفكري والسياسي لأفرادها، وهو تكوين لا يعكس في أغلبه وبصورة صحيحة الواقع الموضوعي في بلادنا، أي لا يعكس جملة العوامل المترابطة وراء الأزمة. فأغلبية الحركة وكما يتضح ما تعرضنا له سابقا ومما سنتعرض له أكثر لاحقا تتمايز في تكوينها الفكري السياسي الي اتجاهين. الاتجاه الأول – كما يبدو لنا – اتجاه عريض وعصري وخليط من أفكار التحديث وأفكار تندرج تحت ما يسمي ما بعد الحداثة وغيرها من المصطلحات التي تعطي أسبقية أو لا تهتم إلا بالجزئي والعابر والفردي والخاص والهامشي والاستهلاكي ، التي استشرت في عالمنا تحت تأثير تطور الإمبريالية ( العولمة ) من جهة ، وهزيمة الثورات الاشتراكية السابقة من جهة أخرى. ولا تسمح هذه الأفكار والخليط غير المتجانس الذي يحتويها برؤية قضايا مصر والمنطقة في إطار الحقائق التاريخية والحقائق الحالية الكبرى أو الأكثر أهمية في بلادنا وعصرنا . وهو ما يتمثل في الملمح التفكيكي ( نقصد الفصل وعدم الربط بين القضايا المترابطة )الذي يجمع ما بين القوى والعناصر المختلفة المكونة لهذا الاتجاه العريض في التعامل مع قضايا بلادنا والمنطقة، وهو ما سنعود له لاحقا . أما الاتجاه الثاني فسلفي ، وهو محسوب تجاوزا في الحركة حاليا بسبب مشاركته فيها وهي علي الأرجح مشاركة عارضة ( وتكتيكية ) . فهذا الاتجاه الذي يدعو الي اتخاذ الدين مرجعية للسياسة ونظام الدولة . هذا بالاضافة الي اتجاه يحاول الاستناد إلى مرجعية ومواقف وصحيحة في مواجهة التكوينين السابقتين وبالاعتماد علي تقصي وتحليل الحقائق الواقعية لعصرنا وفي مجتمعنا المصري والعربي ،وهو الاتجاه الأضعف في الحركة حتى الان . وإن صح هذا الفهم للحركة السياسية في مصر تصبح التوجهات السائدة فيها الآن سببا أساسيا من أسباب تفاقم الازمة. فالأزمة تتعمق من جراء الأوضاع والقيود المفروضة علي عملية تحرير طاقات جماهير الشعب لمواجهتها ،وكذلك من جراء خطأ أو عدم ملائمة الاستراتيجيات والتوجهات المتبعة لتحقيق هذا التحرير ، أي تحرير طاقات الشعب للتغلب علي القوى التي صنعت الأزمة وهي قوي مترابطة عضويا : الامبريالية والصهوينية والتبعية الاقتصادية والسياسية للدول الامبرالية والديكتاتورية السياسية وسياسات افقار الطبقات الشعبية وتكثيف استغلالها. عقبات ومخاطر وتوجهات لتجاوزها: رصدنا أربع عقبات ومخاطر تعترض تطور الحركة وتهدد مستقبلها نصحبها بتوجيهات نراها لازمة لتجاوزها . 1- خطر الاستيعاب والتوظيف: يرفع الاستعمار الأمريكي والعالمي قناع الحرية والديمقراطية ويعد الشعوب العربية بحكم تمثيلي وانتخابات تعددية تحت الاحتلال ،أو الوصاية بدلا منه، مثلما كان الاحتلال أو الاستعمار السابق يصفي الثورات الوطنية عن طريق إقامة حكومات محلية منتخبة تأتمر بأمر المحتلين . وفي ظل هذا الوضع يصبح النضال ضد الديكتاتورية السياسية المصرية (أو غيرها من الديكتاتوريات العربية ) مرتبط أوثق الارتباط بمقاومة الاستعمار وقاعدته الصهيونية وسلاحاً من أسلحة المقاومة كما هو سلاح لتوفير الحرية والديمقراطية وكسب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشعب وحمايتها . ويصبح النضال ضد التبعية وضد التدخل الأمريكي باسم الديمقراطية معياراً حقيقياً لا يمكن التنازل عنه لانتساب أي فرد أو جماعة أو حزب للقوي الديمقراطية المصرية . هذا ما يجعلنا نشدد ، في ضوء الممارسات السياسية لقوي المعارضة المصرية خلال الشهور العشرة بل العامين الماضين ، أن مخاطر استيعاب وتوظيف الحركة لصالح الإمبريالية هي مخاطر حقيقية ماثلة وليست مفترضة جدليا ً. ويعد مثالاً واضحاً في ذلك محاولة أمريكا توظيف حركة كفاية علي ما تضمه من عناصر وطنية معروفة بل ونجاحها في ترويج نموذج " ثوراتها" الغوغائية المصنوعة علي أيدي أجهزة مخابراتها وعملائها في اوكرانيا وجورجيا وغيرها بين بعض أعضاء الحركة بل بعض رموزها والناطقين باسمها . هذا علاوة علي بروز توجه داخل حركة الأخوان المسلمين لعرض أنفسهم علي أمريكا كبديل لحكم مبارك رغم ادعاءاتهم الدفاع عن الحريات والديمقراطية والوطن و الأمة "الإسلامية" سواء من داخل حركة كفاية أو في نشاطهم المستقل. ويمكن تركيز مصادر هذا الخطر في الحياة السياسية المصرية في التالي : · فصل العديد من الأحزاب والقوي السياسية ( علي الأقل في المستوي المباشر و المدي القصير والمتوسط ) بين قضايا التحرر الوطني وبين قضايا الحرية والديمقراطية السياسية. وهو توجه يبدو أنه مقيم وعلي قدر كبير من الثبات في الفكر والخط السياسي لعدد من قوي وأحزاب المعارضة المصرية . هل أدل علي ذلك من توجههم باتفاق وبدون اتفاق مع الحكومة المصرية إلى الانصراف التام أو شبه التام – فور احتلال بغداد لاتخاذها مرتكزا لاعادة تشكيل مصر والمنطقة بأسرها – إلى ما سمي قضايا الإصلاح السياسي متجاهلين هذا المتغير الأساسي في الوضع السياسي في المنطقة بأكملها ، وهو في حقيقته تكيف مع واقع الاحتلال والتهديد العسكري لباقي الدول العربية وكأنه قدر مقدور رغم الانطلاق العاجل للمقاومة العراقية البطلة . · اعتبار التصريحات الأمريكية عن نشر الحرية والديمقراطية وضغوطها علي السلطة المصرية ظرفا ملائما لتحقيق الإصلاح السياسي وكسب الحرية والديمقراطية . فليست مصادفة انطلاق نسبة كبيرة من النخبة المثقفة والسياسية " للنضال " من أجل الحرية والديمقراطية في صيف 2004. ولا يمكن اعتبار هذا الانطلاق رجع صدي لاحتجاجات وتحركات اجتماعية موسعة أو غير معتادة، فلم تحدث مثل هذه التحركات في تلك الفترة ، كما لم تتبين حركات " التغيير " أي مطالب اقتصادية واجتماعية للطبقات الشعبية . ولا نجد ثمة تفسيراً آخراً غير أن بعض الأحزاب والجماعات قد وجدت في " إصلاح وديمقراطية " الدول الثماني الكبار والاتحاد الأوربي وحلف الأطلنطي المقررة لبلادنا عاملا داعما لنضالنا "الديمقراطي " بوضع النظام الديكتاتوري المصري بين المطرقة الأمريكية والدولية وبين سندان المعارضة المصرية .وفي مناخ التصريحات الأمريكية الطنانة وزيارات القادة الأوربيين والأمريكيين لمصر ، وعلي رأسهم كولن بأول للتدخل في شئوننا وإملاء الشروط التي تسخر السلطة المصرية أكثر مما هي مسخرة لخدمة الأهداف الأمريكية والعالمية ، وقيامه بالاجتماع في فندق سمير اميس مع بعض ممثلي الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني العميلة والمشبوهة لتشجيع "الديمقراطية" – نقول في هذا المناخ استنفرت القوي المختلفة فجأة "للنضال" من أجل الديمقراطية والحرية مع حجب المسألة الوطنية وقضايا مقاومة الاحتلال والعدوان والانصراف عن فضح ومهاجمة مشروع الشرق الأوسط الكبير بعد إقراره وبدء نفاذه ، وتورط في تناغم غريب حقا ومؤسي مع الخطة الأمريكية لفرض الاستقرار والأمن في المنطقة والعراق ، وتنصيب حكومة جواسيس وعملاء الاحتلال في بغداد، واعداد القوات "العراقية" اللازمة لعرقنة الحرب توفيرا للدم الأمريكي وإضفاء الشرعية علي انتخابات المحاصصة الطائفية لتفتيت وحدة الشعب العراقي وشرعنة الاحتلال الأمريكي والتي ساهمت فيها الحكومة المصرية . هذا التناغم أو التوافق الفاضح مع العدو الأمريكي التي شاركت فيه الحكومة وتورطت فيه – بالسكوت علي الأقل - بعض قوى المعارضة المصرية لم يخل به بالنسبة لبعض القوى والعناصر المشاركة بنشاط ودور بارز في "النضال" من اجل الديمقراطية سوي فترة الاجتياح الثاني البربري لمدينة الفالوجا التي أصبحت آنذاك بؤرة اهتمام العالم بأسره . لقد استشرى في الحركة يمينيها " ويسارها " منطق الاستواء بأمريكا والدول الاستعمارية الأخرى.. هل أدل علي ذلك من قول أحد ممثلي هذا اليسار – فما بالك بقول اليمين – بأن منظومة حقوق الإنسان العالمية التي لا تتجزأ قد طبعت عصرنا بطابعها " وان السلطة القمعية " إذا استخدمت العنف ضدنا " ستكون معرضة لحساب عسير لا فحسب من شعبها الذي يتألم ويتحرك و إنما من المجتمع العالمي أيضا " فهل هذا فهم يساري أو حتى وطني أو ديموقراطي للمجتمع العالمي الذي تقبض علي عنقه الإمبريالية الجماعية والأمريكية وتغزو البلاد وتذبح وتجزر شعوبها بإسمه وبإسم منظومة حقوق الإنسان ؟ لقد أضفوا مصداقية علي المزاعم والأكاذيب الأمريكية وهو ما يهدد بعواقب خطيرة علي مستقبل الحركة ما لم تواجه بحسم وفعالية . لقد ساهم كل الذين انطلقوا في الدفاع عن الحرية والديمقراطية بهذه الطريقة بوعي أو بدون وعي في إضعاف دور شعبنا وقواه الوطنية في مقاومة الإمبريالية والصهيونية، وساهموا في دفع وتصعيد التدخل الأمريكي في تفاصيل شئوننا الداخلية وهو ما يهدد بالإطاحة بأي تقدم تحرزه الحركة وتجعله مؤقتا ومقدمه لقيام نظام ليبرالي " كولونيالي " أي من النمط الخاضع للمستعمر والمؤسس لسيطرته لأمد غير منظور . · شمول الحركة لأحزاب ومجموعات ومراكز قابلة بالتدخل الأجنبي وبالتبعية للإمبريالية ، أو ممولة من الحكومات والمؤسسات الأجنبية الاستعمارية تعمل تحت غطاء حقوق الإنسان والخدمة الأهلية في تفكيك واختراق المجتمع المصري من قبل الإمبريالية ، وتسهم في عملها الدؤوب لتوطيد ركيزتها المحلية الاجتماعية والسياسية والثقافية . وبدلاً من مد اليد لها واعتبارها جزءا من القوى الديمقراطية بسبب ادعاءاتها المشبوهة بالدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان، كما تفعل للأسف معظم الأحزاب والقوى السياسية، لابد ممن فضحهم وعزلهم والتأكيد علي أن من يتلقى تمويلاً أجنبيا استعماريا هو تابع بالضرورة لمموله. 2- الهروب من النظرة الشاملة للواقع والقفز عليه: نلاحظ انتشار نزعه هروبية بين النخبة السياسية والمثقفة كلما نظروا إلى أوضاع بلادنا وشعبنا المتدهورة والمعقدة التي تزداد تدهورا وتعقيدا مع الوقت . تجدها مثلا في القول بأن الحل في الدين مع أن الدين قائم والتدين متجذر في 99.99 % من الشعب أو في الديمقراطية أو في الانصراف إلى الشئون الداخلية، وكأن الديموقراطية يمكن أقامتها بمعزل عن الاقتصاد المتطور والتعليم المتطور الديمقراطي أو الاستقلال السياسي الناجز، وكأن الشئون الخارجية لبلادنا ليست الوجه الآخر أو الثاني للشئون الداخلية ، وكأن مقاومة الاحتلال أو الإخضاع العسكري لجميع البلاد المحيطة بنا ولبلادنا وتبعيتها الاقتصادية والسياسية وإدارة شئوننا الداخلية إدارة مباشرة تفصيلية في الشرق الأوسط الكبير شئوناً خارجية ليست قائمة أو موجهة إلى داخلية بلادنا .. إن أوضاع بلادنا المزمنة والحالية هي محصلة فعل جملة أو حزمة مترابطة من القوي المسيطرة علي مقدراتنا تعمل باستمرار – طالما هي مسيطرة – على إعادة إنتاج الوضع القائم بل وترديه الدائم . وكل إمعان للنظر إلى أي جانب أو مجال أساسي من مجالات حياتنا يكشف أن مشاكلنا الأساسية كلاً منها سبب ونتيجة للأخرى في آن واحد. ولا يتسع المقال لضرب أمثلة، فذلك تمرين سهل لمن يريد أن يجرب . وربما كان مصدر هذه النزعة هو الطابع النخبوى الغالب في الحركة السياسية المصرية المعارضة، وخاصة تكوينها الفكري الغالب وقوامه الرئيس حتى الآن المرجعية الدينية غير المستنيرة ، ومحدودة الآفاق من جهة ، والمرجعية العصرية المشوشة بالاضطراب والفوضى الفكريين والسياسيين علي الصعيد العالمي اللذين اجتاحا في الخمسة عشر أو العشرين عاماً الماضية عقول وفكر أفرادها من جهة ثانية. فهؤلاء وأولائك تراجعوا كل بطريقته أمام اكتشاف المشقة وعناء المسير الطويل المعقد وربما التضحيات اللازمة دون أمل قريب بالنجاح للتغلب على المشاكل والعقبات المترابطة ، فاكتفوا من الاقتراب من عتبة النظر بغض الطرف والإياب إلى جانب واحد أو جزء من الحقيقة يختارونه انتفاءً ويجدون التبرير والأعذار المنطقية الشكلية والأيديولوجية لوجلهم أو نفاذ صبرهم . ويقود هذا المسلك بالضرورة إلى التعجل قفزا علي الواقع المعقد والتطلع إلى حل جذري لمشكلة المشاكل كما يتصورنها دون إعداد مسبق كاف ودون إدراك لروابط ضرورية بمشاكل وقضايا أخرى لنا تظل ساكنة عند التصدي للمشكلة الأولي. وهذه النزعة للقفز على الواقع هروباً للأمام تمثلت في إعطاء الأولوية لقضية الديمقراطية التي اختزلت إلى تدول الحكم قبل قضية الحريات، وهو مما دفع لتجنب كثيرون النقاش حول بعض أخطر قيود الحرية والديمقراطية بل إلى التعاون أو التحالف مع من يدافعون عن هذه القيود وهم الأخوان المسلمين لتمسكهم بالدولة الدينية. فهم يحاولون خداع الناس في موقفهم من الديمقراطية والحرية في حين أنهم يتمسكون بالمرجعية الدينية للحياة السياسية والدولة. وقد قال أحد ابرز قادتهم من مدعيي الاستنارة أن مشروعات القوانين –عندما يحكمون– ستعرض علي مجامع( دينية طبعا ) قبل عرضها علي مجلس الشعب كما جاء في مقال له بجريدة الوفد في الشهر الماضي. ومع ذلك نقف ضد اضطهاد الأخوان والتنكيل بهم وندعوهم في تفس الوقت ونطالب كل القوى بدعوتهم إلى إعلان برنامج سياسي وإسقاط مرجعية الدولة الدينية ، والاعتراف بالمواطنة الكاملة المتساوية غير المشروطة للمصريين بغض النظر عن الدين ، والاعتراف بالمفهوم السياسي للأغلبية والاقلية وليس المفهوم الديني. لقد تسببت نزعة القفز علي الواقع في تهميش قضية والحريات وفي حالة الارتباك التي وقعت فيه الحركة بعد إعلان مبارك في 26 فبراير مما حد من مكاسبها. 3- الجوهري المسكوت عنه: في الدستور والفكر السياسي المصري قضايا جوهرية تتناقض مع مبادئ الديمقراطية وطبيعة التمثيل السياسي ضُربت عليها ما يمكن وصفه بمؤامرة من الصمت، منذ انتهاء أعمال لجنة وضع دستور 1923 بالنسبة لبعضها، و منذ نحو ثلاثة عقود وأكثر من أربعة عقود بالنسبة للبعض الأخر . وقد غابت عن جدول أعمال المهرجان الحالي للكلام المرسل عن الحرية والديمقراطية، وعن المظاهرات والمؤتمرات الزاعقة ضد الاستبداد في حين أن المسكوت عنه والمغيب عن إعمال العقل هو من أهم أعمدة الاستبداد وآليات إعادة إنتاج الأفكار والأوضاع المعادية للحرية والديمقراطية .فمتى تطرح هذه القضايا علي جدول أعمال القوي الديمقراطية أن لم يكن في هذه الفترة التي يعزف فيها الجميع ، وآيا كانت مواقفهم الحقيقة ، لحن الحرية والديمقراطية؟ من هذه القضايا ما يلي : · مصادر التشريع: نص دستور 1971 عند وضعه وإصداره علي أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع. وقد عدل النص لاحقا ليصبح الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع. لذلك كان من المنطقي والطبيعي في ظل وضع اجتماعي متخلف وراكد أن تدخل جماعات الإسلام السياسي افضل فترات نموها. فهي – بهذا النص – الأكثر وفاءا واتساقا من الدولة والقوي السياسية الأخرى مع دستور البلاد ، فالنص لا يطبق بالفعل تطبيقا كاملا ،وهو ما يعطي لهذه الجماعات فرصة إظهار التناقض والاستناد إلى نص الدستور مباشرة في الإيقاع بضحاياهم وتجنيدهم وتوجيههم ضد المجتمع وتكفيره. أما في الواقع الحقيقي فإن المشرع لا يجد في أغلب الأوضاع والحالات وكذلك القاضي أحيانا عندما يبحث في الشريعة ما يطابق أو يوافق أو يشابه الزمن الحالي والواقع المعيش، وهو ما يضطر للجوء إلى مصادر أخرى بديلة محلية أو عالمية. النص إذن غير قابل للتطبيق إلى حد كبير ويعلم من أصدروه هذه الحقيقة قبل إصداره. أما دوره الحقيقي فهو تقييد الفكر وتغييب العقل وتجميد التطور الاجتماعي والسياسي. لذلك من العقل ومصلحة المجتمع إلغائه إطلاقاً لحرية الفكر والبحث التشريعي في قضايا المجتمع في ضوء الواقع الحالي واسترشاداً بالتطور المستهدف ومصالح الشعب التي يتعين أن تصبح هدف كل تشريع ، ولنأخذ في ضوء ذلك من جميع المصادر دون أن نتقيد سلفا بما يكبل تفكيرنا وتطورنا ، ومن هذه المصادر الشريعة الإسلامية فيما لا يزال يتفق مع مصلحة المجتمع وخاصة الأغلبية · الدين والدولة: ينص الدستور الحالي كجميع دساتير مصر السابقة أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام ، وهو أثر باق من عهد الخلافة وعصر ما قبل الدولة الحديثة القائمة علي مفهوم الرابطة أ& |