مسؤول كبير في الـ CIA  :

يروي فظائع العمليات السرية في أنغولا وفيتنام وأمريكا الوسطى (1)

شبكة البصرة

by John Stockwell

ترجمة: نديم علاوي

نص محاضرة قدمت في أكتوبر عام 1987 بعنوان (حروب وكالة المخابرات المركزية السرية).

يصنف جون ستوكويل كأعلى مسؤول في تاريخ وكالة المخابرات المركزية استقال منها وكشف ما لديه من أسرار عن عملياتها السرية. شغل عدة مناصب منها مدير مكتب الوكالة في فيتنام واشرف بنفسه على الحرب السرية في أنغولا في عامي 1975 و1976. حصل على ميدالية Merit قبل استقالته من الوكالة. وفي عام 1987 تصدر كتابه (البحث عن الأعداء) قائمة اكثر الكتب مبيعا في العالم .

الجزء الأول

ثلاثة عشر سنة, هو مجموع السنوات التي قضيتها في المخابرات المركزية الأمريكية, كنت اشغل منصب رئيس إحدى لجان مجلس الأمن القومي الفرعية, جنبا إلى جنب مع هنري كيسنجر وبيل كولبي ( رئيس الوكالة) و GS-18s و ال CIA, وكانت مهمة هؤلاء اتخاذ القرارات الهامة, أما دوري, فكان  ينحصر بالإشراف على تنفيذ ما يتخذ من قرارات, عمل ممتع ما كنت أقوم به, اجلس وأراقب, بهدوء, كيف تشق هذه الخطط السرية طريقها نحو التنفيذ.

قدمت, ولعدة أيام, شهادتي أمام الكونغرس, زودتهم بكل التفاصيل, من المقدمة إلى الخاتمة, بالوقائع والتواريخ, لعلي اثبت بطلان الأكاذيب, كانوا يسألونني إن كانت لنا علاقة بالحرب الدائرة في  جنوب أفريقيا,  في حقيقة الأمر كنا نحن المشرفين الرئيسيين على هذه العملية, لدرجة أن طائراتنا المحملة بالأسلحة من الولايات المتحدة كانت تلتقي طائرات الجنوب أفريقيين في كينشاسا, ومن هناك تنقل أسلحتنا بمساعدتهم إلى أنغولا  لتوزع على عناصرنا المتمركزين هناك.

الذي وجدته بعد دراستي المعمقة لهذه القضية, هو أن الأمر كان أسوء على العالم,  وعلى الولايات المتحدة, لا بل أسوء بما لا يقاس, من مجرد تعلقه بفيتنام وأنغولا. ووجدت أيضا أن لجنة الكنائس التابعة للكونغرس قامت بإعداد دراسة عن عمليات الوكالة السرية أشارت فيها إلى أن الوكالة نفذت الآلاف من العمليات السرية في أفريقيا منذ عام 1961 , وان البداية الحقيقية للعمليات السرية كانت في الواقع قد سبقت ذلك التاريخ بكثير! مما يعني إننا نفذنا مئات العمليات السرية كل عام, وان المخابرات المركزية كانت متورطة هناك مدة 37 سنة!

ما نريد التحدث عنه هذه الليلة يتعلق بالهوس الأمني الذي تعاني منه الولايات المتحدة, سنناقش كيف ولماذا تخدع الولايات المتحدة وسائل الأعلام؟ لماذا تنفق الولايات المتحدة أموالا طائلة في السلفادور وتستعد لغزو نيكاراغوا؟ ونتحدث عن دوافع قلقنا من هذه الأعمال. وسأحاول أن أسلط الضوء كذلك على الجانب الآخر للإرهاب, واعني به الوجه الآخر  للإرهاب الذي يتحدث عنه وزير الخارجية جورج شولتز. سأحدثكم عن الحرب الكورية والحرب الفيتنامية والحرب في أمريكا الوسطى. 

 ما سوف أتحدث عنه في هذه المحاضرة متاح للجميع بطريقة أو أخرى, ومن هنا فهولا يدخل في إطار السرية, وباستطاعة أي شخص منكم الحصول عليه دون الحاجة للقدوم إلى هنا  للاستماع لي إن هو أراد ذلك. ما يدخل ضمن نطاق الموضوع الذي أتحدث عنه الليلة, يستند على : كتب تتضمن معلومات من داخل الوكالة تم رفع السرية عنها عملا  بقانون حرية المعلومات, شهادات أمام الكونغرس, شهادات أمام لجنة الكنائس التابعة للكونغرس, بحوث قام بها طلبة, وشهادات لشهود من مختلف أنحاء العالم حول الموضوع الذي نحن وإياكم بصدده.

 قبل ذلك أود ذكر بعض التفاصيل عن خلفيتي, نشأت في بيئة محافظة في جنوب تكساس, وكنت مهيئا بحكم دراستي في البحرية الأمريكية, ونشأتي العائلية, لتصديق كل ما كانوا يقولونه لنا حول الحرب الباردة, لذا أقبلت على العمل في السي أي أيه, قسم الخدمة الخارجية, باندفاع وحماسة بالغة ...الذهاب إلى الخارج, والمشاركة في الصراع, والتبشير بالقيم الأمريكية وإنقاذ العالم, ونشر ديمقراطيتنا المزعومة, باختصار كنت مؤمنا بتلك الأهداف, فذهبت إلى الخارج وبذلت في سبيل ذلك أقصى ما عندي من جهد.....

فبماذا خرجت من التجربة؟ ما خرجت به في الواقع, بعد ستة سنوات من الخدمة في أفريقيا, كان شعورا بان ما نقوم به هناك لا يمت في حقيقة الأمر بأية صلة تذكر بالأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية. ليس لدينا أية مصالح تتعلق بأمننا القومي في بوجمبارا, أو بوروندي في قلب أفريقيا. وباختصار فأنا لم أر شيئا من هذا القبيل خلال وجودي هناك...

وكان يظهر لي بان كل ما كنا نقوم به هناك كان من أجل القيام بشيء ما لا اكثر, شيء مما يدخل في صلب اختصاصنا, كنا نشتري الناس بالنقود ونخرب ضمائرهم, ولم يكن لذلك أي جامع بأية خدمة نسديها للولايات المتحدة في إي مجال كان. جمعتني الصدفة ذات يوم بلاري ديفلين, ضابط المخابرات الشهير الذي أطاح بباتريس لومومبو وتسبب في قتله في عام 1960 في الكونغو. وكان  في ذلك الأثناء يستعد لتولي مهام قيادة الفرقة الأفريقية التابعة للسي أي أيه. تحدثت معه في أديس أبابا طوال ليلة كاملة وكان يسوق لي التبرير وراء التبرير, قلت له بصراحة : ( سيدي, اعتقد انك تعرف أن ما نقوم به غير صحيح على الإطلاق, فنحن لا نساهم بإنقاذ حياة أي شخص من خطر ما, نحن نشتري الناس بالنقود, وكل الناس تعرف ذلك, أن ما نقوم به لا يتعدى تشويه  صورة أمريكا في عيون العالم...).

فأتاني الرد, جازما, وفي غاية العنجهية: يبدوا انك, سيد جون, تسعى للتطاول بقامتك القصيرة على قامات غيرك من العمالقة, أنت تحاول أن تفكر كما يفكر رؤساؤنا في مجلس الأمن القومي الجالسين في واشنطن و لديهم صورة كاملة عن الأوضاع هنا, ويعرفون ما يجري في العالم من صغيرة وكبيرة, وبحوزتهم جميع المعلومات السرية والتجربة والقدرة على استخدامها . وليكن بعلمك أن هؤلاء عندما يقررون أن أحدا ما يجب أن يكون في بوجمبارا أو بوروندي, وان هذا الشخص هو أنت بالذات, فما عليك إلا تنفيذ أوامرهم, والقيام بواجبك والانتظار حتى تحصل على المزيد من التجربة, حينئذ تستطيع مناقشة مثل هذه الأمور بعد أن تفهم طبعا ماذا يعني الآمن القومي الأمريكي ويكون باستطاعتك  اتخاذ القرارات الهامة والحساسة. والآن ما عليك غير الانصراف إلى عملك والكف عن التفلسف, فهمت؟

أجبته : عفوا سيدي ,أسف على خروجي قليلا عن الخط.. وللتذكير فان رئيسنا كان قد استخدم معنا نفس هذا الأسلوب. الرئيس ريغان استخدم نفس الطريقة مع الشعب الأمريكي حين خاطبهم بالقول : ( لو كنتم تعرفون ما اعرفه أنا عن الأوضاع في أمريكا الوسطى, لتفهمتم حتما أهمية وضرورة أن نتدخل هناك).

عدت بعد ذلك الى واشنطن, فوجدت أن الكثيرين يشاطرونني قلقي وهواجسي, ولا أدل من ذلك, دراسة قامت بها وزارة الخارجية, عممت داخليا,  وكانت مصنفة كوثيقة في غاية السرية تحت اسم  the Macomber [sp?] report. استنتجت الدراسة بان ليس للسي أي أيه أي شيء يمكن أن تقوم به في أفريقيا, ومن ثم فلا مبرر لوجودنا هناك, ناهيك عن أن لا مصالح قومية لنا في أفريقيا تستطيع السي أي أيه القيام بها افضل من سفرائنا هناك. والخلاصة هو أننا ليس بحاجة إلى شراء الناس وتخريب ضمائرهم كأسلوب عمل للقيام بواجباتنا في أفريقيا .

بعد ذلك انتقلت من واشنطن إلى فيتنام, وهناك حدثت انعطافه كبيرة  في حياتي الشخصية والمهنية. حصل ذلك خلال فترة وقف إطلاق النار بين عامي( 1973-1975). عمليا, لم يكن هناك أي وقف لإطلاق النار, كان الشباب الفيتناميون يقتلون بطرق بشعة ووحشية, لقد رأيت المجازر بنفسي, وكنت شاهدا على مقتل 300 شاب فيتنامي تم قتلهم في إحدى الكمائن, قتلوهم ثم أتوا بجثامينهم ورموها خارج المبنى الذي كنت أقيم فيه في تاينين, وبقوا هناك إلى أن جاء ذويهم للتعرف عليهم وأخذهم للدفن.

كنت في ذلك الأثناء اعمل مع قائد شرطة سادي, كانت هوايته الاستمتاع بطعن المحتجزين الفيتناميين بالسكاكين في قسم الحجز التابع للسي أي أيه. وعندما رفعت تقريرا حول ما يجري إلى رؤسائي , كان ردهم:

1 – المباشرة بغلق قسم الحجز دون تأخير.

 2- لا ينوون فصل مدير الشرطة  من الخدمة أو نقله إلى مكان آخر لما لذلك من مضاعفات سياسية كبيرة – حسب قولهم- إضافة إلى انه سبق وان اشترك مع السي أي أيه في بعض العمليات السرية وقدم لها خدمات في غاية الفائدة.

3-  وفي أسوء الاحتمالات – حسب قولهم أيضا-  فان لم تكن لدي الطاقة في تحمل العمل معه فانهم على استعداد لنقلي إلى مكان آخر.

وفي الأخير, لم يفتهم التأكيد, على انه في حالة تقاعسي وقلة اندفاعي في العمل مع رئيس الشرطة (السادي), فان القضية ستتحول إلى نقطة تسجل ضدي وسيكون من المتعذر علي لاحقا الحصول على وظيفة مرموقة  داخل السي أي أيه .

لم يكن لي من خيار سوى البقاء في عملي, نفذت الأوامر بإغلاق قسم الحجز, وأعلمت زملائي بأنني لم اصدق بالأساس على القيام بمثل هذه الممارسات, و بقيت مستمرا في العمل معه لسنتين أخريين متظاهرا بأنني استطعت التأثير عليه وإصلاحه, وبأنه سوف لا يعاود القيام بمثل هذه التصرفات في المستقبل. وكان تصرفي آنذاك لا يختلف بشيء في الواقع عما تقوم به  السي أي أيه ووزارة  الخارجية في التعاون والتنسيق مع فرق الموت في السلفادور في الوقت الحاضر!

ليس سرا أن موظفي السي أي أيه  في سان سلفا دور يلتقون مد راء الشرطة وأعضاء فرق الموت وينسقون معهم , لكنهم بالطبع لا يلتقونهم في الشوارع هناك حيث تقطع أجساد الناس إلى قطع صغيرة أو يمددون على الأرض كي تمر سيارات النقل الضخمة من فوق رؤوسهم, إنما يلتقونهم عند أحواض السباحة بجانب الفيلات المرفهة التي يقطنون فيها, فيالها من علاقة رائعة, علاقة في غاية التحضر, يتناقشون بشؤون أطفالهم الذين يواصلون تعليمهم في UCLA وهارفارد ومدارس أخرى, وقطعا فان آخر ما يدور في أذهانهم هو الفظائع التي ترتكبها فرق الموت كل يوم هناك, بل تجدهم  يتظاهرون وكأن ما يحصل هناك إنما يحصل في كوكب آخر...

مضافا إلى كل ما ذكرته فان الفساد المستشري داخل السي أي أيه  دفعني إلى التحقق بصورة جدية عما يحصل بالفعل وبضمنه ما أقوم به شخصيا, معرضا حياتي للخطر.. وما اكتشفته هو أن السي ا ياي لم تمنحنا نحن الضباط في موقع الحدث صلاحية رفع التقارير حول الفساد المستشري في جيش فيتنام الجنوبي...

كان الفساد في الجيش الفيتنامي المهتريء من العفونة بمكان بحيث كان الضباط على أتم الاستعداد لترك الجنود يذهبون إلى منازلهم مقابل العودة مرة واحدة في الشهر للتوقيع على وصولات استلام رواتبهم كي يستحوذ الضباط في النهاية على هذه الرواتب!

لم يكن الجيش قادرا على القتال, لقد عشنا معهم ورأيناهم, ولا يوجد أدنى شك فيما أقول فالجميع كانوا يتحدثون عن ذلك بالعلن وكان باستطاعتنا تقديم ما يكفي من الأدلة لتقييم ما يجري لو انهم سمحوا لنا بكتابة التقارير. إلى أن جاء شتاء 1975 فتعرض جنوب فيتنام إلى هجوم واسع انهار على إثره كما تنهار زهرية ورد كبيرة هوت عليها ضربة مطرقة عنيفة. فتجرعت الولايات المتحدة حينها اشد إهانة في تاريخها على الإطلاق وانطوت بذلك آخر صفحة من صفحات التدخل المأساوي الطويل في فيتنام.

يتبع ...

شبكة البصرة

 الثلاثاء 8 ربيع الثاني 1426 / 17 آيار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس