مسؤول كبير في الـ  CIA :

 كنا نلفق القصص عن كوبيين يغتصبون فتيات أنغوليات (2)

شبكة البصرة

by John Stockwell

ترجمة: نديم علاوي

عُينت رئيسا للفرقة التي سوف تتولى قيادة الحرب السرية في أنغولا  بين الأعوام ( 1975 -1976 ) ... وفي وقت لاحق سوف انظم إلى اللجنة الفرعية التابعة لمجلس الأمن القومي. هذه الدائرة التي حدثني عنها لاري ديفلين (انظر الجزء الأول لطفا -المترجم-)، والتي لديها فقط الصلاحية – على حد قوله- في الإطلاع على جميع المعلومات التي تتعلق بأنغولا، لا بل العالم كله. وأخيرا سيكون بوسعي - من خلال عملي في هذه اللجنة - أن أتبين ماذا يعني الأمن القومي الأمريكي، دعك عن رغبتي الدفينة في بذل كل جهد ممكن في سبيل ذلك. وهكذا وبعد تجربة شاقة ومريرة بدا لي واضحا ا ن السي أي أيه  ليست بهيئة صادقة أو نزيهة. لكن التساؤل الملح هو إلى أين تغذ حكومة الولايات المتحدة السير في ضوء هذه السياسة؟ هذا ما سوف اكتشفه بنفسي في الحرب السرية الكبيرة القادمة...

كنت متلهفا لمعرفة ما إذا كان حكماؤنا يتخذون قراراتهم الخطيرة استنادا إلى معلومات دقيقة ومحددة حول تهديدات حقيقية لأمننا القومي. لو كان الأمر كذلك لما توانيت لحظة عن رغبتي في مغادرة السي أي أيه، وحيث إنني كنت مقتنعا في داخلي بان نظامنا السياسي وحكومتنا الحقيقة ومنظومة أمننا القومي هو في الواقع شيء يستحق التضحية من اجله لذا وافقت على الانضمام إلى اللجنة دون تردد. ويكفيني القول الآن أن سبب وجودي أمامكم هذه الليلة يرجع في الأساس إلى خيبتي في العثور على أمثال هؤلاء الرجال الحكماء القادرين على اتخاذ ما يتطلب منهم من قرارات صائبة وحكيمة ... ما وجدته، وأقولها بحرقة, كان مجموعة من المسنين البدناء الذين اعتادوا الخلود إلى النوم إثناء جلسات اللجنة المخولة باتخاذ القرارات التي سوف تؤدي إلى قتل الكثير من الأبرياء في أفريقيا! وأخص بالذكر منهم  كبير السفراء Ed Mulcahy  الذي كان نائما طيلة جلسات اللجنة تقريبا.

الحقيقة الساطعة هو أن الولايات المتحدة كانت تسعى في كل خطوة تخطوها نحو تصعيد القتال بين الأطراف المتصارعة في أنغولا وفي ذات الوقت كنا نلقي باللوم على السوفيت والكوبيين ونتهمهم بالوقوف وراء ذلك التصعيد. ولو لم نكن نحن البادئين في الذهاب إلى الحرب لما كانت هناك حرب أساسا. كنا السباقين في إرسال أسلحة إلى هناك مما اضطر السوفيت لفعل الشيء نفسه، أرسلنا خبراء عسكريين فكانوا مضطرين لفعل الشيء نفسه أيضا, وضعنا هناك وحدات عسكرية خاصة من زائير وجنوب أفريقيا فأجابونا بوضع وحدات كوبية وأزاحونا، أزاحونا لأننا كنا نكذب، كنا نبرر جميع أفعالنا بالأكاذيب بينما كان السوفيت لا يقولون غير الحقيقة. ولم تكن تلك بحرب كان باستطاعتنا القتال فيها، لم تكن لنا مصالح هناك كي نذهب للدفاع عنها بهذه الطريقة.

لم نقم بأية دراسة لتقييم الحركات الثلاثة المتصارعة في أنغولا ( مبلا, فنلا, يونيتا) كي يتسنى لنا أن نقرر من هي الأفضل. نائب وزير الخارجية للشؤون الأفريقية ناتنتيال دافيس- وان لم يكن ليبراليا حقيقيا- ( كان معروفا في بعض الأوساط باسم جزار سانتياغو) نصح بالابتعاد عن الصراع الدائر هناك والتعاون فيما بعد مع من يخرج منتصرا منه. والواضح أن ذلك الطرف هو مبلا. وكان رأي قنصلنا في لواندا توم كيلوران مشابها لهذا الرأي فقد كان مقتنعا تماما من ان مبلا كانت اكثر التنظيمات حظا في استلام السلطة وقيادة البلاد وأيضا أكثرها قربا من الولايات المتحدة.

ما فعلناه هو إننا أزحنا هؤلاء الأشخاص من طريقنا، وأجبرنا مات دافيس على الاستقالة وواصلنا حربنا. حركة مبلا أبدت من جانبها استعدادها  لبناء علاقات صداقة معنا ورجونا بعدم محاربتهم والدفع بهم عنوة للارتماء في أحضان الاتحاد السوفيتي، لكن موقفنا لم يتغير واتهمناهم بالسعي لتحقيق انتصار سهل بالعمل على إزاحتنا من طريقهم وأصررنا على أن لا نمنحهم مثل هذا الانتصار الرخيص والسهل! وقررنا أن نجعله نصر شاق ومكلف وهذا ما فعلناه. وكانت النتيجة مقتل 10,000 أفريقي في صراع كنا نعرف أن مبلا ستخرج منه منتصرة في جميع الأحوال!

أما الآن, فان ابلغ شيء استخلصته من كل ذلك: هواننا مارسنا لعبة الكذب بامتياز. وقد شملت لعبة الكذب تلك جميع من اشتركوا في تلك العملية دون استثناء. ولا أدل من ذلك أن ثلث الفيلق الذي أشرفت على إعداده في واشنطن والذي سوف يقود لاحقا عملية التدخل في أنغولا ويخوض حربا إعلامية ضروس على امتداد العالم بهدف لفت الأنظار إلى ما يجري في أنغولا، أن ثلث هذا الفيلق كانوا ببساطة من الخبراء المتخصصين في شؤون الأعلام والدعاية (البروبغاندا) وكانت مهمتهم في الواقع قلب الوقائع وتلفيق القصص بأي طريقة كانت  في الأعلام الأمريكي والعالمي عن الكوبيين الذين يغتصبون النساء الأنغوليات مثلا والسوفيت الذين يؤججون الصراع عن طريق تزويد الحركات المتنافسة بالسلاح  خدمة لأغراضهم الدفينة بالسيطرة على العالم وما إلى ذك من الأكاذيب.

سفيرنا في الأمم المتحدة باتريك موينيهان كان يدلي بالتصريحات المتتالية حول موقفنا في مجلس الأمن والجمعية العمومية وخلال المؤتمرات الصحفية محملا السوفيت والكوبيين دائما مسؤولية النزاع في أنغولا ولافتا الأنظار في كل مرة إلى أننا غير معنيين بما يجري هناك دون نسيان التعبير عن أسف حكومة الولايات المتحدة لعدم الاحتكام إلى الطرق السلمية في حل النزاعات! أقول لكم هنا - على مسئوليتي - بان جميع البيانات والتصريحات التي كان يدلي بها كانت ملفقة جملة وتفصيلا وأنها – تلك البيانات- كانت تصاغ في اللجنة التابعة لمجلس الأمن القومي التي كنت أنا رئيسها. الأمر نفسه ينطبق على الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الذي كان يملي تلك البيانات على وسائل الأعلام يوميا. كنا نحن من يكتب لهم تلك البيانات التي لا تتجاوز عادة أربعة فقرات. كنا نتصل به بالتلفون ونقول له: اتصل بنا قبل عشرة دقائق من ظهورك أمام وسائل الأعلام وذلك تحسبا لحدوث أي تطور مفاجئ على الأوضاع وسنخبرك بأي بروبغاندا مناسبة يمكن أن تتحدث. علما بان كل ما تتضمنه تلك الفقرات الأربعة كان مزيفا ولا يمت للحقيقة بأي صلة بل تمت صياغته لغرض التأثير على سير الأحداث والغرض من ذلك هو خلق الانطباع بوجود عدوان سوفيتي- كوبي تتعرض له أنغولا. والحقيقة هي انهم لم  يقوموا بشيء أكثر من الرد على تصرفاتنا فقد  كنا نحن البادئين الأولين بالتدخل.

وكان رئيس وكالة المخابرات المركزية السي أي أيه ملزما بمقتضى القانون بإخطار الكونغرس بما يجري. لكن هذا الرئيس بيل كولبي (نفس الشخص الذي دفن جنودنا في فيتنام) قدم 36 شهادة للكونغرس واللجان المشرفة حول ما كنا نفعله في أنغولا وكان كاذبا في جميع شهاداته الستة والثلاثين وكان بذلك قد حنث بالقسم وكما تعلمون فان الكذب على الكونغرس يندرج في خانة الجريمة الجنائية التي يحاسب عليها القانون!.

لقد كذب بخصوص علاقتنا بجنوب أفريقيا، فقد كنا نتعاون بصورة وثيقة مع جيش جنوب أفريقيا، كنا نزودهم بالأسلحة ووقود الدبابات والعربات العسكرية وننسق للمعارك سوية بينما أنكر هو أمام الكونغرس أية علاقة تربطنا بهم !. كان أعضاء الكونغرس قلقين جدا من وجود مرتزقة بيض يحاربون في أنغولا، تأجير أشخاص بيض وإرسالهم إلى دولة أفريقية سوداء للقتال عوضا عنك من اجل فرض أرادتك على الأفارقة السود عن طريق قتلهم والانتقام منهم، كان الكونغرس قلقا جدا من احتمال تورطنا بهذه القضية الحساسة وكان كولبي يؤكد لهم بان ليس لنا أي علاقة بهذه القضية بينما في الحقيقة كان لدينا ثلاثة وحدات من المرتزقة في أنغولا تقاتل نيابة عن السي أي أيه وان كل ما قاله كولبي هو كذب بكذب. سألوه إن كنا نساعد أحدا بالسلاح  فنفى ذلك، وكان يكذب. سألوه إن كان لنا عناصر داخل البلاد فأجاب بالنفي، وكان لنا في الحقيقة عناصرنا التي تدخل وتخرج بغرض تقييم الأوضاع عدا أن لدينا خلية نائمة داخل أنغولا تتكون من 24 شخصا تتلخص مهمتهم بتدريب المتمردين على استخدام الأسلحة والأشراف على شبكة الاتصالات والتخطيط  للمعارك بينما ينفي هو وجود أي شخص لنا في أنغولا!.

وباختصار, فلو لم نتدخل في النزاع في أنغولا لما سقط 10,000 من الضحايا, ولربما أمكن حل النزاع بطريقة سلمية أو بأقل مما سال من دماء على الأقل. كانت مبلا قاب قوسين أو أدني من كسب الحرب عندما قررنا التدخل هناك، واستمروا وانتصروا في النهاية، هذا النصر الذي كان – حسب رأي قنصلنا في انغولا- من افضل الحلول الممكنة لمشاكل البلاد...

وفي النتيجة خرج الكوبيون منتصرين في أنغولا وتحولوا في عيون العالم إلى إبطال أنقذوا الشعب الأنغولي من براثن السي أي أيه وقوات جنوب أفريقيا. وكانت حصتنا أن عرف العالم بأجمعه حقيقة تحالفنا الأحمق واللا قانوني مع جيش جنوب أفريقيا. لقد استأجرنا مرتزقة بيض تحولوا في المحصلة النهائية إلى جزء منا مثلما نحن جزء منهم، وهذا أيضا تصرف أحمق وغير قانوني، وأصبحت أكاذيبنا مادة للتندر بعد أن ضُبطنا متلبسين بها وأضحى العالم ينظر إلينا على إننا دولة كاذبة.

وبعد أن انتهى كل شيء، عليك أن تسال نفسك هل كنا محقين في تصرفاتنا؟ وما الذي فعلته حركة مبلا بعد انتصارها؟ هل كذبوا عندما قالوا انهم يرغبون بصداقتنا؟

بعد ثلاثة أسابيع من إزاحتنا تمكنت أنغولا من إعادة ضخ النفط من أبارها وكان ذلك بمساعدة الخبراء والمهندسين الأمريكيين وتحت حماية كاملة من الجنود الكوبيين، أي حماية هؤلاء الخبراء من مرتزقة السي أي أيه الذين كانوا ما زالوا يتسكعون في شمال أنغولا! فمن الكاذب إذن؟

 

يتبع...

شبكة البصرة

السبت 19 ربيع الثاني 1426 / 28 آيار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس