|
شهادات حول السياسة الامريكية نحو الآمة العربية: الديمقراطية, الحريات, التنمية. أم المصالح, وأمن الكيان الصهيوني!؟ شبكة البصرة علي نافذ المرعبي - باريس تواصل الولايات المتحدة, منذ سنوات تحركاً مكثفاً ومحموماً نحو الأمة العربية, في محاولات متتالية لتطبيق سياساتها وأهدافها التي تنطلق من منظور محدد وواضح يرتكز على مصالحها الوطنية وأمن الكيان الصهيوني. غير عابئة بالشعارات البراقة التي تتحدث بها, مثل الديمقراطية والحريات والتنمية.. وقبل مناقشة هذه السياسة الامريكية اود أن أضع امام القارئ شواهد وشهادات للكيفية التي تتعامل بها:
أخبرني أحد السفراء السودانيين, بأن القيادة العراقية اتصلت أواخر الثمانينات بالرئيس عمر البشير وعرضت عليه مشروع زراعي طموح لإستصلاح عشرات آلالاف الهكتارات من الأراضي الزراعية السودانية الغنية لضمان الأمن الغذائي العربي (السودان سلة الغذاء العربي), وإقترحت ان يتم جلب مليوني عامل زراعي مصري, والعراق يأخذ على عاتقه التمويل المالي. وهذا المشروع يحقق: الاستفادة من الأراضي الزراعية السودانية المهملة, نتيجة استنزاف الموارد المالية السودانية بالحرب التي يشنها متمردو الجنوب, وتشغيل يد عاملة مصرية كبيرة, التي تعاني من قلة العمل رغم امتلاك الفلاحين المصريين للخبرة الزراعية المهمة. أعجبت القيادة السودانية بالفكرة وطلبت مهلة من الوقت لترتيب الأمور مع القيادة المصرية, حيث طلب حسني مبارك من البشير مهلة من الوقت لإعطاء الجواب, ولما إنقضت أياماً طويلة بدون جواب, عاودت القيادة السودانية الاتصال بمصر حيث سمعت من حسني مبارك جواباً مختصراً: الامريكيون مش عايزين؟!
قبل سنوات وفي أمسية عائلية في منزل الصديق والمعارض الليبي منصور الكيخيا في ضواحي باريس (الذي اختطف في القاهرة واختفت اثاره ومصيره) حدثني عن تجربته مع السياسة الامريكية سواء عندما كان ممثلاً لليبيا في الأمم المتحدة أو وزيراً لخارجيتها, ثم لاحقاً معارضاً للنظام الليبي فقال: الامريكيين لايريدون أي ديمقراطية في الوطن العربي, لأنها تتعارض مع مصالحهم. إنهم يريدون أنظمة موالية لهم, ويريدون معارضة موالية لهم أيضاً, وأوضح أبو رشيد: لقد رفضت بأستمرار أقامة أي علاقة مع الامريكيين, ليس لأنني ضد الامريكيين ولكني ضد السياسة الامريكية التي كانوا يريدون منا ان نكون مثل بيادق الشطرنج. لقد عرضوا علينا المال والسلاح والدعم السياسي وقد رفضت كل ذلك وقلت لهم: إنني معارض من أجل مستقبل بلدي واولادي. وعندما تريدون وضعنا بالاختيار بين الولاء لكم أو للنظام الليبي, فأنني لن اتردد بالاختيار وهو لن يكون لكم بالتأكيد؟!
أما المرحوم الفقيه البصري المعارض المغربي الشهير, فإنه عندما زارني السنة الماضية في مكتبي بباريس (قبيل وفاته وبعد احتلال العراق) ورأى صورة الرئيس صدام حسين (الذي كان قد وقع بالأسر) معلقة على الحائط أمام مكتبي فأنه نظر ملياً نحو الصورة وقال لي: هذا خير رجال هذه الأمة. لقد كانت زيارته لي من أجل مشروع إصدار مجلة عربية تدافع عن الحق العربي خاصة في العراق وفلسطين وتواجه السياسة الامريكية التي قال عنها: الامريكيون يريدون تحويل الوطن العربي إلى سجن كبير, والشعب العربي إلى عبيد لخدمة مصالحهم وأمن الكيان الصهيوني. إنهم يمدون يد الدعم للأنظمة العربية الغارقة بالرجعية والتخلف والقمع. فأي ديمقراطية هذه التي يصدعون رؤوسنا بها ليل نهار؟!!
مسؤول بارز وكبير في الأمم المتحدة لاأريد تسميته, تحدث بأسهاب وبشكل دقيق عن السياسة الامريكية نحو الوطن العربي. واصفاً إياها بالسياسة الآنية أو القصيرة النظر, وأنها سياسة سريعة التخلص من "حلفائها" عندما تستنفد أغراضها منهم. وأوضح: إن السياسة الامريكية هي إستعمارية بالعمق. ولكنها مثل العاهرات تستعمل "التجميل" من أجل الترويج لسلعتها, و"الماكياج" لأخفاء عيوبها. وحدثني بأسهاب عن تجاربه في الأمم المتحدة مع السياسة الامريكية واعطائي أمثلة امتدت من فيتنام حتى العراق, مروراً بالاتحاد السوفياتي ويوغسلافيا ودول امريكا اللاتينية وفلسطين. وتوقف طويلاً عند العراق واصفاً ماجرى لهذا البلد الضحية, بأنه فاق كل التصور وتجاوزوا كافة المحظورات وخاصة حربي عام 1991 و 2003 ومرحلة القتل الجماعي بما سمي الحصار والحظر. وان هذا التجاوز لم يكن ليتم لولا تآمر دول الجوار العراقي, وكون النظام السياسي في العراق شكل تحدياً جدياً وفاعلاً للسياسة الامريكية!!
أحد الوسطاء الدوليين, الذي طلبت منه الإدارة الامريكية إيجاد قناة اتصال مع البعث والمقاومة العراقية تحدث مطولاً عن الكيفية التي تتعامل بها هذه الإدارة مع القضايا العربية فقال: يريدون فعلاً إيجاد حلولاً لمشاكل المنطقة ولكنها – أي الحلول – يجب دائماً ان تكون على حساب الأمة العربية. فالمشكلة الفلسطينية يريدون تسويتها ولكن لصالح الكيان الصهيوني وعلى حساب الانتقاص القاسي لحقوق الشعب الفلسطيني. مشكلة جنوب السودان يريدون ان تكون حلولها على حساب السيادة الوطنية السودانية, وإلا بماذا يمكن ان نفسر التسوية المجحفة التي تم فرضها على السودان؟! أما العراق فيجب ان يتم غزوه وتدميره وتقتيل ابنائه واسقاط النظام الوطني, لأن هذا البلد تجرأ ورفض السياسة الامريكية – الصهيونية وحاول بناء دولة متقدمة ومتطورة وحضارية. وعليكم كعرب ان ترضخوا لهذه السياسة وإلا فالويل والثبور...
من هذا الشهادات نستطيع ان نلاحظ ان الادارة الامريكية لم تراع في يوم من الأيام. أي من الحقوق العربية, بل أنها مارست التضليل والكذب الصريح لتبرير وتسويق سياستها, وإستعملت كافة الأساليب القذرة لترويض الشعب العربي وحمله على قبول الأمر الواقع.
ان الواقعية, التي طالما ما تتحدث بها الإدارة الامريكية, ليست في الحقيقة سوى هرقطة لمنع قيام أي حالة عربية تعمل لصالح الأمة العربية. فتحت هذا المسمى يجب علينا ان نقبل بالكيان الصهيوني وان يتم التطبيع معه وليذهب الشعب الفلسطيني إلى الجحيم. وعلينا ان نقبل بإحتلالهم للعراق وان نستقبل قواتهم بالارز والورود. وعلينا ان نقبل بتقسيم السودان..وعلينا... وعلينا...
ونحن, أيضاً, بأسم الواقعية نقول لهذه الإدارة المجرمة: ان عودة فلسطين لأهلها ينسجم مع الواقعية. وان رفع يدكم عن السودان لايخرج عن الواقعية بشئ. وان قمة الواقعية هي خروج قواتكم من أرض العراق وتحمل المسؤولية القانونية والإخلاقية عن كافة الجرائم التي ارتكبت في هذا البلد.
أما الديمقراطية التي بشرتم بها فقد رأيناها بأم العين: عشرات الآلاف من الشهداء العراقيين الذين سقطوا بفعل الآلة العسكرية الامريكية الديمقراطية. تعذيب السجناء وإمتهان كرامتهم وشرفهم بأساليب ديمقراطية بائسة. تدمير العراق العظيم بصواريخ ديمقراطية وبمدافع حقوق الإنسان وبغارات جوية حضارية.
الواقعية والديمقراطية الامريكية تخلت عن ثوب الحياء, وظهرت عارية بوجهها القبيح. وإننا – كعرب – لانستطيع إلا أن نقول: تباً لكم, وللواقعية وللديمقراطية التي تتشدقون بها!! |
|
شبكة البصرة |
|
السبت 19 ربيع الثاني 1426 / 28 آيار 2005 |
|
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس |