مسرحية نقل السيادة ... والعبرة في الميدان!

مهزلة إعلامية إسمها نقل السيادة وبريمر طار فورا ليراجع مصحا نفسيا يشفيه من الكوابيس!!

شبكة البصرة

د. أيمن الهاشمي

            قبل موعدها المقرر بيومين أقامت (سلطة الأئتلاف المؤقتة) المنحلة برئاسة السفير بول بريمر وبمشاركة أركان دولة العراق (المؤقتة)  الياور ورئيس الحكومة أياد علاوي وباقي أعضاء السلطة الأنتقالية، حفلا دعائيا إعلاميا في قاعة صغيرة بقصر المؤتمرات، وبحضور عدد قليل من المسؤولين ليتجاوز العشرة!!!، وحضور محدود لكاميرات منتخبة من وسائل الأعلام، تضمن تسليم (وثيقة مكتوبة لنقل السيادة) وإلقاء كلمات سريعة، ويبدو أن الظرف الأمني القاهر وتحدياته وأعمال المقاومة الوطنية العراقية المتصاعدة وتهديداتها،  والتي هي تحديات أكبر من قدرات المحتلين والعملاء على إحتوائها، هي التي عجلت في (فرحة إحتفالية) نقل السيادة، وكان السفير بول بريمر أكثر الفرحين إذ ماصدق أن طار خلال ساعة واحدة من الحفل الأعلامي بإتجاه بلده ليهنأ بنوم رغيد حرم منه على مدى عام وشهرين! بدلا من أن ينتظر ليشارك العراقيين (فرحتهم العارمة) بالتحرر من الإحتلال وبنقل السيادة المزعوم!!

        بعد عام وشهرين من الأحتلال البغيض وسلب إرادة العراقيين والتحكم في مصائرهم وثرواتهم، والتخبط في القرارات البريمرية المرتجلة، حتى قيل أن بريمر قضى نصف مدته يصدر قرارات خاطئة والنصف الآخر أمضاه في محاولة ترقيع وتصحيح تلك القرارات، ولعل أسوأها وأخطرها قراري حل الجيش والأجهزة الأمنية وقرار الأجتثاث الشوفيني سيء الصيت!.    فإن هناك جهات نظر  تنظر للأمر وتقيسه ليس من باب الدعاية والحفل التزويقي الإعلامي الفج بل تنظر بعين واقعية الى ما موجود في أرض الميدان، فالإحتلال باق بإعتراف جورج بوش الذي قال إن قواته باقية في العراق مادامت هناك حاجة إليها ومادامت لم تنجز مهامها، ولا أحد يعرف متى سوف تنجز مهامها ومن الذي يحدد هذا الأنجاز؟ وثمة أمر آخر هو قرار مجلس الأمن الأخير الذي (شرعن) الأحتلال بصورة أخرى، ووضع قيودا على أهم 3 أمور سيادية عراقية وهي :

*قدرة الحكومة العراقية وحريتها التامة في التصرف بثروات العراق لإدارة شؤون البلاد وإعادة تسيير دفة الأقتصاد العراقي والتصرف بالعوائد البترولية.

*قدرة الحكومة في السيطرة على مقاليد الأمور الأمنية وحرية التصرف في إتخاذ الأجراءات اللازمة في جميع أنحاء العراق دون تدخل من القوات الامريكية التي مازالت تتحرك بدورياتها وطائراتها وعجلاتها وتقوم بالمداهمات والأعتقالات في كل بقعة من العراق.

*والأمر الآخر هو كون (قوات الجيش العراقي) الجديد مرتبطة من حيث الحركات والأوامر بالقوات متعددة الجنسية التي ترأسها وتديرها الولايات المتحدة الأمريكية.

*يضاف لذلك موضوع آخر حساس وهو بقاء المستشارين الأمريكان في الوزارات والدوائر العراقية المهمة كافة، وعددهم يصل بحدود 200 مستشار، أما الأدعاء بكون أن دورهم لن يتجاوز حدود تقديم (المشورة!) عند الحاجة فهو ضحك على الذقون إذ لا يمرر أي أمر وزاري في أي وزارة عراقية مالم يقترن بتوقيع (مستشار الوزارة الأمريكي)!!.

أن الميدان سيكون هو المحك ويثبت للعراقيين قصور الحكومة العراقية المؤقتة  المشكلة من المحتلين ولتثبت (إمتلاكها) الفعلي للسيادة التي تم الأحتفال بنقلها (في غياب الشعب العراقي صاحب المصلحة)... وكان يفترض إذا كان الأمر هو نقل سيادة حقيقي أن تجري إحتفالات كبيرة تماثل إحتفال كل بلد إنتقلت فيه الأمور من (الأحتلال) إلى (السيادة) أو بالأحرى عيدا للأستقلال والجلاء... لكن تغييب الشعب من الأحتفال حكمته بالتأكيد الظروف الأمنية القاهرة التي تشكل التهديد الأكبر للحكومة الجديدة، إن معاناة العراقيين الأولى ومطلبهم الأساس هو الأمن... ثم الامن... ثم الأمن... ثم الخدمات الأخرى كالكهرباء والماء والقضاء على البطالة ومن ثم إجراء الأنتخابات الحرة النزيهة، وهي كلها تبدو مهمات يسيرة أمام المهمة الأعقد والأصعب مهمة إعادة بسط الأمن والنظام الذي يشكل القاعدة الأساسية للبناء والتنمية والسيادة الحقيقية. وتحقيق الأمن لا يتحقق إلا في ظل زوال الأحتلال وتوفر إرادة وطنية شاملة على ترسيخ دعائم ثوابت الأمن العراقي وهي المصالحة والمصارحة الوطنية، والأنفتاح على كل القوى العراقية الوطنية دون مزايدة على أحد أو مصادرة وطنيته من أي جهة كانت، والسماح لكل القوى بدخول معترك العمل السياسي دون مصادرة أو إجتثاث، والصندوق الأنتخابي الحر لن يكون حرا كما يزعمون في ظل هيمنة ميليشيات الأحزاب العميلة التي دخلت العراق مع قوات الغزو الغاشم وباتت تعيث الأمن فسادا وتخريبا، فلا إنتخابات حرة نزيهة في ظل وجود الميليشيات المسلحة

إن مهزلة (نقل السيادة) مسرحية بانت معالمها وفشل إخراجها ولعلها تذكرنا بالزيارة الخائبة لبوش الى مطار بغداد خلسة، وليهنأ بول بريمر بنوم عميق بعد عام وشهرين من (الفزات) و (القلق) و (الخوف)  و (الكوابيس الليلية والنهارية) وليراجع طبيبا نفسيا يعالجه من(الصدمات) و (الفزات)  و (الكوابيس) التي أصابته بفعل المقاومة العراقية، والتي لن يهدأ لها بال حتى طرد الغزاة والقصاص من أعوانهم وذلك يوم قريب وقريب جدا بإذن الله وهمة العراقيين الغيارى.

للاطلاع على مقالات الدكتور أيمن الهاشمي

شبكة البصرة

الاثنين 10 جماد الاول 1425 / 28 حزيران 2004