عاهر ضمير اسمه جاك شيراك

شبكة البصرة

صلاح المختار

        ثمة سؤال قديم جديد يتردد منذ زمن طويل وهو هل يوجد فرق جوهري بين الموقف الفرنسي والموقف الامريكي تجاه القضايا العربية ، وبالاخص فلسطين والعراق؟ اذا تجاوزنا ماهو متفق عليه وهو ان ثمة خلاف موجود ، فيجب عدم التوقف عند هذا الحد ، بل يجب ان نحدد ماهو هذا الفرق ؟ هل هو جوهري ؟ ام انه ثانوي نابع اساسا من تنافس استعماري قديم بين الطرفين ؟ قبل الاجابة ينبغي ان نشير الى المواقف الفرنسية وطبيعتها تجاه العراق وفلسطين ، وهما اهم قضايا العرب المصيرية . فرنسا من بين اهم من دعم الكيان الصهيوني ، سواء بالاعتراف بما هوغير شرعي او بدعم اسرائيل عسكريا بصورة حاسمة ، ولنختصر الطريق يجب ان نذكر بان  مقاتلات الميراج الفرنسية احرقت اجساد الجنود العرب قبل الفانتوم الامريكية ، وهو ما ادى الى احتلال سيناء والجولان والضفة الغربية . في هذا الموضوع الفرق بين امريكا وفرنسا درجي وليس نوعي . اما اذا تذكرنا ماساة الشعب العربي الجزائري ، والذي قتلت فرنسا منه مليون ونصف المليون اثناء استعماره ونهبه ، فاننا سنلاحظ ان فرنسا اقدم  عداء للهوية العربية من امريكا لانها حاولت تذويب الهوية العربية للجزائر بالاساليب الفاشية الدموية المعروفة .

        اما الموقف من العراق فهو انموذج صارخ للروح الاستعمارية المتجذرة في فرنسا ، فبعد ان خسرت فرنسا مستعمراتها ودفن الاستعمار اخذت تتظاهر بانها تختلف عن امريكا ، بعد ان برزت الاخيرة كقوة امبريالية تقود الغرب ، وتدعي (اي فرنسا) انها تدعم حرية الشعوب ونضالها من اجل الاستقلال ، وعلى هذا الاساس نشأت علاقات (وطيدة) بين العراق وفرنسا في السعينيات ، حينما كان العراق يضع الاسس لمشروع النهضة القومية العربية ، ورحب العراق بذلك التوجه الفرنسي ، لانه كان يريد موازنة علاقاته الستراتيجية مع الاتحاد السوفيتي ، وولدت الصداقة (الخاصة) بين العراق وفرنسا ، والتي انجبت وليدا (شرعيا) هو ما وصف عالميا وقتها ب(الصداقة الخاصة) بين الرئيس صدام حسين وشيراك والتي وصلت حدا من القوة جعلها محط انظار كل قادة العالم ! وفي هذا الاطار يجب ان نشير الى ان الرئيس صدام حسين كان يريد ان يساهم بفعالية في بروز قطب دولي لا يستطيع فقط ممارسة سياسة مستقلة عن امريكا بل ايضا ينجح في خلق كتلة دولية لها حلفاء كثيرون ، تقودها فرنسا وهي كتلة البحر المتوسط شمالا وجنوبا ، اي ان صدام حسين اراد ان يوظف الطاقات العربية لخدمة هدف تحجيم الدور الامريكي لصالح دور فرنسي قوي وفعال يحقق العرب من خلاله نوع من المكاسب الستراتيجية ، فالعلاقة مع فرنسا والقوة المتوسطية التي تدعمها ، اذا اضيفت للعلاقات الستراتيجية مع الاتحاد السوفيتي، ستسهم في توفير فرص قوية للعرب كي يحققوا بعضا من طموحاتهم المشروعة في التنمية المستقلة وحيازة تكنولوجيا متقدمة وتقليل التاثير الامريكي ...الخ .

        وسأذكر هنا مثالين يؤكدان ان صدام حسين وشيراك قد ارتبطا بعلاقات خاصة ، المثال الاول هو طلب شيراك من صدام حسين ، حينما كان الاخير يتاهب للمغادرة الى فرنسا في زيارة رسمية  في السبعينيات، وكان انذاك نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة ، ان يجلب معه السمك المسكوف ، الاكلة العراقية الاشهر والتي ذاقها شيراك عند زيارته للعراق ، فما كان من (النائب) صدام الا ان ياخذ معه فريق من محترفي صنع المسكوف وحطبهم معه في الطائرة الخاصة الى باريس لاعداد الاكلة هناك  ! اما المثال الاخر فهو ما فعله شيراك مع وفد عراقي عالي المستوى ، زار باريس في عام 1988 ، وكان انذاك رئيسا لبلدية باريس ، فقبل ان يتعرف على اعضاء الوفد ، وحينما كان الدكتور عبدالرزاق الهاشمي ، سفير العراق في فرنسا ، يقدمهم اليه ، كان اول ما فعله هو السؤال التالي : طماني كيف صحة عدي ؟ واصيب الوفد بالدهشة التامة لسببين ، الاول هو عدم اكمال مصافحة الوفد وتقديم الاستفسار عن صحة المرحوم عدي على ذلك ، والثاني هو جهل الوفد العالي المستوى قصة عدي التي تحدث عنها شيراك باهتمام استثنائي ! وعندما سئل الهاشمي  ما قصة عدي يادكتور ؟ اجاب : لقد كسرت رجل عدي اثناء لعبه كرة القدم فقدم الى فرنسا للعلاج وعاد الى بغداد ! هكذا كانت علاقة شيراك بصدام حسين  ، ومع ذلك رايناه اسوأ من بوش في حقده على العراق والرئيس صدام حسين ، فحينما تعرض عدي لمحاولة الاغتيال وكانت حياته في خطر شديد ولم يكن الطب في العراق قادرا على معالجته بسبب الحصار ، وقيل ان الطب في فرنسا يمكنه انقاذه ونشر خبر بهذا المعنى، بادر شيراك وقبل اي طلب من العراق ، بالاعلان عن رفضه علاج عدي في فرنسا ؟ واذا اخذنا بنظر الاعتبار حقيقة ان الدول المتحاربة تعالج جرحى العدو يتضح لنا عمق الحقد الذي يحتضنه شيراك في قلبه على العراق !

        اماعلى المستوى السياسي فان فرنسا كانت وما زالت تتبنى موقفا من العراق لايختلف من حيث الجوهر عن الموقفين البريطاني والامريكي ، ويكفي هنا ان نشير الى المشروع الذي اطلق عليه اسم (العقوبات الذكية) والذي ارادت امريكا فرضه كبديل عن العقوبات (الغبية) في عام 1998 لتضليل الراي العام بفكرة ان العقوبات  الشنيعة التاثير قد انتهت وان البديل هو مجرد قيود على التسلح العراقي وليس على الشعب العراقي ، هذا المشروع هو في جوهره مقترح فرنسي قدم للحكومة العراقية باسم (الشفافية المالية) ، وكان يدعو الى تغيير شكل العقوبات بتسليم موارد النفط الى الحكومة العراقية بدل الامم المتحدة ، حسب القرار687 ، ولكن مقابل ذلك على الحكومة العراقية الخضوع لاشراف لجان دولية تدقق مصروفات العراق فلسا فلسا !!! بتعبير اخر على العراق ان يقبل بالخضوع لنظام رقابة مالية تحرمه من ابسط مقومات السيادة ، ولذلك وصف العراق المشروع ، وهو يرفضه ، بانه اسوأ من القرار 687 السيئ الصيت  لانه يضع العراق تحت الوصاية الدولية وكانه قاصر! البديل الفرنسي كان اكثر تشددا من الاصل الامريكي البريطاني ! اما معارضة الحرب فهي لم تكن سوى غطاء للتواطؤ الفرنسي في تدمير العراق ولتجنب غضب الراي العام ، بدليل ان فرنسا قد اهملت اعتراضها على الحرب وهاهي تؤيد امريكا في خطواتها الاساسية بلا تردد !

        لماذا نقول ذلك الان ؟ ببساطة لان شيراك قد اوصل ممارسته لعهر الضمير حد خرق القانون الدولي ، تماما كبوش ، مع ان اوربا هي التي وضعته ، ففي مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء الايطالي ،دعا شيراك ما اسماه (القضاء العراقي) لمواصلة عمله في محاكمة الرئيس العراقي وقال (لندع القضاء العراقي يواصل عمله) مع انه يعرف تماما ان القضاء العراقي مجمد منذ الغزو ، وان المحاكمة مجرد وسيلة امريكية بريطانية لاعدام الرئيس صدام حسين ! ومن المفارقات المدهشة التي تؤكد ان الغرب الاستعماري كله وليس امريكا فقط ، قد تخلى عن اي احترام للشعوب الاخرى وحريتها وكرامتها ، ملاحظة ان هيئات حقوق الانسان الاوربية والمراجع القانونية الغربية قد اجمعت على لا قانونية محاكمة الرئيس صدام حسين ومع ذلك يقدم شيراك (كارت بلانش) لاعدام الرئيس العراقي !!!

        الغرب الاستعماري ارتد بقوة وزخم عظيمين الى مرحلة الاستعمار التقليدي وداس باحذيته كل القوانين الدولية التي وضعها انذاك خدمة لاغراضه ، والان وبعد ان اصبحت تعيق خطواته الاستعمارية تخلى عنها ، وهنا ، وعند هذه النقطة بالذات، نجد فرنسا تطلق عواء الذئاب في ليلة استدار فيها القمر، تماما مثل بريطانية وامريكا ، وهي تدعو لولائم مترفة طعامها شواء لحم العرب ! اذن اين الفرق بين فرنسا وامريكا ؟ انه فرق متسابقين من اجل النهب وابادة الشعوب التي تقاوم النهب كشعب العراق !هل هذا يعني كشف الاوراق الاستعمارية للغرب ؟ نعم ولكن يجب ان نضيف انه ، وقبل ذلك ، تاكيد للطبيعة الوحشية للغرب والذي لاتتعدى (حضاريته) الثياب الانيقة التي يرتديها ممثلوه ، سواء في (هولي وود) في لوس انجلوس او(كان) في فرنسا ، الكل حيوانات مفترسة لم يشهد التاريخ مثيلا لها في الوحشية وغياب الضمير الانساني ، ولا نقول تجميد الضمير لانه غير موجود اصلا .

شبكة البصرة

السبت 15 جماد الاول 1425 / 3 تموز 2004